Masukدوى صدى تحطّم الهاتف على الأرضية الرخامية كأنه طلقة رصاص أولى أعلنت بداية الحرب. شعرتُ بركبتيّ تخونانني، لولا أن ذراعه القوية كانت ما تزال تحيط بخصري كطوق من حديد، تثبتني إلى جسده الطاغي الذي ينبض بحرارة مرعبة وغضب لافح. كانت أنفاسه المتلاحقة تصطدم بوجهي، وعيناه الصقريتان تدوران في محجريها كوحش حُصر في عرينه وقرر أن يلتهم الجميع.
"مراد.. أرجوك،" همستُ، والدموع تجد طريقها أخيراً إلى عينيّ، "إنهم يريدونني أنا. لا تجعل رجالك يموتون بسبب دعابة طائشة مني. لستُ أستحق كل هذه الدماء."
ثبت نظراته الحادة على عينيّ الشاخصتين برعب، وتغيرت نبرته فجأة من الغضب الأعمى إلى حنان شرس ومتملك. مد يده الكبيرة ليقبض على فكي برفق، ويمسح بإبهامه دمعة سقطت على وجنتي، في لمسة حارقة أذابت ما تبقى من خوفي لتستبدله بجاذبية مخدرة.
"إياكِ أن تنطقي بهذه الكلمات مجدداً،" قال بصوته الجهوري المنخفض الذي يحمل بحّة ذكورية آسرة، "أنتِ تستحقين أن أحرق العاصمة بأكملها لأجلكِ. لستِ مجرد فتاة عابرة يا ليلى، أنتِ أنثى مراد السيوفي، وإهانة اسمكِ هي نهاية عثمان وعائلته بالكامل."
التفت فجأة نحو رجاله الذين كانوا يقفون على مسافة قريبة بوجوه جامدة كالتماثيل، وصاح بنبرة هزت أركان البهو:
"أغلقوا جميع المداخل! انتشروا على الأسوار وفي الحديقة الخلفية. أريد قناصة فوق السطح، ومن يلمح طيفاً يتحرك حول البوابة الخارجية.. يفجر رأسه فوراً دون انتظار أمر مني! أمينة!"
أسرعت المرأة المسنة بالظهور، وكان الشحوب يكسو وجهها. نظر إليها مراد وقال ببرود حازم:
"خذي ليلى إلى القبو المحصن تحت الأرض. احرصي على ألا تغادر مكانها، وأن تظل تحت حراسة مشددة من خيرة رجالي."
"لا!" صرختُ، وأمسكتُ بقميصه الأسود بقبضتين مرتعشتين، متشبثة به بكل ما أوتيت من قوة، "لن أذهب إلى أي قبو مظلم وأتركك هنا تواجه الموت وحدهم! إذا كنتُ سبب هذه المعركة، فأريد أن أكون بجانبك."
توقف مراد، وتأمل قبضة يديّ المتشبثتين بقميصه، ثم رفع عينيه لينظر إلى وجهي. رأيت في عينيه بريقاً غامضاً، مزيجاً من الإعجاب الطاغي والشغف العنيف؛ فعنادي وخوفي عليه في هذه اللحظة بالذات أشعلا غريزة التملك لديه بشكل جنوني.
انحنى بقامته الفارهة حتى أصبحت شفتيه تلامسان جبهتي، وطبع عليها قبلة دافئة وطويلة، ثم هبط بوجهه ليهمس بجانب أذني مباشرة، لتلفح أنفاسه الحارة شحمة أذني وعنقي:
"شجاعتكِ هذه تزيدني جنوناً بكِ يا قطتي.. لكن مكاني الآن هو ساحة المعركة، ومكانكِ هو الحصن لتكوني آمنة. خوفكِ عليّ هو أكبر دافع لي لأعود إليكِ حياً وساماً. اذهبي الآن، وأعدكِ أن لهيب غيرتي لن يهدأ حتى أطهر هذا العالم من كل من يجرؤ على تهديدكِ."
أطلق سراحي بلطف طاغٍ، وأشار لأمينة التي أخذت بيدي وسحبتني نحو الممر المؤدي إلى القبو. التفتُّ لألقي نظرة أخيرة عليه قبل أن أختفي في عتمة الممر؛ كان قد سحب مسدسه الفضي اللامع من تحت حزام بنطاله، وعدّل ياقة قميصه الأسود بكبرياء ملوك يستعدون لخوض معركة فاصلة.
نزلنا درجات حجرية ضيقة حتى وصلنا إلى غرفة محصنة تحت الأرض، جدرانها من الخرسانة المسلحة وتضم شاشات مراقبة تعرض كل أنش في القصر والحدائق الخارجية. جلستُ على مقعد جلدي صغير، وعيناي معلقتان بالشاشات، وقلبي يدق كطبول القيامة.
وفجأة.. دوت الصرخة الأولى للمعارك عبر الشاشات.
بدأت سيارات عثمان بمحاولة اقتحام البوابة الحديدية الضخمة، ليرد عليهم رجال مراد بوابل من الرصاص المتفجر. كان المشهد مرعباً، صراعاً شرساً ودامياً يشق سكون النهار. رأيتُ مراد عبر إحدى الشاشات؛ كان يتحرك وسط الرصاص بثقة مطلقة وبرود لا مثيل له، يطلق النار بدقة قناص محترف، وهالته الطاغية تفرض الرعب في قلوب أعدائه. كان يحارب كالنمر الحقيقي دفاعاً عن عرينه.. ودفاعاً عن أنثاه.
استمرت المعركة لنصف ساعة بدت كأنها دهر من العذاب. وفي اللحظة التي ظننتُ فيها أن رجال عثمان بدأوا بالتراجع، رأيتُ عبر الشاشة شاحنة ضخمة تخترق السور الجانبي للحديقة الخلفية القريبة من القبو، وينزل منها رجال مسلحون يتجهون مباشرة نحو مدخل القبو المالي!
شهقتُ برعب، وتراجعتُ إلى الخلف والذعر يشل أطرافي. لقد عرفوا مكاني، وجاءوا لانتزاعي من قبضته!
انقطع التيار الكهربائي فجأة داخل القبو، لتغرق الغرفة المحصنة في ظلام دامس، قبل أن تنار أضواء الطوارئ الحمراء الخافتة، ملقية بظلال مرعبة على الجدران الخرسانية. شاشات المراقبة التي كنتُ أتابع من خلالها المعركة انطفأت تماماً، ليحل محلها صوت دوي الرصاص المتفجر بالخارج، والذي بدأ يقترب من الممر المؤدي إلينا بشكل مرعب.
كان صوت خطوات ثقيلة وعشوائية يتردد عبر الدرج الحجري، تلاها صوت صراخ حراس مراد وهم يسقطون واحداً تلو الآخر في دفاعهم المستميت عن مدخل القبو. انكمشتُ في أبعد زاوية من الغرفة، واضعة يدي فوق فمي لأكتم صرخات ذعري، وجسدي يرتجف بعنف كعصفور حوصر في عاصفة ثلجية. دموعي انهمرت حارة على وجنتيّ، وفي تلك اللحظات التي بدا فيها الموت وشيكاً، لم أكن أفكر في الهروب أو الحرية.. كان عقلي وقلبي يصرخان باسم رجل واحد فقط: "مراد".
فجأة، تم تفجير الباب الحديدي للقبو بدوي هائل جعل الأرض تهتز تحت قدميّ. انقشع الغبار ليدخل ثلاثة رجال ضخام الجثة، يرتدون أقنعة سوداء ويحملون أسلحة أوتوماتيكية. جالت نظراتهم القاسية في أرجاء الغرفة حتى استقرت عليّ.
"ها هي القطة الفاتنة،" قال أحدهم بنبرة ساخرة وقذرة وهو يتقدم نحوي بخطوات سريعة، "مراد السيوفي خاطر بمملكته من أجل هذه العيون.. لنرى كيف سيستعيدها الآن."
مد يده الخشنة ليقبض على معصمي بقوة جعلتني أصرخ ألماً، وجذبني خلفه رغماً عني وسط محاولاتي المستميتة للمقاومة وضرب صدره بيبديّ الصغيرتين. صرختُ بأعلى صوتي:
"اتركني أيها الوغد! مراد سيقتلكم جميعاً.. لن تخرجوا من هنا أحياء!"
ضحكوا بسخرية وهم يسحبونني عبر الممر المظلم صعوداً نحو الحديقة الخلفية. وما إن وطأت قدمي أرض الحديقة، حتى هالني منظر الدمار؛ الأشجار المحترقة، جثث المهاجمين المتناثرة، ورائحة البارود التي تزكم الأنوف. كانت هناك سيارة دفع رباعي تنتظرهم ومحركها يزأر مستعداً للفرار.
لكن، قبل أن يقتربوا بالسيارة خطوة واحدة، انشق سكون المكان بصوت طلقة رصاص واحدة، مدوية وقاطعة كالقضاء.
اخترقت الرصاصة رأس الرجل الذي كان يمسك بمعصمي بدقة مرعبة، ليسقط جثة هامدة على العشب المبلل بالدماء. تراجعتُ إلى الخلف بشهقة رعب، بينما التفت الرجلان الآخران بذعر وهما يرفعان أسلحتهما.
من بين دخان المعركة والرماد المتطاير، ظهر هو.
كان مراد يتقدم بخطى واسعة، ملكية وشديدة الفتك. قميصه الأبيض صار ملوثاً بالدماء والغبار، وخصلات شعره السوداء مبعثرة على جبهته، وعيناه.. آه من عينيه، لم تعودا عيني صقر، بل تحولتا إلى جحيم مستعر من الغيرة الشرسة والغضب الأعمى. كان يمسك بمسدسه الفضي بيد ثابتة لا تعرف الارتجاف، وهالته الطاغية تجبر الكون بأسره على الانحناء.
"لقد تجرأتم على لمس ما يخصني،" دوى صوته الجهوري المبحوح بنبرة مرعبة جعلت فرائص الرجال ترتعد، "والعقاب على هذا الذنب.. هو الموت البطيء."
بلمحة عين، وبسرعة تفوق قدرة العقل البشري على الاستيعاب، أطلق مراد رصاصتين متتاليتين، لم تقتلا الرجلين، بل أصابتا ركبتيهما بدقة جعلتهما يسقطان على الأرض يصرخان عجزاً وألماً. تقدم مراد وفجر رأس أحدهما دون أن يرمش له جفن، ثم وقف فوق الرجل الأخير، وضغط بحذائه الجلدي الثقيل على جرح ركبته بقسوة مرعبة.
"أين عثمان؟" سأل مراد ببرود قاتل، وعضلات فكه تتحرك بعنف.
"في.. في المقر القديم عند أطراف المدينة،" صرخ الرجل متوسلاً الرحمة، "هو من أمرنا بجلب الفتاة لإذلالك.. أرجوك يا مراد بيه، اعفُ عني!"
لم يجبه مراد، بل وجه مسدسه نحو جبهة الرجل وأنهى حياته برصاصة أخيرة. ساد صمت مطبق في الحديقة، صمت مغلف بالرماد والدماء. التفت مراد بكامل جسده الطاغي نحوي. كان يتنفس بحدة، وصدره العريض يعلو ويهبط، وعيناه تجوبان جسدي بفحص جنوني مرعوب، باحثاً عن أي خدش أو أثر للأذى.
خطا نحوي وعقد حاجبيك بغيرة شرسة أحرقت ما تبقى من هدوئه. قبض على معصمي ذاته الذي لمسه الرجل قبل قليل، وجذبني إليه بعنف وشغف متناقضين ليرتطم جسدي بصدره الصلب الحار. أحاط خصري بذراعه الأخرى كأنه يحاول إدخالي بين ضلوعه لحمايتي من العالم بأسره.
"هل لمسكِ؟" سأل بنبرة منخفضة، حارقة ومحملة ببحّة الغيرة القاتلة، وهو يضغط على فكي برفق مجبراً إياي على النظر في عينيه، "أقسم بالله يا ليلى.. لو كان ذلك الكلب قد تجرأ على إيذائكِ، لكنتُ قطعتُ جسده إرباً وهو حي. أنتِ لي.. لا تلمسكِ يد، ولا تنظر إليكِ عين غير عيني!"
نظرتُ في عينيه المشتعلتين، ولم أعد أرى فيهما الطاغية أو رجل المافيا؛ رأيتُ رجلاً مجنوناً بالغيرة والتملك، رجلاً يحارب الموت والدنيا لأجلي. رفعتُ يديّ المرتعشتين دون وعي، وأحطتُ عنقه المتصلب، ودفنتُ وجهي في صدره العريض وأنا أجهش بالبكاء.
"أنا بخير.. أنا بخير يا مراد،" قُلتها بأنفاس متلاحقة وسط دموعي، "لقد كنتُ خائفة عليك.. خائفة ألا تعود إليّ."
تجمد جسده للحظة عندما شعر بضمّتي واعترافي الضمني بخوفي عليه. تلاشت قسوة عضلاته تدريجياً، وتحولت قبضته الشرسة إلى ضمة حانية، دافئة وعميقة للغاية. أدفن وجهه في خصلات شعري البني، واستنشق رائحتي بعمق كمن يستعيد روحه التي سُلبت منه.
"أنا هنا يا قطتي.. أنا هنا وستظلين في حمايتي دائماً،" همس بصوته الرخيم بجانب أذني، وتلمست شفتاه بشرة عنقي بعمق وشغف جعل كل إنش في جسدي ينتفض رغماً عني، "والآن.. انتهت معركة الدفاع، وبدأت معركة الانتقام. عثمان تجرأ على تهديد ملكتي.. وسأجعل اسمه أثراً بعد عين قبل أن ينتهي هذا الليل."
في تلك الثواني الرقمية المتسارعة التي أعقبت وعيد مبعوثة مجلس الملوك، تحول القبو البازلتي إلى ساحة لحرب نفسية طحنت باطن وعي مراد السيوفي. كان العداد البيومتري الفضي يلتهم ذرات الوقت بقسوة هندسية لا ترحم، معلنًا بقاء خمس دقائق رقمية فقط قبل الفناء البيولوجي الشامل. نظر مراد إلى يوسف، شقيقه العائد من غياهب الموت، والذي بات اللحظة يحمل في خلايا دمه فيروسًا مشفرًا بيولوجيًا كفيلًا بإنهاء سلالة آل السيوفي برمتها، ثم التفت نحو مبعوثة روما التي توجه فوهة سلاح البلازما نحو عنق ليلى.شعر بمرارة بركانية كادت تقتلع صمام أمان ثباته العسكري. الخيار الذي طرحته روما لم يكن سوى انحناء تكتيكي كامل لطاغية صاغ الخديعة من رحم حصونهم، إما أن يقتل شقيقه بيده، أو يرى ملكته الفاتنة تتناثر كرماد مالح. لكن النمر لا يتفاوض تحت وطأة الوعيد، وعقيدة حكمه المشترك لا تقبل السقوط.وعلى الجانب الآخر، كانت ليلى تقف بجسدها الرقيق الملتف بالفستان المخملي الأسود الطويل، وشعرها الأسود الغجري يتطاير بفعل العصف الهيدروليكي للبوابات. انشطر باطن روحها إلى نصفين؛ كبرياء آل الجارحي الذي تلطخ بخيانة أبيها أدهم، وولاؤها ا
لم يكن الصمت الذي أعقب انقطاع البث الفيدرالي الفضي مجرد غياب للصوت، بل كان هبوطًا مروعًا لبرزخ أسود استقر في جوف القبو البازلتي، وكأن جدران القصر القديم قد أطبقت فكيها على الأنفاس برمتها. تحولت الأنظمة الإلكترونية الشاملة إلى جثث تكنولوجية هامدة، وانطفأت الأضواء الزرقاء الفيدرالية لتفسح المجال لعتمة مطلقة، عتمة لا يكسر ضراوتها سوى الوميض الأحمر الشاحب المنبعث من بطاريات الطوارئ الهيدروليكية، والذي كان ينعكس على الوجوه كدماء طازجة سالت لتوها في ساحة إعدام مجهولة.في تلك الظلمة المطبقة، كان الصراع النفسي يطحن باطن وعي مراد السيوفي كرحى عملاقة من الفولاذ. شعر بالنمر الرابض في أعماقه يتلوى غيظًا وكمدًا؛ فالانتصار التكتيكي الساحق الذي حققه لتوّه على أدهم الجارحي تبخر في ذرات ثانية رقمية واحدة، ليتحول إلى مجرد فخ طفولي صاغته أيدي "مجلس الملوك" في روما. كانت الخديعة أكبر من عقيدته العسكرية الفيدرالية، وأعمق من شفراته الاستخباراتية الشاملة. نظر في الظلام نحو شقيقه يوسف، المستند بجسده الواهن إلى حافة المنصة البازلتية، وشعر بمرارة لاذعة تملأ حلقه؛ أيكون شقيقه العائد من غياهب الموت مجرد حص
انغلقت البوابات الحديدية المؤتمتة ذات الوجوه المصفحة بأزيز هيدروليكي صاعق، ليعزل القبو البازلتي السفلي لقصر العاصمة القديمة عن الكون برمتها. تحول الهواء في ذرات الثواني الرقمية العشر الأخيرة إلى حطب يابس يشعل غيظ مراد السيوفي البركاني. كان صوت صفارات الإنذار الحمراء يعوي في فراغ القاعة كذئب جريح، بينما تراقصت الأرقام المضيئة على شاشة العد التنازلي التلقائي بجنون هستيري: 00:09... 00:08... 00:07... كل جزء من الثانية كان يلتهم فرصة النجاة ويقرب جسد يوسف السيوفي القابع في الأسر من التناثر كرماد مالح. تجمد مراد السيوفي في موضعه بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، ولم تكن الصدمة لتزلزل توازنه التكتيكي العسكري، بل أشعلت في عينيه الصقريتين الحادتين نيرانا من الجحيم الخالص. التفتت عيناه من القفص الرقمي الذي يضم شقيقه العائد من غياهب الموت، لتستقر اللحظة على وجه أدهم الجارحي؛ الرجل الذي كان حتى هذه الثانية يمثل صمام الأمان الاستراتيجي لعقيدة حكمهما المشترك. كان الصراع النفسي يطحن باطن روحه الشرسة؛ كيف تحول حليفه الأكبر ووالد ملكته الفاتنة إلى أليكساندر، الجلاد الفعلي وصياد المل
لم تكن دقات الساعة الميكانيكية المنبعثة من شاشات الاختراق الكبرى مجرد عد تنازلي للزمن، بل كانت بمثابة معزوفة جنائزية تعلن ذوبان الحدود الفاصلة بين الحياة والفناء. تحولت جدران الحصن الجبلي في سيناء إلى سجن من الغرانيت والضوء الأحمر الخالص، بينما كان أزيز الطائرات المسيرة بالخارج يطوق الأجواء كأسراب من الطيور الكاسرة المستعدة لتمزيق جسد الجبل. وقف مراد السيوفي بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، وعيناه الصقريتان تحدقان في شاشة الرصد بغليان بركاني صامت، بينما تيبست أصابعه الكبيرة الساخنة فوق خصر ليلى، محكما قبضة التملك الشرس التي تعبر عن ذروة صراعه النفسي الطاحن. في تلك اللحظة الرقمية الحرجة، كان عقل مراد يدور في حلقة مفرغة من النار والبارود. شقيقه يوسف، القطعة المفقودة من تاريخه المعمد بالدم، يقع الآن تحت رحمة جلاد روما الفعلي، ونبضات قلبه مرتبطة بشفرة تفجير ستحول العاصمة القديمة إلى رماد مالح. والشرط؟ أن يسلم ليلى، ملكته الفاتنة وملاذه الأنثوي الأوحد، كصك تنازل أبدي عن كبريائه وهيبته الدولية. كان الصراع النفسي يمزق نياط قلبه الشرس؛ هل يضحي بنصف روحه وشقيقه العائد من مقا
انقطع البث الرقمي المباغت تاركا جمرات الغضب تتطاير من عيني مراد السيوفي، ليعود الجناح الجبلي المحصن في عمق سيناء إلى عتمته النسبية، إلا من ومضات خافتة زرقاء انبعثت من شاشات التحكم الفيدرالية. تداخل صوت صفير الرياح الصحراوية الجافة بالخارج مع صدى كلمات أليكساندر الصقيعية التي لا تزال تتردد في الفراغ كقذائف فكرية موجهة لتدمير ثبات المنظومة. تجمد جسد مراد الفاره في موضعه كتمثال من الغرانيت الصلد، وعضلات صدره العريض تعلو وتهبط بعنفوان مرعب، بينما استقرت يده الفولاذية محكمة الحصار حول خصر ليلى الضيق بقوة تملكية تكاد تقترب من الشراسة الواهنة. في تلك الثواني الرقمية الحرجة، كان الصراع النفسي يطحن وعي مراد طحنا. فكرة أن شقيقه يوسف، قطعة من روحه المفقودة ودمائه المعراة تحت ركام الماضي، يتنفس الآن داخل زنزانة رقمية تحت ركام قصر العاصمة القديم، جعلت دماء السيوفي تغلي في عروقه بوعيد حارق. شعر للحظة بضآلة كل معاركه التكتيكية السابقة أمام هذا الاختراق الوجودي؛ إذ تحول من صياد للملوك إلى هدف تتحكم في مصيره ساعة عد تنازلي يملك مفتاحها جلاد روما الفعلي. تلاطمت الأفكار في عقله كأمواج
لم تكن شمس سيناء تشرق كبقية العواصم، بل كانت تنبثق من خلف الهضاب الحجرية العاتية ككتلة من الذهب المستعر، لتلقي بظلالها القاسية فوق الرمال الممتدة التي شهدت على مر العقود دفن أسرار الملوك والجبابرة. وفي قلب ذلك المدى الموحش، وعلى قمة رصيف مروحيات سري مصفح ومحفور بدقة تكتيكية في بطن الجبل، استقرت المروحية العسكرية السوداء لآل السيوفي، مخلفة وراءها عاصفة من الغبار والرمال الحارقة التي تلاشت تدريجياً أمام وقار المشهد الحاسم.هبط مراد السيوفي من جوف الطائرة بكامل طوله الفاره وعرض منكبيه الشامخين، مرتدياً سُترته الجلدية السوداء الطويلة التي تحركت أطرافها بعنفوان مع نسمات الفجر الجافة. كانت عيناه الصقريتان الحادتان تقرأان تضاريس الصحراء بغليان خالص؛ فكل ذرة رمل هنا تذكره بجراحه المعراة القديمة، وبدمائه التي سُفكت قبل سنوات في حروب العاصمة القذرة. لم يكن صراعه النفسي داخله هذه المرة مجرد غيظ بركاني عابر، بل كان زلزالاً يضرب عقيدته العسكرية والتكتيكية؛ شقيقه يوسف، الذي ظن لعقود أنه صار رماداً مالحاً، قد يكون محتجزاً في هذه البقعة الجغرافية اللعينة كشفرة مساومة دولية يصوغها أليكساندر من م
لم يكن هدير أمواج البحر في ميناء العاصمة كافياً ليغطي على زئير الشك والوجل الذي كان يعصف بصدر مراد السيوفي. كان واقفاً وسط رجاله، والملفات والصفقات تتطاير أمامه دون أن تسترعي انتباهه؛ فعقله وقلبه كانا هناك، في ذلك الجناح الرئيسي حيث ترك قطته الفاتنة بفستانها الشيفون الأبيض وعطرها المخدر.و
لم يكن من السهل على زعيم مافيا يحيط به الأعداء من كل حدب وصوب أن ينام ملء جفنيه، خاصة بعد أن امتدت أصابع المؤامرة لتطال الأنثى التي سحرت عقله. غادر مراد الجناح مع بزوغ الشمس تاركاً خلفه أمراً عسكرياً مشدداً بحراستي، ومغلفاً مشحوناً بالشكوك والوعيد لطارق الجارحي.بقيتُ في الغرفة، أذرع الأرض
"أنا هنا يا قطتي.. أنا هنا وستظلين في حمايتي دائماً،" همس بصوته الرخيم بجانب أذني، وتلمست شفتاه بشرة عنقي بعمق وشغف جعل كل إنش في جسدي ينتفض رغماً عني، "والآن.. انتهت معركة الدفاع، وبدأت معركة الانتقام. عثمان تجرأ على تهديد ملكتي.. وسأجعل اسمه أثراً بعد عين قبل أن ينتهي هذا الليل."كانت ضم
لم أقو على الرفض؛ فقلبي الذي كان يكره جبروته منذ ساعات، أصبح ينبض بعنف لمشاعره الطاغية ووسامته القاتلة. أومأت برأسي بضعف، فابتسم ابتسامته الحانية الساحرة، وشبك أصابعه بأصابعه وسحبني خلفه ببطء نحو الشرفة المفتوحة، حيث كان ضوء القمر الفضي يغسل المكان، ممهداً للحظات رومانسية حارقة ستغير مجرى كل شيء بي







