로그인بينما كانت ملك تغلق الباب خلفه في محاولة يائسة لإغلاق هذا الفصل المشحون بالغضب داخلها، كان مالك يقف على حافة الهاوية، يشعر بقلبه يضطرب بقوة، لا يستطيع أن يتجاهل الهزات التي تهدد استقرار هذا المكان، لم يكن ينتظر أن تكون الأمور على هذا النحو، ولكن الطلقات النارية التي بدأت تملأ الأفق دوت في أعماقه، وكانت بمثابة نذير شؤم، هذه الطلقات لم تكن سوى تصعيد آخر في سلسلة من التحديات التي لم يكن مستعدًا لها...
فور أن حط قدمه في الساحة، كان المنظر أمامه فوضويًا بقدر ما كان مفزعً، رجالهُ الذين كانوا يشرفون على الأمن في محيط القصر، كانوا يتنقلون بسرعة بين بعضهم البعض، بينما كانت النساء يختبئن في الظلال، وفي وسط هذا المشهد المتناثر تلمح عينيه على الفور تلك الهمسات واللمسات التي تدل على تزايد الغضب، خاصة من أولئك الذين بدأوا يعترضون على ما اعتبروه تعديًا على مكانتهن...
– كيف له أن يُحضر واحدة جديدة؟ ألم نتفق على غير ذلك؟ نحن أولى من أي امرأة أخرى هنا!
قالت إحدى النساء بصوت متوتر بينما اتسعت عيون أخرى بنظرات عميقة من الغضب والاحتقار، أما صوت المرأة الثانية فكان يتردد في الهواء وكأنها تحاول إحكام قبضتها على الموقف وهي تُتمتم بهمس لأخرى:
– كان من المفترض أن نكون هنا عائلة واحدة، ولا يصح أن يتخذ قرارًا بجلب أحد دون علمنا، ثم يدخل غرفتها أيضًا! لمَ هي تحديدًا؟
كانت كلماتهن كالطعنة في قلبه، لم يكن يتوقع أن تكون ردة الفعل بهذا الشكل!
لكن ما جعله يتنفس بصعوبة هو أن كلامهن كان يحمل تهديدًا أكبر من مجرد اعتراض، كان هنالك شكوك وتحفيزات خفية بين رجاله، الذين كانوا يقفون على أطراف أصابعهم في حالة تأهب، غير قادرين على إخفاء غضبهم الذي بدأ يشق طريقه بينهم وهناك صفة تلوح فوق رؤوسهم جميعًا "في وسطهن خائن"..
استجمع مالك قواه، وقام بتحريك رأسه سريعًا نحو الرجال الذين بدأوا يتبادلون نظرات فاحصة، بينما ما زال النساء يهمسن بكلمات غير مفهومة، كان يعرف أنهم كانوا ينتظرون أن يظهر لهم كي يستمعوا لما سيقوله، وكلما مرت لحظة كان يتزايد التوتر في المكان بشكل أكثر وضوحًا، وكأن الأرض ترفض أن تبقى هادئة في وجه هذا الاعتراض الصاخب..
لكن مالك لم يكن ليقف ساكنًا، عينه كانت تلمعان كالنيران التي تشتعل في الظلام، رفع يده بحركة قوية تكسر الصمت الذي كان يلف المكان وصرخ في وجه النساء قائلاً بنبرة حازمة وحادة لم تترك مجالًا لأي اعتراض:
– صمتًا من فضلكم... أريد أن أسمع كل شيء بوضوح، تفضلوا وتحدثوا واحدةً تلو الآخرى.
توقف الجميع لحظة وكأن الهواء توقف في صدورهم، لم يكن أحد يتوقع أن يتخذ مالك هذا الموقف القوي في اللحظة التي كان فيها الاحتقان يصل إلى ذروته، كان ينظر إليهن بعينيه الثابتتين وكأنهما من معادنٍ صلبة، ليرفع نبرته بغلظة وهو مازال على وقفته الهادئة:
– لمَ الصمت الآن؟! أخبروني بصراحة، ما الذي تعترضون عليه تحديدًا؟!
ظلوا واقفين يحدقن به كالأصنام وكلاٌ منهن ابتلعت لسانها وأثرت الصمت وهي تنظر لمثيلاتها لتبدأ أيًا منهن بالنطق، ولكن لم تتجرأ واحدة على فتح فمها..
التفت مالك نحو الرجال الذين كانوا يقفون بلا حراك يراقبون ما يجري، أدرك أنه لا يمكن أن يسمح لهم بمشاركة شكوكهم أو حتى التمادي في اعتراضاتهم، وفي لحظة من الغضب المكبوت نظر إليهم بعينين مليئتين بالبُغض وبنظرة لا ترحم، أمرهم بصوت زلزل الأرض تحت أقدامهم:
- افتحوا النار!
أطلق رجال مالك النار في الهواء على الفور، وفي لحظة كان الصوت الصادم للطلقات النارية يملأ المكان ويهز أركان الجدران من حولهم، كانت الطلقات في الهواء بمثابة تحذير صارم لا يتساهل مع من يفكر في تحدي سلطته..
أما النساء فما إن ارتفع صوت الرصاص الذي يتساقط فوق رؤوسهن حتى هرعت كل واحدة منهن إلى غرفتها محاولة أن تخفي ارتجافها خلف مظهر متماسك، لكن خطواتهن السريعة كشفت عن اضطراب داخلي كأنهن يهربن من عاصفة لا قِبل لهن بها..
أما الرجال فظلوا واقفين في صمت ثقيل، أعينهم مُثبتة على الأرض، لا يجرؤون على مواجهة نظرات مالك، كانوا يدركون تمامًا أن تجاوز أي حد ولو بكلمة واحدة لن يمر بسلام، وأن غضب مالك إذا اشتعل سيحرق كل من يقف في طريقه..
وفي تلك اللحظة شعر مالك بثقل المسؤولية على كاهله، لم يكن الأمر مجرد تصعيد على مستوى الرجال فقط، بل كانت هذه اللحظة هي نقطة تحول؛ إن لم يكن هو من يثبت سلطته الآن فسيجد نفسه في يومٍ ما غير قادرٍ على التحكم بما حوله وخاصة بعد قدومها..
حوّل نظره نحو رجاله التي التقت أعينهم بعينيه للحظة قبل أن تهبط سريعًا إلى الأرض في رهبة واضحة، أخذ نفسًا عميقًا ثم قال بصوت حازم لا يقبل التراجع:
– لن أسمح لأحد بتجاوز حدوده مرة أخرى، مهما كان شأنه، ولن أقبل بأي اعتراض يُقال من خلفي، ومن لا يعجبه الوضع، فليغادر... لكن عليه أن يدرك جيدًا أن أي خطوة خاطئة سيكون ثمنها حياته.
ثبتت كلماته في الأجواء كالسيف المعلّق فوق رؤوسهم، راقبهم للحظات، وأصوات أنفاسهم وحدها تملأ الصمت الثقيل، الجو كان مشحونًا بالخوف والترقب، لكنه شعر براحة غامضة، سلطته الآن غير قابلة للتشكيك لكنه يعلم جيدًا أن هذا الانتصار مجرد بداية..
ثم أدار ظهره وعاد إلى داخل القصر وهو يعلم أن القادم سيحمل معه تحديات أصعب وأخطارًا تهدد عرشه.
ــــــــــــــــــــــ
في غرفة فاخرة تُغلفها العتمة حيث لا يدخل النور سوى بشكل متقطع من خلال الستائر الثقيلة التي تزين النوافذ العتيقة، جلس الرئيس على كرسيه المريح خلف طاولة فخمة وقد بدت هيبته تعمّ المكان بينما الجميع يتوقف عند حضوره، الجدران المظلمة كانت تلتقط صدى خطواته الثقيلة، وفي أرجاء الغرفة المنتشرة بنظام دقيق كانت تتناثر أوراق وأجهزة متقدمة بما فيها جهاز الترجمة الذي يوشوش الكلمات بينه وبين مساعده...
أمام الرئيس وقف المساعد العربي..
جسده متصلب وعينيه لا تجرؤ على التلاعب، بينما كانت نظرات ذلك الرئيس المتحفزة تراقب كل حركة بعناية، كان في يد المساعد جهاز الترجمة الذي ينقل كلمات الرئيس من الإنجليزية إلى العربية، وكأنما كان يعبر عن هوة عميقة بين عالمين مختلفين كلٌّ منهما يملك سرًا..
قال الرئيس بصوتٍ منخفض وهادئ لكنه يحمل قوّة تهز أركان المكان، بيد أن الكلمات كانت تمرّ عبر جهاز الترجمة قبل أن تصل إلى أذن المساعد الذي كان يصغي بدقة:
"Did you find someone who can execute our task? Tell me, I need to know the man’s capability"
"هل وجدت من يمكنه تنفيذ مهمتنا؟ أخبرني، يجب أن أعرف قدرة هذا الرجل."
ترجم المساعد في ذهنه سريعًا ثم ردّ، وصوته هادئ ولكنه يحمل شيئًا من الحذر:
"نعم يا سيدي.. الشخص الذي تبحث عنه موجود."
نظر الرئيس إلى المساعد بنظرة نافذة، وكأنما يقرأ قلبه وعقله في آن واحد، ثم رد بصوت حاد وقاطع، يُترجم مباشرة عبر جهاز الترجمة الذي ينقل كلماته العربية إلى الإنجليزية بصوت مُعتدل غير مكترث بما يقوله مساعده بل بما يترتب عليه:
"Who is he? I need to know his background, and if he’s worthy of the responsibility."
"من هو؟ أحتاج إلى معرفة خلفيته، وإذا كان يستحق هذه المسؤولية."
أخذ المساعد نفسًا عميقًا وهو يقف أكثر استقامة، وكأنه يتأهب لإلقاء كلمةٍ تحمل في طياتها مصيرًا مجهولًا، بدأ يروي ببطء لكنه كان يعلم أن كل كلمة ستكون تحت المراقبة:
"اسمه المشهور به مالك... رجلٌ لا يعرف أحد هويته الحقيقية، هناك شائعات عنه، لا تراه إلا في اللحظات التي يُراد لها أن تثير الرعب، وعندما يختفي، كأنه لم يكن موجودًا أبدًا."
أومأ الرئيس ببطء، بينما كان يراقب المساعد بحذر، ثم سأل بلغة تكتسب نغمة أكثر حدة:
"Is he reliable? Can I trust him? The task requires absolute precision. One mistake and it’s all over."
"هل هو موثوق؟ هل يمكنني الوثوق به؟ المهمة تتطلب دقة مطلقة، خطأ واحد وكل شيء سينتهي."
اجاب المساعد على عجلٍ وبثبات:
"إنه أكثر من موثوق يا سيدي.. هو الرجل الوحيد الذي لا يُخطئ، وقد أنجز مهامًا شديدة التعقيد في الماضي، حتى أن الذين عملوا معه يصفونه بأنه آلة، لا يعرف الرحمة ولا يلتفت إلى الخوف، لا أحد يعرف من أين جاء ولا ماهي جنسيته، ولا أحد يعرف متى يختفي أو يظهر، وهو ليس شخصًا يمكن التلاعب به ولا معه."
صمت طويل خيم على الغرفة والشخصان يترجمان الكلمات بينهما، ولكن تلك الكلمات كانت تشبه الطلقات، كل واحدة منها تحمل في طياتها شيئًا عميقًا من الجدية، ثم تابع المساعد:
"لقد سمعت من رجال آخرين عنه... عندما ذكروا اسمه كان الهواء في الغرفة يتغير، يقولون إنه يسيطر على كل شيء في محيطه، لا أحد يستطيع الوقوف أمامه ولا أحد يجرؤ على تحدي سلطته، وكما أيقنت هو أقوى رجل في هذه المنطقة... بل والأقوى في هذا العصر على الأرض، لا يمكن أن يوجد من هو في مثل مكانته."
بينما كان المساعد يروي ما سمعه وعرفه بدأ الرئيس يراقب المساعد بتركيز أكثر، يداه متشابكتان على الطاولة أمامه بسكونٍ ويشعر بمبالغته الشديدة للإطراء بما يسمى مالك.. فجأة نظر إلى المساعد وقال بصوت منخفض ولكنه مليء بالقوة:
"If he’s the strongest, then I want him. I need someone who doesn't fail, someone who commands the world in silence. But remember, if he doesn’t deliver, he becomes our enemy."
– إذا كان هو الأقوى فأنا أريده، أحتاج إلى شخص لا يفشل، شخص يقود العالم في صمت.. لكن تذكر إذا لم ينجح في المهمة يُصبح عدونا."
بدأ يشعر بضغط الكلمات وقد كان يدرك تمامًا أن هذه المرة هي المرة الفارقة، رد بصوت لا يعكس سوى يقين تام:
"لن يفشل يا سيدي... مالك لا يُخطئ، إن كان لديه مهمة فهي ستنفذ حتى النهاية بدون تراجع أو خطأ، نحن أمام رجل لا يساوم، ولا يساويه أحد في قوته أو سيطرته، أؤكد لك ذلك."
أغمض الرئيس عينيه لفترة قصيرة، ثم فتحهما ببطء، كانت تلك اللحظة كأنها دقيقة واحدة من التأمل العميق في قرار مصيري...
و في النهاية قال بصوت هادئ:
"Then let it be done. Make sure he knows what's at stake. If he fails, It’s not just his life that’s on the line."
"إذن دعنا نبدأ... تأكد من أنه يعرف ما الذي عليه مواجهته، إذا فشل فلن تكون حياته فقط على المحك."
صمت مرة أخرى ولكن هذه المرة كان الصمت عميقًا كأنه يختزن كل ما هو قادم، ثم أضاف بلهجة أكثر قسوة:
"We will either win... or we will destroy everything in our path."
" إما سننتصر... أو سندمر كل شيء في طريقنا."
لم يتكلم المساعد بل أومأ برأسه تفهمًا، فهو يعلم أن هذه المهمة ليست فقط اختبارًا للرجال، بل اختبارًا للأرواح، وبالتأكيد مالك يستطيع النجاح في كل تلك الاختبارات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقف الزمن في تلك الغرفة الخشبية الضيقة، وتحول الصمت إلى كتلة من الأسلاك المشدودة بين أنفاس الأبطال. كان صوت ارتطام الجسد بالخارج كافيًا ليعيد مالك إلى غريزة الصياد التي لم تخطئ يومًا. تحامل على آلام خاصرته الممزقة، وضغط بيده اليسرى على جرحه الذي بدأ ينبض بدم دافئ جديد، بينما ثبتت يمناه المسدس نحو قفل الباب بجمود فولاذي.لم يكن الخوف يعرف طريقًا لقلب مالك، لكن الصراع النفسي الذي يعصف بكيانه في تلك الأجزاء من الثانية كان يتعلق بتلك المرأة المتربصة خلفه. التفت لبرهة خاطفة نحو "ملك" التي كانت تقف محتمية بجدار الحاوية، وعيناها الواسعتان تلتقيان بعينيه بنظرة حملت من العشق واللوعة ما يفوق احتمال البشر. رآها ترتجف، لا ذعرًا من الموت، بل رعبًا من أن تفقده بعد أن امتزجت روحاها ببعضهما وسط لظى المعارك. تمنى في تلك اللحظة لو يلقي بسلاحه ويدفن وجهه بين خصلات شعرها الحريري ليتنفس الطمأنينة، لكن طبول الحرب كانت تقرع بالخارج بلا رحمة.أشار مالك لجلال برأسه، فتحرك جلال بخفة الشبح نحو الجانب الأيمن للباب، مستعداً للأسوأ. وفجأة، تحرك مقبض الباب ببطء، وانفتح ليقذف إلى داخل الكوخ جسداً مترنحاً
تحول الكوخ الخشبي خلال الساعات التالية إلى غرفة عمليات مصغرة، تغذيها الشموع وبعض أجهزة الاتصال المحمولة البدائية التي لم تكن متصلة بالشبكة العامة لتفادي تعقب سامح ورجاله. كان مالك يتبادل النظرات مع جلال الذي بدأ يستعيد توازنه النفسي تدريجياً، مدفوعاً برغبة حارقة في إنقاذ شقيقته الصغرى وتطهير شرف ولائه الذي تلوّث بخيانة سامح.جلس جلال على مقعد خشبي واضعاً خريطة المنطقة الساحلية القديمة أمام مالك، وقال بتركيز شديد:— مالك... الأوراق السرية والملفات الاستخباراتية المشفرة التي يريدها العراب ليست في القصر المحترق، أنا أعلم ذلك. أنت نقلتها قبل أشهر إلى الخزنة الحصينة في السرداب السفلي للمرفأ القديم، تحت المستودع رقم ٣، أليس كذلك؟أومأ مالك برأسه، وكان يضغط بقطعة شاش طبي على جرحه الذي بدأ يلتئم ببطء رغماً عن الحركات العنيفة التي قام بها، وقال بنبرة باردة:— نعم. العراب يظن أنني سآخذ تلك الأوراق وأذهب إليه راكعاً في القصر مستسلماً لشروطه خلال الأيام الثلاثة. هو يعتقد أن إصابتي وخيانة سامح قد جردتني من القدرة على التفكير التكتيكي. لكنه أخطأ في الحساب؛ فالأوراق التي يبحث عنها
ترجل جلال بسرعة وفتح الباب الخلفي. وبمساعدة ملك التي كانت تقاوم تعب جسدها وإرهاقها النفسي الشديد، تمكنوا من نقل مالك إلى داخل الكوخ ووضعه على سرير خشبي عريض في الغرفة الرئيسية.أحضر جلال حقيبة الإسعافات الطبية المتقدمة، وبدأ بقطع قميص مالك ليكشف عن الجرح الشنيع. شهقت ملك وتراجعت خطوة إلى الوراء وهي ترى الشظية المعدنية المستقرة بعمق داخل لحمه، والدماء التي لا تزال تنبض ببطء من الجرح.التفت جلال إليها وقال بجدية بالغة:— ملك... يجب أن أستخرج هذه الشظية الآن فوراً قبل أن يحدث تسمم في الدم. سأحتاج لمساعدتكِ... يجب أن تمسكي بيديه بقوة وتتحدثي إليه ليبقى مستيقظاً. الألم سيكون غير محتمل، ولا نملك مخدراً كاملاً هنا، فقط بعض المسكنات الموضعية. هل أنتِ مستعدة؟نظرت ملك إلى مالك، ورأت الخوف في عينيه... ليس خوفاً من الألم، بل خوفاً من أن يرى الضعف في عينيها. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بقوة غريبة تسري في عروقها. تقدمت نحو السرير، وجثت بجانبه، وأمسكت بيديه بقوة غريبة تفوق حجم جسدها الصغير، وشبكت أصابعها بأصابعه.قالت وهي تبتسم له دمعة تتلألأ في عينيها كالنجم في عتمة الليل:—
ساد المستودع لثانية واحدة صمتٌ حاد، صمتٌ يشبه الوقوف على شفرة سيفٍ صقيل في مهب الريح. كانت فوهة بندقية "سامح" الأوتوماتيكية لا تزال مثبتة بدقة متناهية على جبهة مالك، وإصبعه يتحرك ببطء قاتل على الزناد. وفي تلك الفجوة الزمنية الضيقة التي تفصل بين الحياة والعدم، انطلقت الرصاصة المجهولة مزمجرة في عتمة المكان، لتمزق جدار الدخان الكثيف الذي يملأ المستودع. لم تكن الرصاصة موجهة إلى مالك، ولم تكن طلقة طائشة. استقرت الرصاصة بدقة فولاذية في معصم سامح الأيمن، الذي كان يقبض به على البندقية. دوت صرخة ألم وحشية من حنجرة الخائن، وسقط السلاح من يده محدثًا رنينًا حادًا على الأرضية المعدنية الصدئة، بينما تراجع إلى الخلف خطوات وهو يمسك بمعصمه المتفجر دماءً، وعيناه تملأهما الصدمة والذعر. من خلف سحب الدخان، ظهر طيفٌ مألوف، طيفٌ يحمل سلاح قنصٍ قصير المدى، يتقدم بخطوات واثقة تكاد لا تلامس الأرض من فرط خفتها وسرعتها. إنه "جلال"... الذراع الحقيقية والصديق الذي لم تلوث الأطماع نقاء ولاءه. كان وجهه مغطى برماد الانفجار، وعيناه تقدحان شررًا وهو يوجه سلاحه نحو صدر سامح المتألم.
ساد صمتٌ من نوعٍ آخر داخل ذلك المستودع المهجور؛ صمتٌ يمزقه صوتٌ رتيب، بارد، ومستمر... صرير الثواني التي تتناقص على شاشة الموقت الرقمي المثبت أسفل المقعد الخشبي الذي قُيدت إليه ملك."59... 58... 57..."كانت الأرقام الحمراء تنعكس في عيني مالك كجمرات تشتعل في عتمة غضبه. تيبس جسده بالكامل، وبدت عروق عنقه ويديه كحبال مشدودة تكاد تنفجر من فرط الضغط. في تلك اللحظة، لم يكن مالك يرى المسلحين الذين يملؤون الشرفات العلوية، ولم يكن يسمع هتاف الريح والعاصفة التي تضرب الجدران المعدنية للمستودع في الخارج. كل وجوده انكمش وتكثف في مساحة واحدة: وجه ملك الشاحب، وعيناها اللتان تفيضان ببريقٍ مرعب يمزج بين ذعر الموت الوشيك وعشقٍ لا يموت.وقف العراب خلفها، واضعًا فوهة مسدسه الذهبي بدقة متناهية على صدغها. كانت يده ثابتة، لا ترتعش، كيد جراحٍ يوشك على استئصال قلب مريضه دون أي شعور بالذنب. ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الأبوية الباردة التي كانت تثير الرعب في نفس مالك طوال سنوات مراهقته وبدايات تدريبه.قال العراب، وصوته ينساب كأفعى في وادٍ مهجور:— ستون ثانية يا بني... ستون ثانية هي كل ما
كان صوت الرنين في الممر المظلم يشبه دقات ساعة جدارية في قصرٍ مهجور، كل دقة تقضم جزءًا من ثوانٍ قد تكون الأخيرة في حياة ملك. أخرج مالك الهاتف بيدٍ ترتجف غضبًا، وضغط على زر الإجابة دون أن ينطق بكلمة. كان أنينه المكتوم داخل صدره كافيًا ليعلن للطرف الآخر أنه استلم الرسالة الدموية.جاء الصوت عبر الطرف الآخر هادئًا، باردًا، يحمل تلك البحة الأبوية الزائفة التي طالما خدعت مالك في شبابه. كان صوت "العراب".— أهلاً بك في عالم الحقيقة يا بني. ظننتَ أنك دفنتني؟ النفوس الكبيرة لا توارى الثرى بكلمات تقارير استخباراتية صاغها صبية هواة.تصلبت عضلات فك مالك، وخرج صوته كفحيح أفعى جرحت في مقتلها:— إن لمست خصلة واحدة من شعرها... سأجعل ما فعلته بك في المرفأ قبل سنوات يبدو كنزهة أطفال. سأبيدك، وأبيد كل من تنفس هواءً مررت به.انطلقت ضحكة خفيضة، مستفزة، هزت سماعة الهاتف:— الغضب يعمي البصر يا مالك، وأنت اليوم أعمى تمامًا. امرأتك الجميلة معي، تتأمل البحر من نافذة مختلفة تمامًا عن نافذة قصرك العاجي. إنها ذكية... لم تصرخ، ولم تبكِ كباقي النساء، بل كانت تنظر إلى رجالي بنظرة تحمل اسمك، و
اسندت ظهرها للحائط من خلفها و يداها تضغطان على رأسها في محاولة لإيقاف كل تلك الأصوات التي تحاصرها، لكن صوت معاذ ظل يتردد في عقلها، يطاردها ككابوس لا تستطيع الهروب منه.ــــــــــــــــــــــــــــــــركب مالك السيارة التي كانت تنتظره أمام المقر السري، وداخل السيارة غلفه صمتٌ مشحونٌ بالتوتر، الهواء
كانت ملك جالسة على طرف فراشها، يحيط بها ظلام ثقيل لا يشبه العتمة التي تملأ الغرفة بل عتمة أخرى أكثر عمقًا، تجثم على صدرها وتسد أنفاسها، الأضواء الخافتة المرتعشة بالكاد تكشف عن ملامح وجهها الباهت، بينما كانت عيناها تبحثان بلا جدوى عن مخرج وسط هذا السكون الذي صار خانقًا...انتبهت حينما كسر ا
كان يمان ممددًا على السرير، جسده مستسلم تمامًا للنوم العميق، لكن داخله كان مضطربًا كبحرٍ يموج في ليلة عاصفة، كل شيء من حوله كان ساكنًا بشكل مريب، وكأن الغرفة بأكملها تآمرت ضده لتُسكت حتى أصغر الأصوات، الهواء ثقيل مشبع برائحة اللافندر التي لطالما كانت علامة مميزة لوجود أمه.. زهرة..تسللت ال
المقدمةـــــــــــــــــــــــــــــكانت القاعة مثل قطعة من الخيال، تتلألأ بالأضواء الباهظة وكأن النجوم هبطت لتشهد هذه المناسبة السعيدة، الموسيقى تُعانق الجدران بنغمات مُتقنة، والخدم يتحركون بانسيابية محسوبة كعقارب ساعة، كل شيء كان أشبه بلوحة مرسومة بدقة؛ ليلة مثالية... لكن ليست لها!جلست ملك في







