로그인انطلقت الرصاصة الأولى من مسدس مراد الفضي لتشُق عتمة الجناح المخضب باللون الأحمر القاني لأضواء الطوارئ. كان الدويّ هائلاً، مرعباً، كأن صاعقة من صواعق السماء قد ضربت قلب الغرفة الفارهة. تحطم زجاج الثريا الكريستالية الضخمة المتدلية من السقف ليتناثر في الأرجاء كشظايا من ماس مكسور، لكن "آسر" لم يكن هدفاً سهلاً؛ فقد تحرك بخفة الأفعى التي ألفها طوال عشر سنوات في دهاليز الاغتيالات الدولية، ملقياً بجسده خلف العمود الرخامي الضخم الحامل لشرفة الجناح، ليرد برصاصة صامتة من مسدسه كاتم الصوت.
"اِختبئي يا ليلى! لا تتحركي خطوة واحدة!" صرخ مراد بصوت رعدي، حمل بحّة الغيرة الشرسة والتملك الأعمى الذي أعمى بصيرته عن جراحه ومخاطر الموت. كان جسده الطاغي، عاري الصدر والموشوم بالرموز القاتلة، يمثل خط الدفاع الأخير والأوحد بيني وبين شبح الماضي.
كنتُ منكمشة خلف الخزانة الخشبية الضخمة، أضغط بجسدي المرتجف بفستانه القطيفة الأسود على الخشب الحاد، واضعة كفيّ فوق أذنيّ لأكتم أصوات المعركة الشرسة التي تنهش أرجاء غرفتي. دموعي انهمرت كالشلالات الحارقة على وجنتيّ، وقلبي كان ينبض بعنف يكاد يخترق قفصي الصدري. لم أكن أخشى على حياتي في تلك اللحظة؛ بل كان كل أنش في روحي يرتعد خوفاً من أن يصيب مراد مكروه، ذلك الطاغية الذي سلبني حريتي واستبدلها بعشق مظلم تغلغل في أعمق خلايا كياني.
تحرك مراد بسرعة النمر الكاسر، يطلق النار بدقة مرعبة ليجبر رجال آسر الخمسة الذين حاولوا الدخول من خلف جدار المدفأة على التراجع والتحصن. كانت الرصاصات تتطاير في الهواء، تمزق الستائر المخملية الثقيلة، وتحول الأثاث الفاخر إلى حطام ورماد، والغرفة ضاقت بأبخرة البارود الرمادية الكثيفة التي امتزجت برائحة الصندل وعِطر مراد الأخاذ، لتصنع لوحة جنائزية تفيض بالإثارة والخطر المطلق.
"مراد! لن ينقذك عنادك الليلة!" انطلق الصوت الجليدي لآسر من خلف العمود، صوته الهادئ للغاية والرخيم الذي يبعث القشعريرة في الأوصال، "المنظمة لا تغفر للمتمردين، والتاريخ يعيد نفسه.. هذه الفتاة ستموت كما ماتت فتاتك السابقة، لتعود إلى حظيرة الطاعة وتفهم أن العاطفة هي الداء!"
"آسر! أقسم بجلال الله لو نطق لسانك اسمها مجدداً.. سأنتزع روحك بيديّ هاتين!" دوى صوت مراد الجهوري المبحوح، وانقض كالموت الزؤام من خلف الساتر، غافلاً عن الرصاص المتطاير حوله.
التحم الشقيقان في مواجهة جسدية عنيفة، دموية، وشرسة لم يشهد لها القصر مثيلاً. سقطت الأسلحة من أيديهما إثر اشتباك سريع، ليتحول الصراع إلى قتال شوارع بين رجلين يملكان نفس الجينات القاتلة ونفس البنية الفارهة والطاغية. كانت اللكمات تدوي في صمت الجناح كضربات المطارق الحديدية على الصخر؛ قبض مراد على ياقة معطف آسر الطويل، ودفعه بكل قوته ليحطم به الزجاج الشاهق للشرفة الخلفية، لينهمر المطر الشتوي الغزير والرياح العاتية إلى داخل الغرفة، وتختلط دماء الشقيقين بمياه المطر الباردة.
كان آسر يقاتل ببرود شيطاني وتكتيك عسكري محترف، بينما كان مراد يقاتل بنيران غيرة مستعرة وتملك جنوني للأنثى التي تسكن فراشه. وجه آسر لكمة قوية إلى فك مراد جعلته يتراجع خطوتين وهو ينزف دماً قرمزيّاً دافئاً، لكن مراد لم يهتز؛ بل زاد غليان دمه، وهجم كوحش كاسر، وقبض على عنق آسر بكفيّه الضخمتين، وضغط عليه بكل قوته مجبراً إياه على الركوع فوق الرخام المبلل بالمطر.
رأيتُ الدماء تتناثر فوق الأرضية، وسمعتُ أنفاس مراد المتلاحقة والحارقة تلفح الأجواء كالجمر، وشعرتُ بأن روحي تنصهر مع كل ضربة يتلقاها أو يوجهها. وفي تلك اللحظة المشحونة بالأدرينالين والرعب، استغل أحد رجال آسر المتبقين انشغال مراد بالقتال، وتسلل من خلف الظلال، موجهاً سلاحه الأوتوماتيكي نحو ظهري العاري خلف الخزانة!
لم أفكر، ولم يتدخل المنطق في عقلي؛ بل صرختُ بأعلى صوتي: "مراد! احذر!"
التفت مراد في جزء من الثانية، وعندما لمح السلاح الموجه نحوي، تملكه جنون تملك وغيرة شرسة لم أرها منه من قبل. ترك عنق آسر، وألقى بجسده الضخم وعرض منكبيه فوقي بلمحة عين، ليصبح درعي البشري الأوحد وسط النيران. انطلقت طلقة رصاص غادرة من حارس آسر، لتخترق كتف مراد العريض من الخلف.
أطلق مراد زئير غضب وحشي هز أركان القصر، ولم يأبه بالجرح أو الدماء التي بدأت تتدفق حارة على قميصه وجسدي. التفت بيده اليمنى وسحب مسدسه الفضي من الأرض، وأطلق رصاصة واحدة بدقة قناص محترف فجرت رأس الحارس ليسقط جثة هامدة في الحال.
ساد صمت مطبق ومخيف في الجناح، صمت لم يقطعه سوى صوت أنفاس مراد المتلاحقة وهدير الرياح والمطر من الشرفة المحطمة. التفت مراد بكامل جسده الطاغي نحوي، وعيناه الصقريتان الحادتان تجوبان وجهي وجسدي بفحص جنوني مرعوب، باحثاً عن أي أثر للأذى.
قبض على معصميّ بقوة وعنف وشغف متناقضين، وجذبني إليه ليرتطم جسدي بصدره الصلب الحار الملوث بدمائه ودماء شقيقه. أحاط خصري بذراعه الضخمة غير المصابة، ورفع وجهي الشاحب والمبلل بالدموع لتلتقي نظراتنا الشغوفة والمثيرة وسط ومضات البرق الخاطفة.
"هل لمسكِ اللعينة؟! هل أصابكِ رصاصهم القذر؟!" سأل بنبرة منخفضة مفعمة ببحّة الغيرة القاتلة والتملك الذي لا يرحم، وعضلات فكه تتحرك بعنف مرعب.
"لا.. أنا بخير.. أنا بخير يا مراد!" قُلتها بنبرة مخنوقة بالبكاء وأنا أضع كفيّ المرتعشتين فوق جرح كتفه النازف، "أنت تنزف بعنف.. أرجوك، اترك هذه الحرب ودعنا نرحل! لقد تلقيت الرصاصة بدلاً مني!"
انحنى بقامته الفارهة أكثر حتى تلامست شفتانا، وتحدث بنبرة تفيض برومانسية مظلمة وشغف خالص أذاب كل ذرة مقاومة فيّ:
"الرصاصة في جسدي أهون من خدش صغير في وجهكِ الفاتن يا ليلى. لقد أخبرتكِ سابقاً.. أنتِ حرمي وشرفي، وتملكِي لكِ يفوق مملكتي وحياتي برمتها. جرحي هذا سيزيدني شراسة في محو آسر والمنظمة من الوجود."
انحنى والتهم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم الدماء بلهيب العشق الشرس، قبلة سحبت مني آخر ذرات إرادتي وجعلتني أتشبث بكتفيه بيدين مرتعشتين، مستسلمة تماماً لقدرنا المظلم وسط النيران والدماء.
لكن، من خلف ظهره العريض، ومن وسط الرخام المبلل بالمطر، نهض آسر السيوفي ببطء. كان يمسح الدماء عن فكه بنظرة جليدية خالية من أي مشاعر، وسحب خنجره الفضي ذو الأفعى المجنحة، ونظر إلينا بنبرة شامتة تفيض بالوعيد والدمار، واستعد ليوجه طعنته الغادرة نحو ظهر مراد غير المنتبه لمحْتُ بريق النصل الفضي ينعكس مع وميض البرق خلف ظهر مراد، ورأيتُ طيف آسر يتقدم كملك الموت الذي لا يرحم، وعينه المشوهة تتسع بشماتة باردة وهو يرفع خنجر (الأفعى المجنحة) عالياً ليوجه طعنته القاتلة والنافذة مباشرة نحو كتف مراد المصاب.
في تلك الأجزاء من الثانية، توقف عقلي تماماً عن التفكير، وتلاشت غريزة الخوف على نفسي لتستبدل بجنون جنوني لحماية الرجل الذي أحرق الدنيا لأجلي. وبحركة انتحارية طائشة لم أكن أظن أنني أملك الجرأة عليها، أفلتُّ معصمي من قبضة مراد، ودبّت في أطرافي قوة مفاجئة؛ فدفعتُ جسده الطاغي وعرض منكبيه بكل ما أوتيتُ من عزم، ملقيةً بجسدي المرتجف بفستانه القطيفة الأسود في مواجهة النصل!
"لا يا مراد!" صرختُ بأعلى صوتي.
انحرف الخنجر إثر دفعتي الفجائية، وبدلاً من أن يخترق ظهر مراد، شق النصل الفضي الحاد قماش فستاني ومزق لحم ذراعي بنعومة قاتلة، لتسري في جسدي حرارة لافحة وألم حاد جعلني أشهق بعنف، وتدفق دمي القرمزي الدافئ ليلوث الرخام المبلل بمياه المطر.
التفت مراد بلمحة عين، وعندما رأى دمي يسيل وجسدي يترنح ضعفاً، انطلقت من حنجرته صرخة غضب وحشية هزت جدران القصر وأركانه، صرخة لم تكن لبشر، بل لأسد جُرحت أنثاه أمام عينيه. تملكه جنون تملك وغيرة شرسة أعميا بصيرته بالكامل؛ فقبض على معصم آسر وحطم عظام يده بضغطة واحدة جعلت الخنجر يسقط رنيناً على الأرض، ثم وجه إليه لكمة رعدية طارت بآسر ليرتطم بقوة بالعمود الرخامي ويسقط شبه غائب عن الوعي وهو ينزف بغزارة.
استدار مراد نحوي بالكامل، وجثا على ركبتيه فوق الرخام المبلل بدماءنا المختلطة. أحاط خصري بذراعه الضخمة بحنان حارق وجنون مفرط، ورفع وجهي الشاحب الذي بات كلون الأموات ليلتقي جحيم عينيه الصقريتين بعينيّ. كانت أنفاسه الحارة المتلاحقة تصطدم بوجهي كالجمر، وعضلات فكه تتحرك بعنف مرعب، وعيناه تشعان ببحّة غيرة قاتلة وتملك أعمى.
"ليلى! ليلى انظري إليّ!" صاح بصوته الجهوري المبحوح الذي ارتجف لأول مرة، وضغط بكفه الدافئة فوق جرح ذراعي النازف محاولاً كتم الدماء، "لماذا فعلتِ هذا؟! كيف تجرئين على تلقي الطعنة بدلاً مني؟! أقسم بجلال الله لو حدث لكِ مكروه الليلة، سأنتزع أرواح المنظمة بأكملها بيديّ هاتين! أنتِ ملكي.. شرفي ودمي، وحياتي فداء لابتسامتكِ!"
نظرتُ في عينيه المشتعلتين بالشغف المظلم والخوف الطاغي عليّ، وشعرتُ بجاذبيته المخدرة تسلبني الألم رغماً عن النزيف. رفعتُ كفي الصغيرة الملوثة بالدماء، ووضعتها فوق وجنته النحيتة، وقُلت بأنفاس متقطعة:
"لم أكن لأتحمل.. لم أكن لأتحمل رؤيتك تموت أمامي يا مراد.. أنا.. أنا تخصك."
انحنى بقامته الفارهة والتهَم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم دمي المالح بلهيب عشقه الشرس وتملكه المطلق، قبلة سحبت مني آخر ذرات وعيي وجعلتني أتشبث بقميصه الأسود الممزق بيدين مرتعشتين، مستسلمة تماماً لانصهاري في قبضة النمر وسط عاصفة الموت والبارود.
وفي تلك اللحظة المشحونة بالرومانسية المظلمة والدماء، وقبل أن يفرغ مراد من قبلته، دوت طلقات رصاص ثقيلة وكثيفة بالخارج، تلاها تحطم الأبواب الخشبية الكبرى للبهو السفلي للقصر بدوي هائل تغلغل صداه إلى الجناح الرئيسي.
توقف مراد فجأة، وتيبس جسده بالكامل، وتحولت نظراته الشغوفة إلى الجدية القاتلة في ثانية واحدة. التفت نحو مدخل الجناح ومسدسه الفضي بيده، ليجد "سليم" يقتحم الغرفة، ووجهه ليس شاحباً فحسب، بل يكسوه رعب حقيقي لم يشهده سليم طوال حياته في مهنة الموت. كان يتنفس بحدة وجسده يرتجف، وصاح بصوت مرتجف ومليء بالذهول:
"مراد بيه الكارثة الأكبر قد انفجرت للتو بالأسفل! قوات الحراسة الشرسة على الأسوار وفي الأنفاق تم سحقها بالكامل في ثوانٍ معدودة، وبطريقة لم نرها من قبل! لم تكن قوات المنظمة الدولية، ولم تكن تابعة لآسر السيوفي!"
عقد مراد حاجبيه بغيرة شرسة وتملك أعمى وهو يشدد من ضمتي إلى صدره، وصاح بنبرة رعدية:
"تحدث يا سليم! من هذا الذي يملك القوة لاختراق عرين السيوفي وسحق رجالي بهذه السهولة؟! من دخل القصر؟!"
ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، ونظر إليّ بطرف عينه برعب قاتل، ثم التفت لمراد وألقى بالقنبلة التي شلت عقولنا وجعلت الدماء تتجمد في عروقنا بالكامل:
"الذي اقتحم القصر ويتقدم الآن عبر الدرج الرخامي ومعه جيش من الحراس المدججين بالسلاح.. ليس منافساً، وليس من المافيا! إنه المستشار أدهم الجارحي.. زعيم المخابرات العامة والأخ الأكبر لطارق الجارحي الذي صفيته بالأمس! لقد جاء بكامل قوته الرسمية والسرية، ومعه أمر صريح بإبادة القصر عن بكرة أبيه، والقبض على الآنسة ليلى حية.. بعد أن اكتشفوا أنها ابنة عمه المفقودة منذ عشرين عاماً، والوريثة الشرعية الوحيدة لثروة الجارحي بأكملها!"
توسعت عيناي بصدمة تامة شلت أطرافي، وشعرتُ بأن الأرض تميد بي رغماً عن السرير الحريري. التفتُّ نحو مراد، فوجدته قد تجمد تماماً في وسطه الغرفة كتمثال من رخام أسود، وعيناه الصقريتان اتسعتا بذهول وصدمة زلزلتا جبروته بالكامل؛ فالرجل الذي يقف بالأسفل ليس مجرد عدو عادي يمكن سحقه بالرصاص.. إنه القانون والدولة والماضي العائلي الذي يخصني أنا، وقادم لينتزعني من أحضان النمر بالقوة رغماً عن شروط اللعبة وصراعات المافيا الدولية!
ودوت أصوات خطوات عسكرية ثقيلة ورزينة تقترب من باب الجناح المخضب بالدماء.. معلنة بداية الحرب الشاملة التي ستحترق فيها العاصمة!
قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض
تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي







