LOGIN
توقف صوت المصعد، وتلاشت معه كل الأصوات في الممر المؤدي إلى شقتي، باستثناء تلك الخطوات الرزينة، الثقيلة، والواثقة التي كانت تقترب من الباب بخطى مدروسة. كل ضربة لكعبه على الأرضية الرخامية كانت ترتد في صدري كضربة مطرقة على زجاج آيل للتحطم. عيناي شاخصتان نحو المقبض النحاسي للباب، وجسدي ملتصق بالخزانة الخشبية خلفي وكأنني أحاول الاختباء في ظلها.
انقطعت الخطوات فجأة. ساد صمت مطبق لثوانٍ بدت كأنها قرون من العذاب. ثم، دوت ثلاث طرقات خفيفة، لكنها حازمة وقاطعة، على خشب الباب. لم تكن طرقات شخص يطلب الإذن بالدخول، بل كانت إشعاراً بالاستيلاء.
"ليلى.. افتحي الباب."
انطلق صوته من خلف الخشب، ليس عبر الهاتف هذه المرة، بل حياً، هادراً، يحمل بحته الذكورية العميقة التي تجعل الجدران تهتز خفية. تسمرت في مكاني، وشعرت بريق ينشف في حلقي، ولم أقو الخروج بكلمة واحدة. كيف أنطق وكلي أرتجف؟
"أعلم أنكِ تقفين خلف الباب مباشرة، وأسمع أنفاسكِ المضطربة. أمامكِ خمس ثوانٍ لفتح الباب بنفسكِ، وإلا سيتكفل رجالي بكسره.. وحينها لن يعجبكِ البدء بهذه الطريقة."
كان يتحدث ببرود مخيف، نبرة رجل يعطي أوامر عسكرية لا تقبل النقاش. ابتلعت ريقي بصعوبة، وتحركت قدماي كالمسير تحت تأثير التنويم المغناطيسي. كنت خائفة حد الموت، لكن في نفس الوقت، كان هناك فضول أنثوي جامح ورغبة مجنونة في رؤية هذا الطاغية الذي قلب عالمي الهادئ في دقائق معدودة.
مددت يدي المرتعشة، وأدرت المفتاح في القفل.. صوت التكة الضعيفة بدا مدوياً في صمت الشقة. أمسكت المقبض، وضغطت عليه لأسفل، وفتحت الباب ببطء.
تراجعت خطوة إلى الخلف تلقائياً عندما تراءى لي طيفه الطاغي.
كان هناك، واقفاً بكامل هيبته وجبروته، يسد بملء جسده الضخم الممر بأسره. فارع الطول لدرجة أنني اضطررت لرفع رأسي كثيراً لأتمكن من النظر إلى وجهه. كان يرتدي حلة سوداء فاخرة، ممتدة تحت معطفه الأسود الطويل، تبرز عرض منكبيه وجسده الرياضي المتناسق. لحيته المشذبة بدقة وعناية، وخصلات شعره السوداء الداكنة المصففة إلى الخلف، ومنحنيات وجهه الحادة وكأنها نُحتت من مرمر.. كل شيء فيه كان ينضح بالثراء والنفوذ والوسامة الشرسة والمظلمة.
لكن عيناه.. عيناه كانتا الحكاية كلها. سوداوان، حادتان، كعيني صقر ينظر إلى طريدته بامتلاك تام. لم يكن فيهما أي أثر للمزاح أو الشفقة.
تأملني من رأسي حتى أخمص قدمي بنظرة فاحصة، بطيئة، جعلت الدماء تتدفق حارة في عروقي، وشعرت بوجهي يشتعل خجلاً ورعباً. كان يرتدي قفازين من الجلد الأسود الفاخر، ومد يده ببطء ليرفع طرف ذقني بإصبعه، مجبراً إياي على النظر مباشرة في عينيه.
"إذن.. أنتِ هي القطة الشجاعة التي أرسلت تستدعيني؟" قالها بنبرة منخفضة، فيها بحة مثيرة وساخرة في آن واحد.
حاولت استجماع شجاعتي المبعثرة، وضغطت على قبضة يدي لأمنعها من الارتجاف، وقُلت بصوت متقطع حاول الكبرياء تعديله:
"أنا.. أنا لم أستدعِ أحداً. كانت.. كانت مجرد دعابة تافهة، خطأ غير مقصود. لم أكن أعلم.. أرجوك، خذ رجالك وارحل من هنا قبل أن أتصل بالشرطة."
ما إن نطقت بكلمة "الشرطة"، حتى رأيت ابتسامة باردة وساخرة ترتسم على شفتيه، ابتسامة لم تصل إلى عينيه القاسيتين. خطا خطوة إلى الأمام، مجبراً إياي على التراجع خطوة أخرى داخل الشقة، ثم أغلق الباب خلفه بقدمه بقوة، ليدوي صوت الإغلاق معلناً وقوعي في الفخ.
"الشرطة؟" قالها متمهلاً وهو يخلع قفازيه الجلديين ببطء شديد، ويضعهما في جيب معطفه، "أنتِ حقاً بريئة يا ليلى، أو ربما ساذجة إلى حد مثير للشفقة. أنا مراد السيوفي.. أنا من تطلب الشرطة إذنها قبل أن تتحرك في هذا النطاق. والآن، دعينا نتحدث عن دعابتكِ التافهة."
تقدم نحوي ببطء، وفي كل خطوة يخطوها كنت أتراجع حتى اصطدمت بطاولة صغيرة في ركن الصالة. أصبح قريباً مني جداً، لدرجة أنني استنشقت عطره الأخاذ.. عطر يمتزج فيه رائحة التبغ الفاخر بالخشب والصندل، عطر ذكوري قوي، مخدر للحواس، يعكس شخصيته الغامضة والخطيرة.
انحنى بقامته الطويلة نحوي، وحاصرني بواحدة من يديه الضخمتين مستنداً إلى الحائط خلفي، ليفصل بين وجهينا إنشات قليلة. أنفاسه الحارة لفحت بشرتي، وجعلت دقات قلبي تقفز بشكل جنوني.
"لقد طلبتِ في رسالتكِ الصوتية أن آتي وأختطفكِ، لأن الملل يكاد يفتك بكِ.. أليس كذلك؟" همس بصوته الجهوري الذي تغلغل في أعماقي كالموسيقى المظلمة، "لقد لبيتُ دعوتكِ يا قطتي، وقطعتُ عملاً بمليارات من أجل هذه العيون المرتجفة. ورجال المافيا، يا حلوتي، لا يتركون أعمالهم من أجل دعابة.. نحن نأخذ كل شيء بجدية."
شعرت بالخوف ينهش أطرافي، لكن شيئاً ما في داخلي، تمرد خفي، منعني من البكاء أو التوسل. نظرت في عينيه الشرسيتين وقلت بأنفاس متلاحقة:
"لقد اعتذرت! قلت إنها كانت غلطة.. ماذا تريد مني الآن؟"
امتدت أصابعه العارية، الطويلة والدافئة، لتتحرك على طول فكي ببطء، لمسة كانت ناعمة لكنها تحمل تهديداً مبطناً وجاذبية كهربائية جعلت قشعريرة تسري في جسدي بالكامل.
"الاعتذار لا يصرف لرجال مثلي يا ليلى،" قال ببرود وهو يثبت نظراته على شفتي المرتجفتين، "أنتِ من فتحتِ باب الجحيم بيديكِ الطائشتين، والآن.. عليكِ أن تتحملي حرارته. لقد اخترتكِ، ومنذ اللحظة التي استمعتُ فيها إلى صوتكِ، أصبحتِ تخصينني."
"أنا لا أخص أحداً!" صرخت محاولة دفعه بيدي عن صدري، لكن جسده كان كالجدار الرخامي الصلب، لم يتحرك إنشاً واحداً، بل قبض على معصميّ بكلتا يديه بسهولة تامة، ورفعهما فوق رأسي وثبتهما على الحائط، مقرباً جسده من جسدي أكثر حتى شعرت بحرارته الطاغية.
"عنادكِ هذا يعجبني.. يثيرني أكثر مما تتخيلين،" قال وعيناه تتوهجان ببريق خطير، "لكن القوانين هنا أنا من يضعها. لقد جئتُ لآخذ ما هو لي. أمامكِ عشر دقائق لتجمعي فيها أغراضكِ الضرورية.. لأنكِ ستغادرين معي هذا المكان، وإلى الأبد."
توسعت عيناي برعب حقيقي، وهتفت:
"إلى أين؟! لن أذهب معك إلى أي مكان! أنت مجنون!"
ضغط على معصميّ برفق لكن بحزم يمنع الحراك، وانحنى ليهمس بجانب أذني مباشرة، لتلامس شفتاه شحمة أذني خفيفة، مما جعل جسدي ينتفض بضعف:
"إلى عالمي المظلم يا ليلى.. حيث ستكونين تحت حمايتي، وتحت رحمتي أيضاً. والآن، بدأ العد التنازلي لعشر دقائق.. لا تجعليني أفقد صبري."
ترك معصميّ فجأة، وتراجع خطوتين إلى الخلف، واضعاً يديه في جيبي بنطاله، يراقبني ببرود وثقة أفعى تستعد لابتلاع فريستها، تاركاً إياي في حيرة من أمري، وجسدي يرتجف بين الخوف من بطشه، وتلك الجاذبية الغامضة الشرسة التي بدأت تسيطر على حواسي رغماً عني.
كانت الدقائق العشر تمر كأنها ثوانٍ معدودة في ساعة رملية تتحرك نحو هلاكي. وقفت في وسط غرفتي، وعقلي مشلول تماماً عن التفكير، بينما كان هو يجلس على المقعد الخشبي الصغير في ركن الصالة، واضعاً قدماً فوق الأخرى بكبرياء طاغٍ، يراقب حركاتي وسكناتي عبر الباب المفتوح. رجاله كانوا يقفون بالخارج كالتماثيل الصامتة، مما أضفى على المكان جوًا من الرهبة يقطع الأنفاس.
مددت يدي المرتعشة لأفتح خزانة ملابسي. لم أكن أدرك ما الذي أجمعه حقاً؛ حقيبة يد صغيرة وضعت فيها بعض الملابس الضرورية، وأوراقي الرسمية، وهاتفي الذي كان سبب هذه المصيبة برمتها. كنت أشعر بأنني أتحرك في كابوس، وأنتظر في أي لحظة أن أستيقظ لأجد نفسي في فراشي والملل يلفني كما كان، لكن عطر التبغ الفاخر والصندل الذي ملأ أرجاء الشقة كان يذكرني في كل شهيق بأن هذا الكابوس حقيقي جداً.
"انتهى الوقت يا قطتي."
في تلك الثواني الرقمية المتسارعة التي أعقبت وعيد مبعوثة مجلس الملوك، تحول القبو البازلتي إلى ساحة لحرب نفسية طحنت باطن وعي مراد السيوفي. كان العداد البيومتري الفضي يلتهم ذرات الوقت بقسوة هندسية لا ترحم، معلنًا بقاء خمس دقائق رقمية فقط قبل الفناء البيولوجي الشامل. نظر مراد إلى يوسف، شقيقه العائد من غياهب الموت، والذي بات اللحظة يحمل في خلايا دمه فيروسًا مشفرًا بيولوجيًا كفيلًا بإنهاء سلالة آل السيوفي برمتها، ثم التفت نحو مبعوثة روما التي توجه فوهة سلاح البلازما نحو عنق ليلى.شعر بمرارة بركانية كادت تقتلع صمام أمان ثباته العسكري. الخيار الذي طرحته روما لم يكن سوى انحناء تكتيكي كامل لطاغية صاغ الخديعة من رحم حصونهم، إما أن يقتل شقيقه بيده، أو يرى ملكته الفاتنة تتناثر كرماد مالح. لكن النمر لا يتفاوض تحت وطأة الوعيد، وعقيدة حكمه المشترك لا تقبل السقوط.وعلى الجانب الآخر، كانت ليلى تقف بجسدها الرقيق الملتف بالفستان المخملي الأسود الطويل، وشعرها الأسود الغجري يتطاير بفعل العصف الهيدروليكي للبوابات. انشطر باطن روحها إلى نصفين؛ كبرياء آل الجارحي الذي تلطخ بخيانة أبيها أدهم، وولاؤها ا
لم يكن الصمت الذي أعقب انقطاع البث الفيدرالي الفضي مجرد غياب للصوت، بل كان هبوطًا مروعًا لبرزخ أسود استقر في جوف القبو البازلتي، وكأن جدران القصر القديم قد أطبقت فكيها على الأنفاس برمتها. تحولت الأنظمة الإلكترونية الشاملة إلى جثث تكنولوجية هامدة، وانطفأت الأضواء الزرقاء الفيدرالية لتفسح المجال لعتمة مطلقة، عتمة لا يكسر ضراوتها سوى الوميض الأحمر الشاحب المنبعث من بطاريات الطوارئ الهيدروليكية، والذي كان ينعكس على الوجوه كدماء طازجة سالت لتوها في ساحة إعدام مجهولة.في تلك الظلمة المطبقة، كان الصراع النفسي يطحن باطن وعي مراد السيوفي كرحى عملاقة من الفولاذ. شعر بالنمر الرابض في أعماقه يتلوى غيظًا وكمدًا؛ فالانتصار التكتيكي الساحق الذي حققه لتوّه على أدهم الجارحي تبخر في ذرات ثانية رقمية واحدة، ليتحول إلى مجرد فخ طفولي صاغته أيدي "مجلس الملوك" في روما. كانت الخديعة أكبر من عقيدته العسكرية الفيدرالية، وأعمق من شفراته الاستخباراتية الشاملة. نظر في الظلام نحو شقيقه يوسف، المستند بجسده الواهن إلى حافة المنصة البازلتية، وشعر بمرارة لاذعة تملأ حلقه؛ أيكون شقيقه العائد من غياهب الموت مجرد حص
انغلقت البوابات الحديدية المؤتمتة ذات الوجوه المصفحة بأزيز هيدروليكي صاعق، ليعزل القبو البازلتي السفلي لقصر العاصمة القديمة عن الكون برمتها. تحول الهواء في ذرات الثواني الرقمية العشر الأخيرة إلى حطب يابس يشعل غيظ مراد السيوفي البركاني. كان صوت صفارات الإنذار الحمراء يعوي في فراغ القاعة كذئب جريح، بينما تراقصت الأرقام المضيئة على شاشة العد التنازلي التلقائي بجنون هستيري: 00:09... 00:08... 00:07... كل جزء من الثانية كان يلتهم فرصة النجاة ويقرب جسد يوسف السيوفي القابع في الأسر من التناثر كرماد مالح. تجمد مراد السيوفي في موضعه بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، ولم تكن الصدمة لتزلزل توازنه التكتيكي العسكري، بل أشعلت في عينيه الصقريتين الحادتين نيرانا من الجحيم الخالص. التفتت عيناه من القفص الرقمي الذي يضم شقيقه العائد من غياهب الموت، لتستقر اللحظة على وجه أدهم الجارحي؛ الرجل الذي كان حتى هذه الثانية يمثل صمام الأمان الاستراتيجي لعقيدة حكمهما المشترك. كان الصراع النفسي يطحن باطن روحه الشرسة؛ كيف تحول حليفه الأكبر ووالد ملكته الفاتنة إلى أليكساندر، الجلاد الفعلي وصياد المل
لم تكن دقات الساعة الميكانيكية المنبعثة من شاشات الاختراق الكبرى مجرد عد تنازلي للزمن، بل كانت بمثابة معزوفة جنائزية تعلن ذوبان الحدود الفاصلة بين الحياة والفناء. تحولت جدران الحصن الجبلي في سيناء إلى سجن من الغرانيت والضوء الأحمر الخالص، بينما كان أزيز الطائرات المسيرة بالخارج يطوق الأجواء كأسراب من الطيور الكاسرة المستعدة لتمزيق جسد الجبل. وقف مراد السيوفي بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، وعيناه الصقريتان تحدقان في شاشة الرصد بغليان بركاني صامت، بينما تيبست أصابعه الكبيرة الساخنة فوق خصر ليلى، محكما قبضة التملك الشرس التي تعبر عن ذروة صراعه النفسي الطاحن. في تلك اللحظة الرقمية الحرجة، كان عقل مراد يدور في حلقة مفرغة من النار والبارود. شقيقه يوسف، القطعة المفقودة من تاريخه المعمد بالدم، يقع الآن تحت رحمة جلاد روما الفعلي، ونبضات قلبه مرتبطة بشفرة تفجير ستحول العاصمة القديمة إلى رماد مالح. والشرط؟ أن يسلم ليلى، ملكته الفاتنة وملاذه الأنثوي الأوحد، كصك تنازل أبدي عن كبريائه وهيبته الدولية. كان الصراع النفسي يمزق نياط قلبه الشرس؛ هل يضحي بنصف روحه وشقيقه العائد من مقا
انقطع البث الرقمي المباغت تاركا جمرات الغضب تتطاير من عيني مراد السيوفي، ليعود الجناح الجبلي المحصن في عمق سيناء إلى عتمته النسبية، إلا من ومضات خافتة زرقاء انبعثت من شاشات التحكم الفيدرالية. تداخل صوت صفير الرياح الصحراوية الجافة بالخارج مع صدى كلمات أليكساندر الصقيعية التي لا تزال تتردد في الفراغ كقذائف فكرية موجهة لتدمير ثبات المنظومة. تجمد جسد مراد الفاره في موضعه كتمثال من الغرانيت الصلد، وعضلات صدره العريض تعلو وتهبط بعنفوان مرعب، بينما استقرت يده الفولاذية محكمة الحصار حول خصر ليلى الضيق بقوة تملكية تكاد تقترب من الشراسة الواهنة. في تلك الثواني الرقمية الحرجة، كان الصراع النفسي يطحن وعي مراد طحنا. فكرة أن شقيقه يوسف، قطعة من روحه المفقودة ودمائه المعراة تحت ركام الماضي، يتنفس الآن داخل زنزانة رقمية تحت ركام قصر العاصمة القديم، جعلت دماء السيوفي تغلي في عروقه بوعيد حارق. شعر للحظة بضآلة كل معاركه التكتيكية السابقة أمام هذا الاختراق الوجودي؛ إذ تحول من صياد للملوك إلى هدف تتحكم في مصيره ساعة عد تنازلي يملك مفتاحها جلاد روما الفعلي. تلاطمت الأفكار في عقله كأمواج
لم تكن شمس سيناء تشرق كبقية العواصم، بل كانت تنبثق من خلف الهضاب الحجرية العاتية ككتلة من الذهب المستعر، لتلقي بظلالها القاسية فوق الرمال الممتدة التي شهدت على مر العقود دفن أسرار الملوك والجبابرة. وفي قلب ذلك المدى الموحش، وعلى قمة رصيف مروحيات سري مصفح ومحفور بدقة تكتيكية في بطن الجبل، استقرت المروحية العسكرية السوداء لآل السيوفي، مخلفة وراءها عاصفة من الغبار والرمال الحارقة التي تلاشت تدريجياً أمام وقار المشهد الحاسم.هبط مراد السيوفي من جوف الطائرة بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، مرتدياً سُترته الجلدية السوداء الطويلة التي تحركت أطرافها بعنفوان مع نسمات الفجر الجافة. كانت عيناه الصقريتان الحادتان تقرأان تضاريس الصحراء بغليان خالص؛ فكل ذرة رمل هنا تذكره بجراحه المعراة القديمة، وبدمائه التي سُفكت قبل سنوات في حروب العاصمة القذرة. لم يكن صراعه النفسي داخله هذه المرة مجرد غيظ بركاني عابر، بل كان زلزالاً يضرب عقيدته العسكرية والتكتيكية؛ شقيقه يوسف، الذي ظن لعقود أنه صار رماداً مالحاً، قد يكون محتجزاً في هذه البقعة الجغرافية اللعينة كشفرة مساومة دولية يصوغها أليكساندر من م
لم يكن هدير أمواج البحر في ميناء العاصمة كافياً ليغطي على زئير الشك والوجل الذي كان يعصف بصدر مراد السيوفي. كان واقفاً وسط رجاله، والملفات والصفقات تتطاير أمامه دون أن تسترعي انتباهه؛ فعقله وقلبه كانا هناك، في ذلك الجناح الرئيسي حيث ترك قطته الفاتنة بفستانها الشيفون الأبيض وعطرها المخدر.و
لم يكن من السهل على زعيم مافيا يحيط به الأعداء من كل حدب وصوب أن ينام ملء جفنيه، خاصة بعد أن امتدت أصابع المؤامرة لتطال الأنثى التي سحرت عقله. غادر مراد الجناح مع بزوغ الشمس تاركاً خلفه أمراً عسكرياً مشدداً بحراستي، ومغلفاً مشحوناً بالشكوك والوعيد لطارق الجارحي.بقيتُ في الغرفة، أذرع الأرض
"أنا هنا يا قطتي.. أنا هنا وستظلين في حمايتي دائماً،" همس بصوته الرخيم بجانب أذني، وتلمست شفتاه بشرة عنقي بعمق وشغف جعل كل إنش في جسدي ينتفض رغماً عني، "والآن.. انتهت معركة الدفاع، وبدأت معركة الانتقام. عثمان تجرأ على تهديد ملكتي.. وسأجعل اسمه أثراً بعد عين قبل أن ينتهي هذا الليل."كانت ضم
دوى صدى تحطّم الهاتف على الأرضية الرخامية كأنه طلقة رصاص أولى أعلنت بداية الحرب. شعرتُ بركبتيّ تخونانني، لولا أن ذراعه القوية كانت ما تزال تحيط بخصري كطوق من حديد، تثبتني إلى جسده الطاغي الذي ينبض بحرارة مرعبة وغضب لافح. كانت أنفاسه المتلاحقة تصطدم بوجهي، وعيناه الصقريتان تدوران في محجريها كوحش حُص







