Beranda / الرومانسية / رجال الله / من لا يعرف الرحمة

Share

من لا يعرف الرحمة

last update Tanggal publikasi: 2026-05-22 00:26:33

بينما كانت ملك تغلق الباب خلفه في محاولة يائسة لإغلاق هذا الفصل المشحون بالغضب داخلها، كان مالك يقف على حافة الهاوية، يشعر بقلبه يضطرب بقوة، لا يستطيع أن يتجاهل الهزات التي تهدد استقرار هذا المكان، لم يكن ينتظر أن تكون الأمور على هذا النحو، ولكن الطلقات النارية التي بدأت تملأ الأفق دوت في أعماقه، وكانت بمثابة نذير شؤم، هذه الطلقات لم تكن سوى تصعيد آخر في سلسلة من التحديات التي لم يكن مستعدًا لها...

فور أن حط قدمه في الساحة، كان المنظر أمامه فوضويًا بقدر ما كان مفزعً، رجالهُ الذين كانوا يشرفون على الأمن في محيط القصر، كانوا يتنقلون بسرعة بين بعضهم البعض، بينما كانت النساء يختبئن في الظلال، وفي وسط هذا المشهد المتناثر تلمح عينيه على الفور تلك الهمسات واللمسات التي تدل على تزايد الغضب، خاصة من أولئك الذين بدأوا يعترضون على ما اعتبروه تعديًا على مكانتهن...

– كيف له أن يُحضر واحدة جديدة؟ ألم نتفق على غير ذلك؟ نحن أولى من أي امرأة أخرى هنا!

قالت إحدى النساء بصوت متوتر بينما اتسعت عيون أخرى بنظرات عميقة من الغضب والاحتقار، أما صوت المرأة الثانية فكان يتردد في الهواء وكأنها تحاول إحكام قبضتها على الموقف وهي تُتمتم بهمس لأخرى:

– كان من المفترض أن نكون هنا عائلة واحدة، ولا يصح أن يتخذ قرارًا بجلب أحد دون علمنا، ثم يدخل غرفتها أيضًا! لمَ هي تحديدًا؟

كانت كلماتهن كالطعنة في قلبه، لم يكن يتوقع أن تكون ردة الفعل بهذا الشكل!

لكن ما جعله يتنفس بصعوبة هو أن كلامهن كان يحمل تهديدًا أكبر من مجرد اعتراض، كان هنالك شكوك وتحفيزات خفية بين رجاله، الذين كانوا يقفون على أطراف أصابعهم في حالة تأهب، غير قادرين على إخفاء غضبهم الذي بدأ يشق طريقه بينهم وهناك صفة تلوح فوق رؤوسهم جميعًا "في وسطهن خائن"..

استجمع مالك قواه، وقام بتحريك رأسه سريعًا نحو الرجال الذين بدأوا يتبادلون نظرات فاحصة، بينما ما زال النساء يهمسن بكلمات غير مفهومة، كان يعرف أنهم كانوا ينتظرون أن يظهر لهم كي يستمعوا لما سيقوله، وكلما مرت لحظة كان يتزايد التوتر في المكان بشكل أكثر وضوحًا، وكأن الأرض ترفض أن تبقى هادئة في وجه هذا الاعتراض الصاخب..

لكن مالك لم يكن ليقف ساكنًا، عينه كانت تلمعان كالنيران التي تشتعل في الظلام، رفع يده بحركة قوية تكسر الصمت الذي كان يلف المكان وصرخ في وجه النساء قائلاً بنبرة حازمة وحادة لم تترك مجالًا لأي اعتراض:

– صمتًا من فضلكم... أريد أن أسمع كل شيء بوضوح، تفضلوا وتحدثوا واحدةً تلو الآخرى.

توقف الجميع لحظة وكأن الهواء توقف في صدورهم، لم يكن أحد يتوقع أن يتخذ مالك هذا الموقف القوي في اللحظة التي كان فيها الاحتقان يصل إلى ذروته، كان ينظر إليهن بعينيه الثابتتين وكأنهما من معادنٍ صلبة، ليرفع نبرته بغلظة وهو مازال على وقفته الهادئة:

– لمَ الصمت الآن؟! أخبروني بصراحة، ما الذي تعترضون عليه تحديدًا؟!

ظلوا واقفين يحدقن به كالأصنام وكلاٌ منهن ابتلعت لسانها وأثرت الصمت وهي تنظر لمثيلاتها لتبدأ أيًا منهن بالنطق، ولكن لم تتجرأ واحدة على فتح فمها..

التفت مالك نحو الرجال الذين كانوا يقفون بلا حراك يراقبون ما يجري، أدرك أنه لا يمكن أن يسمح لهم بمشاركة شكوكهم أو حتى التمادي في اعتراضاتهم، وفي لحظة من الغضب المكبوت نظر إليهم بعينين مليئتين بالبُغض وبنظرة لا ترحم، أمرهم بصوت زلزل الأرض تحت أقدامهم:

- افتحوا النار!

أطلق رجال مالك النار في الهواء على الفور، وفي لحظة كان الصوت الصادم للطلقات النارية يملأ المكان ويهز أركان الجدران من حولهم، كانت الطلقات في الهواء بمثابة تحذير صارم لا يتساهل مع من يفكر في تحدي سلطته..

أما النساء فما إن ارتفع صوت الرصاص الذي يتساقط فوق رؤوسهن حتى هرعت كل واحدة منهن إلى غرفتها محاولة أن تخفي ارتجافها خلف مظهر متماسك، لكن خطواتهن السريعة كشفت عن اضطراب داخلي كأنهن يهربن من عاصفة لا قِبل لهن بها..

أما الرجال فظلوا واقفين في صمت ثقيل، أعينهم مُثبتة على الأرض، لا يجرؤون على مواجهة نظرات مالك، كانوا يدركون تمامًا أن تجاوز أي حد ولو بكلمة واحدة لن يمر بسلام، وأن غضب مالك إذا اشتعل سيحرق كل من يقف في طريقه..

وفي تلك اللحظة شعر مالك بثقل المسؤولية على كاهله، لم يكن الأمر مجرد تصعيد على مستوى الرجال فقط، بل كانت هذه اللحظة هي نقطة تحول؛ إن لم يكن هو من يثبت سلطته الآن فسيجد نفسه في يومٍ ما غير قادرٍ على التحكم بما حوله وخاصة بعد قدومها..

حوّل نظره نحو رجاله التي التقت أعينهم بعينيه للحظة قبل أن تهبط سريعًا إلى الأرض في رهبة واضحة، أخذ نفسًا عميقًا ثم قال بصوت حازم لا يقبل التراجع:

– لن أسمح لأحد بتجاوز حدوده مرة أخرى، مهما كان شأنه، ولن أقبل بأي اعتراض يُقال من خلفي، ومن لا يعجبه الوضع، فليغادر... لكن عليه أن يدرك جيدًا أن أي خطوة خاطئة سيكون ثمنها حياته.

ثبتت كلماته في الأجواء كالسيف المعلّق فوق رؤوسهم، راقبهم للحظات، وأصوات أنفاسهم وحدها تملأ الصمت الثقيل، الجو كان مشحونًا بالخوف والترقب، لكنه شعر براحة غامضة، سلطته الآن غير قابلة للتشكيك لكنه يعلم جيدًا أن هذا الانتصار مجرد بداية..

ثم أدار ظهره وعاد إلى داخل القصر وهو يعلم أن القادم سيحمل معه تحديات أصعب وأخطارًا تهدد عرشه.

ــــــــــــــــــــــ

في غرفة فاخرة تُغلفها العتمة حيث لا يدخل النور سوى بشكل متقطع من خلال الستائر الثقيلة التي تزين النوافذ العتيقة، جلس الرئيس على كرسيه المريح خلف طاولة فخمة وقد بدت هيبته تعمّ المكان بينما الجميع يتوقف عند حضوره، الجدران المظلمة كانت تلتقط صدى خطواته الثقيلة، وفي أرجاء الغرفة المنتشرة بنظام دقيق كانت تتناثر أوراق وأجهزة متقدمة بما فيها جهاز الترجمة الذي يوشوش الكلمات بينه وبين مساعده...

أمام الرئيس وقف المساعد العربي..

جسده متصلب وعينيه لا تجرؤ على التلاعب، بينما كانت نظرات ذلك الرئيس المتحفزة تراقب كل حركة بعناية، كان في يد المساعد جهاز الترجمة الذي ينقل كلمات الرئيس من الإنجليزية إلى العربية، وكأنما كان يعبر عن هوة عميقة بين عالمين مختلفين كلٌّ منهما يملك سرًا..

قال الرئيس بصوتٍ منخفض وهادئ لكنه يحمل قوّة تهز أركان المكان، بيد أن الكلمات كانت تمرّ عبر جهاز الترجمة قبل أن تصل إلى أذن المساعد الذي كان يصغي بدقة:

"Did you find someone who can execute our task? Tell me, I need to know the man’s capability"

"هل وجدت من يمكنه تنفيذ مهمتنا؟ أخبرني، يجب أن أعرف قدرة هذا الرجل."

ترجم المساعد في ذهنه سريعًا ثم ردّ، وصوته هادئ ولكنه يحمل شيئًا من الحذر:

"نعم يا سيدي.. الشخص الذي تبحث عنه موجود."

نظر الرئيس إلى المساعد بنظرة نافذة، وكأنما يقرأ قلبه وعقله في آن واحد، ثم رد بصوت حاد وقاطع، يُترجم مباشرة عبر جهاز الترجمة الذي ينقل كلماته العربية إلى الإنجليزية بصوت مُعتدل غير مكترث بما يقوله مساعده بل بما يترتب عليه:

"Who is he? I need to know his background, and if he’s worthy of the responsibility."

"من هو؟ أحتاج إلى معرفة خلفيته، وإذا كان يستحق هذه المسؤولية."

أخذ المساعد نفسًا عميقًا وهو يقف أكثر استقامة، وكأنه يتأهب لإلقاء كلمةٍ تحمل في طياتها مصيرًا مجهولًا، بدأ يروي ببطء لكنه كان يعلم أن كل كلمة ستكون تحت المراقبة:

"اسمه المشهور به مالك... رجلٌ لا يعرف أحد هويته الحقيقية، هناك شائعات عنه، لا تراه إلا في اللحظات التي يُراد لها أن تثير الرعب، وعندما يختفي، كأنه لم يكن موجودًا أبدًا."

أومأ الرئيس ببطء، بينما كان يراقب المساعد بحذر، ثم سأل بلغة تكتسب نغمة أكثر حدة:

"Is he reliable? Can I trust him? The task requires absolute precision. One mistake and it’s all over."

"هل هو موثوق؟ هل يمكنني الوثوق به؟ المهمة تتطلب دقة مطلقة، خطأ واحد وكل شيء سينتهي."

اجاب المساعد على عجلٍ وبثبات:

"إنه أكثر من موثوق يا سيدي.. هو الرجل الوحيد الذي لا يُخطئ، وقد أنجز مهامًا شديدة التعقيد في الماضي، حتى أن الذين عملوا معه يصفونه بأنه آلة، لا يعرف الرحمة ولا يلتفت إلى الخوف، لا أحد يعرف من أين جاء ولا ماهي جنسيته، ولا أحد يعرف متى يختفي أو يظهر، وهو ليس شخصًا يمكن التلاعب به ولا معه."

صمت طويل خيم على الغرفة والشخصان يترجمان الكلمات بينهما، ولكن تلك الكلمات كانت تشبه الطلقات، كل واحدة منها تحمل في طياتها شيئًا عميقًا من الجدية، ثم تابع المساعد:

"لقد سمعت من رجال آخرين عنه... عندما ذكروا اسمه كان الهواء في الغرفة يتغير، يقولون إنه يسيطر على كل شيء في محيطه، لا أحد يستطيع الوقوف أمامه ولا أحد يجرؤ على تحدي سلطته، وكما أيقنت هو أقوى رجل في هذه المنطقة... بل والأقوى في هذا العصر على الأرض، لا يمكن أن يوجد من هو في مثل مكانته."

بينما كان المساعد يروي ما سمعه وعرفه بدأ الرئيس يراقب المساعد بتركيز أكثر، يداه متشابكتان على الطاولة أمامه بسكونٍ ويشعر بمبالغته الشديدة للإطراء بما يسمى مالك.. فجأة نظر إلى المساعد وقال بصوت منخفض ولكنه مليء بالقوة:

"If he’s the strongest, then I want him. I need someone who doesn't fail, someone who commands the world in silence. But remember, if he doesn’t deliver, he becomes our enemy."

– إذا كان هو الأقوى فأنا أريده، أحتاج إلى شخص لا يفشل، شخص يقود العالم في صمت.. لكن تذكر إذا لم ينجح في المهمة يُصبح عدونا."

بدأ يشعر بضغط الكلمات وقد كان يدرك تمامًا أن هذه المرة هي المرة الفارقة، رد بصوت لا يعكس سوى يقين تام:

"لن يفشل يا سيدي... مالك لا يُخطئ، إن كان لديه مهمة فهي ستنفذ حتى النهاية بدون تراجع أو خطأ، نحن أمام رجل لا يساوم، ولا يساويه أحد في قوته أو سيطرته، أؤكد لك ذلك."

أغمض الرئيس عينيه لفترة قصيرة، ثم فتحهما ببطء، كانت تلك اللحظة كأنها دقيقة واحدة من التأمل العميق في قرار مصيري...

و في النهاية قال بصوت هادئ:

"Then let it be done. Make sure he knows what's at stake. If he fails, It’s not just his life that’s on the line."

"إذن دعنا نبدأ... تأكد من أنه يعرف ما الذي عليه مواجهته، إذا فشل فلن تكون حياته فقط على المحك."

صمت مرة أخرى ولكن هذه المرة كان الصمت عميقًا كأنه يختزن كل ما هو قادم، ثم أضاف بلهجة أكثر قسوة:

"We will either win... or we will destroy everything in our path."

" إما سننتصر... أو سندمر كل شيء في طريقنا."

لم يتكلم المساعد بل أومأ برأسه تفهمًا، فهو يعلم أن هذه المهمة ليست فقط اختبارًا للرجال، بل اختبارًا للأرواح، وبالتأكيد مالك يستطيع النجاح في كل تلك الاختبارات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status