Home / الرومانسية / رجال الله / مهمة مستحيلة

Share

مهمة مستحيلة

last update publish date: 2026-05-22 18:00:00

استفاق مالك من نومه فجأة وعيناه ما زالت غارقتين في بقايا الأحلام، غرفة نومه الواسعة التي تعكس ذوقه الرفيع وحياته المترفة كانت تغمرها أشعة الشمس التي تسللت عبر النوافذ الكبيرة المضيئة بالزخارف واللوحات التي تزين الجدران من حولها، هو كان في قلب الراحة والهدوء لكن خلف تلك الأجواء كان عقله لا يهدأ أبدًا، دائمًا في حالة استعداد لما هو قادم...

نظر حوله للحظة قبل أن يتحرك، كانت غرفة نومه مرتبطة مباشرة بغرفة ملك عبر جدار زجاجي خفي وهو يراقبها بعينيه المرهقتين ينظر إلى سكونها وقلبه يصرخ بداخله يود لو أنها تمنحه فرصة واحدة لبداية أخرى، لم تكن هي تعرف أنه يراقبها في هذه اللحظة لكن قلبه كان يراها بكل حواسه، يتابع كل حركة، كل همسة، في تلك الغرفة التي كان يفصلها عنه فقط زجاج غير مرئي بالنسبة لها، هو كان في حاله من الضياع دونها، بينما كانت هي تغرق في عالمها الخاص، وهو يشعر بعدم الراحة وسط تلك المسافة التي لا تستطيع أي قوة على عبورها في الوقت الحالي..

كانت عيناه تراقبانها في صمت، تحيط بهما مشاعر لم يكن ليدرك تمامًا إن كانت محيرة أو مدهشة، لم يكن يعلم ما الذي كان يجذب انتباهه إليها بهذا الشكل منذ أول يوم رآها بها، لكنه كان يدرك تمامًا أنه لا يستطيع إبعاد عينيه عنها، وهناك شيئًا يتسرب إلى عقله ويجذبه نحوها رغماً عنه ومهما حاول الهرب يعود إليها بعدما يفشل فشلًا ذريعًا في نسيانها..

وبينما كانت عيناه تلاحق حركاتها الصامتة في الغرفة رن هاتفه الجوال فجأة، قطع الصوت كل تلك الأجواء الموحشة التي كانت تسكن المكان، لم يُبدِ مالك أي اهتمام سريع به بل فتح جهاز اللاب توب أمامه وحرك أصابعه بسرعة على لوحة المفاتيح لينقل ببراعة الرقم الوارد في المكالمة إلى مربعه الخاص بالتحقق، توقف لحظة وأمعن النظر في الرقم على الشاشة وهو يفكر قليلاً، ثم ضغط زر الرد في هدوء كعادته...

– مالك.. الرئيس يطلب مقابلتك في أسرع وقت.

جاء الصوت الخافت للمساعد عبر الخط، محملاً بتوتر لا يستطيع إخفاءه، تابع بتفاصيل أكثر:

– هو يريد أن يبلّغك مباشرة عن تفاصيل المهمة التي طلبتها منك وكما أمرت أنت بمقابلته، فأنت مطلوب بعد ست ساعات من الآن، وسيتم إبلاغك عن المكان الذي سيلتقيك فيه قبل أن تصعد إلى طائرتك الخاصة.

الكلمات لم تُثر في مالك أي نوع من الدهشة، بل على العكس، شعورًا غريبًا من الاطمئنان استقر في صدره، هو كان قد توقع هذا... بل وأكثر، لقد استشعر منذ البداية أن هذه هي اللحظة التي سيُختبر فيها جديًا وأن هذا الرئيس لن يتردد في التعامل معه مباشرة، حتى وإن كان الأمر يتطلب بعض الوقت والمشقة...

أغمض مالك عينيه للحظة وأعاد النظر في الهاتف الذي كان لا يزال في يده ثم رد بصوته العميق والحازم الذي يعكس سيطرته التامة على أي موقف:

– أبلغ الرئيس أنه إذا كان يريد وجودي هناك فعليه أن يتصل بي هو شخصيًا، وللمرة الثانية أبلغك أنني لن أتعامل عبر مساعديه، سآتي في الوقت والمكان الذي يختاره لكنني لن أقبل بالتعامل مع أي شخص سواه.

على الطرف الآخر شعر المساعد بشيء من الارتباك، ربما لم يتوقع ردًا بهذا الحسم، فقال في محاولة للتهدئة:

- لكن المهمة... الرئيس يحتاج إليك الآن يا مالك.

أجاب مالك دون أن يُظهر أدنى أثر للتردد:

– لقد سمعت ما قلته.. إذا كانت المهمة بهذا القدر من الأهمية فيجب أن يكون التواصل مباشرًا معه، ولن أكرر حديثي مرة أخرى.

قطع اتصاله على الفور عندما انهى جملته، كان حديثه حادًا مؤكدًا على قوة موقفه، وكأن هذه هي فرصته لإثبات نفسه مرة أخرى ليعلم الجميع أنه مالك هو من يتحكم في اللعبة وأنه لا يسمح لأي كان بتوجيه أوامر له...

بعد دقائق قليلة رن الهاتف مجددًا، وكان الرقم الذي ظهر على الشاشة هو الرقم الذي انتظره مالك، أخذ نفسًا عميقًا ثم رفع الهاتف ببطء وتروِ وهو يستمع له:

"Hello.. Malik "

"مرحبًا.. مالك."

جاء صوت الرئيس من الطرف الآخر قويًا وحازمًا كما هو متوقع، لكنه حمل شيئًا من نبرة استعلاء غير المعتادة على مالك فردّ عليه بثقة ونبرة صوته لا تعكس أي نوع من القلق:

"I’m listening"

"أنا استمع."

قال الرئيس:

"You’ll meet me in six hours"

"At a private location, west of the city. It’s a private heliport. I’ll be there with my private jet. I’ll send you the coordinates in a few minutes. Be there on time."

"ستلتقيني في غضون ست ساعات، في موقع خاص غرب المدينة، هناك مهبط طائرات مؤمن هناك، سأكون في انتظارك مع طائرتي الخاصة، سأرسل لك الإحداثيات في غضون دقائق، كن هناك في الوقت المحدد."

أمسك مالك الهاتف بثبات وعينيه تركزان على شاشته كما لو كانت تفحص كل كلمة بدقة وهو يحاول أن يطيل معه الوقت كي يحدد مكانه بالضبط..

"Understood. I’ll be there."

"فهمت، سأكون هناك."

ثم أضاف الرئيس بنبرة أكثر حزمًا:

"The mission you’re about to undertake is the most critical one right now, Malik. Make sure you understand the weight of It."

"المهمة التي ستتولاها هي الأكثر أهمية الآن يا مالك، تأكد من أنك تدرك حجمها."

نظر مالك من نافذته بعيدًا عن الشاشة للحظة، ثم عاد للنظر لشاشة حاسوبه التي رصدت موقع الرئيس ورصدت من معه في الغرفة في هذه اللحظة، بل وقد استطاع أن يقتحم جهازه ويفعل خاصية التجسس وهو يرد عليه بهدوء وهو يرفع زاوية فمه بابتسامة متسلية:

"I fully understand, sir. I’m the right man for the job."

"أنا أدرك تمامًا يا سيدي، عليك أن تثق أنني الرجل المناسب لهذه المهمة."

قال الرئيس باختصار:

"Good,"

ثم أضاف:

"If you’re certain, I’ll see you at the location."

"جيد.. إذا كنت متأكدًا سأراك في الموقع."

وأغلق الرئيس المكالمة...

وضع مالك الهاتف على الطاولة أمامه ببطء، ثم أدار بصره مرة أخرى إلى شاشة الكمبيوتر وهو يختبر الصوت ويستمع للرئيس وهو يتحدث لمساعده الواقف بجواره:

"It seems to me that he Is overly confident, and that still worries me. However, I will give him a chance, but if he fails, the price will be his life, no matter how dangerous he appears to be."

"يبدو لي أنه واثق في نفسه أكثر من اللازم، وهذا ما زال يقلقني.. ومع ذلك، سأمنحه فرصة، ولكن إن أخفق، فسيكون الثمن حياته، مهما بدا خطيرًا."

كانت ملامحه تتسم بالثبات وعيناه اللامعتان كانتا مليئتين بالعزم وكأن كل شيء في هذا العالم قد أصبح تحت قبضته...

ولكن رغم هيمنته الظاهرة كانت هناك ثغرة صغيرة في قلبه حين التفت بنظره إلى ملك التي كانت جالسة في سريرها، غارقة في الحزن..

تنهد بعمق وفي قلبه شعور مرير بغيرته على حالها، كانت الجروح في قلبه تزداد ألمًا كلما رأها هكذا، وكأنها سراب بعيد لا يمكنه الوصول إليه..

رفع هاتفه ببطء مرة أخرى وأدخل رقم معاذ، وبعد ثوانٍ معدودة جاء صوت معاذ القلق من الطرف الآخر:

– طمئني يا مالك، كيف حال ملك؟

تنهد مالك ببطء وهو يرد محاولًا إخفاء تأثير ما يشعر به:

– ملك بخير يا معاذ، لكنها لا تُعطيني فرصة حتى أتحدث معها.

صمت معاذ لوهلة قبل أن يرد بصوت متردد:

– ماذا تقصد؟ حاول مجددًا يا مالك، لا تيأس.

قاطعه مالك بحزم، كانت الكلمات تخرج من فمه وكأنها مدفوعة بقوة داخلية لا يستطيع إيقافها:

– حاولت بكل الطرق لكنها رفضت تمامًا أن تتحدث معي، وأنا مضطر أن أسافر الآن فورًا، سأترك لها هاتفي وأرسل لك رقمها، حاول التواصل معها يا معاذ، سأعود غدًا في مثل هذا الوقت، ويجب أن تستمع إلي وتعطيني فرصة.

زاد ضيق معاذ بشكل واضح في نبرته وسأل بصوت مليء بالقلق:

– حسنًا، قل لي.. هل آتي إليك؟ وأخبرني، إلى أين تسافر؟

هز مالك رأسه بحركة سريعة رافضًا ثم أجاب بصوت قاطع:

– ليس الآن، إن أتيت ستلتصق بكَ ولن تتركك ترحل دونها، أبق بعيدًا حتى آمرك بالقدوم..

المهم أن تتحدث معها وتحاول أن تفهم لماذا اتخذت هذا الموقف تجاهي، وعندما تعرف السبب أخبرني، أما بشأن السفر فسأشرح لك حين أعود، فأنا حتماً سأحتاجك.

أغلق مالك الهاتف بحذر وكأن اللمسة التي جمعته به كانت أكثر من مجرد نغمة رقم على الشاشة، تركه على الطاولة أمامه ثم تطلع إلى ملك التي لم تحرك ساكنًا، وكأنها جزء من الظلام المحيط بها، قلبه كان يعتصره ألم عميق لا يعرف إن كان الألم ناجمًا عن عجزه في الاقتراب منها أو عن اليأس من الوصول إلى قلبها...

وفي تلك اللحظة وجد نفسه عائدًا إلى ذاته، نظر في المرآة أمامه وهو يرى انعكاسه جليًا أمامه، تلك الصورة التي طالما حاول أن يهرب منها..

رجلٌ لا يملك إلا الإرادة ولكنها غير كافية أحيانًا.

أغمض عينيه لحظة ثم قال بصوت خافت وكأن الكلمات نفسها تكاد تتناثر منه:

"مهما كانت النتيجة سأظل أبحث عن فرصة... حتى وإن كانت ضياعًا."

ثم ببطء خرج من الغرفة متجهًا إلى مطبخه عازمًا أن يصنع لها طعامًا يعلم أنها تُحبه كثيرًا ليتركه لها مع الهاتف قبل أن يغادر...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status