Home / الرومانسية / رجال الله / تحت وطأة الصمت

Share

تحت وطأة الصمت

last update publish date: 2026-05-22 09:24:40

عندما أغلق مالك الباب خلفه ارتجّت الغرفة لحظة، وكأن الصمت الذي خلفه كان أكبر من مجرد غياب، نهضت ملك فجأة وكأنها كانت غارقة في سباتٍ عميق لكن غيابه كان هو من أيقظها، تحركت ببطء وخطواتها كانت ثقيلة كما لو كانت الأرض تسحبها إلى الأسفل، كان قلبها يضرب بعنف في صدرها وتنقض عليها الذكريات المتناثرة بين أوجاع الماضي والهمسات المتلاشية بين ضلوعها، كان عقلها في حالة فوضى والكلمات التي كانت تتأهب للخروج منها تاهت بين العواصف الداخلية التي اجتاحت روحها...

نظرت إلى الصورة التي تركها على الطاولة.. صورة قديمة تجمعهما معًا، مليئة باللحظات التي كانت تظن أنها ستظل تُزين حياتها إلى الأبد، لكن الآن باتت تلك اللحظات جزءًا من تاريخ مؤلم، كانت الصورة تحمل في طياتها ذكرى سعيدة لكنها الآن بدت كجُرحٍ عميق في قلبها، جُرح لا يلتئم مهما حاولت، اقتربت منها بحذر وكأن يديها تخشى أن تلامس شبحًا من الماضي، أو ربما جزءًا من نفسها القديمة التي حاولت أن تبتعد عنها للأبد علها تُخرجه من داخل قلبها..

حين أسقطت يديها على حافة الصورة شعرت بشيء ثقيل يجثم على صدرها، بينما الماضي يحاول أن يعود بقوة ليُحاصِرها مرة أخرى..

كانت عيونها تتنقل بين وجهها المبتسم والمَرح وبين من يقف أمامها خلف الكاميرا، مالك الذي في يومٍ ما كان يمنحها الأمان، والآن أصبحت هي نفسها تهدد سلامها الداخلي...

كانت ملك تتساءل في صمت:

"هل كان كل شيء بيننا مجرد وهم؟ هل كانت تلك اللحظات التي عشناها في الماضي محض خيال؟"

وفجأة شعرت بشيء يطفو في قلبها، مزيجٍ من مشاعر مشتتة بين الغضب والحزن والفقد، كما لو أن أجزاءً من روحها تتناثر وتتبخر مع كل لحظة تمر، ما كانت تعيشه معه كان يبدو كعالم مثالي ولكن هذا العالم انهار منذ سنوات ولم يعد فيه مكان للأحلام أو الأماني، كانت عيناها تتنقل بين الصورة وبين الحزن الذي يخنقها بينما قلبها يتساءل:

" لماذا لم أمل من انتظاره كل تلك السنوات؟"

ظلت ملك هناك، صامتة، متجمدة في مكانها، وكأن الزمن توقّف حولها، بينما الأفكار تتلاطم في رأسها كما الأمواج العاتية، كانت تريد أن تخرج من هذا الصمت أن تجد إجابة على الأسئلة التي تنهش في قلبها، ولكن لا شيء كان يخرج ولا شيء كان يهدئ من اضطرابها، في تلك اللحظة اكتشفت أن الحياة لم تكن أبدًا كما كانت تحلم بها، وأن الذكريات التي كانت تظن أنها ستظل تملأ قلبها بالسلام أصبحت الآن قيدًا يكبل روحها، يكبح حريتها ويتركها سجينة في دائرة من الألم الذي لا ينتهي...

ليدور في عقلها سؤال هام جعل صدرها يعلو ويهبط بتوتر واضح:

"هل ما زال هناك مكان في قلبه لي كما قال منذ قليل؟"

كانت الصورة التي تركها مالك على الطاولة بمثابة نافذة مفتوحة إلى ماضي بعيد، ماضٍ ملئه الوجع والذكريات التي لا يمكن محوها...

عادت لخلفية تلك الصورة حيث كانت في الرابعة عشرة من عمرها شابة صغيرة بمشاعر مختلطة بين البراءة والقلق، مليئة بالأحلام التي تتمنى تحقيقها يومًا لكن واقعها كان يختلف تمامًا...

كانت تلك اللحظة واحدة من لحظات الانكسار التي اجتاحت عالمها البريء، خرجت لتوها من المنزل بعد أن تلقت توبيخًا قاسيًا من والدتها بسبب نتائجها الضعيفة في الامتحانات، وهو ما جعل قلبها يغرق في خيبة أمل مريرة، كان الغضب والندم يملأن قلبها، وقررت أن تهرب من كل شيء، أن تبحث عن الهدوء، عن ملاذ بعيد عن ضجيج الأفكار التي تعصف بها كفتاة صغيرة في سنها، لقد كانت طالبة متميزة ولكن هذا المعلم الذي تكرهه بشدة بسبب نظراته المريبة لها، يحاول أن يضغط عليها ويتحدها بكل الطرق التي لا تعرف سبيل للهرب منها، ومهما حاولت أن تُخبر والديها لم يكن يستمعان لها..

وفي تلك اللحظة بينما كانت تتجول في الشارع الفارغ، رصدت من بعيد شخصًا كان يبدو غريبًا في ذلك المكان، كان شابًا في السابعة عشرة من عمره، ممسكًا بكاميرا فوتوغرافية قديمة تبدو وكأنها تنتمي إلى زمن آخر، كان مظهره عاديًا إلى حد ما لكن ما لفت انتباهها حقًا، لم يكن شكله بقدر ما كان تركيزه الكامل على كاميرته، كان مالك مشغولًا تمامًا في التقاط صور لفتاة أخرى، شابة جميلة جدًا كانت تبتسم بكل عفوية، بينما كان مالك يميل بجسده قليلًا، مركزًا عدسته عليها كما لو كان يراها في عوالم أخرى، بينما كان الكون من حوله يتلاشى...

ورغم أن ملك كانت تشعر بأنها تعرفه جيدًا إلا إنها كانت تراقب الموقف بفضول وحيرة، كان مالك غارقًا في عدسة كاميراته لا يهتم بمن حوله، الفتاة الأخرى كانت تحاول جذب انتباهه، وكان مالك يلتقط صورًا لها بنظرة باردة، وكأن عالمه قد ضاق عليه، بينما هي كانت تلاحقه بنظراتها المبهورة رغم أنه لم يمنحها أكثر من لمحة عابرة...

ثم وقد حدث شيء غير متوقع، تقدمت الفتاة نحو مالك محاولًة أن تقترب منه بخُبث فتيات في سن المراهقة، وقد تجاوزت الحد الذي سمح لها به، رد فعله كان قاسيًا لدرجة جمدتها في موضعها وجعلتها ترتعد أمامه، رفع رأسه عن كاميراته وبصوت حازم ونظرة شرسة صرخ بها:

– مين سمح لك تتخطي المسافة اللي أمرتك بيها؟!

كلمات بسيطة لكنها كانت شديدة البرودة كأنها أغلقت أمامها أبوابًا كانت تأمل في فتحها، حاولت الفتاة أن تتمالك نفسها لكنها لم تستطع فانفجرت مشاعرها في لحظة غضب وابتعدت عن المكان سريعًا وهي تهرب عائدة إلى طريقها وقد سمعت ملك صوت بكاءها المكتوم...

لكن مالك لم يلتفت إليها بل عاد بسرعة إلى كاميراته ورفعها للأعلى وهي يصور بعض الطيور التي تغادر لعششها وقت الغروب وكأن الفتاة لم تكن موجودة منذ ثواني مضت...

في تلك اللحظة كانت ملك تراقب المشهد من بعيد، لم تكن تعرف ما الذي دفعها للبقاء هناك، ربما كان الفضول أو ربما كان شيئًا آخر...

كانت عيونها تراقب مالك في صمت وكان في قلبها شيء غير مفسر، شيء لم تستطع فهمه حينها، كانت تراقب الفتاة التي غادرت باكية وهي لم تستوعب ما الذي فعلته ليكون ردة فِعله بهذه القسوة، لقد دنت منه مسافة ليست بقريبة لهذه الدرجة!

عادت عيناها إلى مالك الذي كان يغرق في عدسته كما لو كانت الحياة بأسرها تتلخص في تلك اللقطات التي يقتنصها..

وفي تلك اللحظة كانت ملك تستعيد مشاهد متفرقة من عمرها قد رأته بها عدة مرات، كانت تتأمل ما حولها بعيونٍ تتساءل عن الدقائق التي انسلّت دون أن تشعر بها، وعن ذاتها التي كانت ترقب عالمًا غريبًا حوله وهو غارقًا في تفاصيل عابثة لا تنبض إلا باللامبالاة...

عندما تقدمت ملك نحو مالك بخطوات مترددة كان هو ما زال هائمًا في عالمه الخاص، عينيه مغمورتان تمامًا فيما يلتقطه وفجأة شعر بشيء غريب في الأجواء من حوله كان هناك رائحة عطرية مميزه تحوم حوله وكأن هناك ثقلًا غير مرئي جذب انتباهه إلى شيء بعيد عن عالمه الضيق، انحرفت عيناه نحوها وكأنهما تابعتان لحركة غير إرادية، فارتطمت عيونهم للمرة الأولى...

وفي تلك اللحظة توقف الزمن برمته، كان يعرفها، نعم.. لكن لم يكن قد نظر إليها من قبل بتلك الطريقة، لم يكن مجرد الجار الذي يراها كل يوم كان ثمة شيء غامض، غريب، يختبئ خلف عينيه...

تسمرت ملك في مكانها خجلة وهي تبتعد بنظراتها عن عينيه لا تعرف ماذا تفعل، كانت الأرض تبدو وكأنها تنغلق تحت قدميها إلا أن شيئًا غير مفسر كان يوقفها عن التراجع والهرب بعيدًا عنه..

همست بهدوء قبل أن ترفع عينيها إليه تدريجيًا وكأنها تخشى أن تجد منه ردة فِعل مثل سابقتها:

– أعتذر لوقوفي هنا.

نظر إليها مالك و ابتسم ابتسامة خفيفة لكنها كانت تحمل داخلها شيئًا من الغموض، همس بصوت عميق محاولًا أن ينقل لها شيئًا من الأمان الذي أحس به في تلك اللحظة:

– أنتِ "ملك"، أليس كذلك؟

كلمات بسيطة لكن تأثيرها كان أكبر من أن يوصف..

شعرت ملك وكأنها تلقت ضربة مفاجئة في صدرها، لكن دون أن تتألم، كانت على وشك أن تبتعد بسرعة لكن شيئًا ما في تلك اللحظة جعلها تتوقف مرة أخرى، أحست بشيء غير متوقع إحساس غريب كأن قلبها قد وقع في فخ هذه اللحظة الاستثنائية، وكأن كلمات مالك هي التي كانت تلعب دور البطولة في هذه الدراما الصامتة...

– نعم... من أنت؟

قالتها بصوت خافت كأن الكلمات لا تخرج منها بسهولة وكأنها تكاد تفر منها...

أجابها مالك بنبرة صوته كانت تنطوي على قدر من الحنان، كما لو أنه يحاول أن يخفف من حرجها أو يطمئنها:

– أنا مالك، جاركم، وأعرف معاذ، أخوكِ… نحن أصدقاء منذ سنوات، لا بدّ أنه تحدث إليكِ عني، أليس كذلك؟

ترددت ملك للحظة ثم نظرت إليه بخجل وكأن كلماتها قد ضاعت بين حواف المكان، لكن كان هناك شيء في عينيه، في تعبيره، جعلهما يتوقفان عن الكلام ويتبادلان لحظة صمت مليئة بالأسئلة التي لا إجابة لها...

ثم وبدون سابق إنذار وهو يقتنص فرصة عظيمة قال لها بخفة عن ما يريده وكأنه شيء طبيعي جدًا:

– أودّ أن ألتقط لكِ صورة… هل تسمحين؟

كانت الكلمات جادة، لكنها أيضًا تحمل نبرة من التودد، من الاطمئنان، وكأنها دعوة لتجربة شيء جديد في هذا العالم المجهول، كانت ملك تكاد لا تصدق ما تسمعه أذنيها، كيف له أن يطلب ذلك؟ من هي لتكون موضوعًا للكاميرا؟ لكن في نفس اللحظة، كان قلبها يقول لها شيئًا مختلفًا شيئًا جديدًا لا تستطيع تفسيره...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status