分享

رسالة إلى الشيطان
رسالة إلى الشيطان
作者: بدر رمضان

قدري الجديد

last update publish date: 2026-05-21 06:50:47

كان الصمت في الغرفة ثقيلاً، لدرجة أنني كنت أسمع صوت أنفاسي المتسارعة وهي تصطدم بجدران الغرفة الضيقة. الساعة المعلقة على الحائط تدق برتابة مستفزة.. تك.. تك.. تك.. وكأنها عد تنازلي لكارثة لا أعلم طبيعتها. اسمي "ليلى"، وعمري اثنان وعشرون عاماً، لكنني في تلك اللحظة شعرت أنني أعيش حياة شخص عجوز متقاعد في السبعين من عمره، ينتظر الموت ببطء. تخرجت من الجامعة بمرتبة الشرف، وبدلاً من أن أفتح أبواب العالم، وجدت نفسي حبيسة الجدران الأربعة، أنتظر شيئاً مجهولاً. لا أعرف ماذا أنتظر بالضبط، لكنه بالتأكيد ليس هذا الملل القاتل الذي ينهش روحي يوماً بعد يوم.

تنهدت بصوت عالٍ أشبه بالصرخة المكتومة، ورميت الرواية التي كنت أحاول قراءتها للمرة العاشرة دون جدوى؛ فالكلمات كانت تسبح أمام عيني دون معنى. أمسكت بهاتفي، الملاذ الوحيد والأخير لجيلنا البائس. فتحت تطبيقات التواصل الاجتماعي.. لا جديد. نفس الوجوه الزائفة، نفس الأخبار المكررة، نفس الحياة الوردية المصطنعة التي يستعرضها الآخرون ليخفوا وراءها بؤسهم.

"لقد سئمت كل هذا! حياتي تتلاشى وأنا مكاني!" صرخت في الفراغ، ولم يرد عليّ سوى صدى صوتي المخنوق.

في تلك اللحظة من اليأس المطلق، خطرت لي فكرة مجنونة. فكرة طائشة، غير مسؤولة، ولا تليق أبداً بفتاة عاقلة تلقت تعليماً راقياً. لكن الملل هو الشيطان الأكبر؛ إنه يجعلنا نفعل أشياء غبية وغريبة فقط لنشعر بلسعة الحياة في عروقنا. فتحت تطبيق "الواتساب"، وتحركت أصابعي بدافع من الأدرينالين النقي. بدأت في كتابة أرقام عشوائية في خانة البحث، باحثة عن أي غريب، عن أي حكاية تكسر هذا الركود.

جربت الرقم الأول.. ظهرت صورة شخصية لقطة لطيفة. ممل.

الرقم الثاني.. رجل كبير في السن، بملامح حادة يبدو كعمي الصارم. لا شكراً، لا أريد مزيداً من المواعظ.

ثم، ركضت أصابعي لتستقر على رقم معين. لم تكن له صورة شخصية، مجرد مساحة رمادية مبهمة وفارغة تعكس الفراغ الذي في رأسي. والحالة النصية الخاصة به لم تكن حكمة أو بيتاً من الشعر، بل كانت مجرد نقطة واحدة فقط: "."

لا أعرف لماذا توقفت عند هذا الرقم بالذات. كان غامضاً بشكل مستفز، والغموض كان هو الترياق الوحيد الذي ينقص حياتي الباردة الآن. شعرت بنبضة تمرد عنيفة تسري في عروقي، تدفعني نحو الهاوية. ماذا سيحدث يعني؟ هل سيقوم بحظري؟ ليكن، على الأقل سأكون قد حاولت إثارة الشغب.

ضغطت على زر الميكروفون دون تفكير. قررت أن ألقي بكل إحباطي، ومللي، وأحلامي الطفولية في هذه الرسالة الصوتية. تخيلت، في سخرية سوداء من قدري، أنني أكلم ذلك الفارس الأسطوري الذي تأخر كثيراً عن المجيء، ذلك الرجل الذي سيقلب حياتي رأساً على عقب. قربت الهاتف من شفتي المرتجفتين، وبنبرة جمعت بين الدلال المصطنع واليأس الحقيقي، نبرة تخرج من أعماق أنثى تبحث عن مغامرة، قلت:

"إلى زوجي المستقبلي.. لقد تأخرت كثيراً على فكرة. تعال واختطفني الآن لأنني أشتاق إليك، وأريدك.. إنني أشعر بملل سيميتني، أنقذني!"

أرسلت الرسالة. وفور ظهور علامتي "القراءة" الرمادية، شعرت بموجة حارقة من الندم تجتاح جسدي. ما الذي فعلته للتو؟ هل جننت تماماً؟ أنا فتاة محترمة، كيف أرسل كلاماً كهذا لغريب؟ ماذا لو كان الرقم لتاجر مخدرات؟ أو لزوجة غيورة ستقلب الدنيا فوق رأسي؟ أو الأسوأ.. مراهق أحمق سيأخذ التسجيل وينشره ليجعلني أضحوكة بين صديقاتي؟

مرت دقيقة كاملة كأنها دهر. ثم دقيقتان. وفجأة.. تحولت العلامات الرمادية إلى زرقاء.

لقد استمع إليها.

تجمدت الدماء في عروقي. قلبي بدأ يدق بسرعة غير مبررة، ضربات عنيفة تكاد تخترق قفصي الصدري. وضعت الهاتف مقلوباً على السرير بسرعة وكأنني تلمست جمراً مشتعلاً، وقررت تجاهله تماماً. سأقنع نفسي بأن شيئاً لم يكن، بالتأكيد سيظنها دعابة تافهة من فتاة مراهقة وسيتجاهلها.

لكن الهاتف اهتز بين الأغطية. اهتزازة واحدة قوية جعلت جسدي ينتفض.

رسالة صوتية؟ هو أيضاً أرسل رسالة صوتية؟

أمسكت الهاتف بأيادٍ ترتجف بوضوح، العرق البارد يغطي كفي. نظرت إلى الشاشة؛ مدة الرسالة كانت خمس عشرة ثانية فقط. ترددت كثيراً، ووساوس الخوف تنهش عقلي.. هل أستمع إليها أم أحذف المحادثة برمتها؟ لكن الفضول الأنثوي، والرغبة في معرفة هوية هذا الغامض، كانا أقوى بكثير من غريزة البقاء.

ضغطت على زر التشغيل، ورفعت الهاتف ببطء إلى أذني، وأنا أحبس أنفاسي.

في اللحظة التي انطلق فيها صوته، شعرت وكأن الغرفة قد بردت فجأة عشر درجات مئوية. انقبضت معدتي بقوة غريبة. لم يكن صوتاً عادياً إطلاقاً؛ كان صوتاً جهورياً، قادماً من أعماق الأرض، ذكورياً بشكل طاغٍ ومرعب. فيه بحة خفيفة، دافئة وآسرة، وفي نفس الوقت تحمل نبرة سلطة مطلقة لا تقبل النقاش. إنه نوع من الأصوات التي تجبرك على الوقوف انتباهاً رغماً عنك، وفي ذات الوقت.. تجعل ركبتيك تذوبان ضعفاً وجاذبية.

قال بهدوء مرعب، متمهلاً في نطق الحروف وكأنه يتذوق كل كلمة ويستمتع بأثرها:

"أمر غريب.. أليس من المعيب أن ترسلي رسالة كهذه إلى رجل مافيا؟"

توقف قلبي عن النبض للحظة. مافيا؟ هل يمزح؟ هل يمثل دوراً في لعبة إلكترونية؟ لكن نبرته.. آه من نبرته، لم تكن توحي بالمزاح أو الهزل إطلاقاً. كانت نبرة شخص اعتاد أن يُطاع بمجرد إيماءة من إصبعه، شخص كلمته هي القانون، وموته هو النهاية.

وقبل أن يستوعب عقلي الصدمة، تتابع صوته ليكمل جملته الأخيرة، تلك الجملة التي جعلت قشعريرة عنيفة تضرب عمودي الفقري، ويسقط الهاتف من يدي فوق السرير:

"على أي حال.. أنا قادم إليكِ يا قطتي الصغيرة. جهزي نفسكِ."

انتهت الرسالة، وعاد الصمت المستفز يلف المكان، لكنه هذه المرة كان صمتاً مشحوناً بالخطر. جلست على طرف السرير، فمي مفتوح، وعقلي يدور في حلقة مفرغة محاولاً استيعاب حجم الكارثة التي أوقعت نفسي فيها. رجل مافيا؟ قادم إلي؟ قطتي الصغيرة؟ كيف؟ ومن يكون؟

نظرت إلى النافذة الكبيرة المطلة على الشارع. كان الشارع هادئاً بالأسفل، يغرق في أضواء المصابيح الصفراء الباهتة. ضحكت بتوتر، ضحكة هزلية نابعة من صدمتي. مستحيل.. هذا مستحيل تماماً! كيف يمكنه معرفة عنواني من مجرد رقم هاتف على الواتساب؟ هل هو ساحر؟ بالتأكيد هو شخص مريض، متعقب إنترنت محترف، أو ربما شاب ثري يمزح معي ليخيفني ويلقنني درساً قاسياً. نعم، هذا هو التفسير العقلاني الوحيد. تباً لي ولغبائي.

حاولت إقناع نفسي بهذا التفسير المطمئن، وقمت لأغسل وجهي بالماء البارد لعلي أستفيق من هذا الكابوس. لكن صوته.. تلك النبرة التي تقشعر لها الأبدان، وتلك الجاذبية الغامضة التي اخترقت مسام جلدي.. كانت حقيقية جداً. لم تكن نبرة شخص يمزح؛ كانت نبرة صياد وجد للتو طريدته المفضلة.

مرت عشر دقائق وأنا واقفة في وسط الغرفة، أحدق في الحائط وكأنني أصبت بالشلل. وفجأة، تمزق سكون الليل.

سمعت صوتاً هادراً بالخارج. صوت محركات ضخمة تزأر في الحي الهادئ، تلاها صوت فرامل عنيفة وسيارات كثيرة تتوقف دفعة واحدة أمام البناية التي أسكن فيها. أصوات أبواب سيارات ثقيلة تُفتح وتُغلق بقوة عسكرية منظمة.

تسارعت دقات قلبي حتى شعرت بألم في صدري. زحفت بهدوء نحو النافذة، وأنا أرتجف كالعصفور في ليلة مطيرة. رفعت طرف الستارة المخملية ببطء شديد، ونظرت للأسفل.

شهقت برعب، ووضعت يدي فوق فمي لأكتم أي صوت قد يفلت مني.

ثلاث سيارات دفع رباعي سوداء ضخمة من طراز (كاديلاك إسكاليد)، مظللة بالكامل، تقف في عرض الشارع، وقد أغلقته تماماً وقطعت حركة المرور. ترجل منها فوراً رجال ضخام الجثة، يرتدون بدلات سوداء متطابقة، يحملون ملامح قاسية ونظارات مظلمة رغم الليل. انتشروا حول مدخل العمارة بسرعة ودقة كجنود في ساحة معركة.

ثم، فُتح باب السيارة الوسطى ببطء شديد.. ونزل منه هو.

رغم أنني كنت أنظر من الأعلى، إلا أن هالته كانت طاغية لدرجة تجعل الأنفاس تتوقف. كان فارع الطول، عريض المنكبين بشكل مثير، يرتدي معطفاً أسود طويلاً يصل إلى ركبتيه، ويتحرك بثقة مطلقة، ثقة شخص يملك العالم ومن فيه تحت قدميه. خصلات شعره السوداء كانت مرتبة بعناية، وعضلات جسده تظهر بوضوح تحت ملابسه الفاخرة رغم الشتاء.

وفجأة، وكأنه شعر بعيني اللتين تراقبانه، رفع رأسه إلى الأعلى ببطء، ونظر مباشرة نحو نافذتي المظلمة. كانت عيناه في الظلام تشعان ببريق حاد، كعيني نمر يرى فريسته خلف الزجاج. عرف بالضبط أين أقف!

في تلك اللحظة بالذات، اهتز الهاتف في يدي مرة أخرى. كان نفس الرقم الغامض.

أسرعت بفتحه وعيني لا تفارق طيفه في الأسفل. لم تكن رسالة صوتية هذه المرة، بل كانت رسالة نصية قصيرة، كلمات كُتبت بحروف من نار صدمت عقلي:

"افتحي الباب يا قطتي.. لقد وصل زوجكِ المستقبلي."

سقطت الستارة من يدي، وتراجعت إلى الخلف حتى اصطدم ظهري بالخزانة الخشبية. أنفاسي تلاحقت، وشعرت برعب حقيقي يجتاحني، لكن في نفس الوقت، كان هناك شعور خفي غريب، شعور بالجاذبية والإثارة لم أختبره من قبل. رجل المافيا الغامض، ذو الصوت الذي يذيب الصخر، يقف الآن على بعد خطوات من باب شقتي.

سمعت صوت المصعد الكهربائي وهو يصعد.. ثم توقف في طابقي.

تلتها خطوات ثقيلة، واثقة، تتقدم نحو بابي. تك.. تك.. تك.. تماماً كصوت الساعة، لكنها هذه المرة كانت خطى قدري الجديد.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • رسالة إلى الشيطان   ترياق العاصمة وعقيدة النمر الأوحد

    في تلك الثواني الرقمية المتسارعة التي أعقبت وعيد مبعوثة مجلس الملوك، تحول القبو البازلتي إلى ساحة لحرب نفسية طحنت باطن وعي مراد السيوفي. كان العداد البيومتري الفضي يلتهم ذرات الوقت بقسوة هندسية لا ترحم، معلنًا بقاء خمس دقائق رقمية فقط قبل الفناء البيولوجي الشامل. نظر مراد إلى يوسف، شقيقه العائد من غياهب الموت، والذي بات اللحظة يحمل في خلايا دمه فيروسًا مشفرًا بيولوجيًا كفيلًا بإنهاء سلالة آل السيوفي برمتها، ثم التفت نحو مبعوثة روما التي توجه فوهة سلاح البلازما نحو عنق ليلى.شعر بمرارة بركانية كادت تقتلع صمام أمان ثباته العسكري. الخيار الذي طرحته روما لم يكن سوى انحناء تكتيكي كامل لطاغية صاغ الخديعة من رحم حصونهم، إما أن يقتل شقيقه بيده، أو يرى ملكته الفاتنة تتناثر كرماد مالح. لكن النمر لا يتفاوض تحت وطأة الوعيد، وعقيدة حكمه المشترك لا تقبل السقوط.وعلى الجانب الآخر، كانت ليلى تقف بجسدها الرقيق الملتف بالفستان المخملي الأسود الطويل، وشعرها الأسود الغجري يتطاير بفعل العصف الهيدروليكي للبوابات. انشطر باطن روحها إلى نصفين؛ كبرياء آل الجارحي الذي تلطخ بخيانة أبيها أدهم، وولاؤها ا

  • رسالة إلى الشيطان   عتمة الروح

    لم يكن الصمت الذي أعقب انقطاع البث الفيدرالي الفضي مجرد غياب للصوت، بل كان هبوطًا مروعًا لبرزخ أسود استقر في جوف القبو البازلتي، وكأن جدران القصر القديم قد أطبقت فكيها على الأنفاس برمتها. تحولت الأنظمة الإلكترونية الشاملة إلى جثث تكنولوجية هامدة، وانطفأت الأضواء الزرقاء الفيدرالية لتفسح المجال لعتمة مطلقة، عتمة لا يكسر ضراوتها سوى الوميض الأحمر الشاحب المنبعث من بطاريات الطوارئ الهيدروليكية، والذي كان ينعكس على الوجوه كدماء طازجة سالت لتوها في ساحة إعدام مجهولة.في تلك الظلمة المطبقة، كان الصراع النفسي يطحن باطن وعي مراد السيوفي كرحى عملاقة من الفولاذ. شعر بالنمر الرابض في أعماقه يتلوى غيظًا وكمدًا؛ فالانتصار التكتيكي الساحق الذي حققه لتوّه على أدهم الجارحي تبخر في ذرات ثانية رقمية واحدة، ليتحول إلى مجرد فخ طفولي صاغته أيدي "مجلس الملوك" في روما. كانت الخديعة أكبر من عقيدته العسكرية الفيدرالية، وأعمق من شفراته الاستخباراتية الشاملة. نظر في الظلام نحو شقيقه يوسف، المستند بجسده الواهن إلى حافة المنصة البازلتية، وشعر بمرارة لاذعة تملأ حلقه؛ أيكون شقيقه العائد من غياهب الموت مجرد حص

  • رسالة إلى الشيطان   معادلة الدم

    انغلقت البوابات الحديدية المؤتمتة ذات الوجوه المصفحة بأزيز هيدروليكي صاعق، ليعزل القبو البازلتي السفلي لقصر العاصمة القديمة عن الكون برمتها. تحول الهواء في ذرات الثواني الرقمية العشر الأخيرة إلى حطب يابس يشعل غيظ مراد السيوفي البركاني. كان صوت صفارات الإنذار الحمراء يعوي في فراغ القاعة كذئب جريح، بينما تراقصت الأرقام المضيئة على شاشة العد التنازلي التلقائي بجنون هستيري: 00:09... 00:08... 00:07... كل جزء من الثانية كان يلتهم فرصة النجاة ويقرب جسد يوسف السيوفي القابع في الأسر من التناثر كرماد مالح. تجمد مراد السيوفي في موضعه بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، ولم تكن الصدمة لتزلزل توازنه التكتيكي العسكري، بل أشعلت في عينيه الصقريتين الحادتين نيرانا من الجحيم الخالص. التفتت عيناه من القفص الرقمي الذي يضم شقيقه العائد من غياهب الموت، لتستقر اللحظة على وجه أدهم الجارحي؛ الرجل الذي كان حتى هذه الثانية يمثل صمام الأمان الاستراتيجي لعقيدة حكمهما المشترك. كان الصراع النفسي يطحن باطن روحه الشرسة؛ كيف تحول حليفه الأكبر ووالد ملكته الفاتنة إلى أليكساندر، الجلاد الفعلي وصياد المل

  • رسالة إلى الشيطان   سيمفونية الموت والحرير

    لم تكن دقات الساعة الميكانيكية المنبعثة من شاشات الاختراق الكبرى مجرد عد تنازلي للزمن، بل كانت بمثابة معزوفة جنائزية تعلن ذوبان الحدود الفاصلة بين الحياة والفناء. تحولت جدران الحصن الجبلي في سيناء إلى سجن من الغرانيت والضوء الأحمر الخالص، بينما كان أزيز الطائرات المسيرة بالخارج يطوق الأجواء كأسراب من الطيور الكاسرة المستعدة لتمزيق جسد الجبل. وقف مراد السيوفي بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، وعيناه الصقريتان تحدقان في شاشة الرصد بغليان بركاني صامت، بينما تيبست أصابعه الكبيرة الساخنة فوق خصر ليلى، محكما قبضة التملك الشرس التي تعبر عن ذروة صراعه النفسي الطاحن. في تلك اللحظة الرقمية الحرجة، كان عقل مراد يدور في حلقة مفرغة من النار والبارود. شقيقه يوسف، القطعة المفقودة من تاريخه المعمد بالدم، يقع الآن تحت رحمة جلاد روما الفعلي، ونبضات قلبه مرتبطة بشفرة تفجير ستحول العاصمة القديمة إلى رماد مالح. والشرط؟ أن يسلم ليلى، ملكته الفاتنة وملاذه الأنثوي الأوحد، كصك تنازل أبدي عن كبريائه وهيبته الدولية. كان الصراع النفسي يمزق نياط قلبه الشرس؛ هل يضحي بنصف روحه وشقيقه العائد من مقا

  • رسالة إلى الشيطان   دهاليز الرماد

    انقطع البث الرقمي المباغت تاركا جمرات الغضب تتطاير من عيني مراد السيوفي، ليعود الجناح الجبلي المحصن في عمق سيناء إلى عتمته النسبية، إلا من ومضات خافتة زرقاء انبعثت من شاشات التحكم الفيدرالية. تداخل صوت صفير الرياح الصحراوية الجافة بالخارج مع صدى كلمات أليكساندر الصقيعية التي لا تزال تتردد في الفراغ كقذائف فكرية موجهة لتدمير ثبات المنظومة. تجمد جسد مراد الفاره في موضعه كتمثال من الغرانيت الصلد، وعضلات صدره العريض تعلو وتهبط بعنفوان مرعب، بينما استقرت يده الفولاذية محكمة الحصار حول خصر ليلى الضيق بقوة تملكية تكاد تقترب من الشراسة الواهنة. في تلك الثواني الرقمية الحرجة، كان الصراع النفسي يطحن وعي مراد طحنا. فكرة أن شقيقه يوسف، قطعة من روحه المفقودة ودمائه المعراة تحت ركام الماضي، يتنفس الآن داخل زنزانة رقمية تحت ركام قصر العاصمة القديم، جعلت دماء السيوفي تغلي في عروقه بوعيد حارق. شعر للحظة بضآلة كل معاركه التكتيكية السابقة أمام هذا الاختراق الوجودي؛ إذ تحول من صياد للملوك إلى هدف تتحكم في مصيره ساعة عد تنازلي يملك مفتاحها جلاد روما الفعلي. تلاطمت الأفكار في عقله كأمواج

  • رسالة إلى الشيطان   بركان سيناء الكامن

    لم تكن شمس سيناء تشرق كبقية العواصم، بل كانت تنبثق من خلف الهضاب الحجرية العاتية ككتلة من الذهب المستعر، لتلقي بظلالها القاسية فوق الرمال الممتدة التي شهدت على مر العقود دفن أسرار الملوك والجبابرة. وفي قلب ذلك المدى الموحش، وعلى قمة رصيف مروحيات سري مصفح ومحفور بدقة تكتيكية في بطن الجبل، استقرت المروحية العسكرية السوداء لآل السيوفي، مخلفة وراءها عاصفة من الغبار والرمال الحارقة التي تلاشت تدريجياً أمام وقار المشهد الحاسم.هبط مراد السيوفي من جوف الطائرة بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، مرتدياً سُترته الجلدية السوداء الطويلة التي تحركت أطرافها بعنفوان مع نسمات الفجر الجافة. كانت عيناه الصقريتان الحادتان تقرأان تضاريس الصحراء بغليان خالص؛ فكل ذرة رمل هنا تذكره بجراحه المعراة القديمة، وبدمائه التي سُفكت قبل سنوات في حروب العاصمة القذرة. لم يكن صراعه النفسي داخله هذه المرة مجرد غيظ بركاني عابر، بل كان زلزالاً يضرب عقيدته العسكرية والتكتيكية؛ شقيقه يوسف، الذي ظن لعقود أنه صار رماداً مالحاً، قد يكون محتجزاً في هذه البقعة الجغرافية اللعينة كشفرة مساومة دولية يصوغها أليكساندر من م

  • رسالة إلى الشيطان   الهروب المستحيل

    انفتحت البوابة الحديدية العملاقة بآلية صامتة ومرعبة، لتتسلل السيارات الثلاث عبر ممر طويل تحفه أشجار الصفصاف العارية التي بدت في الظلام كأشباح تمد أصابعها لتلقي القبض عليّ. كان القصر يتربع في نهاية الممر كقلعة قوطية حصينة، جدرانه الحجرية الداكنة تتحدى عتمة الليل، ونوافذه الشاهقة تنعكس منها أضواء خاف

  • رسالة إلى الشيطان   شروط اللعبة

    دوى صوته الرخيم من الصالة، فانتفض جسدي. أغلقت الحقيبة بآلية، وحملتها بملامح وجه جامدة تحاول إخفاء الانهيار الداخلي. خرجت إليه، فنهض من مقعده بحركته المتأنية الواثقة، وعدّل ياقة معطفه الأسود الطويل، ثم نظر إلى حقيبتي الصغيرة وابتسم ابتسامة جانية غامضة."جيد.. أنتِ مطيعة حين يتطلب الأمر،" قالها وهو ي

  • رسالة إلى الشيطان   وجهاً لوجه

    توقف صوت المصعد، وتلاشت معه كل الأصوات في الممر المؤدي إلى شقتي، باستثناء تلك الخطوات الرزينة، الثقيلة، والواثقة التي كانت تقترب من الباب بخطى مدروسة. كل ضربة لكعبه على الأرضية الرخامية كانت ترتد في صدري كضربة مطرقة على زجاج آيل للتحطم. عيناي شاخصتان نحو المقبض النحاسي للباب، وجسدي ملتصق بالخزانة ا

  • رسالة إلى الشيطان   تحالف الأفاعي

    لم يكن هدير أمواج البحر في ميناء العاصمة كافياً ليغطي على زئير الشك والوجل الذي كان يعصف بصدر مراد السيوفي. كان واقفاً وسط رجاله، والملفات والصفقات تتطاير أمامه دون أن تسترعي انتباهه؛ فعقله وقلبه كانا هناك، في ذلك الجناح الرئيسي حيث ترك قطته الفاتنة بفستانها الشيفون الأبيض وعطرها المخدر.و

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status