Masukاستفاق مالك من نومه فجأة وعيناه ما زالت غارقتين في بقايا الأحلام، غرفة نومه الواسعة التي تعكس ذوقه الرفيع وحياته المترفة كانت تغمرها أشعة الشمس التي تسللت عبر النوافذ الكبيرة المضيئة بالزخارف واللوحات التي تزين الجدران من حولها، هو كان في قلب الراحة والهدوء لكن خلف تلك الأجواء كان عقله لا يهدأ أبدًا، دائمًا في حالة استعداد لما هو قادم...
نظر حوله للحظة قبل أن يتحرك، كانت غرفة نومه مرتبطة مباشرة بغرفة ملك عبر جدار زجاجي خفي وهو يراقبها بعينيه المرهقتين ينظر إلى سكونها وقلبه يصرخ بداخله يود لو أنها تمنحه فرصة واحدة لبداية أخرى، لم تكن هي تعرف أنه يراقبها في هذه اللحظة لكن قلبه كان يراها بكل حواسه، يتابع كل حركة، كل همسة، في تلك الغرفة التي كان يفصلها عنه فقط زجاج غير مرئي بالنسبة لها، هو كان في حاله من الضياع دونها، بينما كانت هي تغرق في عالمها الخاص، وهو يشعر بعدم الراحة وسط تلك المسافة التي لا تستطيع أي قوة على عبورها في الوقت الحالي..
كانت عيناه تراقبانها في صمت، تحيط بهما مشاعر لم يكن ليدرك تمامًا إن كانت محيرة أو مدهشة، لم يكن يعلم ما الذي كان يجذب انتباهه إليها بهذا الشكل منذ أول يوم رآها بها، لكنه كان يدرك تمامًا أنه لا يستطيع إبعاد عينيه عنها، وهناك شيئًا يتسرب إلى عقله ويجذبه نحوها رغماً عنه ومهما حاول الهرب يعود إليها بعدما يفشل فشلًا ذريعًا في نسيانها..
وبينما كانت عيناه تلاحق حركاتها الصامتة في الغرفة رن هاتفه الجوال فجأة، قطع الصوت كل تلك الأجواء الموحشة التي كانت تسكن المكان، لم يُبدِ مالك أي اهتمام سريع به بل فتح جهاز اللاب توب أمامه وحرك أصابعه بسرعة على لوحة المفاتيح لينقل ببراعة الرقم الوارد في المكالمة إلى مربعه الخاص بالتحقق، توقف لحظة وأمعن النظر في الرقم على الشاشة وهو يفكر قليلاً، ثم ضغط زر الرد في هدوء كعادته...
– مالك.. الرئيس يطلب مقابلتك في أسرع وقت.
جاء الصوت الخافت للمساعد عبر الخط، محملاً بتوتر لا يستطيع إخفاءه، تابع بتفاصيل أكثر:
– هو يريد أن يبلّغك مباشرة عن تفاصيل المهمة التي طلبتها منك وكما أمرت أنت بمقابلته، فأنت مطلوب بعد ست ساعات من الآن، وسيتم إبلاغك عن المكان الذي سيلتقيك فيه قبل أن تصعد إلى طائرتك الخاصة.
الكلمات لم تُثر في مالك أي نوع من الدهشة، بل على العكس، شعورًا غريبًا من الاطمئنان استقر في صدره، هو كان قد توقع هذا... بل وأكثر، لقد استشعر منذ البداية أن هذه هي اللحظة التي سيُختبر فيها جديًا وأن هذا الرئيس لن يتردد في التعامل معه مباشرة، حتى وإن كان الأمر يتطلب بعض الوقت والمشقة...
أغمض مالك عينيه للحظة وأعاد النظر في الهاتف الذي كان لا يزال في يده ثم رد بصوته العميق والحازم الذي يعكس سيطرته التامة على أي موقف:
– أبلغ الرئيس أنه إذا كان يريد وجودي هناك فعليه أن يتصل بي هو شخصيًا، وللمرة الثانية أبلغك أنني لن أتعامل عبر مساعديه، سآتي في الوقت والمكان الذي يختاره لكنني لن أقبل بالتعامل مع أي شخص سواه.
على الطرف الآخر شعر المساعد بشيء من الارتباك، ربما لم يتوقع ردًا بهذا الحسم، فقال في محاولة للتهدئة:
- لكن المهمة... الرئيس يحتاج إليك الآن يا مالك.
أجاب مالك دون أن يُظهر أدنى أثر للتردد:
– لقد سمعت ما قلته.. إذا كانت المهمة بهذا القدر من الأهمية فيجب أن يكون التواصل مباشرًا معه، ولن أكرر حديثي مرة أخرى.
قطع اتصاله على الفور عندما انهى جملته، كان حديثه حادًا مؤكدًا على قوة موقفه، وكأن هذه هي فرصته لإثبات نفسه مرة أخرى ليعلم الجميع أنه مالك هو من يتحكم في اللعبة وأنه لا يسمح لأي كان بتوجيه أوامر له...
بعد دقائق قليلة رن الهاتف مجددًا، وكان الرقم الذي ظهر على الشاشة هو الرقم الذي انتظره مالك، أخذ نفسًا عميقًا ثم رفع الهاتف ببطء وتروِ وهو يستمع له:
"Hello.. Malik "
"مرحبًا.. مالك."
جاء صوت الرئيس من الطرف الآخر قويًا وحازمًا كما هو متوقع، لكنه حمل شيئًا من نبرة استعلاء غير المعتادة على مالك فردّ عليه بثقة ونبرة صوته لا تعكس أي نوع من القلق:
"I’m listening"
"أنا استمع."
قال الرئيس:
"You’ll meet me in six hours"
"At a private location, west of the city. It’s a private heliport. I’ll be there with my private jet. I’ll send you the coordinates in a few minutes. Be there on time."
"ستلتقيني في غضون ست ساعات، في موقع خاص غرب المدينة، هناك مهبط طائرات مؤمن هناك، سأكون في انتظارك مع طائرتي الخاصة، سأرسل لك الإحداثيات في غضون دقائق، كن هناك في الوقت المحدد."
أمسك مالك الهاتف بثبات وعينيه تركزان على شاشته كما لو كانت تفحص كل كلمة بدقة وهو يحاول أن يطيل معه الوقت كي يحدد مكانه بالضبط..
"Understood. I’ll be there."
"فهمت، سأكون هناك."
ثم أضاف الرئيس بنبرة أكثر حزمًا:
"The mission you’re about to undertake is the most critical one right now, Malik. Make sure you understand the weight of It."
"المهمة التي ستتولاها هي الأكثر أهمية الآن يا مالك، تأكد من أنك تدرك حجمها."
نظر مالك من نافذته بعيدًا عن الشاشة للحظة، ثم عاد للنظر لشاشة حاسوبه التي رصدت موقع الرئيس ورصدت من معه في الغرفة في هذه اللحظة، بل وقد استطاع أن يقتحم جهازه ويفعل خاصية التجسس وهو يرد عليه بهدوء وهو يرفع زاوية فمه بابتسامة متسلية:
"I fully understand, sir. I’m the right man for the job."
"أنا أدرك تمامًا يا سيدي، عليك أن تثق أنني الرجل المناسب لهذه المهمة."
قال الرئيس باختصار:
"Good,"
ثم أضاف:
"If you’re certain, I’ll see you at the location."
"جيد.. إذا كنت متأكدًا سأراك في الموقع."
وأغلق الرئيس المكالمة...
وضع مالك الهاتف على الطاولة أمامه ببطء، ثم أدار بصره مرة أخرى إلى شاشة الكمبيوتر وهو يختبر الصوت ويستمع للرئيس وهو يتحدث لمساعده الواقف بجواره:
"It seems to me that he Is overly confident, and that still worries me. However, I will give him a chance, but if he fails, the price will be his life, no matter how dangerous he appears to be."
"يبدو لي أنه واثق في نفسه أكثر من اللازم، وهذا ما زال يقلقني.. ومع ذلك، سأمنحه فرصة، ولكن إن أخفق، فسيكون الثمن حياته، مهما بدا خطيرًا."
كانت ملامحه تتسم بالثبات وعيناه اللامعتان كانتا مليئتين بالعزم وكأن كل شيء في هذا العالم قد أصبح تحت قبضته...
ولكن رغم هيمنته الظاهرة كانت هناك ثغرة صغيرة في قلبه حين التفت بنظره إلى ملك التي كانت جالسة في سريرها، غارقة في الحزن..
تنهد بعمق وفي قلبه شعور مرير بغيرته على حالها، كانت الجروح في قلبه تزداد ألمًا كلما رأها هكذا، وكأنها سراب بعيد لا يمكنه الوصول إليه..
رفع هاتفه ببطء مرة أخرى وأدخل رقم معاذ، وبعد ثوانٍ معدودة جاء صوت معاذ القلق من الطرف الآخر:
– طمئني يا مالك، كيف حال ملك؟
تنهد مالك ببطء وهو يرد محاولًا إخفاء تأثير ما يشعر به:
– ملك بخير يا معاذ، لكنها لا تُعطيني فرصة حتى أتحدث معها.
صمت معاذ لوهلة قبل أن يرد بصوت متردد:
– ماذا تقصد؟ حاول مجددًا يا مالك، لا تيأس.
قاطعه مالك بحزم، كانت الكلمات تخرج من فمه وكأنها مدفوعة بقوة داخلية لا يستطيع إيقافها:
– حاولت بكل الطرق لكنها رفضت تمامًا أن تتحدث معي، وأنا مضطر أن أسافر الآن فورًا، سأترك لها هاتفي وأرسل لك رقمها، حاول التواصل معها يا معاذ، سأعود غدًا في مثل هذا الوقت، ويجب أن تستمع إلي وتعطيني فرصة.
زاد ضيق معاذ بشكل واضح في نبرته وسأل بصوت مليء بالقلق:
– حسنًا، قل لي.. هل آتي إليك؟ وأخبرني، إلى أين تسافر؟
هز مالك رأسه بحركة سريعة رافضًا ثم أجاب بصوت قاطع:
– ليس الآن، إن أتيت ستلتصق بكَ ولن تتركك ترحل دونها، أبق بعيدًا حتى آمرك بالقدوم..
المهم أن تتحدث معها وتحاول أن تفهم لماذا اتخذت هذا الموقف تجاهي، وعندما تعرف السبب أخبرني، أما بشأن السفر فسأشرح لك حين أعود، فأنا حتماً سأحتاجك.
أغلق مالك الهاتف بحذر وكأن اللمسة التي جمعته به كانت أكثر من مجرد نغمة رقم على الشاشة، تركه على الطاولة أمامه ثم تطلع إلى ملك التي لم تحرك ساكنًا، وكأنها جزء من الظلام المحيط بها، قلبه كان يعتصره ألم عميق لا يعرف إن كان الألم ناجمًا عن عجزه في الاقتراب منها أو عن اليأس من الوصول إلى قلبها...
وفي تلك اللحظة وجد نفسه عائدًا إلى ذاته، نظر في المرآة أمامه وهو يرى انعكاسه جليًا أمامه، تلك الصورة التي طالما حاول أن يهرب منها..
رجلٌ لا يملك إلا الإرادة ولكنها غير كافية أحيانًا.
أغمض عينيه لحظة ثم قال بصوت خافت وكأن الكلمات نفسها تكاد تتناثر منه:
"مهما كانت النتيجة سأظل أبحث عن فرصة... حتى وإن كانت ضياعًا."
ثم ببطء خرج من الغرفة متجهًا إلى مطبخه عازمًا أن يصنع لها طعامًا يعلم أنها تُحبه كثيرًا ليتركه لها مع الهاتف قبل أن يغادر...
توقف الزمن في تلك الغرفة الخشبية الضيقة، وتحول الصمت إلى كتلة من الأسلاك المشدودة بين أنفاس الأبطال. كان صوت ارتطام الجسد بالخارج كافيًا ليعيد مالك إلى غريزة الصياد التي لم تخطئ يومًا. تحامل على آلام خاصرته الممزقة، وضغط بيده اليسرى على جرحه الذي بدأ ينبض بدم دافئ جديد، بينما ثبتت يمناه المسدس نحو قفل الباب بجمود فولاذي.لم يكن الخوف يعرف طريقًا لقلب مالك، لكن الصراع النفسي الذي يعصف بكيانه في تلك الأجزاء من الثانية كان يتعلق بتلك المرأة المتربصة خلفه. التفت لبرهة خاطفة نحو "ملك" التي كانت تقف محتمية بجدار الحاوية، وعيناها الواسعتان تلتقيان بعينيه بنظرة حملت من العشق واللوعة ما يفوق احتمال البشر. رآها ترتجف، لا ذعرًا من الموت، بل رعبًا من أن تفقده بعد أن امتزجت روحاها ببعضهما وسط لظى المعارك. تمنى في تلك اللحظة لو يلقي بسلاحه ويدفن وجهه بين خصلات شعرها الحريري ليتنفس الطمأنينة، لكن طبول الحرب كانت تقرع بالخارج بلا رحمة.أشار مالك لجلال برأسه، فتحرك جلال بخفة الشبح نحو الجانب الأيمن للباب، مستعداً للأسوأ. وفجأة، تحرك مقبض الباب ببطء، وانفتح ليقذف إلى داخل الكوخ جسداً مترنحاً
تحول الكوخ الخشبي خلال الساعات التالية إلى غرفة عمليات مصغرة، تغذيها الشموع وبعض أجهزة الاتصال المحمولة البدائية التي لم تكن متصلة بالشبكة العامة لتفادي تعقب سامح ورجاله. كان مالك يتبادل النظرات مع جلال الذي بدأ يستعيد توازنه النفسي تدريجياً، مدفوعاً برغبة حارقة في إنقاذ شقيقته الصغرى وتطهير شرف ولائه الذي تلوّث بخيانة سامح.جلس جلال على مقعد خشبي واضعاً خريطة المنطقة الساحلية القديمة أمام مالك، وقال بتركيز شديد:— مالك... الأوراق السرية والملفات الاستخباراتية المشفرة التي يريدها العراب ليست في القصر المحترق، أنا أعلم ذلك. أنت نقلتها قبل أشهر إلى الخزنة الحصينة في السرداب السفلي للمرفأ القديم، تحت المستودع رقم ٣، أليس كذلك؟أومأ مالك برأسه، وكان يضغط بقطعة شاش طبي على جرحه الذي بدأ يلتئم ببطء رغماً عن الحركات العنيفة التي قام بها، وقال بنبرة باردة:— نعم. العراب يظن أنني سآخذ تلك الأوراق وأذهب إليه راكعاً في القصر مستسلماً لشروطه خلال الأيام الثلاثة. هو يعتقد أن إصابتي وخيانة سامح قد جردتني من القدرة على التفكير التكتيكي. لكنه أخطأ في الحساب؛ فالأوراق التي يبحث عنها
ترجل جلال بسرعة وفتح الباب الخلفي. وبمساعدة ملك التي كانت تقاوم تعب جسدها وإرهاقها النفسي الشديد، تمكنوا من نقل مالك إلى داخل الكوخ ووضعه على سرير خشبي عريض في الغرفة الرئيسية.أحضر جلال حقيبة الإسعافات الطبية المتقدمة، وبدأ بقطع قميص مالك ليكشف عن الجرح الشنيع. شهقت ملك وتراجعت خطوة إلى الوراء وهي ترى الشظية المعدنية المستقرة بعمق داخل لحمه، والدماء التي لا تزال تنبض ببطء من الجرح.التفت جلال إليها وقال بجدية بالغة:— ملك... يجب أن أستخرج هذه الشظية الآن فوراً قبل أن يحدث تسمم في الدم. سأحتاج لمساعدتكِ... يجب أن تمسكي بيديه بقوة وتتحدثي إليه ليبقى مستيقظاً. الألم سيكون غير محتمل، ولا نملك مخدراً كاملاً هنا، فقط بعض المسكنات الموضعية. هل أنتِ مستعدة؟نظرت ملك إلى مالك، ورأت الخوف في عينيه... ليس خوفاً من الألم، بل خوفاً من أن يرى الضعف في عينيها. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بقوة غريبة تسري في عروقها. تقدمت نحو السرير، وجثت بجانبه، وأمسكت بيديه بقوة غريبة تفوق حجم جسدها الصغير، وشبكت أصابعها بأصابعه.قالت وهي تبتسم له دمعة تتلألأ في عينيها كالنجم في عتمة الليل:—
ساد المستودع لثانية واحدة صمتٌ حاد، صمتٌ يشبه الوقوف على شفرة سيفٍ صقيل في مهب الريح. كانت فوهة بندقية "سامح" الأوتوماتيكية لا تزال مثبتة بدقة متناهية على جبهة مالك، وإصبعه يتحرك ببطء قاتل على الزناد. وفي تلك الفجوة الزمنية الضيقة التي تفصل بين الحياة والعدم، انطلقت الرصاصة المجهولة مزمجرة في عتمة المكان، لتمزق جدار الدخان الكثيف الذي يملأ المستودع. لم تكن الرصاصة موجهة إلى مالك، ولم تكن طلقة طائشة. استقرت الرصاصة بدقة فولاذية في معصم سامح الأيمن، الذي كان يقبض به على البندقية. دوت صرخة ألم وحشية من حنجرة الخائن، وسقط السلاح من يده محدثًا رنينًا حادًا على الأرضية المعدنية الصدئة، بينما تراجع إلى الخلف خطوات وهو يمسك بمعصمه المتفجر دماءً، وعيناه تملأهما الصدمة والذعر. من خلف سحب الدخان، ظهر طيفٌ مألوف، طيفٌ يحمل سلاح قنصٍ قصير المدى، يتقدم بخطوات واثقة تكاد لا تلامس الأرض من فرط خفتها وسرعتها. إنه "جلال"... الذراع الحقيقية والصديق الذي لم تلوث الأطماع نقاء ولاءه. كان وجهه مغطى برماد الانفجار، وعيناه تقدحان شررًا وهو يوجه سلاحه نحو صدر سامح المتألم.
ساد صمتٌ من نوعٍ آخر داخل ذلك المستودع المهجور؛ صمتٌ يمزقه صوتٌ رتيب، بارد، ومستمر... صرير الثواني التي تتناقص على شاشة الموقت الرقمي المثبت أسفل المقعد الخشبي الذي قُيدت إليه ملك."59... 58... 57..."كانت الأرقام الحمراء تنعكس في عيني مالك كجمرات تشتعل في عتمة غضبه. تيبس جسده بالكامل، وبدت عروق عنقه ويديه كحبال مشدودة تكاد تنفجر من فرط الضغط. في تلك اللحظة، لم يكن مالك يرى المسلحين الذين يملؤون الشرفات العلوية، ولم يكن يسمع هتاف الريح والعاصفة التي تضرب الجدران المعدنية للمستودع في الخارج. كل وجوده انكمش وتكثف في مساحة واحدة: وجه ملك الشاحب، وعيناها اللتان تفيضان ببريقٍ مرعب يمزج بين ذعر الموت الوشيك وعشقٍ لا يموت.وقف العراب خلفها، واضعًا فوهة مسدسه الذهبي بدقة متناهية على صدغها. كانت يده ثابتة، لا ترتعش، كيد جراحٍ يوشك على استئصال قلب مريضه دون أي شعور بالذنب. ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الأبوية الباردة التي كانت تثير الرعب في نفس مالك طوال سنوات مراهقته وبدايات تدريبه.قال العراب، وصوته ينساب كأفعى في وادٍ مهجور:— ستون ثانية يا بني... ستون ثانية هي كل ما
كان صوت الرنين في الممر المظلم يشبه دقات ساعة جدارية في قصرٍ مهجور، كل دقة تقضم جزءًا من ثوانٍ قد تكون الأخيرة في حياة ملك. أخرج مالك الهاتف بيدٍ ترتجف غضبًا، وضغط على زر الإجابة دون أن ينطق بكلمة. كان أنينه المكتوم داخل صدره كافيًا ليعلن للطرف الآخر أنه استلم الرسالة الدموية.جاء الصوت عبر الطرف الآخر هادئًا، باردًا، يحمل تلك البحة الأبوية الزائفة التي طالما خدعت مالك في شبابه. كان صوت "العراب".— أهلاً بك في عالم الحقيقة يا بني. ظننتَ أنك دفنتني؟ النفوس الكبيرة لا توارى الثرى بكلمات تقارير استخباراتية صاغها صبية هواة.تصلبت عضلات فك مالك، وخرج صوته كفحيح أفعى جرحت في مقتلها:— إن لمست خصلة واحدة من شعرها... سأجعل ما فعلته بك في المرفأ قبل سنوات يبدو كنزهة أطفال. سأبيدك، وأبيد كل من تنفس هواءً مررت به.انطلقت ضحكة خفيضة، مستفزة، هزت سماعة الهاتف:— الغضب يعمي البصر يا مالك، وأنت اليوم أعمى تمامًا. امرأتك الجميلة معي، تتأمل البحر من نافذة مختلفة تمامًا عن نافذة قصرك العاجي. إنها ذكية... لم تصرخ، ولم تبكِ كباقي النساء، بل كانت تنظر إلى رجالي بنظرة تحمل اسمك، و
اسندت ظهرها للحائط من خلفها و يداها تضغطان على رأسها في محاولة لإيقاف كل تلك الأصوات التي تحاصرها، لكن صوت معاذ ظل يتردد في عقلها، يطاردها ككابوس لا تستطيع الهروب منه.ــــــــــــــــــــــــــــــــركب مالك السيارة التي كانت تنتظره أمام المقر السري، وداخل السيارة غلفه صمتٌ مشحونٌ بالتوتر، الهواء
كانت ملك جالسة على طرف فراشها، يحيط بها ظلام ثقيل لا يشبه العتمة التي تملأ الغرفة بل عتمة أخرى أكثر عمقًا، تجثم على صدرها وتسد أنفاسها، الأضواء الخافتة المرتعشة بالكاد تكشف عن ملامح وجهها الباهت، بينما كانت عيناها تبحثان بلا جدوى عن مخرج وسط هذا السكون الذي صار خانقًا...انتبهت حينما كسر ا
كان يمان ممددًا على السرير، جسده مستسلم تمامًا للنوم العميق، لكن داخله كان مضطربًا كبحرٍ يموج في ليلة عاصفة، كل شيء من حوله كان ساكنًا بشكل مريب، وكأن الغرفة بأكملها تآمرت ضده لتُسكت حتى أصغر الأصوات، الهواء ثقيل مشبع برائحة اللافندر التي لطالما كانت علامة مميزة لوجود أمه.. زهرة..تسللت ال
في الزمان والمكان ذاته، كانت ضي تدخل فصل الموسيقى بخطوات خفيفة كأنها تحلق بين الأرض والسماء، كل شيء في المكان بدا مختلفًا عن باقي فصول المدرسة، كأن الفصل نفسه كان يحمل سرًا، سرًا من الألحان والإيقاعات التي تبعث الحياة في الجدران من حولها، حتى أن الهواء كان مشبعًا بصوت الآلات الموسيقية التي تنتقل