LOGINلم يكن من السهل على زعيم مافيا يحيط به الأعداء من كل حدب وصوب أن ينام ملء جفنيه، خاصة بعد أن امتدت أصابع المؤامرة لتطال الأنثى التي سحرت عقله. غادر مراد الجناح مع بزوغ الشمس تاركاً خلفه أمراً عسكرياً مشدداً بحراستي، ومغلفاً مشحوناً بالشكوك والوعيد لطارق الجارحي.
بقيتُ في الغرفة، أذرع الأرض ذهاباً وإياباً، والحرير الأحمر لرداء يلتف حول جسدي كأنه لهيب القلق الذي يأكل أحشائي. نظرتُ من النافذة الشاهقة؛ فرأيت القصر يتحول إلى ثكنة عسكرية حقيقية، حراس مدججون بالسلاح، وسيارات مصفحة تدخل وتخرج، وهالة من الموت الوشيك تخيم على أسوار العرين.
عند منتصف النهار، دوت طرقات حادة على الباب، طرقات لم تكن بطيبة ووقار أمينة، ولا بحزم ورزانة مراد. انفتح الباب فجأة دون انتظار إذن مني، لتلج إلى الغرفة امرأة لم أرها من قبل، امرأة كانت تجسيداً للخطورة والجاذبية المستفزة.
كانت فارعة الطول، ذات قوام ممشوق يبرزه بنطال جلدي أسود وضيق وسترة مخملية داكنة. شعرها الأسود القصير كان مصففاً بعناية، وعيناها الرماديتان الكحيلتان تحملان نظرة حادة، باردة، تفيض بالتعالي والعداء الصريح. كانت هذه "كارما الدمنهوري"، ابنة أحد أكبر حلفاء مراد في سوق السلاح، والمرأة التي طالما اعتبرت نفسها الشريكة الوحيدة المؤهلة لتربع عرش مراد السيوفي.
توقفت كارما في وسط الغرفة، ووضعت يديها في جيبي سترتها، وتأملتني من رأسي حتى أخمص قدمي بنظرة فاحصة وساخرة، استقرت فيها عيناها بدقة فوق تلك العلامة القرمزية على عنقي. رأيت عضلات فكها تتوتر بغيرة حارقة، قبل أن ترتسم على شفتيها المصبوغتين باللون الداكن ابتسامة شامتة.
"إذن.. أنتِ هي 'ليلى'؟" قالت بصوت حاد، يحمل نبرة تهكم واضحة، "القطة الطائشة التي أرسلت رسالة صوتية عشوائية فظنت أنها اصطادت نمراً؟ يبدو أن مراد قد فقد عقله حقاً ليدخل هذه التافهة إلى جناحه الخاص."
اعتدلتُ في وقفتي، ورغم الذعر الكامن في أعماقي من هذه الأجواء، إلا أن كبريائي وعنادي الأنثوي انتفضا فجأة. نظرتُ في عينيها الرماديتين وقُلت بنبرة فصيحة وحازمة:
"ومن تكونين أنتِ لتقتحمي غرفتي وتتحدثي معي بهذه الطريقة؟ هذا الجناح يخص مراد، وأنا هنا بأمر منه وحمايته."
خطت كارما نحوي خطوات بطيئة ومستفزة، حتى أصبحت أمام فِراشي مباشرة، وقالت بنبرة منخفضة مسمومة:
"أنا؟ أنا كارما الدمنهوري.. المرأة التي خاضت مع مراد صراعات الدم قبل أن يعلم بوجودكِ البريء هذا. أنا من وقعت مع عائلته مواثيق السلاح والنفوذ. أما أنتِ.. فلستِ سوى دمية، فخ قذر أرسله طارق الجارحي ليدمر مملكة السيوفي، والأوراق التي عثرنا عليها في مكتب عثمان أثبتت جُرمكِ."
"هذه الرسائل مزورة! أنا لا أعرف طارق الجارحي!" صرختُ بغيظ، والدموع تحرق عينيّ دفاعاً عن براءتي.
"هذا الكلام اذهبي وقوليه لرجال التحقيق،" ضحكت كارما بسخرية، واقتربت مني أكثر لتهمس بغيرة وتملك أعمى، "مراد رجل مافيا، والشك في عالمه يعني رصاصة في الرأس. هو الآن مجنون بغضبه وغيرته، ولن يتوانى عن سحقكِ بنفسه عندما يتأكد من خيانتكِ. استمتعي بساعاتكِ الأخيرة في هذا الفراش الحريري، لأن رحيلكِ من هنا سيكون في صندوق مغلق."
التفتت لتغادر بكبرياء أفعى تستعد لنفث سمها، لكن في تلك اللحظة بالذات، دوت خطى ثقيلة ورزينة عبر الممر، ودفع الباب بقوة ليدخل هو.
كان مراد يقف على عتبة الباب بكامل هيبته وجبروته. كان يرتدي حلة سوداء بالكامل دون ربطة عنق، وعيناه الصقريتان تشعان بشرر الغضب والغيرة الشرسة. تطلع إلى كارما الواقفة في غرفتي، وتحولت ملامحه إلى الجدية القاتلة في لمحة عين.
"كارما!" دوى صوته الجهوري المبحوح لتهتز له الجدران، "من سمح لكِ بدخول هذا الجناح؟ ومن أعطاكِ الحق في التحدث مع ليلى؟"
تغيرت ملامح كارما في ثوانٍ، وحاولت رسم ابتسامة رقيقة تليق بامرأة تحبه، وقالت:
"مراد.. أنا جئتُ فقط لأتأكد من شكوكي. الملف الذي عثرنا عليه لا يكذب، هذه الفتاة جاسوسة لطارق الجارحي وتستغلك لكسر نفوذنا جميعاً.. يجب أن تتخلص منها فوراً!"
خطا مراد نحوها بخطوات واسعة وحازمة حبست الأنفاس. توقف أمامها مباشرة، ليفيض المكان بهالته الطاغية وعطره الممزوج بالصندل والتبغ الفاخر، وقال بنبرة منخفضة، حادة وقاطعة كالسيف:
"الملف الذي يتحدث عنه الجميع.. أنا من يحقق فيه، وأنا وحده من يقرر مصير من يدخل قصرِي. ليلى تخص مراد السيوفي، وسواء كانت بريئة أم مذنبة، فاسمها محرم على لسانكِ أو لسان عائلتكِ. اخرجي من هنا فوراً، وإذا لمحتُ طيفكِ حول هذا الجناح مجدداً.. سأنسى التحالف الذي بيننا وأريكِ وجهي الآخر."
شحب وجه كارما تماماً من فرط الصدمة والغيرة، ونظرت إليّ نظرة حقد أخير تفيض بالوعيد والدمار، ثم التفتت وركضت خارج الغرفة وهي تضرب الأرض بكعبها بغيظ شديد.
التفت مراد بالكامل نحوي بعد رحيلها. كان يتنفس بحدة، وصدره العريض يعلو ويهبط من فرط الغضب والغيرة الأعمى التي تنهش قلبه. تقدم نحوي وعقد حاجبيه، وبلمحة عين قبض على معصميّ وجذبني إليه بعنف وشغف متناقضين، ليرتطم جسدي بصدره الصلب الحار.
"هل تجرأت على إيذائكِ؟" سأل بنبرة منخفضة مفعمة ببحّة الغيرة القاتلة، وهو يضغط على خصري بيده الضخمة ليرفع جسدي إليه، وتغلغلت عيناه في عينيّ الباكيتين، "أقسم بالله يا ليلى.. لو كنتُ علمتُ أنها ستدخل إلى هنا لتثير رعبكِ، لكنتُ قطعتُ لسانها. أعدائي يحاولون استخدام كارما وملفات طارق ليوقعوا بيننا.. لكن جنون تملكي بكِ يفوق خططهم برمتها."
نظرتُ في عينيه المشتعلتين، وشعرت برداء الحرير الأحمر يشتعل تحت حرارة جسده الطاغية. رفعتُ يديّ المرتعشتين لأثبتهما فوق صدره وقُلت بأنفاس متلاحقة:
"إنها تكرهني يا مراد.. والجميع يريد موتي بسبع شكوكم. هل تصدقهم؟ هل تعتقد أنني خنتك؟"
انحنى بقامته الفارهة أكثر حتى كادت شفتاه تلامسان شفتي، وتحدث بنبرة تفيض برومانسية مظلمة وشغف خالص أذاب كل دفاعاتي:
"عقلي كرجل مافيا يشك في كل شيء.. لكن قلبي الذي نبض لكِ منذ تلك الرسالة الصوتية يرفض تصديق سواكِ. سأحرق طارق الجارحي وكارما وكل من خطط لهذه المؤامرة، ولن أسمح لأحد بأن ينزعكِ من قبضة النمر."
انحنى وطبع قبلة عنيفة، حارقة ومليئة بالشغف والتملك المطلق على شفتي، قبلة سحبت مني آخر ذرات المقاومة، لتشتعل نيران الغيرة والمؤامرات في عرين المافيا معلنة صراعاً جديداً أشد فتكاً.
لم يكد يمر يومان على تلك المواجهة العاصفة داخل الجناح، حتى كانت خيوط المؤامرة تُغزل في الخفاء بعيداً عن أعين مراد السيوفي ورجاله. في الطرف الآخر من العاصمة، داخل قبو سري يفوح برطوبة الطوب القديم ورائحة السيجار الكوبي الفاخر، كانت كارما الدمنهوري تقف والشرر يتطاير من عينيها الرماديتين، بينما كان يجلس أمامها رجل في أواخر الثلاثينيات من عمره، بملامح حادة، ندبة طويلة تشق خده الأيسر، وعينين باردتين كأعين الزواحف.. إنه "طارق الجارحي".
"لقد فقد عقله تماماً يا طارق!" صرخت كارما وهي تضرب كفها على الطاولة الخشبية بغيظ شديد، "ههدني بقطع التحالف، وهددني بالقتل من أجل تلك الفتاة التافهة! الملف المزيف الذي أرسلتَه لم يدفعه لتصفيتها، بل زاد من جنون تملكه وحمايته لها!"
نفث طارق دخان سيجاره ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة شامتة، وقال بصوته الأجش:
"كنتُ أعلم أن مراد لن يقتلها بسهولة؛ فالنمر عندما يقع في الأسر، يعميه الشغف. لكن هذا يصب في مصلحتنا تماماً يا كارما.. طالما أنها أصبحت نقطة ضعفه التي تحرك جوارحه، فإن ضربه من خلالها سيكون القشة التي تقصم ظهر مملكته."
اقتربت كارما منه، وقالت بنبرة مسمومة تفيض بغيرة أنثوية قاتلة:
"أنا لا أريد كسر مملكته فقط.. أنا أريد رأس تلك الفتاة. أريدها ميتة، وأريد لمراد أن يرى جثتها ليعلم أن كارما الدمنهوري هي الوحيدة التي تليق به."
"لكِ ما أردتِ،" أجاب طارق وهو يطفئ سيجاره بقسوة، "رجالي نجحوا في اختراق الخطوط الخلفية للقصر عبر ثغرة في منظومة الحراسة بالحديقة الغربية. الليلة، عندما يغادر مراد للاجتماع الطارئ في الميناء، سنقوم باختطافها.. وسأترك لكِ متعة إنهاء حياتها."
في هذه الأثناء، وداخل القصر المحصن، كان الصمت في الجناح الرئيسي مشحوناً برومانسية مظلمة وجاذبية طاغية. كنتُ أقف أمام شرفة غرفتي، أرتدي فستاناً ناعماً من الشيفون الأبيض، وشعري البني منسدل بتموجاته الطبيعية، عندما شعرت بهالته تقتحم المكان قبل أن تلمسني يداه.
مد مراد ذراعيه الضخمتين من خلفي، وأحاط خصري بضمة حازمة وعنيفة الشغف، ليجذب ظهري ليلتصق بصدره العريض والصلب كالصخر. انحنى برأسه الفاره حتى غاص وجهه في خصلات شعري، واستنشق عبيري بعمق جعل جسدي بالكامل ينتفض رغماً عني.
"عِطركِ الليلة يثور ضد عواصفي يا ليلى،" همس بصوته الجهوري المبحوح بجانب أذني، لتلامس شفتاه بشرة عنقي المكشوفة بنعومة حارقة، "أنا مضطر للمغادرة لعدة ساعات لإنهاء عمل طارئ بالميناء.. وجنون تملكي يرفض فكرة ترككِ وحيدة، حتى وإن كان القصر محاطاً بمئات الحراس."
التفتُّ ببطء بين ذراعيه ليتواجه جسدانا، ونظرتُ في عينيه الصقريتين الحادتين اللتين تشعان بغيرة شرسة لا تنام. وضعتُ كفيّ الصغيرتين فوق صدره النابض وقُلت بأنفاس متلاحقة:
"مراد.. لا تذهب. قلبي ينبض بذعر غير طبيعي الليلة. نظرات كارما قبل يومين ما زالت تطاردني في كوابيسي، وأشعر أن هناك خطراً أكبر من عثمان يتربص بنا."
امتدت أصابعه الدافئة لتقبض على فكي برفق طاغٍ، ورفع وجهي إليه لتتلاقى نظراتنا الشغوفة والمثيرة، وقال بنبرة تفيض برومانسية شرسة:
"كارما أو طارق أو أي قذارة أخرى يحاولون حياكتها، سأحقها تحت حذائي يا قطتي. رجالي يطوقون القصر، وسليم يشرف على حراستكِ الشخصية بنفسه. لا تخافي.. فروحي معلقة في هذا الجناح، وسأعود إليكِ قبل أن يجف هذا الليل."
انحنى وطبع قبلة عنيفة، طويلة، ومحملة بكل معاني الشغف والتملك المطلق على شفتي، قبلة جعلتني أتشبث بقميصه الأسود بيدين مرتعشتين، مستسلمة تماماً لهيب مشاعره التي تذيب كل عناد فيّ. أطلق سراحي ببطء، ونظر إليّ نظرة أخيرة تفيض بالوعيد لأعدائه، ثم التفت وغادر الجناح بخطواته الملكية الثقيلة.
مرت ساعتان على رحيله، وساد القصر هدوء غريب ومريب. كنتُ مستلقية على الفراش الحريري أحاول قراءة كتاب، وفجأة.. انقطعت الأنوار بالكامل داخل الجناح، وتوقفت أجهزة التكييف عن العمل.
انقبضت معدتي برعب، وتذكرتُ ليلة الهجوم على القبو. وقبل أن أتمكن من النهوض، سُمع صوت ضوضاء خفيفة عند نافذة الشرفة، تلاها تحطم الزجاج بقوة ودخول ثلاثة رجال مسلحين يرتدون أقنعة سوداء!
صرختُ بأعلى صوتي: "سليم! مراد!"
لكن أحدهم قفز نحو الفراش بسرعة البرق، ووضع كفه الغليظة فوق فمي ليكتم صرخاتي، بينما أحكم الآخر قبضته على معصميّ. وفي وسط عتمة الليل، لمحتُ طيفاً رابعاً يدخل من الشرفة بخطى متهادية وشماتة قاتلة.. كانت كارما الدمنهوري!
اقتربت كارما من الفراش، ونظرت إليّ بعينين تفيضان بحقد أعمى وغير صريحة، وقالت بصوت مسموع وخفيض:
"ألم أخبركِ أن رحيلكِ من هنا سيكون في صندوق مغلق يا ليلى؟ النمر ترك عرينه.. وحان وقت سحق الدمية."
خدروني بمنديل مشبع بمادة غريبة، لتتلاشى قواي تدريجياً، وتغلق عيناي مستسلمة للظلام، بينما كانت خيوط تحالف الأفاعي تلتف حولي لتلقي بي في وكر طارق الجارحي!
قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض
تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي







