Mag-log in"أنا هنا يا قطتي.. أنا هنا وستظلين في حمايتي دائماً،" همس بصوته الرخيم بجانب أذني، وتلمست شفتاه بشرة عنقي بعمق وشغف جعل كل إنش في جسدي ينتفض رغماً عني، "والآن.. انتهت معركة الدفاع، وبدأت معركة الانتقام. عثمان تجرأ على تهديد ملكتي.. وسأجعل اسمه أثراً بعد عين قبل أن ينتهي هذا الليل."
كانت ضمتُه دافئة وعميقة لدرجة جعلتني أنسى الدماء والرماد المحيطين بنا في الحديقة الخلفية. استنشقتُ رائحته الممتزجة بالبارود والصندل، وشعرتُ بأن هذا الصدر العريض هو المكان الوحيد الآمن لي في هذا الكون، رغم أنه هو نفسه مصدر الخطر الأكبر. رفع مراد رأسه ببطء، وتأمل وجهي المبلل بالدموع بنظرة انصهرت فيها القسوة لتتحول إلى شغف خالص وجنون تملك لم أره من قبل.
"أمينة!" صاح بصوته الجهوري الذي استعاد نبرة السلطة المطلقة، لتخرج المرأة المسنة من خلف الأنقاض وهي ترتجف، "خذي ليلى إلى الجناح الرئيسي. احرصي على تنظيف هذا الغبار عنها، وتجهيزها. لن تبتعدي عنها أنشاً واحداً حتى أعود."
"مراد،" أمسكتُ بياقة قميصه الأبيض الملوث بالدماء، وقُلت بنبرة حملت رجاءً نابعاً من أعماقي: "إلى أين أنت ذاهب؟ المعركة انتهت هنا.. أرجوك، لا تذهب خلف عثمان في عقر داره، الأمر قد يكون فخاً آخر."
انحنى بقامته الفارهة حتى أصبحت شفتاه تلامسان أرنبة أنفي، وارتسمت على شفتيه ابتسامة جانية، حادة ومثيرة بشكل يربك الحواس. امتدت أصابعه الطويلة ذات الخاتم الفضي لتمسح ما تبقى من دموعي بنعومة حارقة أرسلت قشعريرة في جسدي.
"عثمان ارتكب الخطيئة الكبرى عندما فكر في انتزاعكِ مني يا ليلى،" همس ببحته الذكورية المخدرة، وعيناه تتوهجان بغيرة شرسة لا تخبو، "رجل المافيا لا يترك عدواً هدد ممتلكاته حياً ليرى ضوء الغد. سأذهب لأعلم العاصمة بأكملها ما هو ثمن النظر إلى أنثى مراد السيوفي. ارتاحي وانتظريني.. فأنا أستمد قوتي من فكرة العودة إلى عينيكِ."
طبع قبلة دافئة، بطيئة وعنيفة الشغف على شفتي، قبلة سحبت مني آخر ذرات عنادي، وتركتني أتنفس بصعوبة وأنا أراقبه يلتفت ويغادر بخطواته الواثقة والملكية وسط رجاله الذين بدأوا في تجهيز أسلحتهم الثقيلة لشن الهجوم المضاد.
عدتُ إلى الجناح الرئيسي بمساعدة أمينة. استحممتُ بالماء الدافئ لأزيل آثار هذا اليوم المرعب، وارتديتُ رداءً حريرياً ناعماً باللون الأحمر القاني، لون يماثل لهيب الغيرة الذي رأيته في عينيه. جلستُ أمام النافذة الكبيرة المطلة على البوابة الخارجية، أراقب موكب سيارات الدفع الرباعي السوداء الضخمة وهي تغادر القصر بسرعة جنونية، يشق زئير محركاتها سكون الليل الشتوي القارس.
مرت الساعات كأنها سنوات من العذاب النفسي. كنتُ أتقلب في الفراش، وعقلي يصور لي أبشع السيناريوهات. هل سيعود؟ ماذا لو أصابته رصاصة غادرة؟ اكتشفتُ في تلك الساعات الطويلة أنني لم أعد أكره هذا الطاغية؛ بل إن روحي قد اشتبكت بخيوطه الحريرية المظلمة رغماً عن كبريائي.
عند الساعة الثالثة فجراً، تمزق سكون الليل مجدداً بصوت محركات السيارات العائدة.
نهضتُ من الفراش بلمحة عين، وركضتُ نحو الشرفة المطلة على البهو السفلي للقصر. انفتح الباب الرئيسي، ودخل هو.
كان جسده الطاغي ينضح بهالة من النصر والجبروت المطلق. قميصه الأسود الجديد كان مرتباً، وعيناه الصقريتان تحملان بريق شخص فرغ للتو من معاقبة العالم بأسره. لم ينظر حوله، ولم يتحدث مع حراسه؛ بل رفع رأسه مباشرة نحو الشرفة العلوية، وكأنه كان يعلم بدقة أنني أقف هناك أنتظره بأنفاس محترقة.
خطا نحو الدرج الرخامي اللولبي وصعده بخطواته الرزينة والثقيلة. كل ضربة لقدمه كانت تجعل قلبي يدق بعنف أكبر. وعندما وصل إلى نهاية الممر، دفع باب جُناحي ودخل، ليعود عِطره الأخاذ ويحتل المكان بالكامل.
أغلق الباب خلفه، وساد صمت مطبق ومحمل بالإثارة الشديدة. تأملني بردائي الحريري الأحمر، وشعري البني المنسدل بفوضوية على كتفيّ، ورأيت لهيب الرغبة والتملك ينفجر في عينيه مجدداً.
"لقد انتهى عثمان وعائلته يا ليلى،" قال بصوته الجهوري المبحوح وهو يتقدم نحوي ببطء حبس أنفاسي، "لقد أوفيتُ بوعدي.. ولم يعد في هذا العالم من يجرؤ على تهديد وجودكِ بجانبي."
توقفت خطواته أمامي مباشرة. لم أتردد هذه المرة؛ خطوتُ خطوة إضافية ودفنتُ نفسي بين ذراعيه، محيطة خصر عريض بيديّ. تنهد مراد بعمق، وأطبق ذراعيه الضخمتين حولي بقوة كادت تكسر أضلعي، ضمة عنيفة تفيض برومانسية مظلمة وشغف حارق، وهو يهمس بجانب أذني:
"الآن.. أنتِ آمنة تماماً في عريني، ولا مفر لكِ من قبضة النمر بعد الليلة."
كان الفجر يزحف ببطء، حاملاً معه خيوطاً رمادية باهتة تطرد عتمة تلك الليلة الدامية. داخل الجناح الرئيسي، كان لهيب اللقاء بعد المعركة يطغى على برودة الشتاء بالخارج. بقيتُ مستسلمة لدفء صدره العريض، أستمع إلى ضربات قلبه القوية والمضطربة التي تخبرني بكل ما يخفيه بروده المصطنع من جنون وخوف عليّ.
رفع مراد وجهي برفق مستخدماً إبهامه الدافئة، وتأمل عينيّ الشاخصتين بنظرة مشتعلة بالرغبة والارتياح الشرس. انحنى بقامته الفارهة حتى لامست شفتاه جبهتي في قبلة طويلة، ثم هبط بوجهه ليتحدث ببحته الذكورية المخدرة بجانب أذني مباشرة:
"الرداء الأحمر يلتهم عقلي يا ليلى.. يذكرني بأنكِ أصبحتِ النيران التي تحرق عتمتي، والسبب الوحيد الذي جعلني أعود من ذلك الجحيم حياً."
تراجعتُ خطوة صغيرة إلى الخلف، وشعرتُ بوجهي يشتعل خجلاً وجاذبية، وقُلت بنبرة خفيضة حاول كبريائي لملمتها:
"لقد وفيتَ بوعدك وعُدتَ يا مراد.. لكنني ما زلتُ أشعر بالذعر. عالمك مرعب، ومحو عائلة عثمان بأكملها في ليلة واحدة يثبت لي أنني أعيش مع وحش كاسر لا يعرف الرحمة."
ارتسمت على شفتيه الحادتين ابتسامة جانية وساحرة تفيض بالتملك المطلق. خطا خطوة إضافية محاصراً إياي ضد الفراش الحريري، وامتدت يده الكبيرة لتقبض على خصرِ بقوة وضمة حازمة جعلت أنفاسي تتلاحق بعنف.
"أنا وحش مع العالم كله يا قطتي.. لكنني معكِ مجرد صياد وقع في أسر طريدته،" همس وعيناه تتوهجان بشغف خالص وهو يثبت نظراته على شفتي المرتجفتين، "الرحمة لا مكان لها في مهنتي، لكن وجودكِ هنا، في قبضة يدي وتحت حمايتي، هو القانون الوحيد الذي سأحارب الكون بأسره لأجله."
انحنى ليطبع قبلة دافئة، بطيئة وعنيفة الشغف على عنقي، في ذات الموضع القرمزي الذي تركه بالأمس، مما جعل جسدي ينتفض بضعف وأتشبث بكتفيه العريضين بيدين مرتعشتين، مستسلمة تماماً لتلك الرومانسية المظلمة الشرسة التي تقتحم روحي.
لكن سكون هذه اللحظة الرومانسية الحارقة لم يدم طويلاً.
تمزق الصمت بصوت طرقات سريعة ومضطربة على الباب الخشبي للجناح. تيبس جسد مراد فجأة، وتحولت ملامحه المستسلمة للشغف إلى الجدية القاتلة في لمحة عين. أطلق سراحي بلطف طاغٍ، وعدّل قميصه الأسود، ثم صاح بنبرة جهورية حازمة: "ادخل!"
فُتح الباب ليدخل "سليم"، الذراع الأيمن لمراد ومستشاره الأمني، وكان وجهه شاحباً بشكل يثير الريبة، ويحمل في يده مغلفاً جلدياً أسود مخملياً. انحنى سليم باحترام وقال بصوت خفيض:
"مراد بيه.. نعتذر على الإزعاج في هذا الوقت، لكن الأمر طارئ للغاية ولا يحتمل التأجيل إلى الصباح. لقد عثرنا على هذا الملف في مكتب عثمان بعد تصفيته.. وهناك كارثة توشك أن تنفجر."
عقد مراد حاجبيه بغيرة شرسة وتوجس، وخطا نحو سليم ليمسك بالمغلف بعنف، بينما انسحبتُ أنا إلى خلف الفراش محاولة تغطية جسدي بالرداء الأحمر. فتح مراد الملف، وما إن بدأ في قراءة الأوراق ومطالعة الصور بالداخل، حتى رأيت عضلات فكه تتحرك بعنف مرعب، وتحولت عيناه الصقريتان إلى جحيم مستعر من الغضب والغيرة العمياء.
التفت مراد نحوي فجأة، وكانت نظراته حادة كالشفرات، نظرات لم أرها منه منذ ليلتنا الأولى. تقدم نحوي بخطوات ثقيلة هزت أركان الغرفة، وقذف بالأوراق والصور فوق الفراش أمامي.
"ما هذا يا ليلى؟! تحدثي قبل أن أفقد ما تبقى من عقلي!" صرخ بصوت جهوري مرعب زلزل أركان الجناح.
نظرتُ إلى الصور بهلع، وتوسعت عيناي بصدمة تامة. كانت صوراً لي مأخوذة من مسافة قريبة في جامعتي القديمة، وصوراً أخرى حديثة التُقطت في حديقة القصر! لكن الصدمة الأكبر كانت في وجود رسائل نصية مزورة ومطبوعة، تبدو وكأنني أنا من أرسلتها عبر هاتف غامض لشخص يُدعى "طارق الجارحي".
وطارق الجارحي هو المنافس الأخطر والأشرس لمراد في السوق، والرجل الذي يحلم برؤية مراد السيوفي جثة هامدة للاستيلاء على نفوذه. كانت الرسائل المزورة تُظهر وكأنني "جاسوسة" أرسلها طارق لتدخل حياة مراد عبر تلك المزحة الصوتية الطائشة، لتوقع به في فخ المافيا وتكشف ثغراته وأسرار قصره!
"مراد.. أقسم لك هذا غير حقيقي!" هتفتُ والدموع تنهمر كالشلالات على وجنتيّ، وأمسكتُ بيده الكبيرة المرتجفة من فرط الغضب، "أنا لا أعرف من هو طارق هذا! الصور التُقطت دون علمي، وهذه الرسائل مزورة بالكامل! إنهم يحاولون الإيقاع بيننا وتدميري!"
قبض مراد على معصميّ بقوة وجذبني إليه بعنف، وعيناه تشعان ببحّة الغيرة القاتلة والتملك الأعمى الذي أعمى بصيرته. كان يتنفس بحدة، وصدره العريض يصطدم بصدري.
"طارق الجارحي؟! الرجل الذي يحاول قتلي منذ سنوات، تكونين أنتِ خيطه للوصول إليّ؟! هل كانت تلك الرسالة الصوتية الطائشة مجرد فخ معد بدقة؟! تحدثي!" صرخ وعيناه تلتهمان ملامحي المرعوبة بجنون.
"لا يا مراد! انظر إليّ.. أرجوك انظر في عيني!" صرختُ بقلب محترق، وجعلت عيني تلتقي بعينيه الشرسيتين مباشرة، "لو كنتُ جاسوسة، هل كنتُ سأبكي خوفاً عليك بالأمس؟ هل كنتُ سأستسلم للمساتك ورقبتك تحت ضوء القمر؟ أنا ضحية مؤامرة قذرة من منافسيك لأنهم علموا أنني أصبحتُ نقطة ضعفك الوحيدة!"
تجمد مراد في مكانه، وأخذت أنفاسه الحارة تلفح وجهي. نظراتي الباكية والصادقة، وعناقي له بالأمس، بدأت تهدم جدار الشك الذي بناه منافسوه. ساد صمت مطبق ومحمل بالتوتر القاتل في الغرفة، بينما كان مراد يقف حائراً بين جنون غيرته وتملكه، وبين ذلك العشق المظلم الخفي الذي بدأ يتغلغل في أعماقه رغماً عن طبيعته القاسية.
التفت نحو سليم الذي كان يراقب الموقف بحذر، وقال بصوت منخفض، حاد وقاطع كالسيف:
"سليم.. اجمع كل رجال الاستخبارات لدينا. أريد معرفة من التقط هذه الصور، ومن اخترق هاتف ليلى لتزوير هذه الرسائل. طارق الجارحي يظن أنه يستطيع اللعب بعقلي واستخدام أنثاي لكسري.. أقسم بدم عائلتي، سأجعل هذه المؤامرة مقبرة له ولكل من سانده!"
التفت إليّ مجدداً، وأرخى قبضته عن معصمي ليتحول العنف إلى تملك شرس وحماية مطلقة. أحاط وجهي بكلتا يديه الكبييرتين، وانحنى ليهمس بجانب شفتي مباشرة بأمل وتوعد حارقين:
"حتى لو كان العالم كله يقف وراء هذه الأوراق، لن أفرط فيكِ يا ليلى. سأكتشف الحقيقة.. وإذا ثبت أن طارق قد تجرأ على استخدام اسمكِ في صراعاته، فسأريه كيف يكون جحيم مراد السيوفي الحقيقي!"
انحنى وطبع قبلة عنيفة، مشحونة بالغيرة والتحدي والشغف المطلق على شفتي، لتشتعل شباك المؤامرة وتعلن بداية فصل جديد من الدماء والصراعات الرومانسية المظلمة في عرين النمر.
في تلك الثواني الرقمية المتسارعة التي أعقبت وعيد مبعوثة مجلس الملوك، تحول القبو البازلتي إلى ساحة لحرب نفسية طحنت باطن وعي مراد السيوفي. كان العداد البيومتري الفضي يلتهم ذرات الوقت بقسوة هندسية لا ترحم، معلنًا بقاء خمس دقائق رقمية فقط قبل الفناء البيولوجي الشامل. نظر مراد إلى يوسف، شقيقه العائد من غياهب الموت، والذي بات اللحظة يحمل في خلايا دمه فيروسًا مشفرًا بيولوجيًا كفيلًا بإنهاء سلالة آل السيوفي برمتها، ثم التفت نحو مبعوثة روما التي توجه فوهة سلاح البلازما نحو عنق ليلى.شعر بمرارة بركانية كادت تقتلع صمام أمان ثباته العسكري. الخيار الذي طرحته روما لم يكن سوى انحناء تكتيكي كامل لطاغية صاغ الخديعة من رحم حصونهم، إما أن يقتل شقيقه بيده، أو يرى ملكته الفاتنة تتناثر كرماد مالح. لكن النمر لا يتفاوض تحت وطأة الوعيد، وعقيدة حكمه المشترك لا تقبل السقوط.وعلى الجانب الآخر، كانت ليلى تقف بجسدها الرقيق الملتف بالفستان المخملي الأسود الطويل، وشعرها الأسود الغجري يتطاير بفعل العصف الهيدروليكي للبوابات. انشطر باطن روحها إلى نصفين؛ كبرياء آل الجارحي الذي تلطخ بخيانة أبيها أدهم، وولاؤها ا
لم يكن الصمت الذي أعقب انقطاع البث الفيدرالي الفضي مجرد غياب للصوت، بل كان هبوطًا مروعًا لبرزخ أسود استقر في جوف القبو البازلتي، وكأن جدران القصر القديم قد أطبقت فكيها على الأنفاس برمتها. تحولت الأنظمة الإلكترونية الشاملة إلى جثث تكنولوجية هامدة، وانطفأت الأضواء الزرقاء الفيدرالية لتفسح المجال لعتمة مطلقة، عتمة لا يكسر ضراوتها سوى الوميض الأحمر الشاحب المنبعث من بطاريات الطوارئ الهيدروليكية، والذي كان ينعكس على الوجوه كدماء طازجة سالت لتوها في ساحة إعدام مجهولة.في تلك الظلمة المطبقة، كان الصراع النفسي يطحن باطن وعي مراد السيوفي كرحى عملاقة من الفولاذ. شعر بالنمر الرابض في أعماقه يتلوى غيظًا وكمدًا؛ فالانتصار التكتيكي الساحق الذي حققه لتوّه على أدهم الجارحي تبخر في ذرات ثانية رقمية واحدة، ليتحول إلى مجرد فخ طفولي صاغته أيدي "مجلس الملوك" في روما. كانت الخديعة أكبر من عقيدته العسكرية الفيدرالية، وأعمق من شفراته الاستخباراتية الشاملة. نظر في الظلام نحو شقيقه يوسف، المستند بجسده الواهن إلى حافة المنصة البازلتية، وشعر بمرارة لاذعة تملأ حلقه؛ أيكون شقيقه العائد من غياهب الموت مجرد حص
انغلقت البوابات الحديدية المؤتمتة ذات الوجوه المصفحة بأزيز هيدروليكي صاعق، ليعزل القبو البازلتي السفلي لقصر العاصمة القديمة عن الكون برمتها. تحول الهواء في ذرات الثواني الرقمية العشر الأخيرة إلى حطب يابس يشعل غيظ مراد السيوفي البركاني. كان صوت صفارات الإنذار الحمراء يعوي في فراغ القاعة كذئب جريح، بينما تراقصت الأرقام المضيئة على شاشة العد التنازلي التلقائي بجنون هستيري: 00:09... 00:08... 00:07... كل جزء من الثانية كان يلتهم فرصة النجاة ويقرب جسد يوسف السيوفي القابع في الأسر من التناثر كرماد مالح. تجمد مراد السيوفي في موضعه بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، ولم تكن الصدمة لتزلزل توازنه التكتيكي العسكري، بل أشعلت في عينيه الصقريتين الحادتين نيرانا من الجحيم الخالص. التفتت عيناه من القفص الرقمي الذي يضم شقيقه العائد من غياهب الموت، لتستقر اللحظة على وجه أدهم الجارحي؛ الرجل الذي كان حتى هذه الثانية يمثل صمام الأمان الاستراتيجي لعقيدة حكمهما المشترك. كان الصراع النفسي يطحن باطن روحه الشرسة؛ كيف تحول حليفه الأكبر ووالد ملكته الفاتنة إلى أليكساندر، الجلاد الفعلي وصياد المل
لم تكن دقات الساعة الميكانيكية المنبعثة من شاشات الاختراق الكبرى مجرد عد تنازلي للزمن، بل كانت بمثابة معزوفة جنائزية تعلن ذوبان الحدود الفاصلة بين الحياة والفناء. تحولت جدران الحصن الجبلي في سيناء إلى سجن من الغرانيت والضوء الأحمر الخالص، بينما كان أزيز الطائرات المسيرة بالخارج يطوق الأجواء كأسراب من الطيور الكاسرة المستعدة لتمزيق جسد الجبل. وقف مراد السيوفي بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، وعيناه الصقريتان تحدقان في شاشة الرصد بغليان بركاني صامت، بينما تيبست أصابعه الكبيرة الساخنة فوق خصر ليلى، محكما قبضة التملك الشرس التي تعبر عن ذروة صراعه النفسي الطاحن. في تلك اللحظة الرقمية الحرجة، كان عقل مراد يدور في حلقة مفرغة من النار والبارود. شقيقه يوسف، القطعة المفقودة من تاريخه المعمد بالدم، يقع الآن تحت رحمة جلاد روما الفعلي، ونبضات قلبه مرتبطة بشفرة تفجير ستحول العاصمة القديمة إلى رماد مالح. والشرط؟ أن يسلم ليلى، ملكته الفاتنة وملاذه الأنثوي الأوحد، كصك تنازل أبدي عن كبريائه وهيبته الدولية. كان الصراع النفسي يمزق نياط قلبه الشرس؛ هل يضحي بنصف روحه وشقيقه العائد من مقا
انقطع البث الرقمي المباغت تاركا جمرات الغضب تتطاير من عيني مراد السيوفي، ليعود الجناح الجبلي المحصن في عمق سيناء إلى عتمته النسبية، إلا من ومضات خافتة زرقاء انبعثت من شاشات التحكم الفيدرالية. تداخل صوت صفير الرياح الصحراوية الجافة بالخارج مع صدى كلمات أليكساندر الصقيعية التي لا تزال تتردد في الفراغ كقذائف فكرية موجهة لتدمير ثبات المنظومة. تجمد جسد مراد الفاره في موضعه كتمثال من الغرانيت الصلد، وعضلات صدره العريض تعلو وتهبط بعنفوان مرعب، بينما استقرت يده الفولاذية محكمة الحصار حول خصر ليلى الضيق بقوة تملكية تكاد تقترب من الشراسة الواهنة. في تلك الثواني الرقمية الحرجة، كان الصراع النفسي يطحن وعي مراد طحنا. فكرة أن شقيقه يوسف، قطعة من روحه المفقودة ودمائه المعراة تحت ركام الماضي، يتنفس الآن داخل زنزانة رقمية تحت ركام قصر العاصمة القديم، جعلت دماء السيوفي تغلي في عروقه بوعيد حارق. شعر للحظة بضآلة كل معاركه التكتيكية السابقة أمام هذا الاختراق الوجودي؛ إذ تحول من صياد للملوك إلى هدف تتحكم في مصيره ساعة عد تنازلي يملك مفتاحها جلاد روما الفعلي. تلاطمت الأفكار في عقله كأمواج
لم تكن شمس سيناء تشرق كبقية العواصم، بل كانت تنبثق من خلف الهضاب الحجرية العاتية ككتلة من الذهب المستعر، لتلقي بظلالها القاسية فوق الرمال الممتدة التي شهدت على مر العقود دفن أسرار الملوك والجبابرة. وفي قلب ذلك المدى الموحش، وعلى قمة رصيف مروحيات سري مصفح ومحفور بدقة تكتيكية في بطن الجبل، استقرت المروحية العسكرية السوداء لآل السيوفي، مخلفة وراءها عاصفة من الغبار والرمال الحارقة التي تلاشت تدريجياً أمام وقار المشهد الحاسم.هبط مراد السيوفي من جوف الطائرة بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، مرتدياً سُترته الجلدية السوداء الطويلة التي تحركت أطرافها بعنفوان مع نسمات الفجر الجافة. كانت عيناه الصقريتان الحادتان تقرأان تضاريس الصحراء بغليان خالص؛ فكل ذرة رمل هنا تذكره بجراحه المعراة القديمة، وبدمائه التي سُفكت قبل سنوات في حروب العاصمة القذرة. لم يكن صراعه النفسي داخله هذه المرة مجرد غيظ بركاني عابر، بل كان زلزالاً يضرب عقيدته العسكرية والتكتيكية؛ شقيقه يوسف، الذي ظن لعقود أنه صار رماداً مالحاً، قد يكون محتجزاً في هذه البقعة الجغرافية اللعينة كشفرة مساومة دولية يصوغها أليكساندر من م
بقيتُ في الشرفة الزجاجية وحدي لفترة طويلة بعد رحيله، أتأمل فنجان القهوة الفارغ والحدائق الممتدة أمامي كلوحة زيتية صامتة ومخيفة. الكلمات التي نطق بها ما زالت تتردد في أعماقي كصدى طبول مرعبة: "أنتِ من ستتوسلين للمساتي وقربي يوماً ما". شعرتُ بغيظ عارم يحرق صدري، وخوف غريب من أن تصدق نبوءته؛ فذلك التأث
استيقظتُ على صوت زقزقة عصافير بدت غريبة عن مسمعي، وكأنها تأتي من عالم آخر غير عالمي. فتحتُ عيني ببطء، لتستقبلني تفاصيل السقف الشاهق والنجف الكريستالي الذي يعكس أشعة الشمس الصباحية المتسللة من خلف الستائر المخملية الثقيلة. للحظة واحدة، خلتُ أنني ما زلت في غرفتي الصغيرة، وأن كل ما حدث بالأمس كان مجرد
كانت برودة عشب الحديقة المبلل بالندى تلسع قدميّ العاريتين، لكن الحرارة التي كانت تنبعث من جسد مراد السيوفي كفيلة بإحراق المكان بأسره. لم أكن قادرة على الحراك، ولا حتى على التنفس المنتظم؛ فقد كانت قبضته المحكمة حول معصميّ خلف ظهري كالأغلال الفولاذية، بينما كانت عيناه المظلمتان تحت ضوء القمر الشاحب ت
انفتحت البوابة الحديدية العملاقة بآلية صامتة ومرعبة، لتتسلل السيارات الثلاث عبر ممر طويل تحفه أشجار الصفصاف العارية التي بدت في الظلام كأشباح تمد أصابعها لتلقي القبض عليّ. كان القصر يتربع في نهاية الممر كقلعة قوطية حصينة، جدرانه الحجرية الداكنة تتحدى عتمة الليل، ونوافذه الشاهقة تنعكس منها أضواء خاف







