Se connecterكان الضوء شحيحًا في غرفة ضي، يتسلل على استحياء من بين الستائر السميكة يخشى أن يوقظ ما بداخلها، كان الهواء في الغرفة راكدًا، يحمل رائحة أعشاب مغلية وبقايا ليل طويل لم يُنَم فيه، كانت ضي تجلس على طرف الفراش، كتفاها منحنيان قليلًا، وعيناها معلّقتان على نقطة ثابتة في الجدار، لا تراه ولا ترى سواه..
كانت تولاي تجلس أمامها، وتراقب كل حركة، وكل ارتجافة خفيفة في أصابع أختها المسكينة، كل شهيق كان يخرج من بين شفتي تولاي يكون أبطأ مما ينبغي، قلبها يخفق بإيقاع غير منتظم، وحدسها يقرع صدرهاساد صمتٌ من نوعٍ آخر داخل ذلك المستودع المهجور؛ صمتٌ يمزقه صوتٌ رتيب، بارد، ومستمر... صرير الثواني التي تتناقص على شاشة الموقت الرقمي المثبت أسفل المقعد الخشبي الذي قُيدت إليه ملك."59... 58... 57..."كانت الأرقام الحمراء تنعكس في عيني مالك كجمرات تشتعل في عتمة غضبه. تيبس جسده بالكامل، وبدت عروق عنقه ويديه كحبال مشدودة تكاد تنفجر من فرط الضغط. في تلك اللحظة، لم يكن مالك يرى المسلحين الذين يملؤون الشرفات العلوية، ولم يكن يسمع هتاف الريح والعاصفة التي تضرب الجدران المعدنية للمستودع في الخارج. كل وجوده انكمش وتكثف في مساحة واحدة: وجه ملك الشاحب، وعيناها اللتان تفيضان ببريقٍ مرعب يمزج بين ذعر الموت الوشيك وعشقٍ لا يموت.وقف العراب خلفها، واضعًا فوهة مسدسه الذهبي بدقة متناهية على صدغها. كانت يده ثابتة، لا ترتعش، كيد جراحٍ يوشك على استئصال قلب مريضه دون أي شعور بالذنب. ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الأبوية الباردة التي كانت تثير الرعب في نفس مالك طوال سنوات مراهقته وبدايات تدريبه.قال العراب، وصوته ينساب كأفعى في وادٍ مهجور:— ستون ثانية يا بني... ستون ثانية هي كل ما
كان صوت الرنين في الممر المظلم يشبه دقات ساعة جدارية في قصرٍ مهجور، كل دقة تقضم جزءًا من ثوانٍ قد تكون الأخيرة في حياة ملك. أخرج مالك الهاتف بيدٍ ترتجف غضبًا، وضغط على زر الإجابة دون أن ينطق بكلمة. كان أنينه المكتوم داخل صدره كافيًا ليعلن للطرف الآخر أنه استلم الرسالة الدموية.جاء الصوت عبر الطرف الآخر هادئًا، باردًا، يحمل تلك البحة الأبوية الزائفة التي طالما خدعت مالك في شبابه. كان صوت "العراب".— أهلاً بك في عالم الحقيقة يا بني. ظننتَ أنك دفنتني؟ النفوس الكبيرة لا توارى الثرى بكلمات تقارير استخباراتية صاغها صبية هواة.تصلبت عضلات فك مالك، وخرج صوته كفحيح أفعى جرحت في مقتلها:— إن لمست خصلة واحدة من شعرها... سأجعل ما فعلته بك في المرفأ قبل سنوات يبدو كنزهة أطفال. سأبيدك، وأبيد كل من تنفس هواءً مررت به.انطلقت ضحكة خفيضة، مستفزة، هزت سماعة الهاتف:— الغضب يعمي البصر يا مالك، وأنت اليوم أعمى تمامًا. امرأتك الجميلة معي، تتأمل البحر من نافذة مختلفة تمامًا عن نافذة قصرك العاجي. إنها ذكية... لم تصرخ، ولم تبكِ كباقي النساء، بل كانت تنظر إلى رجالي بنظرة تحمل اسمك، و
في هذه الأثناء، في الطابق السفلي من القصر، كانت غرفة العمليات أشبه بخلية نحل يغلي داخلها التوتر.الشاشات الضخمة كانت تعرض مسارات متحركة لنقاط حمراء تقترب ببطء ولكن بثبات عبر الطرق الوعرة المحيطة بالجرف الصخري الذي يقع عليه القصر.انفتح باب غرفة العمليات بعنف، ودخل مالك بخطوات عاصفة، تاركاً خلفه ملك في الغرفة بعد أن أصدر أوامر صارمة لثلاثة من أفضل حراسه الشخصيين بعدم مفارقة باب غرفتها تحت أي ظرف من الظروف، وتأمين المخرج السري للحالات الطارئة.توقفت الأعين كلها عند دخوله.كان قد خلع معطفه، وشمّر عن ساعديه، وظهر مسدسه الشخصي المثبت في غمد جلدي تحت إبطه، مظهراً استعداده الكامل للمواجهة الحتمية.تقدم نحو الطاولة الرئيسية التي يتوسطها مجسم رقمي ثلاثي الأبعاد للقصر والمناطق المحيطة به.نظر إلى رئيس الفريق الأمني وقال بنبرة عسكرية قاطعة لا تقبل الجدال:— أين أصبحت الفرق التي أرسلناها؟ هل تم تطويق الإحداثيات التي حددتموها؟تقدم الضابط المسؤول، والتعرق يبدو واضحاً على جبينه رغم برودة التكييف في الغرفة، وأشار بيده إلى نقطة محددة على الخريطة الرقمية:— سيدي،
عاد الصمت ليحتل ممرات القصر، لكنه لم يكن ذلك الصمت الذي يبعث على السكينة، بل كان صمتًا يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، صمتًا محملًا برائحة البارود غير المرئي، والذكريات الميتة التي عبعبَت في أركان المكان إثر تلك الصورة اللعينة التي ظهرت على الشاشة.تحرك مالك خطوة تلو الأخرى نحو الغرفة التي ترك فيها قلبه، ونصفه الآخر، وامرأته التي جاهد طويلاً ليحميها من شياطين عالمه.كانت ملامحه قد تحجرت، وكأنها نُحتت من صخر صوانٍ بارد، يداه اللتان كانت تنبضان بالدفء قبل قليل استقرتا الآن في جيبي معطفه، وقد انقبضت أصابعه بقوة حتى كادت أظافره تخترق جلده.في عقله، كانت طبول الحرب تُدق بعنف.الرجل الذي ظن أنه واره الثرى مع ماضيه الأليم، الرجل الذي دفع من عمره ودمه ليغلق ملفه، عاد ليتنفس من جديد، عاد ليقف على بُعد مسافة لا تتجاوز خطوة واحدة من عرينه.توقف أمام باب الغرفة.أدار المقبض ببطء، وكأنه يخشى أن ينقل عدوى القلق والخراب الذي يغلي في صدره إلى داخل هذا الملاذ الصغير.حين انفتح الباب، كانت ملك لا تزال واقفة في مكانها عند الشرفة، كتمثال من مرمر صاغته يد فنان هائم.لم تكن
أغلق مالك باب الغرفة خلفه بهدوءٍ هذه المرة، لا بعجلةٍ كما فعل قبل قليل، ولا ببرودٍ كما اعتاد في الأيام الماضية. كان الليل قد تمدد فوق البحر كله، وتحولت المياه خلف النوافذ الزجاجية الضخمة إلى مساحة سوداء لا يُرى منها سوى لمعان الأمواج كلما اصطدمت بالصخور المحيطة بالقصر. ساد الصمت للحظات. صمتٌ مريح... ذلك النوع النادر من الصمت الذي لا يُشعر الإنسان بالوحدة، بل بالطمأنينة. كانت ملك تقف عند الشرفة، تستند بكفيها إلى السور الحجري، بينما تعبث نسمات البحر بخصلات شعرها. لم تلتفت نحوه فور دخوله. لكنها عرفت أنه عاد. شعرت به. كما تشعر الأرض بالمطر قبل أن يهطل. استدارت ببطء. والتقت عيناها بعينيه. تلك النظرة وحدها كانت كافية لتختصر أيامًا طويلة من الغضب والعناد والاشتياق. بقي مالك واقفًا عند الباب للحظات. يتأملها. وكأنه يراها للمرة الأولى. كانت ملامحها أكثر هدو
انطفأت آخر زغرودة طويلة داخل خيمة النساء، ثم انكسرت إلى ضحكاتٍ متفرقة وهمساتٍ خافتة، كأن الفرح نفسه بدأ يلتقط أنفاسه بعد ساعاتٍ من الضجيج والاحتشاد.في تلك اللحظة، وقفت غسق.نهضت ببطء من مكانها بين النسوة، فانسابت الأقمشة الداكنة حولها كجدولٍ ليليٍّ ينساب فوق الرمال، وتعلقت بها عشرات الأعين دفعة واحدة.لم تعد مجرد فتاة من العُسيرات.أصبحت الآن عروس الميزان...العهد الذي اجتمعت لأجله ثلاث عائلات، والكلمة التي أُغلقت بها أبواب الثأر المفتوحة منذ أعوام طويلة.اقتربت منها إحدى النساء المسنّات، فعدّلت طرف غطائها فوق رأسها بحنانٍ خشن يشبه حنان نساء البادية، ثم ربّتت على كتفها وهمست بشيءٍ لم يسمعه أحد.لم تُجب غسق.اكتفت بهزة خفيفة من رأسها.كانت تشعر بأن قلبها يضرب ضلوعها بقوة غير معهودة، لا خوفًا تمامًا، ولا رهبة خالصة، بل شعورًا معقدًا يشبه الوقوف على حافة وادٍ عميق، تعرفين أنكِ مضطرة لعبوره مهما كان ما ينتظركِ في الجهة الأخرى.ارتفعت الزغاريد من جديد.هذه المرة كانت أعلى.أطول.
دفعت زهرة باب الغرفة دون استئذان، فانفتح على ضوء مصباح خافت، ومرآة نصف مكسوة بالبخار، وبينما يامن يقف أمام تلك المرآة، قميصه مفتوح الصدر، يمرر ذراعيه داخل الأكمام على عجلٍ وهو يضبط ثيابه كما يجب..تصلب جسدها للحظة عند العتبة، وعيناها تجوبان المكان بحثًا عن كارثة جديدة، قالت بحدّة مكتومة، وه
•هذا هو المفتاح الأول..سيصنع تشويشٌ حراريّ مدته خمس دقائق،خمس دقائق فقط، بعدها سيُخفينا ذلك النظام كما يبتلع الرملُ المطر.ثم أخرج لوحة رقمية، عليها ثلاث مسارات وأستطرد:•المرحلة الأولى..ندخل عبر الوادي الغارق، الوادي الذي لا تصل إليه أجهزة الاستشعار، وهناك سيجد رجال
امتدت الصحراء بلا نهاية، برمالها الذهبية التي تتلألأ تحت شمس الصباح، بينما الهواء العليل يحمل عبق الغبار الممزوج برائحة الأعشاب الجافة، زفي الأفق بدأت تظهر ظلال الخيول والفرسان، وكل شيخ قبيلة منهم يعتلي صهوة جواده، مهيبًا في سيره، وعيناه ترصدان الطريق بعناية، وكل خطوة تحكي عن القوة والهيبة والخبر
أما غسق، فقد صعدت إلى غرفتها بعد انتهاء الإعلان، وقلبها مثقل بالحزن، وعيونها تتلألأ بغضب مختلط بالخيبة، وخاصة عندما رأت أمها تنسحب ببطء متجهة إلى غرفتها عند رؤية تلك السعادة التي غمرت وجه أبيها وهو يتجاهل تلك المرأة التي عاشرها ما يتعدى العشرون عامًا، جلست على حافة سريرها، وهي تشعر بالغضب من شاهي







