Home / الرومانسية / رجال الله / اوتار القلوب

Share

اوتار القلوب

last update Petsa ng paglalathala: 2026-05-22 17:00:00

في الزمان والمكان ذاته، كانت ضي تدخل فصل الموسيقى بخطوات خفيفة كأنها تحلق بين الأرض والسماء، كل شيء في المكان بدا مختلفًا عن باقي فصول المدرسة، كأن الفصل نفسه كان يحمل سرًا، سرًا من الألحان والإيقاعات التي تبعث الحياة في الجدران من حولها، حتى أن الهواء كان مشبعًا بصوت الآلات الموسيقية التي تنتقل بين الطبول الخفيفة، والقيثارات، والبيانو الذي بدأ يتناغم على أصابعها الناعمة...

كانت ضي التوأم الرقيقة لتولاي، تجذب الأنظار أينما حلت، بعينيها الملونتين اللتين كانتا تنبضان بالحياة والحب للأنغام ولحلمها الكبير الذي كان يفيض في كل لحظة تمر أن تُصبح مغنية لها مكانه تستحقها بصوتها الرائع الذي يُسحر كل من يسمعه..

شعرها الناعم الذي كان يتناثر بحرية حول وجهها كان ينساب مثل خيوط الحرير المنسوجة بعناية، ومع كل ابتسامة كانت تُنير وجهها النابض بالحب والشغف وكان الطلاب من حولها يشعرون وكأنهم في عالم آخر، عالم مُفعم بالسلام الداخلي حيث لا مكان للهموم فقط الموسيقى وصوتها الذي يُغرد فيسلب القلوب، كان كل لحن تعزفه وكل صوت تصدره كأنه ينبض بحياة جديدة وكأنه كان يُعيد تشكيل الواقع...

توقفت ضي للحظة أمام البيانو ورفعت أنظارها إلى الطالبات الجالسات أمامها وكل واحدة منهن كانت تتأملها مشدودة لحديثها بينما الكلمات التي تخرج من فمها كانت تنقش خطًا جديدًا في قلوبهن:

– هل أنتنّ جاهزات يا فتيات لدرس اليوم؟

قالتها بصوت منخفض لكنه يحمل طاقة عالية وحيوية كانت تبعث الدفء في الأجواء..

أجابت إحدى الطالبات بنبرة خجولة:

– نعم يا مس ضي، ماذا سنتعلّم اليوم؟

ابتسمت ضي ابتسامة رقيقة، وأجابتها بحنان يعكس روحها:

– اليوم سنتعلّم كيف نُعبّر عن مشاعرنا من خلال الألحان. فالأصوات التي نعزفها ليست مجرد نغمات، بل هي قصة ترسم لحنًا قادرًا على نقل أي شعور نريد أن يشعر به من أمامنا، خاصة في تلك اللحظات التي يعجز فيها اللسان عن وصف ما بداخلنا.

ثم تابعت وهي ترفع يديها برفق نحو البيانو:

– دعونا نبدأ بمقطوعة هادئة، ثم نُضيف النغمات تدريجيًّا، واحدة تلو الأخرى، وكأننا نبني جسرًا طويلًا من الصوت، تتكامل فيه كل نغمة مع التي قبلها.

ومع كل نغمة عزفتها كانت الطالبات يشعرن بشيء مميز في داخلهن، كما لو أن ضي كانت تدعوهن للغوص في أعماقهن لاكتشاف مشاعرهن المدفونة، كانت موسيقاها تسير في أوردتهن، تأخذهن في رحلة عاطفية تتنقل بين الفرح، الحزن، الترقب، والطمأنينة، وكل إحساس كان يعبر عن نفسه من خلال تلك الألحان الموحية...

وفي تلك اللحظة الخاصة عندما عزفت ضي على البيانو بكل سلاسة توقفت الأصوات في الفصل وكأن الزمان قد تجمد.. الطلاب، والهواء، والأنوار، حتى الجدران من حولها كانت تنصت لتلك اللحظات السحرية التي كانت ضي تخلقها بعزفها المتناغم وبصوتها الذي يأسرهن، كان البيانو يهمس بمشاعرها بينما كانت أصابعها تداعب مفاتيحه كما لو أنها تخاطب العالم الحالم الذي تعيش به، وكل طالبة كانت تشعر أن صوتها، وألمها، وأحلمها، كان تجد طريقها إلى هذا الفصل بفضل ضي...

وبينما كانت تعزف تذكرت ضي كيف أنها هي التي جلبت هذه الآلات الموسيقية إلى المدرسة من مالها الخاص، حرصًا منها على أن يكون لتلميذاتها فرصة لاكتشاف أنفسهن من خلال هذا الفن الراقي، فقد أدركت أن الموسيقى ليست مجرد درس نظري في كتاب، بل هي لغة عالمية يمكنها أن تفتح قلوب الناس وتنقلهم إلى عوالم بعيدة عن كل ما هو مادي، والآن.. ومع كل آلة تعزف عليها، وكل نغمة تخرج من بين أصابعها، كانت تعلم أن حلمها قد أصبح حقيقة، وأنها قد صنعت عالمًا صغيرًا مليئًا بالحب والجمال...

وفي تلك اللحظات كانت ضي تغني بصوتٍ خفيض وهي تُعيد بناء واقع تلاميذها ليس فقط من خلال تعليمهم النغمات، بل بتعليمهم كيف يكتشفون ذواتهم من خلال أصواتهن الداخلية..

سكن الليلُ

وفي ثوبِ السكونِ تختبئُ الأحلامْ

وسعى البدرُ

وللبدرِ عيونٌ ترقبُ الأيامْ

إنها ترقبُ رجْعَ البَدرِ في ضوءِ الصباحْ

إنها تَسألُهُ عن فَمِهِ المِضاحْ

عن لِمَاهِ السحرِ، عن خَدِّهِ الوَضاحْ

عن دُجى عينيه، عن سِرِّ النّدى في وجنتيهْ

عن صدى طيْفِ مُنادٍ هَامَ في البيداءِ،

أغوته المنى والماءِ والرملُ النّدي..

اختتمت دندنة أغنيتها المفضلة لفيروز، فتجاوبت الطالبات بالتصفيق الحار، وعيونهن تبرق بدموع لم تستطع الاختباء، تأثرًا بذلك الصوت الذي داعب أوتار القلوب..

و في نهاية اليوم وبعد أن انتهت الحصة الأخيرة في المدرسة، تلاقت خطوات تولاي وضِي في ممر المدرسة الهادئ حيث كانت الأنوار الخافتة بدأت تغلف المكان والهواء البارد يحمل في طياته رائحة الكتب القديمة، كانت تولاي قد أكملت تدريس مادتها ونظرتها لا تكاد تخفي الحزم والتحدي اللذين لا يفارقانهما أبدًا، أما ضي فقد كانت قد أنهت دروس الموسيقى وأيديها الناعمتين ما زالتا تعبثان بألحان البيانو في ذهنها وعيناها المتألقتين تحملان إشراقة خاصة تُضيء قلب أي شخص يراها...

رغم اختلاف شخصياتهما كانت تجمعهما رابطة غير مرئية تشبه الهواء الذي تتنفسانه، تولاي كانت تتفحص العالم من حولها بعينين يقظتين، فيما كانت ضي تعيش في عالم من الأحلام تبحث دائمًا عن الجمال في كل شيء...

عندما التقت عيون تولاي بأختها ابتسمت ابتسامة خفيفة لكنها كانت مليئة بالحنان والتفاهم الذي لا يحتاج للكلمات، جلستا معًا على مقعد خشبي في الحديقة المقابلة لبوابة المدرسة الخارجية، حيث كان ضوء الشمس الذهبي ينعكس على وجهيهما، لتشعرت ضي وكأنها في حلم طويل...

سألت تولاي بصوتها القاسي الذي تحاول إخفاء بعض من شعور دفين:

– كيف حالكِ اليوم؟

ابتسمت ضي برقة واجابتها بهيام:

– كان يومًا جميلًا ككل يوم… فالموسيقى تعلّمنا كيف نعيش اللحظة ونشعر بكل شيء بعمق. هي ليست مجرد نغمات، بل لغة الروح. ولولا هذا الفن العظيم، لكان العالم ممتلئًا بالقتلة والمجرمين.

ضحكت تولاي بصوت خافت وهي تراقب أختها بتلك النظرة التي تحمل في عمقها الاحترام والاعتزاز وهي تقول لها:

– وأنتِ دائمًا تهربين إلى نغماتكِ الخاصة، كأنكِ لن تعودي… وكأنكِ تحاولين أن تُبقي هذا العالم خاليًا من القتلة والمجرمين.

ردت ضي بحنانٍ في عينيها، تلتقط الكلمات وكأنها تهمس لها من بين ألحان البيانو التي كانت تسكن قلبها:

– وأنتِ دائمًا واقفة في مكانك، تعلّمينا كيف نواجه الدنيا بكل ما فيها، لكن بقسوة… كل واحدة منا لها طريقتها الخاصة في الحياة يا تولاي.

بينما كانت ضي ترد كانت الحديقة الواسعة تتضاءل حولهما والوقت كان يسرب من بينهما ليتركهما في عزلتهما الخاصة، كانت ضي تبتسم بسلام داخلي كما لو أن كل شيء من حولها قد توقف للحظة، أما تولاي فكانت شديدة في صمتها لكن عيونها كانت تحمل كل ما تعجز الكلمات عن قوله...

شعر كل منهما بجمال اللحظة التي كانت تجمعهما مدركين أن هذا الرابط الذي لا يُرى بأعين الآخرين هو ما يجعل كل شيء حولهما ذا معنى، كان كل ما يحيطهما يتغير لكن ما بينهما ذلك الرابط الأبدي بين الأختين كان هو الثابت الوحيد في عالم متقلب...

وجهت تولاي انتباهها نحو ضي التي كانت شاردة في عالمها الخاص و ابتسامته الهادئة ترتسم على ملامحها وكأنها تزرع أثرًا خفيًا من السحر في الأجواء وهي تقول لشقيقتها بتلك الرقة التي تميزها:

– سأعود إلى المنزل الآن، لدي بعض الأمور التي يجب أن أنجزها.

أجابتها تولاي بنبرة حزينة لكنها تحمل في طياتها شغفًا غير مرئي:

– ستذهبين إلى البيت وأنا لا يزال أمامي تصحيح، عملي لم ينتهِ بعد… يا لَحُسن حظكِ يا من ستعودين إلى المنزل.

ابتسمت ضي برقة وتنهدت قبل أن تغيظها بخفة وهي تهم بالرحيل وتعبر من البوابة الخارجية:

– قدرك يا مس تولاي.

التفت ضي بفزع وهي تستمع لصرير عالي من سيارة تسير على الأسفلت قبالتها وقد أصدرت صوتٍ مرتفع وهي تتوقف فجأة أمام جسدها بمسافة قصيرة!

كان يامن يمرّ بسيارته في الشارع المجاور لمدرستها، حين لمحها تسير بظهرها وتعبر الطريق نحو البوابة، ضغط على المكابح بعنف وتوقف فجأة..

ومن خلف زجاجه، راقبها بنظرة غريبة، لم يُخفِ فيها غضبه المكبوت ولا امتعاضه من وجودها في هذا التوقيت بالذات، كانت عيناه تتفحصانها بطريقة فظة ومشوشة، تختلط فيها الأنانية بالحنق، كما لو أن رؤيتها أيقظت داخله شيئًا لم يكن مستعدًا لمواجهته..

شعرت ضي بشيء غير مريح برغم أنها لم تكن تتجه نحوه، لم يكن ذلك الغضب الموجه إليها يسلبها هدوءها، لكنها كانت تعرف تمامًا أن نظراته كانت ثقيلة، ثقيلة مثل عبء يهجم على قلبها وقد شعرت بعاصفة تمر من فوقها، تلاقت عينيهم في لحظة واحدة، ثم اتخذت ضي جانب السير الأمن ولم تلتفت إليه ثانية ولكنها شعرت بوجوده خلفها والوقت يمر ببطء رهيب حولهما...

أما يامن فقد أوقف سيارته بعيدًا عنها وبدت ملامحه مشوهة بغضب واضح في عينيه، ثم أدار رأسه نحو مكان آخر وهو يعود بسيارته بعنف، لكن نظراتها لم تكن تبرح عقله، و في تلك اللحظة كانت ضي قد عبرت الشارع وهي تتقدم بهدوء نحو المنزل، عيونها كانت ثابتة في مكانها،

ومع كل خطوة كان الصوت الوحيد الذي يخترق السكون هو دقات قلبها التي كانت تزداد تسارعًا ولكنها لم تُظهر ذلك... كانت ضي تعرف جيدًا كيف تحافظ على هدوئها لكنها شعرت بنوع من الخوف غير المُعلن يتسلل داخلها، خوفًا من أن تعود الأيام وتفتح أبوابًا مغلقة في حياتها..

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • رجال الله   مخاض النار والولادة الثانية

    توقف الزمن في تلك الغرفة الخشبية الضيقة، وتحول الصمت إلى كتلة من الأسلاك المشدودة بين أنفاس الأبطال. كان صوت ارتطام الجسد بالخارج كافيًا ليعيد مالك إلى غريزة الصياد التي لم تخطئ يومًا. تحامل على آلام خاصرته الممزقة، وضغط بيده اليسرى على جرحه الذي بدأ ينبض بدم دافئ جديد، بينما ثبتت يمناه المسدس نحو قفل الباب بجمود فولاذي.لم يكن الخوف يعرف طريقًا لقلب مالك، لكن الصراع النفسي الذي يعصف بكيانه في تلك الأجزاء من الثانية كان يتعلق بتلك المرأة المتربصة خلفه. التفت لبرهة خاطفة نحو "ملك" التي كانت تقف محتمية بجدار الحاوية، وعيناها الواسعتان تلتقيان بعينيه بنظرة حملت من العشق واللوعة ما يفوق احتمال البشر. رآها ترتجف، لا ذعرًا من الموت، بل رعبًا من أن تفقده بعد أن امتزجت روحاها ببعضهما وسط لظى المعارك. تمنى في تلك اللحظة لو يلقي بسلاحه ويدفن وجهه بين خصلات شعرها الحريري ليتنفس الطمأنينة، لكن طبول الحرب كانت تقرع بالخارج بلا رحمة.أشار مالك لجلال برأسه، فتحرك جلال بخفة الشبح نحو الجانب الأيمن للباب، مستعداً للأسوأ. وفجأة، تحرك مقبض الباب ببطء، وانفتح ليقذف إلى داخل الكوخ جسداً مترنحاً

  • رجال الله   شروق على حافة الرماد

    تحول الكوخ الخشبي خلال الساعات التالية إلى غرفة عمليات مصغرة، تغذيها الشموع وبعض أجهزة الاتصال المحمولة البدائية التي لم تكن متصلة بالشبكة العامة لتفادي تعقب سامح ورجاله. كان مالك يتبادل النظرات مع جلال الذي بدأ يستعيد توازنه النفسي تدريجياً، مدفوعاً برغبة حارقة في إنقاذ شقيقته الصغرى وتطهير شرف ولائه الذي تلوّث بخيانة سامح.جلس جلال على مقعد خشبي واضعاً خريطة المنطقة الساحلية القديمة أمام مالك، وقال بتركيز شديد:— مالك... الأوراق السرية والملفات الاستخباراتية المشفرة التي يريدها العراب ليست في القصر المحترق، أنا أعلم ذلك. أنت نقلتها قبل أشهر إلى الخزنة الحصينة في السرداب السفلي للمرفأ القديم، تحت المستودع رقم ٣، أليس كذلك؟أومأ مالك برأسه، وكان يضغط بقطعة شاش طبي على جرحه الذي بدأ يلتئم ببطء رغماً عن الحركات العنيفة التي قام بها، وقال بنبرة باردة:— نعم. العراب يظن أنني سآخذ تلك الأوراق وأذهب إليه راكعاً في القصر مستسلماً لشروطه خلال الأيام الثلاثة. هو يعتقد أن إصابتي وخيانة سامح قد جردتني من القدرة على التفكير التكتيكي. لكنه أخطأ في الحساب؛ فالأوراق التي يبحث عنها

  • رجال الله   أنياب الخيانة

    ترجل جلال بسرعة وفتح الباب الخلفي. وبمساعدة ملك التي كانت تقاوم تعب جسدها وإرهاقها النفسي الشديد، تمكنوا من نقل مالك إلى داخل الكوخ ووضعه على سرير خشبي عريض في الغرفة الرئيسية.أحضر جلال حقيبة الإسعافات الطبية المتقدمة، وبدأ بقطع قميص مالك ليكشف عن الجرح الشنيع. شهقت ملك وتراجعت خطوة إلى الوراء وهي ترى الشظية المعدنية المستقرة بعمق داخل لحمه، والدماء التي لا تزال تنبض ببطء من الجرح.التفت جلال إليها وقال بجدية بالغة:— ملك... يجب أن أستخرج هذه الشظية الآن فوراً قبل أن يحدث تسمم في الدم. سأحتاج لمساعدتكِ... يجب أن تمسكي بيديه بقوة وتتحدثي إليه ليبقى مستيقظاً. الألم سيكون غير محتمل، ولا نملك مخدراً كاملاً هنا، فقط بعض المسكنات الموضعية. هل أنتِ مستعدة؟نظرت ملك إلى مالك، ورأت الخوف في عينيه... ليس خوفاً من الألم، بل خوفاً من أن يرى الضعف في عينيها. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بقوة غريبة تسري في عروقها. تقدمت نحو السرير، وجثت بجانبه، وأمسكت بيديه بقوة غريبة تفوق حجم جسدها الصغير، وشبكت أصابعها بأصابعه.قالت وهي تبتسم له دمعة تتلألأ في عينيها كالنجم في عتمة الليل:—

  • رجال الله   صرخة الرصاصة

    ساد المستودع لثانية واحدة صمتٌ حاد، صمتٌ يشبه الوقوف على شفرة سيفٍ صقيل في مهب الريح. كانت فوهة بندقية "سامح" الأوتوماتيكية لا تزال مثبتة بدقة متناهية على جبهة مالك، وإصبعه يتحرك ببطء قاتل على الزناد. وفي تلك الفجوة الزمنية الضيقة التي تفصل بين الحياة والعدم، انطلقت الرصاصة المجهولة مزمجرة في عتمة المكان، لتمزق جدار الدخان الكثيف الذي يملأ المستودع. لم تكن الرصاصة موجهة إلى مالك، ولم تكن طلقة طائشة. استقرت الرصاصة بدقة فولاذية في معصم سامح الأيمن، الذي كان يقبض به على البندقية. دوت صرخة ألم وحشية من حنجرة الخائن، وسقط السلاح من يده محدثًا رنينًا حادًا على الأرضية المعدنية الصدئة، بينما تراجع إلى الخلف خطوات وهو يمسك بمعصمه المتفجر دماءً، وعيناه تملأهما الصدمة والذعر. من خلف سحب الدخان، ظهر طيفٌ مألوف، طيفٌ يحمل سلاح قنصٍ قصير المدى، يتقدم بخطوات واثقة تكاد لا تلامس الأرض من فرط خفتها وسرعتها. إنه "جلال"... الذراع الحقيقية والصديق الذي لم تلوث الأطماع نقاء ولاءه. كان وجهه مغطى برماد الانفجار، وعيناه تقدحان شررًا وهو يوجه سلاحه نحو صدر سامح المتألم.

  • رجال الله   الخيار المستحيل

    ساد صمتٌ من نوعٍ آخر داخل ذلك المستودع المهجور؛ صمتٌ يمزقه صوتٌ رتيب، بارد، ومستمر... صرير الثواني التي تتناقص على شاشة الموقت الرقمي المثبت أسفل المقعد الخشبي الذي قُيدت إليه ملك."59... 58... 57..."كانت الأرقام الحمراء تنعكس في عيني مالك كجمرات تشتعل في عتمة غضبه. تيبس جسده بالكامل، وبدت عروق عنقه ويديه كحبال مشدودة تكاد تنفجر من فرط الضغط. في تلك اللحظة، لم يكن مالك يرى المسلحين الذين يملؤون الشرفات العلوية، ولم يكن يسمع هتاف الريح والعاصفة التي تضرب الجدران المعدنية للمستودع في الخارج. كل وجوده انكمش وتكثف في مساحة واحدة: وجه ملك الشاحب، وعيناها اللتان تفيضان ببريقٍ مرعب يمزج بين ذعر الموت الوشيك وعشقٍ لا يموت.وقف العراب خلفها، واضعًا فوهة مسدسه الذهبي بدقة متناهية على صدغها. كانت يده ثابتة، لا ترتعش، كيد جراحٍ يوشك على استئصال قلب مريضه دون أي شعور بالذنب. ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الأبوية الباردة التي كانت تثير الرعب في نفس مالك طوال سنوات مراهقته وبدايات تدريبه.قال العراب، وصوته ينساب كأفعى في وادٍ مهجور:— ستون ثانية يا بني... ستون ثانية هي كل ما

  • رجال الله   العودة إلى نقطة الصفر

    كان صوت الرنين في الممر المظلم يشبه دقات ساعة جدارية في قصرٍ مهجور، كل دقة تقضم جزءًا من ثوانٍ قد تكون الأخيرة في حياة ملك. أخرج مالك الهاتف بيدٍ ترتجف غضبًا، وضغط على زر الإجابة دون أن ينطق بكلمة. كان أنينه المكتوم داخل صدره كافيًا ليعلن للطرف الآخر أنه استلم الرسالة الدموية.جاء الصوت عبر الطرف الآخر هادئًا، باردًا، يحمل تلك البحة الأبوية الزائفة التي طالما خدعت مالك في شبابه. كان صوت "العراب".— أهلاً بك في عالم الحقيقة يا بني. ظننتَ أنك دفنتني؟ النفوس الكبيرة لا توارى الثرى بكلمات تقارير استخباراتية صاغها صبية هواة.تصلبت عضلات فك مالك، وخرج صوته كفحيح أفعى جرحت في مقتلها:— إن لمست خصلة واحدة من شعرها... سأجعل ما فعلته بك في المرفأ قبل سنوات يبدو كنزهة أطفال. سأبيدك، وأبيد كل من تنفس هواءً مررت به.انطلقت ضحكة خفيضة، مستفزة، هزت سماعة الهاتف:— الغضب يعمي البصر يا مالك، وأنت اليوم أعمى تمامًا. امرأتك الجميلة معي، تتأمل البحر من نافذة مختلفة تمامًا عن نافذة قصرك العاجي. إنها ذكية... لم تصرخ، ولم تبكِ كباقي النساء، بل كانت تنظر إلى رجالي بنظرة تحمل اسمك، و

  • رجال الله   هروب من الاجابات

    اسندت ظهرها للحائط من خلفها و يداها تضغطان على رأسها في محاولة لإيقاف كل تلك الأصوات التي تحاصرها، لكن صوت معاذ ظل يتردد في عقلها، يطاردها ككابوس لا تستطيع الهروب منه.ــــــــــــــــــــــــــــــــركب مالك السيارة التي كانت تنتظره أمام المقر السري، وداخل السيارة غلفه صمتٌ مشحونٌ بالتوتر، الهواء

  • رجال الله   عقد طي النسيان

    كانت ملك جالسة على طرف فراشها، يحيط بها ظلام ثقيل لا يشبه العتمة التي تملأ الغرفة بل عتمة أخرى أكثر عمقًا، تجثم على صدرها وتسد أنفاسها، الأضواء الخافتة المرتعشة بالكاد تكشف عن ملامح وجهها الباهت، بينما كانت عيناها تبحثان بلا جدوى عن مخرج وسط هذا السكون الذي صار خانقًا...انتبهت حينما كسر ا

  • رجال الله   رهان على الحافة

    كان يمان ممددًا على السرير، جسده مستسلم تمامًا للنوم العميق، لكن داخله كان مضطربًا كبحرٍ يموج في ليلة عاصفة، كل شيء من حوله كان ساكنًا بشكل مريب، وكأن الغرفة بأكملها تآمرت ضده لتُسكت حتى أصغر الأصوات، الهواء ثقيل مشبع برائحة اللافندر التي لطالما كانت علامة مميزة لوجود أمه.. زهرة..تسللت ال

  • رجال الله   مهمة مستحيلة

    استفاق مالك من نومه فجأة وعيناه ما زالت غارقتين في بقايا الأحلام، غرفة نومه الواسعة التي تعكس ذوقه الرفيع وحياته المترفة كانت تغمرها أشعة الشمس التي تسللت عبر النوافذ الكبيرة المضيئة بالزخارف واللوحات التي تزين الجدران من حولها، هو كان في قلب الراحة والهدوء لكن خلف تلك الأجواء كان عقله لا يهدأ أب

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status