LOGIN
كان الصمت في الغرفة ثقيلاً، لدرجة أنني كنت أسمع صوت أنفاسي المتسارعة وهي تصطدم بجدران الغرفة الضيقة. الساعة المعلقة على الحائط تدق برتابة مستفزة.. تك.. تك.. تك.. وكأنها عد تنازلي لكارثة لا أعلم طبيعتها. اسمي "ليلى"، وعمري اثنان وعشرون عاماً، لكنني في تلك اللحظة شعرت أنني أعيش حياة شخص عجوز متقاعد في السبعين من عمره، ينتظر الموت ببطء. تخرجت من الجامعة بمرتبة الشرف، وبدلاً من أن أفتح أبواب العالم، وجدت نفسي حبيسة الجدران الأربعة، أنتظر شيئاً مجهولاً. لا أعرف ماذا أنتظر بالضبط، لكنه بالتأكيد ليس هذا الملل القاتل الذي ينهش روحي يوماً بعد يوم.
تنهدت بصوت عالٍ أشبه بالصرخة المكتومة، ورميت الرواية التي كنت أحاول قراءتها للمرة العاشرة دون جدوى؛ فالكلمات كانت تسبح أمام عيني دون معنى. أمسكت بهاتفي، الملاذ الوحيد والأخير لجيلنا البائس. فتحت تطبيقات التواصل الاجتماعي.. لا جديد. نفس الوجوه الزائفة، نفس الأخبار المكررة، نفس الحياة الوردية المصطنعة التي يستعرضها الآخرون ليخفوا وراءها بؤسهم.
"لقد سئمت كل هذا! حياتي تتلاشى وأنا مكاني!" صرخت في الفراغ، ولم يرد عليّ سوى صدى صوتي المخنوق.
في تلك اللحظة من اليأس المطلق، خطرت لي فكرة مجنونة. فكرة طائشة، غير مسؤولة، ولا تليق أبداً بفتاة عاقلة تلقت تعليماً راقياً. لكن الملل هو الشيطان الأكبر؛ إنه يجعلنا نفعل أشياء غبية وغريبة فقط لنشعر بلسعة الحياة في عروقنا. فتحت تطبيق "الواتساب"، وتحركت أصابعي بدافع من الأدرينالين النقي. بدأت في كتابة أرقام عشوائية في خانة البحث، باحثة عن أي غريب، عن أي حكاية تكسر هذا الركود.
جربت الرقم الأول.. ظهرت صورة شخصية لقطة لطيفة. ممل.
الرقم الثاني.. رجل كبير في السن، بملامح حادة يبدو كعمي الصارم. لا شكراً، لا أريد مزيداً من المواعظ.
ثم، ركضت أصابعي لتستقر على رقم معين. لم تكن له صورة شخصية، مجرد مساحة رمادية مبهمة وفارغة تعكس الفراغ الذي في رأسي. والحالة النصية الخاصة به لم تكن حكمة أو بيتاً من الشعر، بل كانت مجرد نقطة واحدة فقط: "."
لا أعرف لماذا توقفت عند هذا الرقم بالذات. كان غامضاً بشكل مستفز، والغموض كان هو الترياق الوحيد الذي ينقص حياتي الباردة الآن. شعرت بنبضة تمرد عنيفة تسري في عروقي، تدفعني نحو الهاوية. ماذا سيحدث يعني؟ هل سيقوم بحظري؟ ليكن، على الأقل سأكون قد حاولت إثارة الشغب.
ضغطت على زر الميكروفون دون تفكير. قررت أن ألقي بكل إحباطي، ومللي، وأحلامي الطفولية في هذه الرسالة الصوتية. تخيلت، في سخرية سوداء من قدري، أنني أكلم ذلك الفارس الأسطوري الذي تأخر كثيراً عن المجيء، ذلك الرجل الذي سيقلب حياتي رأساً على عقب. قربت الهاتف من شفتي المرتجفتين، وبنبرة جمعت بين الدلال المصطنع واليأس الحقيقي، نبرة تخرج من أعماق أنثى تبحث عن مغامرة، قلت:
"إلى زوجي المستقبلي.. لقد تأخرت كثيراً على فكرة. تعال واختطفني الآن لأنني أشتاق إليك، وأريدك.. إنني أشعر بملل سيميتني، أنقذني!"
أرسلت الرسالة. وفور ظهور علامتي "القراءة" الرمادية، شعرت بموجة حارقة من الندم تجتاح جسدي. ما الذي فعلته للتو؟ هل جننت تماماً؟ أنا فتاة محترمة، كيف أرسل كلاماً كهذا لغريب؟ ماذا لو كان الرقم لتاجر مخدرات؟ أو لزوجة غيورة ستقلب الدنيا فوق رأسي؟ أو الأسوأ.. مراهق أحمق سيأخذ التسجيل وينشره ليجعلني أضحوكة بين صديقاتي؟
مرت دقيقة كاملة كأنها دهر. ثم دقيقتان. وفجأة.. تحولت العلامات الرمادية إلى زرقاء.
لقد استمع إليها.
تجمدت الدماء في عروقي. قلبي بدأ يدق بسرعة غير مبررة، ضربات عنيفة تكاد تخترق قفصي الصدري. وضعت الهاتف مقلوباً على السرير بسرعة وكأنني تلمست جمراً مشتعلاً، وقررت تجاهله تماماً. سأقنع نفسي بأن شيئاً لم يكن، بالتأكيد سيظنها دعابة تافهة من فتاة مراهقة وسيتجاهلها.
لكن الهاتف اهتز بين الأغطية. اهتزازة واحدة قوية جعلت جسدي ينتفض.
رسالة صوتية؟ هو أيضاً أرسل رسالة صوتية؟
أمسكت الهاتف بأيادٍ ترتجف بوضوح، العرق البارد يغطي كفي. نظرت إلى الشاشة؛ مدة الرسالة كانت خمس عشرة ثانية فقط. ترددت كثيراً، ووساوس الخوف تنهش عقلي.. هل أستمع إليها أم أحذف المحادثة برمتها؟ لكن الفضول الأنثوي، والرغبة في معرفة هوية هذا الغامض، كانا أقوى بكثير من غريزة البقاء.
ضغطت على زر التشغيل، ورفعت الهاتف ببطء إلى أذني، وأنا أحبس أنفاسي.
في اللحظة التي انطلق فيها صوته، شعرت وكأن الغرفة قد بردت فجأة عشر درجات مئوية. انقبضت معدتي بقوة غريبة. لم يكن صوتاً عادياً إطلاقاً؛ كان صوتاً جهورياً، قادماً من أعماق الأرض، ذكورياً بشكل طاغٍ ومرعب. فيه بحة خفيفة، دافئة وآسرة، وفي نفس الوقت تحمل نبرة سلطة مطلقة لا تقبل النقاش. إنه نوع من الأصوات التي تجبرك على الوقوف انتباهاً رغماً عنك، وفي ذات الوقت.. تجعل ركبتيك تذوبان ضعفاً وجاذبية.
قال بهدوء مرعب، متمهلاً في نطق الحروف وكأنه يتذوق كل كلمة ويستمتع بأثرها:
"أمر غريب.. أليس من المعيب أن ترسلي رسالة كهذه إلى رجل مافيا؟"
توقف قلبي عن النبض للحظة. مافيا؟ هل يمزح؟ هل يمثل دوراً في لعبة إلكترونية؟ لكن نبرته.. آه من نبرته، لم تكن توحي بالمزاح أو الهزل إطلاقاً. كانت نبرة شخص اعتاد أن يُطاع بمجرد إيماءة من إصبعه، شخص كلمته هي القانون، وموته هو النهاية.
وقبل أن يستوعب عقلي الصدمة، تتابع صوته ليكمل جملته الأخيرة، تلك الجملة التي جعلت قشعريرة عنيفة تضرب عمودي الفقري، ويسقط الهاتف من يدي فوق السرير:
"على أي حال.. أنا قادم إليكِ يا قطتي الصغيرة. جهزي نفسكِ."
انتهت الرسالة، وعاد الصمت المستفز يلف المكان، لكنه هذه المرة كان صمتاً مشحوناً بالخطر. جلست على طرف السرير، فمي مفتوح، وعقلي يدور في حلقة مفرغة محاولاً استيعاب حجم الكارثة التي أوقعت نفسي فيها. رجل مافيا؟ قادم إلي؟ قطتي الصغيرة؟ كيف؟ ومن يكون؟
نظرت إلى النافذة الكبيرة المطلة على الشارع. كان الشارع هادئاً بالأسفل، يغرق في أضواء المصابيح الصفراء الباهتة. ضحكت بتوتر، ضحكة هزلية نابعة من صدمتي. مستحيل.. هذا مستحيل تماماً! كيف يمكنه معرفة عنواني من مجرد رقم هاتف على الواتساب؟ هل هو ساحر؟ بالتأكيد هو شخص مريض، متعقب إنترنت محترف، أو ربما شاب ثري يمزح معي ليخيفني ويلقنني درساً قاسياً. نعم، هذا هو التفسير العقلاني الوحيد. تباً لي ولغبائي.
حاولت إقناع نفسي بهذا التفسير المطمئن، وقمت لأغسل وجهي بالماء البارد لعلي أستفيق من هذا الكابوس. لكن صوته.. تلك النبرة التي تقشعر لها الأبدان، وتلك الجاذبية الغامضة التي اخترقت مسام جلدي.. كانت حقيقية جداً. لم تكن نبرة شخص يمزح؛ كانت نبرة صياد وجد للتو طريدته المفضلة.
مرت عشر دقائق وأنا واقفة في وسط الغرفة، أحدق في الحائط وكأنني أصبت بالشلل. وفجأة، تمزق سكون الليل.
سمعت صوتاً هادراً بالخارج. صوت محركات ضخمة تزأر في الحي الهادئ، تلاها صوت فرامل عنيفة وسيارات كثيرة تتوقف دفعة واحدة أمام البناية التي أسكن فيها. أصوات أبواب سيارات ثقيلة تُفتح وتُغلق بقوة عسكرية منظمة.
تسارعت دقات قلبي حتى شعرت بألم في صدري. زحفت بهدوء نحو النافذة، وأنا أرتجف كالعصفور في ليلة مطيرة. رفعت طرف الستارة المخملية ببطء شديد، ونظرت للأسفل.
شهقت برعب، ووضعت يدي فوق فمي لأكتم أي صوت قد يفلت مني.
ثلاث سيارات دفع رباعي سوداء ضخمة من طراز (كاديلاك إسكاليد)، مظللة بالكامل، تقف في عرض الشارع، وقد أغلقته تماماً وقطعت حركة المرور. ترجل منها فوراً رجال ضخام الجثة، يرتدون بدلات سوداء متطابقة، يحملون ملامح قاسية ونظارات مظلمة رغم الليل. انتشروا حول مدخل العمارة بسرعة ودقة كجنود في ساحة معركة.
ثم، فُتح باب السيارة الوسطى ببطء شديد.. ونزل منه هو.
رغم أنني كنت أنظر من الأعلى، إلا أن هالته كانت طاغية لدرجة تجعل الأنفاس تتوقف. كان فارع الطول، عريض المنكبين بشكل مثير، يرتدي معطفاً أسود طويلاً يصل إلى ركبتيه، ويتحرك بثقة مطلقة، ثقة شخص يملك العالم ومن فيه تحت قدميه. خصلات شعره السوداء كانت مرتبة بعناية، وعضلات جسده تظهر بوضوح تحت ملابسه الفاخرة رغم الشتاء.
وفجأة، وكأنه شعر بعيني اللتين تراقبانه، رفع رأسه إلى الأعلى ببطء، ونظر مباشرة نحو نافذتي المظلمة. كانت عيناه في الظلام تشعان ببريق حاد، كعيني نمر يرى فريسته خلف الزجاج. عرف بالضبط أين أقف!
في تلك اللحظة بالذات، اهتز الهاتف في يدي مرة أخرى. كان نفس الرقم الغامض.
أسرعت بفتحه وعيني لا تفارق طيفه في الأسفل. لم تكن رسالة صوتية هذه المرة، بل كانت رسالة نصية قصيرة، كلمات كُتبت بحروف من نار صدمت عقلي:
"افتحي الباب يا قطتي.. لقد وصل زوجكِ المستقبلي."
سقطت الستارة من يدي، وتراجعت إلى الخلف حتى اصطدم ظهري بالخزانة الخشبية. أنفاسي تلاحقت، وشعرت برعب حقيقي يجتاحني، لكن في نفس الوقت، كان هناك شعور خفي غريب، شعور بالجاذبية والإثارة لم أختبره من قبل. رجل المافيا الغامض، ذو الصوت الذي يذيب الصخر، يقف الآن على بعد خطوات من باب شقتي.
سمعت صوت المصعد الكهربائي وهو يصعد.. ثم توقف في طابقي.
تلتها خطوات ثقيلة، واثقة، تتقدم نحو بابي. تك.. تك.. تك.. تماماً كصوت الساعة، لكنها هذه المرة كانت خطى قدري الجديد.
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي
إنه الرائد الدكتور "إياد مهران".. طبيب نفسي عبقري وضابط مخابرات رفيع المستوى في الجهاز الرسمي، رجل يجمع في ملامحه بين الوسامة الذكورية الساحرة والبرود التكتيكي الذي يرفض الانحناء أمام فوضى المافيا الدولية. كان في أواخر الثلاثينات من عمره، فارع الطول وعريض المنكبين بجسد رياضي متناسق ينم عن تدريب عسكري صارم، يرتدي قميصاً رمادياً فاخراً مفتوح الأزرار العلوية مع معطف صوفي أسود طويل يمنحه هيبة النبلاء. عيناه العسليتان الداكنتان الحادتان كانتا تلمعان بذكاء حاد ونظرات ثاقبة تشبه مبضع الجراح الذي ينبش في وعي خصومه، وتحيط بفمه وسامة شرسة وهادئة في آن واحد."ليلى... هذا هو الدكتور إياد،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق، وعينه السوداء تراقب ملامح ابنة عمه بحذر حازم. "لقد خاطر بحياته واخترق أطواق اللواء رأفت علام في العاصمة ليصل إلى هنا عبر مروحية عسكرية خاصة. إنه هنا ليتولى فحصكِ النفسي والأمني، والتأكد من أن خلايا مخكِ لم تتأثر بصدمة الحرب ومؤامرات المافيا الدولية."التفت أدهم نحو إياد، وضغط على كتفه بنبرة تحمل قسوة القانون وثبات العقيدة: "إياد... ليلى أمانة عائلتي بين يديك. جهازي مخترق
انفتحت بوابات المياه الهيدروليكية العملاقة للمرفأ السفلي السري تحت وطأة ضغط هيدروليكي هائل، لتعلن عن وصول الغواصة العسكرية "التيتان الأسود" إلى الملاذ الآمن والأخير لعائلة الجارحي. لم يكن هذا المكان مجرد قصر عادي؛ بل كان قلعة استخباراتية حجرية شُيدت في أواخر القرن الماضي فوق جرف صخري معزول يطل على ساحل شبه جزيرة سيناء، حيث تلتقي قسوة الجبال الحادة بعتمة مياه البحر المفتوحة. طفت الغواصة الفولاذية الضخمة فوق سطح المياه الميتة للمرفأ الداخلي، التي كانت تبدو كمرآة سوداء صقيلة تعكس ومضات كشافات الهالوجين البيضاء المثبتة في الأسقف الخرسانية العالية للكهف الطبيعي المحفور بدقة عسكرية.كان الهواء هنا بارداً، رطباً، ومحسناً بشبكة تنقية رقمية معقدة تصدر أزيراً منخفضاً ومستمراً كأنه دقات ساعة الفناء. امتد رصيف المرفأ الحجري، المصنوع من صخور البازلت الأسود، كلسان طويل يؤدي إلى المصاعد الهيدروليكية الداخلية للقصر. وفوق الرصيف، كانت تقف نخبة رسمية من حرس المستشار أدهم الجارحي؛ رجال يرتدون سترات تكتيكية سوداء كاملة، مجهزين ببنادق هجومية من طراز "إم 4" الحديثة، وتتحرك عيونهم المدربة بحذر وقلق خل







