LOGINهمست والسؤال كان يحمل في طياته كل الحيرة التي انتابتها:
– ماذا؟! تُصوّرني؟
ابتسم مالك ابتسامة دافئة وكأن كل شيء في العالم قد اكتمل لتوه:
– نعم، أودّ أن ألتقط لكِ صورة، لا تخافي… أعدك أنني لن أؤذيك.
ختم جملته بضحكة يتحدها بها، لم تفهم ملك لماذا وافقت، ربما كانت عينيه، أو تلك الطمأنينة التي غمرتها في لحظة غريبة، وربما كانت ضحكته التي هزمها بها، ولكن حينما بدأت الكاميرا تسجل تلك اللحظات اكتشفت شيئًا عميقًا بداخلها لم تفسره وقتها..
كانت تستمتع بتلك اللحظات وكل كل لقطة كان يلتقطها لها تكشف جانبًا منها لم تكن تعرفه، كان مالك يلتقط صورًا لها وفي كل صورة كانت تظهر أمامها نسخة جديدة من نفسها نسخة لم تكن تعرف أنها موجودة من قبل، وكأنها تنتقل من طور تلك الطفلة البريئة للفتاة الجامحة التي تكتسب ثقة كبيرة مع اشاراته وحركاته التي تتبعها..
بعد عدة دقائق من التصوير قال مالك وهو يتنقل بين الكاميرا وعينيها:
– ما رأيك أن تأتي معي إلى سطح منزلنا؟ هناك مكان أود أن ألتقط لكِ فيه بعض الصور مع الحمام الذي أربيه، ستكون صورًا مميزة جدًا.
ترددت ملك لكن الفضول كان أقوى من أي شيء آخر، كان هناك شيء غامض، ولكنه مُغري لحواسها، لكن نبرة صوته في تلك الدعوة جعلتها توافق على الفور وتتبعه إلى السطح، حيث كان الهواء الطلق يملأ رئتيها بأحاسيس جديدة، هناك بين طيور الحمام التي كانت ترفرف بحرية في السماء شعرت وكأنها قد انتقلت إلى عالم آخر.. عالم لا يشبه أي شيء رأته من قبل..
ركض الحمام حولهما بحرية وكان ذلك المشهد البسيط يحمل في طياته جمالًا لم تتوقعه، صورها مالك بين الطيور عدة صور جعلها تبتسم فيها لتتحول ابتسامتها الهادئة لضحكات عالية من أعماق قلبها، ومما جعلها تطمئن أكثر له أنه لم يحاول أن يتجاوز المسافة بينهما طول هذه المدة التي تخطت الساعتان، ثم جلسا معًا على حافة السطح يتبادلان الأحاديث دون أي تردد كما لو كان كل منهما يتنفس الآخر، ساعات من الضحك والحكايات اختلطت فيها الكلمات بالمشاعر ونسيا أن العالم من حولهما لم يتوقف عن الدوران...
في ذلك الوقت اكتشفت ملك شيئًا جديدًا عن نفسها، جوانب كانت غافلة عنها، بينما مالك شعر لأول مرة أن تلك اللحظات معها هي أكثر اللحظات التي عاشها بصدق في حياته لدرجة أنه تمنى أن يظل هكذا ولا يعود لحياته السابقة..
مرّ الوقت بينهما وهما يحتميان من العالم بلحظاتٍ مسروقة… صمت دافئ، ونظرات تقول ما لا يُقال، قلوبهما تلوذ ببعض من شيءٍ لن يتكرر..
تركت الصورة من يدها و في أعماقها كان الواقع يضغط على قلبها بشدة وأفكارها بدأت تتراكم مع كل نفس تأخذه وهي تُسحب بجُهد ودون هوادة لوقتها الحالي..
كانت سنة مثالية وجدت نفسها فيها ومعه، لتتمسك بأملها في أن مالك قد يعود إليها كما كان، كما كانت تتمنى دائمًا لكن مع مرور الأيام بدأ شيء ما يتغير في قلبها، ابتسامته التي كانت موجهة إليها بدأت تتبدد، حتى أن كلماته لم تعد تنبض بنفس الإحساس الذي كانت تعرفه، كانت ملك تستشعر بوضوح أن مالك لم يعد ملكها وأنها كانت جزءًا من مرحلة انتهت في حياته واكن السؤال الذي يلح عليها لماذا سحبها لحياته مرة أخرى وبهذا الشكل الغريب؟ وما هذا المكان الغامض الذي لا تنتمي إليه! أدركت الحقيقة التي كانت تحاول إنكارها:
" لقد أصبح مالك شخصًا آخر، رجلًا غريبًا يعيش في عالم عجيب يمكَّنه من امتلاك زوجات وملك يمين؟!"
فتيات صاروا في حياته بشكل دائم وهم من يحتلون مركز اهتمامه، أما هي فقد أصبحت مجرد لمحة من ماضيه لا أكثر، لم يعد هناك مكان لها في عالمه ذلك العالم الذي كان في يوم من الأيام يحيط بها ويوفر لها الأمان...
لم تكن ملك لتسمح لنفسها بأن تصبح مجرد رقم بينهم، وكان هناك صوت داخلي يصرخ في قلبها:
"لن تكوني واحدة من الكثيرين"
كانت تحترم نفسها أكثر من أن تصبح جزءًا من حياة مليئة بالمنافسات، كانت ترفض فكرة أن تكون مجرد اسم في سجله، اسم لا يُذكر إلا على هامش حياته الجديدة...
أصبحت اللحظات التي قضتها معه في السطح الخاص به لمدة عام كأنها ماضي بعيد لا أثر له الآن، هي التي كانت تشعر يومًا بأن قلبه ملكًا لها، اكتشفت الآن أن القلوب لا تُهدى بل تُعطى لمن يستحقها وقد اختار مالك طريقه!
اختار أن يتنقل بين أرواح أخرى، بينما كانت هي تحاول لسنوات أن تعيد نفسها إلى قلبه الذي غادرها فجأة ودون وداع بعدما كانت هي ملاكه..
ومع كل دقيقة تمر كانت ملك تشعر بثقل الذكريات التي لا تنفك تلاحقها، لم تعد تستطيع أن تعيش في انتظار شيء مفقود، شيء كان قد سُرق منها بيد مالك، فقد خطفها من خطوبتها وحطم عائلتها وباتت حياتها جحيمًا لا ينتهي... كانت تتأمل نفسها في تلك اللحظات وتدرك أن مستقبلها لا يمكن أن يكون مجرد ظل للماضي الذي رحل، كان الوقت قد حان لتتخطى هذا الكابوس، لتبحث عن مكانٍ لنفسها بعيدًا عن هذا العالم، مكان يليق بها وبمن كانت عليه قبل أن يمحوها ذلك الظل المظلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تولاي تسير نحو ساحة المدرسة بخطوات ثابتة، تلامس قدميها الأرض كما لو كانت ترسخ في تربة صلبة، لا مجال لأي تردد أو ضعف، شعرها الغجري الأسود الذي كان ينسدل بحرية حول كتفيها كان يرقص مع الرياح الصباحية و كل خصلة منه تروي قصة صمود وقوة... عيناها اللتان لا تعرفان المساومة كانتا تراقبان العالم من حولها بحدقتين مليئتين بالحذر والتركيز كما لو أن قلبها يعاند العالم وهي تتحداه كل يوم...
بينما كانت تواصل سيرها نحو الفصل سقطت عيناها على "الأستاذ سامي" الذي كان يتربص بها من بعيد كأنه يحاول استراق اللحظة المناسبة، هذه اللحظة التي طالما انتظرها لأيام، كان يعلم جيدًا أن تولاي تضع حواجز غير مرئية بينها وبين الناس وكل محاولته للتقرب منها كانت تنتهي بخيبة أمل، ومع ذلك أصرّ على تجربة أخرى متجاهلاً تلك الهالة من القوة التي تحيط بها...
اقترب منها أخيرًا وهو يتلفّت حوله كما لو أنه يخبئ نواياه خلف ابتسامة واهية وقال بنبرة حاول أن يجعلها غير مزعجة:
– صباح الخير يا أستاذة تولاي.
توقفت تولاي فجأة وبرغم الهدوء الذي بدا على وجهها، كان في عيونها شيء يشي بتوتر داخلي وهي تجيبه بثبات:
– صباح النور يا أستاذ سامي.
همت بالرحيل فأوقفها بنبرة حاول أن يجعلها لطيفة بقدر ما أمكنه:
– هل تناولتِ فطوركِ؟
لم يكن لديها وقت للمجاملة وأجابت بلا أي تردد وكلماتها مثل السكاكين التي تفرغ ما في الصدور:
– هذا ليس من شأنك يا أستاذ سامي.
لحظة من الصمت جعلته يشعر أنها قد ألقت عليه دلوٌ من ماء مُثلج وهو يحاول استيعاب القسوة في نبرتها، كانت الإجابة أكثر من مجرد رفض؛ كانت بمثابة حدود مرسومة بوضوح لا يمكنه تجاوزها، لكنه كالعادة لم يتوقف!
فها هو يعود لمحاولة أخرى..
– أعتذر إن كنتُ قد أزعجتكِ، لكن كنتُ أود أن أسألكِ إن كنتِ ترغبين… أن نتناول الفطور معًا في غرفة المدرّسين، وأتحدث معكِ بشأن أمرٍ ما.
قالها وهو يحاول الإيحاء بالود لكن تلك الكلمات كانت تصلها باردة كالصقيع..
ابتسمت تولاي ابتسامة كانت أكثر قسوة من الجليد نفسه، وعينها لم تترك عينه لحظة واحدة كأنها تقرأ أعماقه، ثم قالت بصوت يحمل في طياته موجة من التأكيد على أنها ليست هنا للعب:
– اسمعني يا أستاذ سامي، إن كان لديك وقت فراغ وتبحث عن طريقة لتمضيته كغيرك من الناس، فذلك لا يعنيني ولا يدخل ضمن اهتماماتي. العلاقة التي تجمعني بك هي علاقة عمل فقط، ولا أظن أن بيننا حديثًا يصلح أن يُقال على مائدة فطور أو غيرها، ووقوفك المزعج هذا أمامي كل يوم لم يعد في محله، فأرجو أن نلتزم بحدود الزمالة، ولا نتعداها.
كانت عيناه مشدوهة، وهو يشدّان حاجبيه في محاولة لفهم صلابتها هذه، لكن تولاي كانت قد أكملت طريقها غير مبالية بردود أفعاله وقد أكملت حديثها مع نفسها وتجاهلت وجوده وكأنها لم تره من البداية، أما هو فوقف مشوشًا، وجهه شاحب، والابتسامة قد اختفت تمامًا من ملامحه محاصرًا في فخ الكبرياء المهدم...
ـــــــــــــــ
توقف الزمن في تلك الغرفة الخشبية الضيقة، وتحول الصمت إلى كتلة من الأسلاك المشدودة بين أنفاس الأبطال. كان صوت ارتطام الجسد بالخارج كافيًا ليعيد مالك إلى غريزة الصياد التي لم تخطئ يومًا. تحامل على آلام خاصرته الممزقة، وضغط بيده اليسرى على جرحه الذي بدأ ينبض بدم دافئ جديد، بينما ثبتت يمناه المسدس نحو قفل الباب بجمود فولاذي.لم يكن الخوف يعرف طريقًا لقلب مالك، لكن الصراع النفسي الذي يعصف بكيانه في تلك الأجزاء من الثانية كان يتعلق بتلك المرأة المتربصة خلفه. التفت لبرهة خاطفة نحو "ملك" التي كانت تقف محتمية بجدار الحاوية، وعيناها الواسعتان تلتقيان بعينيه بنظرة حملت من العشق واللوعة ما يفوق احتمال البشر. رآها ترتجف، لا ذعرًا من الموت، بل رعبًا من أن تفقده بعد أن امتزجت روحاها ببعضهما وسط لظى المعارك. تمنى في تلك اللحظة لو يلقي بسلاحه ويدفن وجهه بين خصلات شعرها الحريري ليتنفس الطمأنينة، لكن طبول الحرب كانت تقرع بالخارج بلا رحمة.أشار مالك لجلال برأسه، فتحرك جلال بخفة الشبح نحو الجانب الأيمن للباب، مستعداً للأسوأ. وفجأة، تحرك مقبض الباب ببطء، وانفتح ليقذف إلى داخل الكوخ جسداً مترنحاً
تحول الكوخ الخشبي خلال الساعات التالية إلى غرفة عمليات مصغرة، تغذيها الشموع وبعض أجهزة الاتصال المحمولة البدائية التي لم تكن متصلة بالشبكة العامة لتفادي تعقب سامح ورجاله. كان مالك يتبادل النظرات مع جلال الذي بدأ يستعيد توازنه النفسي تدريجياً، مدفوعاً برغبة حارقة في إنقاذ شقيقته الصغرى وتطهير شرف ولائه الذي تلوّث بخيانة سامح.جلس جلال على مقعد خشبي واضعاً خريطة المنطقة الساحلية القديمة أمام مالك، وقال بتركيز شديد:— مالك... الأوراق السرية والملفات الاستخباراتية المشفرة التي يريدها العراب ليست في القصر المحترق، أنا أعلم ذلك. أنت نقلتها قبل أشهر إلى الخزنة الحصينة في السرداب السفلي للمرفأ القديم، تحت المستودع رقم ٣، أليس كذلك؟أومأ مالك برأسه، وكان يضغط بقطعة شاش طبي على جرحه الذي بدأ يلتئم ببطء رغماً عن الحركات العنيفة التي قام بها، وقال بنبرة باردة:— نعم. العراب يظن أنني سآخذ تلك الأوراق وأذهب إليه راكعاً في القصر مستسلماً لشروطه خلال الأيام الثلاثة. هو يعتقد أن إصابتي وخيانة سامح قد جردتني من القدرة على التفكير التكتيكي. لكنه أخطأ في الحساب؛ فالأوراق التي يبحث عنها
ترجل جلال بسرعة وفتح الباب الخلفي. وبمساعدة ملك التي كانت تقاوم تعب جسدها وإرهاقها النفسي الشديد، تمكنوا من نقل مالك إلى داخل الكوخ ووضعه على سرير خشبي عريض في الغرفة الرئيسية.أحضر جلال حقيبة الإسعافات الطبية المتقدمة، وبدأ بقطع قميص مالك ليكشف عن الجرح الشنيع. شهقت ملك وتراجعت خطوة إلى الوراء وهي ترى الشظية المعدنية المستقرة بعمق داخل لحمه، والدماء التي لا تزال تنبض ببطء من الجرح.التفت جلال إليها وقال بجدية بالغة:— ملك... يجب أن أستخرج هذه الشظية الآن فوراً قبل أن يحدث تسمم في الدم. سأحتاج لمساعدتكِ... يجب أن تمسكي بيديه بقوة وتتحدثي إليه ليبقى مستيقظاً. الألم سيكون غير محتمل، ولا نملك مخدراً كاملاً هنا، فقط بعض المسكنات الموضعية. هل أنتِ مستعدة؟نظرت ملك إلى مالك، ورأت الخوف في عينيه... ليس خوفاً من الألم، بل خوفاً من أن يرى الضعف في عينيها. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بقوة غريبة تسري في عروقها. تقدمت نحو السرير، وجثت بجانبه، وأمسكت بيديه بقوة غريبة تفوق حجم جسدها الصغير، وشبكت أصابعها بأصابعه.قالت وهي تبتسم له دمعة تتلألأ في عينيها كالنجم في عتمة الليل:—
ساد المستودع لثانية واحدة صمتٌ حاد، صمتٌ يشبه الوقوف على شفرة سيفٍ صقيل في مهب الريح. كانت فوهة بندقية "سامح" الأوتوماتيكية لا تزال مثبتة بدقة متناهية على جبهة مالك، وإصبعه يتحرك ببطء قاتل على الزناد. وفي تلك الفجوة الزمنية الضيقة التي تفصل بين الحياة والعدم، انطلقت الرصاصة المجهولة مزمجرة في عتمة المكان، لتمزق جدار الدخان الكثيف الذي يملأ المستودع. لم تكن الرصاصة موجهة إلى مالك، ولم تكن طلقة طائشة. استقرت الرصاصة بدقة فولاذية في معصم سامح الأيمن، الذي كان يقبض به على البندقية. دوت صرخة ألم وحشية من حنجرة الخائن، وسقط السلاح من يده محدثًا رنينًا حادًا على الأرضية المعدنية الصدئة، بينما تراجع إلى الخلف خطوات وهو يمسك بمعصمه المتفجر دماءً، وعيناه تملأهما الصدمة والذعر. من خلف سحب الدخان، ظهر طيفٌ مألوف، طيفٌ يحمل سلاح قنصٍ قصير المدى، يتقدم بخطوات واثقة تكاد لا تلامس الأرض من فرط خفتها وسرعتها. إنه "جلال"... الذراع الحقيقية والصديق الذي لم تلوث الأطماع نقاء ولاءه. كان وجهه مغطى برماد الانفجار، وعيناه تقدحان شررًا وهو يوجه سلاحه نحو صدر سامح المتألم.
ساد صمتٌ من نوعٍ آخر داخل ذلك المستودع المهجور؛ صمتٌ يمزقه صوتٌ رتيب، بارد، ومستمر... صرير الثواني التي تتناقص على شاشة الموقت الرقمي المثبت أسفل المقعد الخشبي الذي قُيدت إليه ملك."59... 58... 57..."كانت الأرقام الحمراء تنعكس في عيني مالك كجمرات تشتعل في عتمة غضبه. تيبس جسده بالكامل، وبدت عروق عنقه ويديه كحبال مشدودة تكاد تنفجر من فرط الضغط. في تلك اللحظة، لم يكن مالك يرى المسلحين الذين يملؤون الشرفات العلوية، ولم يكن يسمع هتاف الريح والعاصفة التي تضرب الجدران المعدنية للمستودع في الخارج. كل وجوده انكمش وتكثف في مساحة واحدة: وجه ملك الشاحب، وعيناها اللتان تفيضان ببريقٍ مرعب يمزج بين ذعر الموت الوشيك وعشقٍ لا يموت.وقف العراب خلفها، واضعًا فوهة مسدسه الذهبي بدقة متناهية على صدغها. كانت يده ثابتة، لا ترتعش، كيد جراحٍ يوشك على استئصال قلب مريضه دون أي شعور بالذنب. ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الأبوية الباردة التي كانت تثير الرعب في نفس مالك طوال سنوات مراهقته وبدايات تدريبه.قال العراب، وصوته ينساب كأفعى في وادٍ مهجور:— ستون ثانية يا بني... ستون ثانية هي كل ما
كان صوت الرنين في الممر المظلم يشبه دقات ساعة جدارية في قصرٍ مهجور، كل دقة تقضم جزءًا من ثوانٍ قد تكون الأخيرة في حياة ملك. أخرج مالك الهاتف بيدٍ ترتجف غضبًا، وضغط على زر الإجابة دون أن ينطق بكلمة. كان أنينه المكتوم داخل صدره كافيًا ليعلن للطرف الآخر أنه استلم الرسالة الدموية.جاء الصوت عبر الطرف الآخر هادئًا، باردًا، يحمل تلك البحة الأبوية الزائفة التي طالما خدعت مالك في شبابه. كان صوت "العراب".— أهلاً بك في عالم الحقيقة يا بني. ظننتَ أنك دفنتني؟ النفوس الكبيرة لا توارى الثرى بكلمات تقارير استخباراتية صاغها صبية هواة.تصلبت عضلات فك مالك، وخرج صوته كفحيح أفعى جرحت في مقتلها:— إن لمست خصلة واحدة من شعرها... سأجعل ما فعلته بك في المرفأ قبل سنوات يبدو كنزهة أطفال. سأبيدك، وأبيد كل من تنفس هواءً مررت به.انطلقت ضحكة خفيضة، مستفزة، هزت سماعة الهاتف:— الغضب يعمي البصر يا مالك، وأنت اليوم أعمى تمامًا. امرأتك الجميلة معي، تتأمل البحر من نافذة مختلفة تمامًا عن نافذة قصرك العاجي. إنها ذكية... لم تصرخ، ولم تبكِ كباقي النساء، بل كانت تنظر إلى رجالي بنظرة تحمل اسمك، و
(2)دخل يامن الغرفة فجأة كما لو كانت الرياح تدفعه بقوة، تسارعت خطواته بطريقة تُعبر عن كل ما يعصف به من غضب وكراهية، كان وجههُ مشدودٌ وعيناه غارقتان في عاصفة من الغضب، لكن لسانه كان عاجزًا عن إطلاق الكلمات في البداية، أغلق الباب خلفه بعنف حتى أن الصوت الذي خرج من إطباقه قد انتزع الحياة من الغرفة..ك
الهواء كان يملأ أروقة القصر كأنه يحمل ثِقل اللحظة، ومالك يتقدم بخطوات واثقة رغم الهدوء القاتل الذي يغمر المكان، السجاد الفاخر تحت قدميه لا يصدر صوتًا لكنهُ شعر بصداه في قلبه، كان هاتفه في يده اليمنى أنامله تحيط به بحذر كأنه يزن الكلمات التي عليه قولها قبل أن يبدأ المكالمة، ضغط على اسم معاذ ثم قرّب
في غرفة مظلمة وسط مكان لا يعرفه إلا من اختبر تلك الطرق السرية، كانت الأجواء مشحونة برائحة العرق والبارود، والإضاءة الخافتة تكشف فقط عن ملامح الوجوه المشدودة، والخوف المبطّن بالغضب..وفي منتصف الغرفة، تصاعد صوت اصطدام قوي، تبعه تدافع وهمسات عالية، قبل أن ينفجر أحدهم صارخًا:- هذه ليست الصفقة التي ات
تراجعت بخطوات ثقيلة إلى داخل غرفتها، تُغلق باب شرفتها خلفها وكأنها تُغلق بابًا على مشاعر وأفكارٍ أرادت أن تهرب منها مرارًا، جلست على حافة الفراش حيث أغطية الحرير التي تحمل عبق الصعيد تحتضنها كأنها تذكّرها بأنها هُنا بعيدة عن كل ما عرفته يومًا، أراحت رأسها على كفيها تأخذ نفسًا عميقًا بدا وكأنه محاول







