Masukعندما أغلق مالك الباب خلفه ارتجّت الغرفة لحظة، وكأن الصمت الذي خلفه كان أكبر من مجرد غياب، نهضت ملك فجأة وكأنها كانت غارقة في سباتٍ عميق لكن غيابه كان هو من أيقظها، تحركت ببطء وخطواتها كانت ثقيلة كما لو كانت الأرض تسحبها إلى الأسفل، كان قلبها يضرب بعنف في صدرها وتنقض عليها الذكريات المتناثرة بين أوجاع الماضي والهمسات المتلاشية بين ضلوعها، كان عقلها في حالة فوضى والكلمات التي كانت تتأهب للخروج منها تاهت بين العواصف الداخلية التي اجتاحت روحها...
نظرت إلى الصورة التي تركها على الطاولة.. صورة قديمة تجمعهما معًا، مليئة باللحظات التي كانت تظن أنها ستظل تُزين حياتها إلى الأبد، لكن الآن باتت تلك اللحظات جزءًا من تاريخ مؤلم، كانت الصورة تحمل في طياتها ذكرى سعيدة لكنها الآن بدت كجُرحٍ عميق في قلبها، جُرح لا يلتئم مهما حاولت، اقتربت منها بحذر وكأن يديها تخشى أن تلامس شبحًا من الماضي، أو ربما جزءًا من نفسها القديمة التي حاولت أن تبتعد عنها للأبد علها تُخرجه من داخل قلبها..
حين أسقطت يديها على حافة الصورة شعرت بشيء ثقيل يجثم على صدرها، بينما الماضي يحاول أن يعود بقوة ليُحاصِرها مرة أخرى..
كانت عيونها تتنقل بين وجهها المبتسم والمَرح وبين من يقف أمامها خلف الكاميرا، مالك الذي في يومٍ ما كان يمنحها الأمان، والآن أصبحت هي نفسها تهدد سلامها الداخلي...
كانت ملك تتساءل في صمت:
"هل كان كل شيء بيننا مجرد وهم؟ هل كانت تلك اللحظات التي عشناها في الماضي محض خيال؟"
وفجأة شعرت بشيء يطفو في قلبها، مزيجٍ من مشاعر مشتتة بين الغضب والحزن والفقد، كما لو أن أجزاءً من روحها تتناثر وتتبخر مع كل لحظة تمر، ما كانت تعيشه معه كان يبدو كعالم مثالي ولكن هذا العالم انهار منذ سنوات ولم يعد فيه مكان للأحلام أو الأماني، كانت عيناها تتنقل بين الصورة وبين الحزن الذي يخنقها بينما قلبها يتساءل:
" لماذا لم أمل من انتظاره كل تلك السنوات؟"
ظلت ملك هناك، صامتة، متجمدة في مكانها، وكأن الزمن توقّف حولها، بينما الأفكار تتلاطم في رأسها كما الأمواج العاتية، كانت تريد أن تخرج من هذا الصمت أن تجد إجابة على الأسئلة التي تنهش في قلبها، ولكن لا شيء كان يخرج ولا شيء كان يهدئ من اضطرابها، في تلك اللحظة اكتشفت أن الحياة لم تكن أبدًا كما كانت تحلم بها، وأن الذكريات التي كانت تظن أنها ستظل تملأ قلبها بالسلام أصبحت الآن قيدًا يكبل روحها، يكبح حريتها ويتركها سجينة في دائرة من الألم الذي لا ينتهي...
ليدور في عقلها سؤال هام جعل صدرها يعلو ويهبط بتوتر واضح:
"هل ما زال هناك مكان في قلبه لي كما قال منذ قليل؟"
كانت الصورة التي تركها مالك على الطاولة بمثابة نافذة مفتوحة إلى ماضي بعيد، ماضٍ ملئه الوجع والذكريات التي لا يمكن محوها...
عادت لخلفية تلك الصورة حيث كانت في الرابعة عشرة من عمرها شابة صغيرة بمشاعر مختلطة بين البراءة والقلق، مليئة بالأحلام التي تتمنى تحقيقها يومًا لكن واقعها كان يختلف تمامًا...
كانت تلك اللحظة واحدة من لحظات الانكسار التي اجتاحت عالمها البريء، خرجت لتوها من المنزل بعد أن تلقت توبيخًا قاسيًا من والدتها بسبب نتائجها الضعيفة في الامتحانات، وهو ما جعل قلبها يغرق في خيبة أمل مريرة، كان الغضب والندم يملأن قلبها، وقررت أن تهرب من كل شيء، أن تبحث عن الهدوء، عن ملاذ بعيد عن ضجيج الأفكار التي تعصف بها كفتاة صغيرة في سنها، لقد كانت طالبة متميزة ولكن هذا المعلم الذي تكرهه بشدة بسبب نظراته المريبة لها، يحاول أن يضغط عليها ويتحدها بكل الطرق التي لا تعرف سبيل للهرب منها، ومهما حاولت أن تُخبر والديها لم يكن يستمعان لها..
وفي تلك اللحظة بينما كانت تتجول في الشارع الفارغ، رصدت من بعيد شخصًا كان يبدو غريبًا في ذلك المكان، كان شابًا في السابعة عشرة من عمره، ممسكًا بكاميرا فوتوغرافية قديمة تبدو وكأنها تنتمي إلى زمن آخر، كان مظهره عاديًا إلى حد ما لكن ما لفت انتباهها حقًا، لم يكن شكله بقدر ما كان تركيزه الكامل على كاميرته، كان مالك مشغولًا تمامًا في التقاط صور لفتاة أخرى، شابة جميلة جدًا كانت تبتسم بكل عفوية، بينما كان مالك يميل بجسده قليلًا، مركزًا عدسته عليها كما لو كان يراها في عوالم أخرى، بينما كان الكون من حوله يتلاشى...
ورغم أن ملك كانت تشعر بأنها تعرفه جيدًا إلا إنها كانت تراقب الموقف بفضول وحيرة، كان مالك غارقًا في عدسة كاميراته لا يهتم بمن حوله، الفتاة الأخرى كانت تحاول جذب انتباهه، وكان مالك يلتقط صورًا لها بنظرة باردة، وكأن عالمه قد ضاق عليه، بينما هي كانت تلاحقه بنظراتها المبهورة رغم أنه لم يمنحها أكثر من لمحة عابرة...
ثم وقد حدث شيء غير متوقع، تقدمت الفتاة نحو مالك محاولًة أن تقترب منه بخُبث فتيات في سن المراهقة، وقد تجاوزت الحد الذي سمح لها به، رد فعله كان قاسيًا لدرجة جمدتها في موضعها وجعلتها ترتعد أمامه، رفع رأسه عن كاميراته وبصوت حازم ونظرة شرسة صرخ بها:
– مين سمح لك تتخطي المسافة اللي أمرتك بيها؟!
كلمات بسيطة لكنها كانت شديدة البرودة كأنها أغلقت أمامها أبوابًا كانت تأمل في فتحها، حاولت الفتاة أن تتمالك نفسها لكنها لم تستطع فانفجرت مشاعرها في لحظة غضب وابتعدت عن المكان سريعًا وهي تهرب عائدة إلى طريقها وقد سمعت ملك صوت بكاءها المكتوم...
لكن مالك لم يلتفت إليها بل عاد بسرعة إلى كاميراته ورفعها للأعلى وهي يصور بعض الطيور التي تغادر لعششها وقت الغروب وكأن الفتاة لم تكن موجودة منذ ثواني مضت...
في تلك اللحظة كانت ملك تراقب المشهد من بعيد، لم تكن تعرف ما الذي دفعها للبقاء هناك، ربما كان الفضول أو ربما كان شيئًا آخر...
كانت عيونها تراقب مالك في صمت وكان في قلبها شيء غير مفسر، شيء لم تستطع فهمه حينها، كانت تراقب الفتاة التي غادرت باكية وهي لم تستوعب ما الذي فعلته ليكون ردة فِعله بهذه القسوة، لقد دنت منه مسافة ليست بقريبة لهذه الدرجة!
عادت عيناها إلى مالك الذي كان يغرق في عدسته كما لو كانت الحياة بأسرها تتلخص في تلك اللقطات التي يقتنصها..
وفي تلك اللحظة كانت ملك تستعيد مشاهد متفرقة من عمرها قد رأته بها عدة مرات، كانت تتأمل ما حولها بعيونٍ تتساءل عن الدقائق التي انسلّت دون أن تشعر بها، وعن ذاتها التي كانت ترقب عالمًا غريبًا حوله وهو غارقًا في تفاصيل عابثة لا تنبض إلا باللامبالاة...
عندما تقدمت ملك نحو مالك بخطوات مترددة كان هو ما زال هائمًا في عالمه الخاص، عينيه مغمورتان تمامًا فيما يلتقطه وفجأة شعر بشيء غريب في الأجواء من حوله كان هناك رائحة عطرية مميزه تحوم حوله وكأن هناك ثقلًا غير مرئي جذب انتباهه إلى شيء بعيد عن عالمه الضيق، انحرفت عيناه نحوها وكأنهما تابعتان لحركة غير إرادية، فارتطمت عيونهم للمرة الأولى...
وفي تلك اللحظة توقف الزمن برمته، كان يعرفها، نعم.. لكن لم يكن قد نظر إليها من قبل بتلك الطريقة، لم يكن مجرد الجار الذي يراها كل يوم كان ثمة شيء غامض، غريب، يختبئ خلف عينيه...
تسمرت ملك في مكانها خجلة وهي تبتعد بنظراتها عن عينيه لا تعرف ماذا تفعل، كانت الأرض تبدو وكأنها تنغلق تحت قدميها إلا أن شيئًا غير مفسر كان يوقفها عن التراجع والهرب بعيدًا عنه..
همست بهدوء قبل أن ترفع عينيها إليه تدريجيًا وكأنها تخشى أن تجد منه ردة فِعل مثل سابقتها:
– أعتذر لوقوفي هنا.
نظر إليها مالك و ابتسم ابتسامة خفيفة لكنها كانت تحمل داخلها شيئًا من الغموض، همس بصوت عميق محاولًا أن ينقل لها شيئًا من الأمان الذي أحس به في تلك اللحظة:
– أنتِ "ملك"، أليس كذلك؟
كلمات بسيطة لكن تأثيرها كان أكبر من أن يوصف..
شعرت ملك وكأنها تلقت ضربة مفاجئة في صدرها، لكن دون أن تتألم، كانت على وشك أن تبتعد بسرعة لكن شيئًا ما في تلك اللحظة جعلها تتوقف مرة أخرى، أحست بشيء غير متوقع إحساس غريب كأن قلبها قد وقع في فخ هذه اللحظة الاستثنائية، وكأن كلمات مالك هي التي كانت تلعب دور البطولة في هذه الدراما الصامتة...
– نعم... من أنت؟
قالتها بصوت خافت كأن الكلمات لا تخرج منها بسهولة وكأنها تكاد تفر منها...
أجابها مالك بنبرة صوته كانت تنطوي على قدر من الحنان، كما لو أنه يحاول أن يخفف من حرجها أو يطمئنها:
– أنا مالك، جاركم، وأعرف معاذ، أخوكِ… نحن أصدقاء منذ سنوات، لا بدّ أنه تحدث إليكِ عني، أليس كذلك؟
ترددت ملك للحظة ثم نظرت إليه بخجل وكأن كلماتها قد ضاعت بين حواف المكان، لكن كان هناك شيء في عينيه، في تعبيره، جعلهما يتوقفان عن الكلام ويتبادلان لحظة صمت مليئة بالأسئلة التي لا إجابة لها...
ثم وبدون سابق إنذار وهو يقتنص فرصة عظيمة قال لها بخفة عن ما يريده وكأنه شيء طبيعي جدًا:
– أودّ أن ألتقط لكِ صورة… هل تسمحين؟
كانت الكلمات جادة، لكنها أيضًا تحمل نبرة من التودد، من الاطمئنان، وكأنها دعوة لتجربة شيء جديد في هذا العالم المجهول، كانت ملك تكاد لا تصدق ما تسمعه أذنيها، كيف له أن يطلب ذلك؟ من هي لتكون موضوعًا للكاميرا؟ لكن في نفس اللحظة، كان قلبها يقول لها شيئًا مختلفًا شيئًا جديدًا لا تستطيع تفسيره...
توقف الزمن في تلك الغرفة الخشبية الضيقة، وتحول الصمت إلى كتلة من الأسلاك المشدودة بين أنفاس الأبطال. كان صوت ارتطام الجسد بالخارج كافيًا ليعيد مالك إلى غريزة الصياد التي لم تخطئ يومًا. تحامل على آلام خاصرته الممزقة، وضغط بيده اليسرى على جرحه الذي بدأ ينبض بدم دافئ جديد، بينما ثبتت يمناه المسدس نحو قفل الباب بجمود فولاذي.لم يكن الخوف يعرف طريقًا لقلب مالك، لكن الصراع النفسي الذي يعصف بكيانه في تلك الأجزاء من الثانية كان يتعلق بتلك المرأة المتربصة خلفه. التفت لبرهة خاطفة نحو "ملك" التي كانت تقف محتمية بجدار الحاوية، وعيناها الواسعتان تلتقيان بعينيه بنظرة حملت من العشق واللوعة ما يفوق احتمال البشر. رآها ترتجف، لا ذعرًا من الموت، بل رعبًا من أن تفقده بعد أن امتزجت روحاها ببعضهما وسط لظى المعارك. تمنى في تلك اللحظة لو يلقي بسلاحه ويدفن وجهه بين خصلات شعرها الحريري ليتنفس الطمأنينة، لكن طبول الحرب كانت تقرع بالخارج بلا رحمة.أشار مالك لجلال برأسه، فتحرك جلال بخفة الشبح نحو الجانب الأيمن للباب، مستعداً للأسوأ. وفجأة، تحرك مقبض الباب ببطء، وانفتح ليقذف إلى داخل الكوخ جسداً مترنحاً
تحول الكوخ الخشبي خلال الساعات التالية إلى غرفة عمليات مصغرة، تغذيها الشموع وبعض أجهزة الاتصال المحمولة البدائية التي لم تكن متصلة بالشبكة العامة لتفادي تعقب سامح ورجاله. كان مالك يتبادل النظرات مع جلال الذي بدأ يستعيد توازنه النفسي تدريجياً، مدفوعاً برغبة حارقة في إنقاذ شقيقته الصغرى وتطهير شرف ولائه الذي تلوّث بخيانة سامح.جلس جلال على مقعد خشبي واضعاً خريطة المنطقة الساحلية القديمة أمام مالك، وقال بتركيز شديد:— مالك... الأوراق السرية والملفات الاستخباراتية المشفرة التي يريدها العراب ليست في القصر المحترق، أنا أعلم ذلك. أنت نقلتها قبل أشهر إلى الخزنة الحصينة في السرداب السفلي للمرفأ القديم، تحت المستودع رقم ٣، أليس كذلك؟أومأ مالك برأسه، وكان يضغط بقطعة شاش طبي على جرحه الذي بدأ يلتئم ببطء رغماً عن الحركات العنيفة التي قام بها، وقال بنبرة باردة:— نعم. العراب يظن أنني سآخذ تلك الأوراق وأذهب إليه راكعاً في القصر مستسلماً لشروطه خلال الأيام الثلاثة. هو يعتقد أن إصابتي وخيانة سامح قد جردتني من القدرة على التفكير التكتيكي. لكنه أخطأ في الحساب؛ فالأوراق التي يبحث عنها
ترجل جلال بسرعة وفتح الباب الخلفي. وبمساعدة ملك التي كانت تقاوم تعب جسدها وإرهاقها النفسي الشديد، تمكنوا من نقل مالك إلى داخل الكوخ ووضعه على سرير خشبي عريض في الغرفة الرئيسية.أحضر جلال حقيبة الإسعافات الطبية المتقدمة، وبدأ بقطع قميص مالك ليكشف عن الجرح الشنيع. شهقت ملك وتراجعت خطوة إلى الوراء وهي ترى الشظية المعدنية المستقرة بعمق داخل لحمه، والدماء التي لا تزال تنبض ببطء من الجرح.التفت جلال إليها وقال بجدية بالغة:— ملك... يجب أن أستخرج هذه الشظية الآن فوراً قبل أن يحدث تسمم في الدم. سأحتاج لمساعدتكِ... يجب أن تمسكي بيديه بقوة وتتحدثي إليه ليبقى مستيقظاً. الألم سيكون غير محتمل، ولا نملك مخدراً كاملاً هنا، فقط بعض المسكنات الموضعية. هل أنتِ مستعدة؟نظرت ملك إلى مالك، ورأت الخوف في عينيه... ليس خوفاً من الألم، بل خوفاً من أن يرى الضعف في عينيها. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بقوة غريبة تسري في عروقها. تقدمت نحو السرير، وجثت بجانبه، وأمسكت بيديه بقوة غريبة تفوق حجم جسدها الصغير، وشبكت أصابعها بأصابعه.قالت وهي تبتسم له دمعة تتلألأ في عينيها كالنجم في عتمة الليل:—
ساد المستودع لثانية واحدة صمتٌ حاد، صمتٌ يشبه الوقوف على شفرة سيفٍ صقيل في مهب الريح. كانت فوهة بندقية "سامح" الأوتوماتيكية لا تزال مثبتة بدقة متناهية على جبهة مالك، وإصبعه يتحرك ببطء قاتل على الزناد. وفي تلك الفجوة الزمنية الضيقة التي تفصل بين الحياة والعدم، انطلقت الرصاصة المجهولة مزمجرة في عتمة المكان، لتمزق جدار الدخان الكثيف الذي يملأ المستودع. لم تكن الرصاصة موجهة إلى مالك، ولم تكن طلقة طائشة. استقرت الرصاصة بدقة فولاذية في معصم سامح الأيمن، الذي كان يقبض به على البندقية. دوت صرخة ألم وحشية من حنجرة الخائن، وسقط السلاح من يده محدثًا رنينًا حادًا على الأرضية المعدنية الصدئة، بينما تراجع إلى الخلف خطوات وهو يمسك بمعصمه المتفجر دماءً، وعيناه تملأهما الصدمة والذعر. من خلف سحب الدخان، ظهر طيفٌ مألوف، طيفٌ يحمل سلاح قنصٍ قصير المدى، يتقدم بخطوات واثقة تكاد لا تلامس الأرض من فرط خفتها وسرعتها. إنه "جلال"... الذراع الحقيقية والصديق الذي لم تلوث الأطماع نقاء ولاءه. كان وجهه مغطى برماد الانفجار، وعيناه تقدحان شررًا وهو يوجه سلاحه نحو صدر سامح المتألم.
ساد صمتٌ من نوعٍ آخر داخل ذلك المستودع المهجور؛ صمتٌ يمزقه صوتٌ رتيب، بارد، ومستمر... صرير الثواني التي تتناقص على شاشة الموقت الرقمي المثبت أسفل المقعد الخشبي الذي قُيدت إليه ملك."59... 58... 57..."كانت الأرقام الحمراء تنعكس في عيني مالك كجمرات تشتعل في عتمة غضبه. تيبس جسده بالكامل، وبدت عروق عنقه ويديه كحبال مشدودة تكاد تنفجر من فرط الضغط. في تلك اللحظة، لم يكن مالك يرى المسلحين الذين يملؤون الشرفات العلوية، ولم يكن يسمع هتاف الريح والعاصفة التي تضرب الجدران المعدنية للمستودع في الخارج. كل وجوده انكمش وتكثف في مساحة واحدة: وجه ملك الشاحب، وعيناها اللتان تفيضان ببريقٍ مرعب يمزج بين ذعر الموت الوشيك وعشقٍ لا يموت.وقف العراب خلفها، واضعًا فوهة مسدسه الذهبي بدقة متناهية على صدغها. كانت يده ثابتة، لا ترتعش، كيد جراحٍ يوشك على استئصال قلب مريضه دون أي شعور بالذنب. ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الأبوية الباردة التي كانت تثير الرعب في نفس مالك طوال سنوات مراهقته وبدايات تدريبه.قال العراب، وصوته ينساب كأفعى في وادٍ مهجور:— ستون ثانية يا بني... ستون ثانية هي كل ما
كان صوت الرنين في الممر المظلم يشبه دقات ساعة جدارية في قصرٍ مهجور، كل دقة تقضم جزءًا من ثوانٍ قد تكون الأخيرة في حياة ملك. أخرج مالك الهاتف بيدٍ ترتجف غضبًا، وضغط على زر الإجابة دون أن ينطق بكلمة. كان أنينه المكتوم داخل صدره كافيًا ليعلن للطرف الآخر أنه استلم الرسالة الدموية.جاء الصوت عبر الطرف الآخر هادئًا، باردًا، يحمل تلك البحة الأبوية الزائفة التي طالما خدعت مالك في شبابه. كان صوت "العراب".— أهلاً بك في عالم الحقيقة يا بني. ظننتَ أنك دفنتني؟ النفوس الكبيرة لا توارى الثرى بكلمات تقارير استخباراتية صاغها صبية هواة.تصلبت عضلات فك مالك، وخرج صوته كفحيح أفعى جرحت في مقتلها:— إن لمست خصلة واحدة من شعرها... سأجعل ما فعلته بك في المرفأ قبل سنوات يبدو كنزهة أطفال. سأبيدك، وأبيد كل من تنفس هواءً مررت به.انطلقت ضحكة خفيضة، مستفزة، هزت سماعة الهاتف:— الغضب يعمي البصر يا مالك، وأنت اليوم أعمى تمامًا. امرأتك الجميلة معي، تتأمل البحر من نافذة مختلفة تمامًا عن نافذة قصرك العاجي. إنها ذكية... لم تصرخ، ولم تبكِ كباقي النساء، بل كانت تنظر إلى رجالي بنظرة تحمل اسمك، و
في الزمان والمكان ذاته، كانت ضي تدخل فصل الموسيقى بخطوات خفيفة كأنها تحلق بين الأرض والسماء، كل شيء في المكان بدا مختلفًا عن باقي فصول المدرسة، كأن الفصل نفسه كان يحمل سرًا، سرًا من الألحان والإيقاعات التي تبعث الحياة في الجدران من حولها، حتى أن الهواء كان مشبعًا بصوت الآلات الموسيقية التي تنتقل
همست والسؤال كان يحمل في طياته كل الحيرة التي انتابتها:– ماذا؟! تُصوّرني؟ابتسم مالك ابتسامة دافئة وكأن كل شيء في العالم قد اكتمل لتوه:– نعم، أودّ أن ألتقط لكِ صورة، لا تخافي… أعدك أنني لن أؤذيك.ختم جملته بضحكة يتحدها بها، لم تفهم ملك لماذا وافقت، ربما كانت عينيه، أو تلك الطمأنينة التي غمرتها في
"إذن دعنا نبدأ... تأكد من أنه يعرف ما الذي عليه مواجهته، إذا فشل فلن تكون حياته فقط على المحك."صمت مرة أخرى ولكن هذه المرة كان الصمت عميقًا كأنه يختزن كل ما هو قادم، ثم أضاف بلهجة أكثر قسوة:"We will either win... or we will destroy everything in our path."" إما سننتصر... أو سندمر كل شيء في طريقن
بينما كانت ملك تغلق الباب خلفه في محاولة يائسة لإغلاق هذا الفصل المشحون بالغضب داخلها، كان مالك يقف على حافة الهاوية، يشعر بقلبه يضطرب بقوة، لا يستطيع أن يتجاهل الهزات التي تهدد استقرار هذا المكان، لم يكن ينتظر أن تكون الأمور على هذا النحو، ولكن الطلقات النارية التي بدأت تملأ الأفق دوت في أعماقه، و







