首頁 / الرومانسية / رجال الله / عقد طي النسيان

分享

عقد طي النسيان

last update publish date: 2026-05-23 20:00:00

كانت ملك جالسة على طرف فراشها، يحيط بها ظلام ثقيل لا يشبه العتمة التي تملأ الغرفة بل عتمة أخرى أكثر عمقًا، تجثم على صدرها وتسد أنفاسها، الأضواء الخافتة المرتعشة بالكاد تكشف عن ملامح وجهها الباهت، بينما كانت عيناها تبحثان بلا جدوى عن مخرج وسط هذا السكون الذي صار خانقًا...

انتبهت حينما كسر الرنين المفاجئ لهاتفٍ صمت الغرفة، التفتت بفزع نحو مصدر الصوت، عيناها اتسعتا وهي تحدق في الهاتف المستقر فوق المنضدة بجانب النافذة، لم يكن هاتفها ولا تعرف من وضعه هنا!

يدها امتدت ببطء نحوه، ترددت للحظة وهي ترى الرقم المجهول الذي ظهر على الشاشة....

شعرت بنبضات قلبها تتسارع بشكل مؤلم، يدها ارتجفت بينما ضغطت على زر الإجابة دون تفكير، رفعت الهاتف إلى أذنها وكل ذرة في كيانها تتأهب لما سيأتي....

– ملك...

جاء الصوت من الطرف الآخر كأنه شبحٌ من الماضي:

– أنا معاذ.

تجمدت ملك في مكانها وكل شيء من حولها بدا وكأنه توقف فجأة، دموعها التي كانت محبوسة في عينيها منذ فترة انفجرت بلا تحكم:

– معاذ! أرجوك، أسرع وأنقذني… الحقني يا معاذ!

الصوت على الطرف الآخر حمل ندمًا ثقيلًا:

– اهدئي يا حبيبتي، وتكلّمي بهدوء… ما الذي حدث؟

لم يكن معاذ قادرًا على تهدئة الألم الذي عصف بها، انفجرت الكلمات من فمها دون أن تتحكم بها:

– لقد تم اختطافي يا معاذ! هذا ما حدث، أتفهم ما أعنيه؟ كنت وحدي تمامًا، أحتاج من يقف إلى جانبي... أين كنت؟ لماذا تركته يأخذني؟

تلاحقت أنفاسها ويدها المرتجفة كانت بالكاد قادرة على الإمساك بالهاتف، بينما كان معاذ يشعر بالتوتر من الطرف الآخر استمر في محاولة التحدث بصوت مطمئن وهو جاحظ العينين لا يصدق ما يسمعه منها:

– ملك، أرجوكِ أن تصغي إليّ… أنا لا أفهم ما تقولين، ماذا تعنين بأنكِ اختُطفتِ؟!

كانت ملك جالسة على الأرض وجهها مليء بالدموع والصدمة وقد صاحت بغضب:

– وهل لكلمة "اختُطفت" معانٍ متعددة؟! كنت في حفل خطوبتي، وفجأة وجدت نفسي هنا! كيف تقول لي هذا؟! ألم يشعر أحد بغيابي؟!

توقفت تلهث وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها قائلة بخفوت:

– أم أنت قد.. اتفقت معه ؟!

ثم أدركت شيئًا هامًا جعلها تصمت لحظة ثم أعادت الهمهمة قائلة بتفكُر:

– هذا ليس هاتفي أصلًا، ولا أعلم كيف وصل إلى هنا، ومن أين حصلت على رقمه؟!

نطقت بصدمة ودموعها تتساقط مدرارًا على وجنتيها:

– معاذ... ماذا فعلت بي؟!

حاول معاذ أن يحتفظ بهدوئه، كأنه يسير على حبل مشدود وقال بصوت عميق ومليء بالثقل:

– ملك، مالك لم يختطفكِ، وكل ما تقولينه الآن يعني أنكِ لا تذكرين شيئًا مما حدث، ولا أملك تفسيرًا لذلك ولا أعلم كيف حدث هذا...

مالك تزوجكِ أمام أهلنا جميعًا، وبموافقتكِ الكاملة، وكان أبي شاهدًا على هذا الزواج.

بدت كلماته وكأنها سيف يمزق وعيها!

لوهلة شعرت بأن العالم من حولها يتلاشى، ارتجفت أنفاسها وخرج صوتها مبحوحًا بالكاد يُسمع:

– أنتَ... ماذا تقول؟! أبي... كان هناك؟!

وأنا... وافقت؟!

هذا مستحيل!

لا يُعقل أنني فعلت ذلك بإرادتي!

نبرته كانت ثابتة لكنها لم تخلُ من الحزن والدهشة وهو يرد عليها:

– نعم، يا ملك... بل لم توافقي فحسب، بل كنتِ أنتِ من بادر بكل ذلك، أبي ما كان ليرضى بأمرٍ كهذا، إلا بعدما رأى فيكِ اقتناعًا كاملًا لا شكّ فيه.

تراجعت ملك ببطء وكأن كلمات معاذ تحمل أثقالًا تُجبرها على الانحناء، قبضت يدها على الهاتف وعيناها تتسعان بدهشة ممزوجة برفض عميق، هتفت بصوت يحمل بين طياته غضبًا وقلة تصديق:

– أنت تكذب! كلكم تكذبون!

من المستحيل أن أكون قد وافقتُ على أمرٍ كهذا!

أأنت تحاول خداعي؟ تريدني أن أُصدّق أكاذيب مالك… كما صدّقتها أنت؟!

رد معاذ محاولًا السيطرة على التوتر المتصاعد:

– ملك، أنا أدرك أن الأمر ثقيلٌ عليكِ، خاصة بعدما علمتِ أنه متزوجٌ من ثلاث، وله مِلك يمين، وربما هذا ما جعلكِ مشوشة...

لكن عليكِ أن تهدئي وتحاولي أن تُفكّري بعقلٍ صافٍ، فما حدث جرى أمام أعين الجميع، والجميع شهد عليه.

صراخها انفجر كبركان غاضب، يملأ الفراغ من حولها:

– لستُ بحاجةٍ إلى التفكير! كلُّ شيءٍ واضحٌ أمامي! مالك اختطفني، واستغلكم جميعًا، وأنتم تركتموني وحدي لأنكم تخافونه! لا تظنّوا ولو للحظة أنني قد أُصدّق كلمةً واحدةً مما تقولونه!

أغلقت المكالمة بعنف ودفعت الهاتف بعيدًا عنها، جلست وهي ترمي بجسدها على الأرض، يداها ترتعشان وعقلها لا يهدأ، كانت كلماته تطرق رأسها كجرس متكرر وكل ما شعرت به كان مزيجًا من الصدمة والخوف والغضب العارم...

رن الهاتف مرة أخرى، صوته كان يقطع السكون المشحون من حولها، نظرت إليه بتردد ثم أمسكته و أجابت بصوت مثقل بالمرارة والانكسار:

– ماذا تريد ثانية، يا معاذ؟ أترغب في الدفاع عن الخيانة التي ارتكبتموها بحقي؟

كان صوت معاذ على الجانب الآخر أكثر هدوءًا، لكنه حاد كالسيف:

– ملك، أنا لا أدافع عن أحد… أنتِ أختي الوحيدة، وأغلى ما أملك في الدنيا، وأبي… أنتِ تعرفين مكانتك عنده، تعرفين جيدًا.. ولا أصدق أنكِ تظنين أننا بعناكِ لمالك، أو أننا خفنا منه وسكتنا.

كان عقله يكاد ينفجر من التفكير وهو يردف:

– لا بد أن تصدقي أن ما أقوله هو الحقيقة، حتى وإن بدا لكِ غريبًا أو غير منطقي، لكنه ما حدث فعلًا، وأنتِ وحدكِ التي لا تتذكرين.

قاطعت كلماته بصراخ مشحون بالوجع:

– أيّ حقيقةٍ تعني؟! أنّكم وقفتم مع مالك ضدي؟! أنّكم سلّمتموني إليه؟!

– معاذ، كنتُ في خطبتي، وكنتُ أُعدّ لحياةٍ جديدة… وفجأة أفتح عيني فأجد نفسي هنا؟!

– ثمّ تأتي وتقول إنني وافقت على الزواج منه؟!

مستحيل!

تردد للحظة وكأن الكلمات تخونه ثم قال بصوت عميق محاولًا السيطرة على انفعالاته:

– ملك... إنني أُقدّر تمامًا ما تشعرين به، لكن ما حدث كان بإرادتك، ولو لم يكن مالك يرفض التصوير بشكلٍ قاطع، لالتقطت لكِ صورة وأنتِ معه، وبحضور المأذون بينكما..

مالك لم يكن ليجرؤ على الإقدام على أمرٍ كهذا وأنتِ ترفضينه.

كانت كلماته كأنها خناجر تغرس في صدرها، ارتجفت، شعرت بأنفاسها تضيق، تمتمت بصوت مبحوح مليء بالإنكار:

– هذا غير ممكن... أنت تكذب! لا يمكن أن أكون قد وافقت! لا يمكن أبدًا!

حاول تهدئتها مرة أخرى لكن نبرته بدت أقل ثقة هذه المرة:

– يا ملك، أنتِ بحاجة إلى وقتٍ لتفكّري بهدوء وتسترجعي ما حدث جيدًا، يبدو أنكِ فقدتِ جزءًا من ذاكرتك، ولا أفهم كيف حدث ذلك، لكن ما جرى سيبقى الحقيقة، ولن يتغيّر.

أغلقت المكالمة مجددًا ودون أن تسمع حرفًا أخر منه، ولكن هذه المرة كانت تعاني من أعمق بالانكسار، ألقت الهاتف بعيدً وأخذت تحدق في الفراغ، كانت كل كلمة قالها معاذ تمزقها ببطء وكأنها سم زاحف يغزو كيانها...

اسندت ظهرها للحائط من خلفها و يداها تضغطان على رأسها في محاولة لإيقاف كل تلك الأصوات التي تحاصرها، لكن صوت معاذ ظل يتردد في عقلها، يطاردها ككابوس لا تستطيع الهروب منه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • رجال الله   في مواجهة شاهين

    جلس شاهين في غرفته، والأرض تحت قدميه تضيق كما لو كانت قفصًا يُطبق على صدره، كان يدور حول نفسه كذئب حُشر في مصيدة، يداه مشدودتان خلف ظهره، وعيناه زائغتان بين الجدار والسقف والأرضية، وكل كل ركنٍ من تلك الغرفة يطارده بسؤالٍ لا يملك له جوابًا..عُسير… قد طلب طلباته التي انغرست في قلب شاهين كسكاكين صدئة، مطلبان كلاهما ألعن من الآخر..أن يُسلّم له عمته، المرأة التي طالما كانت عزيزة مكرمة، مدللة بين آل الجعافرة، لتُلقى في حضن ولده الذي لا يعرف الرحمة، وتذهب لقصرهم كزوجة ثانية بعد أن اعتادت العزة والكرامة… وأن يبيع تجارته، عِرق جبينه، ووجاهته بين الرجال، ذلك الإرث الذي صنع مكانته بينهم..لكن المال لم يكن يعني شيئًا لشاهين، ولا التجارة بقدر ما كان يعنيه غسق، اسمها وحده كان كفيلًا بأن يحرق ما تبقى من اتزانه، أرادها، ولا شيء سواها..ولكن بأي ثمن؟اقترب من النافذة، نظر إلى ظلام الليل الممتد، والريح تضرب النوافذ الزجاجية فتئن وكأنها تعكس أنينه الداخلي، رفع يده ليمسح جبينه المبتل بالعرق، لكنه لم يجد في ملامحه سوى صورة رجلٍ يُساق إلى الهاوية بخطاه هو..قال لنفسه بصوتٍ

  • رجال الله   اغتصاب الروح

    حينها فقط أدركت الكارثة…أن ما سُلب منها لم يكن جسدها وحده؛ بل روحها، واسمها، ومكانتها في مجتمعٍ يتقن جلد الضحية ويغضّ الطرف عن الجاني، أحسّت أن الموت أقرب إليها من أي شيء آخر، وأن العار سيقتلها قبل أن تفعل أي يد بشرية..ارتجفت أصابعها وهي تزحف على التراب مثل طفلةٍ تحبو في عتمةٍ باردة، حتى وصلت إلى حقيبتها المرمية قرب الجدار، مدّت يدها المرتعشة تفتّش عنها وكأنها تبحث عن طوق نجاةٍ وسط غرقٍ لا ينتهي، وجدت الهاتف الصغير مطمورًا بين أشيائها، فانتشلته بيدٍ مرتجفة، واهتزّ قلبها حين رأت شاشته تومض بعشر مكالمات فائتة من "تولاي" شقيقتها و نصفها الآخر، ظلّها الذي لا يفارقها.لم يكن في حلقها صوتٌ لتردّ به، لكن أصابعها ضغطت زر الإجابة، أتى صوت تولاي على الطرف الآخر، متسارعًا، مرتجفًا، متقطّعًا بأسئلةٍ متلاحقة لا تنتهي، لكن ضي لم تستطع أن تنطق، تحرّكت شفتاها ولم يخرج سوى هواءٍ خافت، أنينٌ مبحوح لا يشبه الكلام، سقط الهاتف من يدها وهي ترتجف كالقصبة في مهبّ الريح، وانهارت على الأرض تبكي بصمتٍ يقطع نياط القلب، صمتٌ أقسى من أي صراخ..رفعت الهاتف مرةً أخرى بأصابعٍ مرتعشة، وكتبت لتو

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status