LOGIN
كان صوت الساعة الحائطية في الرواق الطويل هو الشيء الوحيد الذي يكسر الصمت. تسعة أيام مرّت على زفافها، وما زال البيت الفخم الذي انتقلت إليه يبدو لها غريباً كأول يوم دخلته فيه، بجدرانه العالية ولوحاته الثمينة وروائحه التي لا تشبه رائحة بيتها القديم الصغير.
جلست “لين” أمام مرآة غرفتها، تمشّط شعرها ببطء، تحاول أن تُقنع نفسها أن هذا هو بيتها الآن، أن هذا هو زوجها، وأن عليها أن تتأقلم كما وعدت والدها في قلبها يوم دفنته. “سأكون قوية يا أبي… كما أردتني دائماً.” سمعت صوت السيارة تدخل الممر الطويل من نافذتها. نظرت إلى الساعة: منتصف الليل تقريباً. لم يخبرها “كريم” أنه سيتأخر، لكنها تعلّمت في الأيام التسعة الماضية ألا تسأل. كان الصمت بينهما أشبه باتفاق غير معلن: هو لا يخبرها بشيء، وهي لا تسأل عن شيء. نزلت السلالم لتحضر له كوباً من الماء كما اعتادت أمها أن تفعل لوالدها كل ليلة — عادة صغيرة توارثتها دون أن تدري، محاولة يائسة لتصنع من هذا البيت الغريب شيئاً يشبه “بيتاً”. لكنها توقفت عند الباب. لم يكن وحده. كانت “ريم” معه، يدها على ذراعه، وضحكتها المنخفضة تملأ المدخل الرخامي البارد. لم يكن هناك تردد في عينَي كريم، ولا شعور بالذنب في طريقة وقوفه قريباً منها. كان الأمر عادياً بالنسبة له، مألوفاً، كأنه يفعل هذا كل ليلة. “طابت ليلتك يا كريم…” همست ريم وهي تقترب أكثر، ويدها تلامس وجهه للحظة قبل أن تنسحب ضاحكة نحو الباب الخارجي. وقفت لين خلف عمود الرخام، لا تستطيع أن تتحرك، ولا أن تُصدر صوتاً. لم تكن صدمة الخيانة نفسها ما آلمها — فقد كانت تعرف، منذ اليوم الأول، أن قلب كريم لم يكن معها يوماً. ما آلمها كان ذلك الاستهتار، تلك السهولة التي يتعامل بها مع الأمر، وكأن وجودها في هذا البيت لا يعني شيئاً، وكأنها — كما يظن هو — لم تأتِ إلى حياته إلا من أجل المال والمكانة. “لو يعرف فقط…” فكرت وهي تتراجع بهدوء نحو الدرج، قبل أن تُلاحظ. لو يعرف أنني ما وافقت على هذا الزواج طمعاً بشيء. لو يعرف أن اسمه كان يعني لي شيئاً قبل أن يعني له أبي شيئاً…” عادت إلى غرفتها، أغلقت الباب بهدوء شديد، وجلست على حافة السرير. يداها ترتجفان قليلاً، لكن عينيها بقيتا جافتين. لن تبكي. ليس الليلة، وليس من أجله. فتحت الدرج الصغير بجانب سريرها، وأخرجت دفتراً جلدياً بنياً، حوافه بدأت تتآكل من كثرة الاستخدام. كانت هذه هي المرة الأولى التي تفتحه فيها في هذا البيت. تنهدت، وأمسكت القلم. “اليوم التاسع. رأيته الليلة مع تلك المرأة، ولم أشعر بالغضب الذي توقعت أن أشعر به، بل شعرت بشيء أثقل: الوحدة. يظن كريم أنني تزوجته من أجل بيته الكبير وحسابه البنكي. لو يعرف أنني كنت أحبه منذ سنوات، من بعيد، بصمت، قبل أن تجمعنا وصية أبي وظروف لا يد لي فيها… لن أخبره أبداً. لن أخبر أحداً. سأكون كما أرادني أبي: قوية، وحدي.” أغلقت الدفتر، وضمّته إلى صدرها للحظة، ثم أعادته إلى مكانه السري. في الخارج، سمعت صوت الباب الرئيسي يُغلق، وخطوات كريم تصعد الدرج ببطء، بلا أي شعور بالذنب يثقل خطواته. غداً، سترتدي ابتسامتها المعتادة أمام عائلته، وتتظاهر بأن كل شيء على ما يرام. لكن الليلة، وحدها، كانت “لين” — لأول مرة منذ زفافها — تسمح لنفسها أن تكون ضعيفة، لكن فقط بين صفحات دفترها.في اليوم التالي للحفلة، جلست العائلة على مائدة الغداء كعادتها، حين طرق باب الصالة، ودخلت ريم بابتسامة واسعة، حاملة صندوق حلوى أنيق.“مررت لأهنئ العائلة على نجاح حفلة الأمس.” قالت وهي تضع الصندوق على الطاولة، ثم جلست دون انتظار دعوة رسمية، في مكان قريب من كريم.رحّب بها والد كريم بلطف كعادته، غير مدرك لطبيعة العلاقة الحقيقية التي تجمعها بابنه. لاحظت لين، كعادتها، كيف تغيّرت نبرة كريم قليلاً في وجود ريم — أكثر استرخاءً، أكثر حديثاً مما هو معتاد على مائدة العائلة.“لين، الفستان الذي ارتديته أمس كان لافتاً حقاً.” قالت ريم فجأة، موجهة كلامها إليها بابتسامة لا تصل إلى عينيها. “لم أكن أعرف أن لديك هذا الذوق.”“شكراً لك.” أجابت لين ببساطة، غير راغبة في الانجرار لأي جدال أمام العائلة.“أعني ذلك حقاً.” أضافت ريم بنبرة متصنعة الود. “فقط… أحياناً أتساءل، ألا تشعرين بالغرابة وأنتِ ترتدين ملابس بهذا الثمن، بينما أتت من خلفية مختلفة تماماً؟”توقفت حركة الشوكة في يد لين للحظة. شعرت بنظرات خفية من حولها، لكنها رفعت رأسها بهدوء. “لا أشعر بالغرابة يا ريم. الملابس مجرد قماش، لا تُعرّف الإنسان بقدر ما يعر
كانت القاعة الفخمة مزدحمة بالضيوف حين وصلت عائلة كريم، أضواء الثريات الكبيرة تتلألأ فوق موائد مرتبة بعناية، وموسيقى هادئة تملأ المكان.بمجرد دخول لين، لاحظت نظرات عدة تتجه نحوها، بعضها فضولي، وبعضها معجب بصدق. لم تكن معتادة على هذا القدر من الانتباه، فحاولت أن تبقى قريبة من والد كريم كملاذ آمن وسط الزحام.“لين! تعالي، أريدك أن تقابلي بعض الأصدقاء.” قال والد كريم بفخر واضح، يقودها نحو مجموعة من معارفه.من بعيد، وقفت ريم بجانب طاولة المشروبات، تراقب المشهد بعينين ضيقتين. لم تكن قد توقعت أن تلفت لين كل هذا الانتباه.“من هي بالضبط؟” سألت إحدى صديقات ريم بفضول، وهي تشير نحو لين. “لم أرها من قبل في هذه التجمعات.”“زوجة كريم.” أجابت ريم بنبرة باردة، تحاول إخفاء انزعاجها.“إنها جميلة حقاً.” علّقت الصديقة ببراءة، غير مدركة تأثير كلماتها.ابتسمت ريم ابتسامة مصطنعة، لكن يدها أمسكت كأس الشراب بقوة أكبر مما تطلبه اللحظة. “الجمال ليس كل شيء.” قالتها بجفاء، قبل أن تتجه بخطوات سريعة نحو كريم، الذي كان واقفاً بمفرده قرب النافذة.“تبدو مشغول البال الليلة.” قالت ريم وهي تقترب منه بابتسامة مألوفة.“مجرد
“حفلة تقاعد أحد كبار شركاء أبي.” قالت دانة وهي تدخل غرفة لين بلا استئذان مسبق، حاملة عدة أكياس تسوق. “وأمي أصرّت أن يحضر الجميع، بمن فيهم أنتِ، بلا أعذار هذه المرة.”رفعت لين حاجبها. “بلا أعذار؟ هذا غير معتاد منها.”“أظن أنها تريد التأكد أنك ستظهرين بمظهر يليق بالعائلة أمام كل هؤلاء الضيوف المهمين.” أجابت دانة بابتسامة ساخرة خفيفة، وهي تضع الأكياس على السرير. “لهذا أحضرت لك هذا.”فتحت لين أحد الأكياس بفضول، لتجد فستاناً بلون أحمر داكن، بقصة أنيقة تنسدل بانسيابية، مطرزاً بتفاصيل بسيطة عند الخصر.“هذا… جميل جداً، لكنه ليس ما أرتديه عادة.” قالت لين وهي تتأمل الفستان بتردد.“لهذا بالضبط اخترته.” ردت دانة بحماس. “حان الوقت لتري نفسك كما يراك الآخرون، لا كما اعتدتِ أن تخفي نفسك بينهم.”بعد ساعتين من التحضير، وقفت لين أمام المرآة الطويلة في غرفتها، بالكاد تتعرف على انعكاسها. كان الفستان يبرز قوامها بأناقة دون مبالغة، شعرها منسدل بتموجات ناعمة على كتفيها، ومكياج خفيف أبرز ملامح وجهها الهادئة دون أن يغيّرها.“أنتِ جاهزة؟” سألتها دانة من خلف الباب.“أظن ذلك.” أجابت لين بتردد.فتحت الباب لتجد دا
فتحت لين عينيها على وقع صوت أذان الفجر البعيد. نظرت إلى الأريكة الطويلة الموضوعة قرب النافذة، حيث كان كريم نائماً، ظهره إليها كعادته. لم يكن هذا الترتيب موضوع نقاش بينهما يوماً؛ في الليلة الأولى بعد الزفاف، دخل كريم الغرفة، ألقى وسادة ولحافاً على الأريكة، وقال بجملة واحدة باردة: “لا تنتظري مني أكثر من هذا.” ومنذ ذلك اليوم، أصبح هذا الترتيب هو الواقع الذي تعيشانه، بلا حاجة لإعادة شرحه كل ليلة.نهضت بهدوء، حريصة على ألا توقظه، وتوجهت نحو الحمام لتستعد ليومها.في المطبخ، وجدت أم حسن تُعدّ الفطور كعادتها.“صباح الخير يا لين. نمتِ جيداً؟”“بقدر ما أستطيع.” أجابت لين بابتسامة صغيرة، وجلست على الكرسي المعتاد.نزل والد كريم بعدها بدقائق، يحمل جريدته كعادته كل صباح. “صباح الخير للجميع.” قال بمرح، وقبّل رأس لين بحنان أبوي قبل أن يجلس.جاءت أم كريم بعده بقليل، صامتة كعادتها في الصباح، تكتفي بإيماءة رأس عابرة قبل أن تنشغل بمراجعة قائمة مهام اليوم مع إحدى الخادمات.“هل سينزل كريم؟” سأل والد كريم وهو يقلب صفحات جريدته.“لا أعرف بالضبط يا عمي.” أجابت لين بصدق. “كان لا يزال نائماً حين غادرت الغرفة.”
كان يوم أحد هادئ، حين سمعت لين ضجة غير معتادة في الطابق السفلي — أصوات ترحيب وضحكات عالية، أشبه باستقبال ضيف عزيز.نزلت لترى ما يحدث، فوجدت والد كريم واقفاً في المدخل، يعانق شاباً في الثلاثينيات بحرارة واضحة.“أخيراً وصلت!” قال والد كريم بفرح ظاهر. “كنت أنتظر عودتك من الخارج منذ أشهر.”“العمل هناك أخذ وقتاً أطول مما توقعت يا عمي.” أجاب الشاب بابتسامة مهذبة.التفت والد كريم نحو لين. “لين، تعالي، أريدك أن تتعرفي على ابن أخي، آدم. عاد للتو من الخارج بعد سنوات من العمل هناك، وسينضم إلينا في الشركة العائلية من الآن فصاعداً.”تقدمت لين بضع خطوات، ومدت يدها بأدب. “تشرفنا. أنا لين، زوجة كريم.”صافحها آدم بابتسامة هادئة. “تشرفت بمعرفتك. سمعت عن زواج كريم وأنا في الخارج، لكن هذه أول مرة ألتقي فيها زوجته.”“أتمنى أن تكون قد سمعت أشياء جيدة فقط.” قالت لين بابتسامة خفيفة.“كله خير، حسب ما أخبرني عمي على الأقل.” أجاب آدم بمرح هادئ.خلال العشاء، جلس آدم بالقرب من والد كريم، يحدثه عن سنوات عمله بالخارج، بينما جلست لين في مكانها المعتاد، تستمع أكثر مما تتحدث كعادتها. لاحظت أن كريم، الجالس في الطرف الآ
دخلت أم حسن غرفة لين تحمل صينية الفطور، فوجدتها جالسة على حافة السرير، شاردة النظر.“لم تنزلي هذا الصباح يا سيدتي. هل أنتِ بخير؟”“أنا فقط متعبة قليلاً.” أجابت لين بابتسامة خافتة.وضعت أم حسن الصينية على الطاولة، ونظرت إليها بتمعن. “متعبة من ماذا يا لين؟ من قلة النوم، أم من شيء آخر؟”“لا أعرف بالضبط.” قالت لين بصدق مفاجئ حتى لنفسها.“أعرفك منذ أشهر قليلة فقط، لكنني عشت في هذا البيت سنوات طويلة، ورأيت نساء كثيرات يدخلن ويخرجن منه.” قالت أم حسن وهي تجلس بجانبها. “التعب الذي أراه في عينيك ليس تعب جسد يا صغيرتي.”“وإن كان كذلك؟” سألت لين بصوت خافت. “ماذا لو كنت تعبة فعلاً؟ من كل شيء؟”“فلا بأس أن تتعبي.” أجابت أم حسن ببساطة. “لست مضطرة أن تكوني قوية طوال الوقت أمام الجميع.”“بلى، أنا مضطرة.” ردت لين بحزم مفاجئ. “لو أظهرت ضعفاً واحداً في هذا البيت، سيصبح سلاحاً يُستخدم ضدي.”صمتت أم حسن للحظة، ثم قالت بصوت أهدأ: “القوة الحقيقية يا لين ليست في ألا تبكي أبداً. القوة أن تسمحي لنفسك بالبكاء أحياناً، ثم تنهضي من جديد.”بعد ظهر ذلك اليوم، مرّت لين أمام مكتب كريم، فسمعت صوته من خلف الباب المغلق ج






