Home / الرومانسية / رجال الله / اوتار القلوب

Share

اوتار القلوب

last update publish date: 2026-05-22 17:00:00

في الزمان والمكان ذاته، كانت ضي تدخل فصل الموسيقى بخطوات خفيفة كأنها تحلق بين الأرض والسماء، كل شيء في المكان بدا مختلفًا عن باقي فصول المدرسة، كأن الفصل نفسه كان يحمل سرًا، سرًا من الألحان والإيقاعات التي تبعث الحياة في الجدران من حولها، حتى أن الهواء كان مشبعًا بصوت الآلات الموسيقية التي تنتقل بين الطبول الخفيفة، والقيثارات، والبيانو الذي بدأ يتناغم على أصابعها الناعمة...

كانت ضي التوأم الرقيقة لتولاي، تجذب الأنظار أينما حلت، بعينيها الملونتين اللتين كانتا تنبضان بالحياة والحب للأنغام ولحلمها الكبير الذي كان يفيض في كل لحظة تمر أن تُصبح مغنية لها مكانه تستحقها بصوتها الرائع الذي يُسحر كل من يسمعه..

شعرها الناعم الذي كان يتناثر بحرية حول وجهها كان ينساب مثل خيوط الحرير المنسوجة بعناية، ومع كل ابتسامة كانت تُنير وجهها النابض بالحب والشغف وكان الطلاب من حولها يشعرون وكأنهم في عالم آخر، عالم مُفعم بالسلام الداخلي حيث لا مكان للهموم فقط الموسيقى وصوتها الذي يُغرد فيسلب القلوب، كان كل لحن تعزفه وكل صوت تصدره كأنه ينبض بحياة جديدة وكأنه كان يُعيد تشكيل الواقع...

توقفت ضي للحظة أمام البيانو ورفعت أنظارها إلى الطالبات الجالسات أمامها وكل واحدة منهن كانت تتأملها مشدودة لحديثها بينما الكلمات التي تخرج من فمها كانت تنقش خطًا جديدًا في قلوبهن:

– هل أنتنّ جاهزات يا فتيات لدرس اليوم؟

قالتها بصوت منخفض لكنه يحمل طاقة عالية وحيوية كانت تبعث الدفء في الأجواء..

أجابت إحدى الطالبات بنبرة خجولة:

– نعم يا مس ضي، ماذا سنتعلّم اليوم؟

ابتسمت ضي ابتسامة رقيقة، وأجابتها بحنان يعكس روحها:

– اليوم سنتعلّم كيف نُعبّر عن مشاعرنا من خلال الألحان. فالأصوات التي نعزفها ليست مجرد نغمات، بل هي قصة ترسم لحنًا قادرًا على نقل أي شعور نريد أن يشعر به من أمامنا، خاصة في تلك اللحظات التي يعجز فيها اللسان عن وصف ما بداخلنا.

ثم تابعت وهي ترفع يديها برفق نحو البيانو:

– دعونا نبدأ بمقطوعة هادئة، ثم نُضيف النغمات تدريجيًّا، واحدة تلو الأخرى، وكأننا نبني جسرًا طويلًا من الصوت، تتكامل فيه كل نغمة مع التي قبلها.

ومع كل نغمة عزفتها كانت الطالبات يشعرن بشيء مميز في داخلهن، كما لو أن ضي كانت تدعوهن للغوص في أعماقهن لاكتشاف مشاعرهن المدفونة، كانت موسيقاها تسير في أوردتهن، تأخذهن في رحلة عاطفية تتنقل بين الفرح، الحزن، الترقب، والطمأنينة، وكل إحساس كان يعبر عن نفسه من خلال تلك الألحان الموحية...

وفي تلك اللحظة الخاصة عندما عزفت ضي على البيانو بكل سلاسة توقفت الأصوات في الفصل وكأن الزمان قد تجمد.. الطلاب، والهواء، والأنوار، حتى الجدران من حولها كانت تنصت لتلك اللحظات السحرية التي كانت ضي تخلقها بعزفها المتناغم وبصوتها الذي يأسرهن، كان البيانو يهمس بمشاعرها بينما كانت أصابعها تداعب مفاتيحه كما لو أنها تخاطب العالم الحالم الذي تعيش به، وكل طالبة كانت تشعر أن صوتها، وألمها، وأحلمها، كان تجد طريقها إلى هذا الفصل بفضل ضي...

وبينما كانت تعزف تذكرت ضي كيف أنها هي التي جلبت هذه الآلات الموسيقية إلى المدرسة من مالها الخاص، حرصًا منها على أن يكون لتلميذاتها فرصة لاكتشاف أنفسهن من خلال هذا الفن الراقي، فقد أدركت أن الموسيقى ليست مجرد درس نظري في كتاب، بل هي لغة عالمية يمكنها أن تفتح قلوب الناس وتنقلهم إلى عوالم بعيدة عن كل ما هو مادي، والآن.. ومع كل آلة تعزف عليها، وكل نغمة تخرج من بين أصابعها، كانت تعلم أن حلمها قد أصبح حقيقة، وأنها قد صنعت عالمًا صغيرًا مليئًا بالحب والجمال...

وفي تلك اللحظات كانت ضي تغني بصوتٍ خفيض وهي تُعيد بناء واقع تلاميذها ليس فقط من خلال تعليمهم النغمات، بل بتعليمهم كيف يكتشفون ذواتهم من خلال أصواتهن الداخلية..

سكن الليلُ

وفي ثوبِ السكونِ تختبئُ الأحلامْ

وسعى البدرُ

وللبدرِ عيونٌ ترقبُ الأيامْ

إنها ترقبُ رجْعَ البَدرِ في ضوءِ الصباحْ

إنها تَسألُهُ عن فَمِهِ المِضاحْ

عن لِمَاهِ السحرِ، عن خَدِّهِ الوَضاحْ

عن دُجى عينيه، عن سِرِّ النّدى في وجنتيهْ

عن صدى طيْفِ مُنادٍ هَامَ في البيداءِ،

أغوته المنى والماءِ والرملُ النّدي..

اختتمت دندنة أغنيتها المفضلة لفيروز، فتجاوبت الطالبات بالتصفيق الحار، وعيونهن تبرق بدموع لم تستطع الاختباء، تأثرًا بذلك الصوت الذي داعب أوتار القلوب..

و في نهاية اليوم وبعد أن انتهت الحصة الأخيرة في المدرسة، تلاقت خطوات تولاي وضِي في ممر المدرسة الهادئ حيث كانت الأنوار الخافتة بدأت تغلف المكان والهواء البارد يحمل في طياته رائحة الكتب القديمة، كانت تولاي قد أكملت تدريس مادتها ونظرتها لا تكاد تخفي الحزم والتحدي اللذين لا يفارقانهما أبدًا، أما ضي فقد كانت قد أنهت دروس الموسيقى وأيديها الناعمتين ما زالتا تعبثان بألحان البيانو في ذهنها وعيناها المتألقتين تحملان إشراقة خاصة تُضيء قلب أي شخص يراها...

رغم اختلاف شخصياتهما كانت تجمعهما رابطة غير مرئية تشبه الهواء الذي تتنفسانه، تولاي كانت تتفحص العالم من حولها بعينين يقظتين، فيما كانت ضي تعيش في عالم من الأحلام تبحث دائمًا عن الجمال في كل شيء...

عندما التقت عيون تولاي بأختها ابتسمت ابتسامة خفيفة لكنها كانت مليئة بالحنان والتفاهم الذي لا يحتاج للكلمات، جلستا معًا على مقعد خشبي في الحديقة المقابلة لبوابة المدرسة الخارجية، حيث كان ضوء الشمس الذهبي ينعكس على وجهيهما، لتشعرت ضي وكأنها في حلم طويل...

سألت تولاي بصوتها القاسي الذي تحاول إخفاء بعض من شعور دفين:

– كيف حالكِ اليوم؟

ابتسمت ضي برقة واجابتها بهيام:

– كان يومًا جميلًا ككل يوم… فالموسيقى تعلّمنا كيف نعيش اللحظة ونشعر بكل شيء بعمق. هي ليست مجرد نغمات، بل لغة الروح. ولولا هذا الفن العظيم، لكان العالم ممتلئًا بالقتلة والمجرمين.

ضحكت تولاي بصوت خافت وهي تراقب أختها بتلك النظرة التي تحمل في عمقها الاحترام والاعتزاز وهي تقول لها:

– وأنتِ دائمًا تهربين إلى نغماتكِ الخاصة، كأنكِ لن تعودي… وكأنكِ تحاولين أن تُبقي هذا العالم خاليًا من القتلة والمجرمين.

ردت ضي بحنانٍ في عينيها، تلتقط الكلمات وكأنها تهمس لها من بين ألحان البيانو التي كانت تسكن قلبها:

– وأنتِ دائمًا واقفة في مكانك، تعلّمينا كيف نواجه الدنيا بكل ما فيها، لكن بقسوة… كل واحدة منا لها طريقتها الخاصة في الحياة يا تولاي.

بينما كانت ضي ترد كانت الحديقة الواسعة تتضاءل حولهما والوقت كان يسرب من بينهما ليتركهما في عزلتهما الخاصة، كانت ضي تبتسم بسلام داخلي كما لو أن كل شيء من حولها قد توقف للحظة، أما تولاي فكانت شديدة في صمتها لكن عيونها كانت تحمل كل ما تعجز الكلمات عن قوله...

شعر كل منهما بجمال اللحظة التي كانت تجمعهما مدركين أن هذا الرابط الذي لا يُرى بأعين الآخرين هو ما يجعل كل شيء حولهما ذا معنى، كان كل ما يحيطهما يتغير لكن ما بينهما ذلك الرابط الأبدي بين الأختين كان هو الثابت الوحيد في عالم متقلب...

وجهت تولاي انتباهها نحو ضي التي كانت شاردة في عالمها الخاص و ابتسامته الهادئة ترتسم على ملامحها وكأنها تزرع أثرًا خفيًا من السحر في الأجواء وهي تقول لشقيقتها بتلك الرقة التي تميزها:

– سأعود إلى المنزل الآن، لدي بعض الأمور التي يجب أن أنجزها.

أجابتها تولاي بنبرة حزينة لكنها تحمل في طياتها شغفًا غير مرئي:

– ستذهبين إلى البيت وأنا لا يزال أمامي تصحيح، عملي لم ينتهِ بعد… يا لَحُسن حظكِ يا من ستعودين إلى المنزل.

ابتسمت ضي برقة وتنهدت قبل أن تغيظها بخفة وهي تهم بالرحيل وتعبر من البوابة الخارجية:

– قدرك يا مس تولاي.

التفت ضي بفزع وهي تستمع لصرير عالي من سيارة تسير على الأسفلت قبالتها وقد أصدرت صوتٍ مرتفع وهي تتوقف فجأة أمام جسدها بمسافة قصيرة!

كان يامن يمرّ بسيارته في الشارع المجاور لمدرستها، حين لمحها تسير بظهرها وتعبر الطريق نحو البوابة، ضغط على المكابح بعنف وتوقف فجأة..

ومن خلف زجاجه، راقبها بنظرة غريبة، لم يُخفِ فيها غضبه المكبوت ولا امتعاضه من وجودها في هذا التوقيت بالذات، كانت عيناه تتفحصانها بطريقة فظة ومشوشة، تختلط فيها الأنانية بالحنق، كما لو أن رؤيتها أيقظت داخله شيئًا لم يكن مستعدًا لمواجهته..

شعرت ضي بشيء غير مريح برغم أنها لم تكن تتجه نحوه، لم يكن ذلك الغضب الموجه إليها يسلبها هدوءها، لكنها كانت تعرف تمامًا أن نظراته كانت ثقيلة، ثقيلة مثل عبء يهجم على قلبها وقد شعرت بعاصفة تمر من فوقها، تلاقت عينيهم في لحظة واحدة، ثم اتخذت ضي جانب السير الأمن ولم تلتفت إليه ثانية ولكنها شعرت بوجوده خلفها والوقت يمر ببطء رهيب حولهما...

أما يامن فقد أوقف سيارته بعيدًا عنها وبدت ملامحه مشوهة بغضب واضح في عينيه، ثم أدار رأسه نحو مكان آخر وهو يعود بسيارته بعنف، لكن نظراتها لم تكن تبرح عقله، و في تلك اللحظة كانت ضي قد عبرت الشارع وهي تتقدم بهدوء نحو المنزل، عيونها كانت ثابتة في مكانها،

ومع كل خطوة كان الصوت الوحيد الذي يخترق السكون هو دقات قلبها التي كانت تزداد تسارعًا ولكنها لم تُظهر ذلك... كانت ضي تعرف جيدًا كيف تحافظ على هدوئها لكنها شعرت بنوع من الخوف غير المُعلن يتسلل داخلها، خوفًا من أن تعود الأيام وتفتح أبوابًا مغلقة في حياتها..

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status