Share

قانون الجارحي

last update publish date: 2026-05-26 17:00:00

لم تكن دقات الساعة في تلك اللحظة مجرد قياس للزمن، بل كانت كضربات المقاصل التي تُعلن نهاية عهد وبداية آخر ملوّن بالدم والرماد. كان الصمت الذي تلا كلمات "سليم" أشبه بالسكينة التي تسبق انفجار البراكين؛ صمتٌ تلاشت فيه أنفاس المطر الشتوي القارس، وتوقفت فيه حبات الدم القرمزية عن السيلان فوق رخام الجناح، ليتجمد الكون بأسره عند عتبة تلك الغرفة المخضبة بلون الطوارئ الأحمر.

كنتُ مستلقيةً بين ذراعي مراد، وجسدي الحريري يرتجف بعنف ليس بسبب ألم الجرح الحاد في ذراعي الذي مزقه نصل آسر، بل بسبب تلك الحقيقة الإعصارية التي هبطت على رأسي كالصاعقة. أنا.. ليلى.. الفتاة التي ظنت نفسها مقطوعة من شجرة، الفتاة الجامعية التي قادها الملل لإرسال رسالة طائشة لنمر المافيا، أكون ابنة عم أدهم الجارحي؟ الوريثة الشرعية لعدوه اللدود؟ كانت الفكرة تفوق قدرة عقلي المستهلك على الاستيعاب، وشعرتُ بأن روحي تُسحب مني وأنا أنظر إلى وجه مراد.

كان مراد يقف بجسده الطاغي وعرض منكبيه النحيت كأنه صخرة صمّاء لا تهزها الرياح، لكن عينيه.. آه من عينيه الصقريتين، كانتا تشعان بذهول مرعب وجنون تملك لم أره فيه قط. ابيضّت مفاصل كفه الكبيرة وهو يضغط على معصمي غير المصاب، ضغطة حازمة وعنيفة الشغف، كأنه يحاول دمج جسدي بجسده ليمنع القدر ذاته من انتزاعي منه. تحركت عضلات فكه الحاد بقسوة بالغة، وبرزت عروق عنقه المتصلب كأوتار مشدودة تستعد لعزف لحن الموت.

"أدهم الجارحي؟" نطق مراد بالاسم، وخرج صوته ببحّة ذكورية مرعبة، منخفضة كزئير نمر يحذر الصيادين قبل أن يمزق أجسادهم، "رجل الدولة والقانون.. الزعيم الفعلي لجهاز المخابرات، يأتي بكامل قواته إلى قصرِي؟ ليس لتصفية حسابات المافيا، بل ليأخذ ما يخصني؟ ليأخذ ليلى؟"

"نعم يا مراد بيه،" قال سليم وهو يتراجع خطوة للخلف بنبرة يملؤها الرعب والاضطراب الصريح، "الخطوط الدفاعية الخارجية سُحقت ليس برصاص المافيا الملوث، بل بقوات الصاعقة والنخبة الرسمية. إنهم لا يطلقون النار عشوائياً، بل يتحركون بتكتيك حصار مطبق لا ثغرة فيه. والمستشار أدهم يتقدم الممر الآن، وقد أعطى أمراً صريحاً لرجاله: (تصفية كل من يحمل سلاحاً في القصر، والوصول إلى الفتاة حية)."

في تلك اللحظة المشحونة بالأدرينالين والخطر المطلق، تحرك الطيف الهامد لآسر السيوفي خلفنا. كان ينزف بغزارة من فمه بعد اللكمة الرعدية التي تلقاها من مراد، لكنه سند ظهره بجدار المدفأة المحطم، وارتسمت على شفتيه النحيفتين ابتسامة جليدية ساخرة وشامتة، تفيض بالخراب والوعيد.

"ألم أقل لك يا شقيقي الأصغر؟" همس آسر بصوته الهادئ للغاية والرخيم الذي يحمل برودة المقابر، "العاطفة هي الداء الذي يودي بالملوك. لقد حاربتَ المنظمة الدولية لأجل هذه القطة، والآن ستحارب الدولة بأكملها. ليلى ليست ثغرة في جدارك فحسب.. بل هي المقبرة التي ستُدفن فيها مملكة السيوفي برمتها. سلمها للجارحي وانقذ ما تبقى من كبريائك، فالعين لا تعلو على الحاجب، وأنت لا تملك القدرة على مواجهة القانون."

التفت مراد نحو آسر بلمحة عين، وكانت نظرته كفيلة بإيقاف النبض في العروق. ولم ينطق بكلمة؛ بل رفع مسدسه الفضي ببرود مميت ووجهه نحو ساق آسر الأخرى وأطلق رصاصة مدوية حطمت عظام ركبته، ليطلق آسر صرخة ألم مكتومة ويسقط غائباً عن الوعي بالكامل وسط بركة دماء جديدة.

"سليم!" صاح مراد بصوت رعدي زلزل ما تبقى من جدران الجناح المخملية، صوت حمل كل نيران الغيرة الشرسة والتملك الأعمى الذي أعمى بصيرته، "خذ آسر وما تبقى من رجاله إلى السرداب السفلي المفرغ تحت الأرض. وأمر رجالي المتبقين في الردهة بوضع أسلحتهم أرضاً.. أنا لا أحارب رجال الدولة برصاص عشوائي ينهي مملكتي، بل سأواجه أدهم الجارحي بنفسي، هنا.. في وسط غرفتي وحرمي الخاص."

"ولكن يا مراد بيه.. الجارحي لن يتفاوض!" هتف سليم بذعر.

"نفذ الأمر!" صرخ مراد بنبرة عسكرية قاطعة لا تقبل النقاش. انحنى سليم وسحب جسد آسر بآلية صامتة واختفى عبر جدار المدفأة، ليغلق الممر السري خلفه ويترك الجناح في صمت مطبق، لم يشقه سوى عويل الرياح الشتوية وهطول المطر الغزير عبر زجاج الشرفة المحطم.

التفت مراد إليّ بالكامل، وتلاشت قسوة ملامحه الوحشية لتحل محلها تلك النظرة المشتعلة بالشغف الخالص ورومانسية مظلمة تذيب الروح. جثا على ركبتيه فوق الرخام المبلل بدمائنا المختلطة، وامتدت يداه الكبييرتان الدافئتان لتمسكا بوجهي الشاحب برفق متناهٍ. كانت أنفاسه الحارة المتلاحقة تصطدم ببشرتي كالجمر، وعيناه تلتهمان ملامحي الباكية بتركيز شديد.

"مراد.. أرجوك،" قُلتها بصوت مخنوق بالدموع، وأنا أضع كفيّ الملوثة بالدماء فوق صدره العريض العاري النابض بعنف، "دعهم يأخذونني. إذا كنتُ ابنة عمه حقاً، فلن يؤذونني. لا تخاطر بحياتك ومملكتك من أجلي أكثر.. أنا لا أحتمل رؤيتك مسجوناً أو ميتاً بسبب غلطتي."

"أ تطالبينني بالتخلي عنكِ يا ليلى؟" همس بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته تحمل بحّة غيرة قاتلة وتملك مفرط لا يعرف الهوادة، "لقد دخلتِ إلى هذا العرين باختياركِ، لكنكِ أصبحتِ دمي، ولحمي، وشرفي الخاص. لو كان أدهم الجارحي يملك جيوش الأرض، ولو كانت الدولة بأكملها تقف خلف ظهره، فلن تخرج قطعة من روحي من هذا الجناح رغماً عن إرادتي. أنتِ لي.. طواعية أو كرهاً، ستبقين أنثى مراد السيوفي، وسأعلم ابن عمكِ الليلة أن قوانينه الرسمية تسقط عند عتبة غرفتي."

انحنى والتهم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة الشغف، قبلة سحبت مني آخر ذرات المقاومة وجعلت جسدي ينتفض بضعف بين يديه. كانت قبلة طويلة، امتزج فيها طعم دمي المالح بلهيب عشقه الشرس وتحديه للقدر، كأنه يختم تملكه على جسدي وروحي أمام العاصفة القادمة. أطلق شفتي ببطء، وتحركت أصابعه الدافئة لتمسح دموعي بنعومة حارقة، ثم نهض وبسط قامته الفارهة وعدّل قميصه الأسود بكبرياء ملوك لا ينحنون.

سحب رداءً مخملياً دافئاً باللون الأسود، ودثرني به فوق الفراش الملكي الضخم، واضعاً إياي خلف ظهره العريض، ليصبح مجدداً درعي البشري الأوحد. وقف في منتصف الغرفة، عاقداً يديه خلف ظهره، ومسدسه الفضي مخفي بعناية تحت حزام بنطاله، وعيناه الصقريتان مثبتتان على الباب الخشبي الكبير للجناح بانتظار دخول الإعصار.

لم يطل الانتظار؛ فبعد ثوانٍ معدودة، دوت خطى عسكرية ثقيلة، حازمة ورزينة للغاية عبر الممر الخارجي. انفتح الباب الخشبي الضخم للجناح بقوة، ودخل منه رجل يفيض بهالة من السلطة والجبروت الرسمي الذي يجعل الجبال تنحني إجلالاً.

كان هذا المستشار أدهم الجارحي.

كان في أوائل الأربعينيات من عمره، ذو قامة فارعة وبنية جسدية ضخمة تماثل بنية مراد الطاغية. يرتدي معطفاً عسكرياً طويل باللون الكحلي الداكن فوق حلته الرسمية الصارمة، وشعره الأسود مصفف بعناية بالغة. ملامح وجهه كانت نحيتة، حادة كالشفرة، وعيناه السوداوان تلمعان بذكاء حاد وبرود لا يعرف الارتجاف. وخلفه، انتشر أربعة من رجال العمليات الخاصة المدججين بالأسلحة الأوتوماتيكية والدروع، يقفون بآلية صامتة مستعدين لإطلاق النار عند أي إشارة من سيدهم.

جالت نظرات أدهم الباردة في أرجاء الجناح المحطم؛ مر على آثار الرصاص، الستائر الممزقة، دماء آسر المتناثرة، حتى استقرت عيناه بدقة وفحص شديد عليّ أنا.. المستلقية خلف مراد برداء المخمل الأسود ووجهي الشاحب الملطخ بالدموع. رأيت عضلات فكه تتحرك بحدة، ولمعت في عينيه نظرة حنان أصيل غريب تداخلت مع غضب عارم لم يستطع إخفاءه.

التفت أدهم بنظراته نحو مراد، وساد القاعة توتر خانق يكاد يُرى بالعين المجردة؛ صراع جبابرة بين رجل المافيا وتملكِه الشرس، ورجل الدولة وقانونه الصارم.

"مراد السيوفي،" نطق أدهم بالاسم بصوت جهوري عميق، يحمل نبرة رخيمة وقاطعة كالقضاء، صوت خلا تماماً من أي خوف أو تردد، "لقد تجاوزتَ كل الخطوط الحمراء في هذه العاصمة. تصفية عائلة عثمان والجارحي بالأمس كانت كفيلة بجعلنا نبيد مملكتك الملوثة بالدماء.. لكن خطيئتك الأكبر، هي أنك تجرأت على احتجاز ابنة عمي، الوريثة الشرعية لعائلة الجارحي، داخل هذا الوكر القذر."

ارتسمت على شفتي مراد الحادتين ابتسامة جانية، حادة وساخرة تفيض بالكبرياء والوسامة الشرسة. لم يتحرك من مكانه، بل زاد من ثبات وقفته ليحجبني تماماً عن نظرات أدهم، وقال بصوته الجهوري المبحوح بنبرة تزلزل الكيان:

"سيادة المستشار.. أنت في عرين مراد السيوفي، والقوانين التي تحكم بها خلف هذه الأسوار تسقط بالكامل. ليلى لم تُحتجز رغماً عنها؛ بل دخلت إلى هنا باختيارها، وأصبحت شرفي، ودمي، وحرمي الخاص. والوريثة التي تتحدث عنها هي الآن أنثى النمر.. ومن يفكر في انتزاع قطعة من روحي، سأعلمه كيف يكون الجحيم الحقيقي، حتى لو كان يحمل شارات الدولة بأكملها."

تحرك أدهم خطوة إلى الأمام، ورفع يده ليشير لرجاله بالبقاء في أماكنهم، ونظر إلى مراد ببرود مميت وقال:

"العواطف والخطابات الرومانسية المظلمة لا تغير من الواقع شيئاً يا مراد. القانون لا يعترف بعرينك أو بتملكِك الطائش. ليلى خُطفت منذ عشرين عاماً في صراع عائلي قديم، واليوم عادت إلى بيتها الشرعي. رجالي يطوقون القصر، ومملكتك سُحقت بالكامل بالخارج. أمامك خياران لا ثالث لهما: إما أن تتنحى جانباً وتترك ليلى تعود معي طواعية، أو أن آخذها بقوة السلاح وأتركك جثة هامدة فوق هذا الرخام المبلل بدماء أعدائك."

انقضت الكلمات لتشعل نيران الغيرة الشرسة في صدر مراد؛ فتحركت يده خفية نحو مسدسه الفضي، وتوترت كل عضلة في جسده الطاغي مستعداً لخوض حرب انتحارية مدمرة لحماية تملكه الشرس، بينما كنتُ أنا أراقب الموقف بأنفاس محترقة وقلبي يدق كطبول القيامة، أدرك أن العاصمة توشك على الاحتراق في صراع دامٍ بين رجل المافيا ورجل القانون، والجائزة هي أنا!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسالة إلى الشيطان   صدام العشق والشك الحارق

    ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف

  • رسالة إلى الشيطان   العودة إلى العرين

    لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام

  • رسالة إلى الشيطان   رماد الغيرة الحارقة

    لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"​ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."​بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.​في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا

  • رسالة إلى الشيطان   عودة النمر

    كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي

  • رسالة إلى الشيطان   سمّ الأفاعي الناعم

    إنه الرائد الدكتور "إياد مهران".. طبيب نفسي عبقري وضابط مخابرات رفيع المستوى في الجهاز الرسمي، رجل يجمع في ملامحه بين الوسامة الذكورية الساحرة والبرود التكتيكي الذي يرفض الانحناء أمام فوضى المافيا الدولية. كان في أواخر الثلاثينات من عمره، فارع الطول وعريض المنكبين بجسد رياضي متناسق ينم عن تدريب عسكري صارم، يرتدي قميصاً رمادياً فاخراً مفتوح الأزرار العلوية مع معطف صوفي أسود طويل يمنحه هيبة النبلاء. عيناه العسليتان الداكنتان الحادتان كانتا تلمعان بذكاء حاد ونظرات ثاقبة تشبه مبضع الجراح الذي ينبش في وعي خصومه، وتحيط بفمه وسامة شرسة وهادئة في آن واحد."ليلى... هذا هو الدكتور إياد،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق، وعينه السوداء تراقب ملامح ابنة عمه بحذر حازم. "لقد خاطر بحياته واخترق أطواق اللواء رأفت علام في العاصمة ليصل إلى هنا عبر مروحية عسكرية خاصة. إنه هنا ليتولى فحصكِ النفسي والأمني، والتأكد من أن خلايا مخكِ لم تتأثر بصدمة الحرب ومؤامرات المافيا الدولية."التفت أدهم نحو إياد، وضغط على كتفه بنبرة تحمل قسوة القانون وثبات العقيدة: "إياد... ليلى أمانة عائلتي بين يديك. جهازي مخترق

  • رسالة إلى الشيطان   الشك ينبت في العتمة

    انفتحت بوابات المياه الهيدروليكية العملاقة للمرفأ السفلي السري تحت وطأة ضغط هيدروليكي هائل، لتعلن عن وصول الغواصة العسكرية "التيتان الأسود" إلى الملاذ الآمن والأخير لعائلة الجارحي. لم يكن هذا المكان مجرد قصر عادي؛ بل كان قلعة استخباراتية حجرية شُيدت في أواخر القرن الماضي فوق جرف صخري معزول يطل على ساحل شبه جزيرة سيناء، حيث تلتقي قسوة الجبال الحادة بعتمة مياه البحر المفتوحة. طفت الغواصة الفولاذية الضخمة فوق سطح المياه الميتة للمرفأ الداخلي، التي كانت تبدو كمرآة سوداء صقيلة تعكس ومضات كشافات الهالوجين البيضاء المثبتة في الأسقف الخرسانية العالية للكهف الطبيعي المحفور بدقة عسكرية.كان الهواء هنا بارداً، رطباً، ومحسناً بشبكة تنقية رقمية معقدة تصدر أزيراً منخفضاً ومستمراً كأنه دقات ساعة الفناء. امتد رصيف المرفأ الحجري، المصنوع من صخور البازلت الأسود، كلسان طويل يؤدي إلى المصاعد الهيدروليكية الداخلية للقصر. وفوق الرصيف، كانت تقف نخبة رسمية من حرس المستشار أدهم الجارحي؛ رجال يرتدون سترات تكتيكية سوداء كاملة، مجهزين ببنادق هجومية من طراز "إم 4" الحديثة، وتتحرك عيونهم المدربة بحذر وقلق خل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status