Masukكانت يومًا فتاةً فقيرة، حطمتها الخيانة والإذلال حتى دفنت هويتها القديمة بيديها. ظن الجميع أنها ماتت... لكنهم لم يدركوا أن الذي مات هو ضعفها فقط. عادت باسمٍ جديد، وثروةٍ صنعتها في الظل، ووجهٍ بريء لا يوحي إلا بالهدوء. الجميع يراها امرأة ضعيفة تستحق الشفقة... بينما لا يعلم أحد أن خلف تلك النظرات البريئة تختبئ امرأة لا تؤمن بالعدالة، بل بانتقامٍ خططت له لسنوات. لكن خطتها تتعقد عندما يعترض طريقها لورينزو، الرجل الذي يخشاه الجميع ويُلقب بملك الجحيم. يظن أنه أمام امرأة سهلة الكسر، بينما لا يعلم أنه أصبح مجرد قطعة في لعبة تتقنها أكثر منه. لعبة تتقن فيها الكذب، وإخفاء الحقيقة، والتلاعب بالمشاعر... حتى بقلبه هو. في عالمٍ تُشترى فيه السلطة بالدم، وتُباع فيه الثقة بثمنٍ بخس، يصبح الحب أخطر سلاح، والخيانة أول خطوة نحو السقوط. وحين يكتشف لورينزو أن المرأة التي أحبها لم تكن يومًا ضحية... بل الشيطان الذي كان يحرك الجميع من خلف الستار، سيكون الأوان قد فات. فحين تبتسم الشياطين... لا ينجو أحد.
Lihat lebih banyakالفصل الأول
*الزفاف الأخير * "قبل ست سنوات " لم تكن ميلانو تستيقظ على صخب السيارات الصحفية بقدر ما كانت أثينا تُحاول استيعاب الثقل المتزايد في صدرها. كان الصباح يحمل برودة ربيعية خفيفة تتسلل عبر ستائر الدانتيل المنسدلة في غرفتها الشاسعة بقصر آل موريتي. أمام المرآة الكبيرة ذات الإطار الذهبي العتيق، ارتدت أثينا رداءها الحريري الأبيض، وبقت تحدق في صورتها بصمت. انسدل شعرها الأسود الطويل الفاحم، كأنه قُدّ من سواد الليل، ليتجاوز خصرها بنعومة ويعكس تبايناً صارخاً مع بشرتها العاجية. لكن أكثر ما كان يلفت الانتباه ويجبر أي شخص على التوقف لم يكن الجمال الرقيق في ملامحها، بل عيناها. إحداهما كانت زرقاء صافية كالسماء فوق بقعة جليدية، والأخرى خضراء زمردية بعمق أوراق الأشجار بعد المطر. حالة جينية نادرة رافقتها منذ لحظة ولادتها، تجعل الأطباء يتأملونها بدهشة، والصحافة تصفها بأجمل وريثة في إيطاليا، بينما كان والدها الراحل يربد على رأسها بحنان ويقول دائماً: "أنتِ معجزتي الصغيرة يا أثينا." لكن تلك الكلمات الحنونة نفسها كانت المشرط الدقيق الذي شقّ قلب أختها التوأم أورورا، وزرع في أعماقها بذور كراهية نمت مع السنين دون أن يلاحظها أحد. "لو كان والدك السيد أليساندرو هنا اليوم..." صفق باب الغرفة بخفة، ودخلت المربية ماريا وهي تحمل صندوقاً مخملياً صغيراً، وتمسح دموعاً تأثرت بها عينان تجعدتا مع الزمن. اقتربت من أثينا وفتحت الصندوق بحرص لترفع منه قلادة مرصعة بالزمرد والألماس. "أوصت والدتك قبل رحيلها أن ترتدي هذه القلادة تحديداً في يوم زفافكِ. كانت تقسم أنها سترافقكِ بها إلى المذبح بنفسها." لمست أثينا القلادة برفق، وانعكست في عينيها طيوف حزن قديم. فقدت والدتها وهي في الخامسة عشرة، ثم لحق بها والدها بعد سنوات قليلة، لتجد نفسها صبية يقع على عاتقها حمل إمبراطورية موريتي التجارية بأكملها. ابتسمت أثينا لماريا ابتسامة هادئة وهي تدعها تربط القلادة حول عنقها: "أتمنى لو كانا هنا بالفعل يا ماريا..." على الجانب الآخر من الممر الفاخر، وفي الغرفة المقابلة تماماً، كانت أورورا تقف أمام مرآتها الخاصة. لو رآهما شخص غريب من الخلف، لما استطاع التفريق بين الأختين التوأمين؛ الشعر الطويل الفاحم كسواد الليل ذاته، الطول القوام ذاته، والملامح الرقيقة عينها. لكن أورورا عندما تنظر في المرآة، لم تكن ترى سوى عينيها البنيتين العاديتين. كم كرهت تلك العبارة التي كانت تسمعها منذ طفولتها المبكرة في كل حفلة ومناسبة اجتماعية: "آه.. أنتِ أورورا؟ عرفتكِ لأن أثينا هي صاحبة العينين المختلفتين!" تحولت تلك العبارة البسيطة مع السنوات إلى شوكة مسمومة تغرس في صدرها. كرهت كيف كان الجميع يلتفت أولاً لنحو أثينا، وكيف كان والدها يفضل أثينا دون أن يقصد، وكيف أصبحت هي مجرد "ظل" للوريثة المميزة. سحبها من أفكارها المظلمة رنين هاتفها. ظهر اسم واحد على الشاشة: داميانو. رفعت الهاتف إلى أذنها، وجاءها صوته عبر الخط هادئاً، خاوياً من أي مشاعر عاطفية: "هل كل شيء جاهز لديكِ؟" همست أورورا وهي تنظر من النافذة إلى حديقة القصر حيث يُعد زفاف أختها: "لا تقلق. بعد ساعات قليلة.. ستنتهي كل هذه المسرحية الطويلة، وسآخذ كل ما أستحقه." في الوقت نفسه، في الجهة الأخرى من ميلانو، توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام البرج الرئيسي لمجموعة شركات "دي سانتيس". ترجل منها لورينزو دي سانتيس، ببدلته السوداء ذات التفصيل الدقيق، وهيبته الطاغية التي تجبر جميع الموظفين في البهو على الوقوف فوراً وإبداء الاحترام. لم يكن لورينزو بحاجة لإصدار الأوامر أو رفع صوته؛ مجرد حضوره كان كافياً لتخيم الهيبة والصمت على المكان. دخل المصعد التنفيذي الخاص. وقبل أن تُغلق الأبواب الحديدية، امتدت يد لتمنعها. دخل ابن أخيه الشاب داميانو دي سانتيس، يبتسم ابتسامة مستفزة وهو يعدل ربطة عنقه الحريرية. "صباح الخير... عمي،" قالها داميانو بنبرة ساخرة. رفع لورينزو عينيه الباردتين، وكانت نظرته قاسية لدرجة أن الابتسامة على وجه داميانو اهتزت للحظة. "كم مرة قلت لك ألا تناديني بهذا اللقب داخل مقر الشركة؟" ضحك داميانو بخفة، محاولاً إخفاء توتره من لورينزو: "لكنها الحقيقة. ألن تأتي إلى زفافي اليوم؟ كل الصحافة تتطلع لرؤيتك هناك." أجابه لورينزو وهو يطالع تقريراً مالياً على هاتفه دون أن يلتفت إليه: "لدي اجتماع مجلس إدارة مهم. والعمل لا ينتظر الحفلات." "كما توقعت تماماً،" قالها داميانو وهو يخرج من المصعد حين توقف عند طابقه، مضيفاً بصوت خافت وهو يصفر بنشاز: "ستندم على تفويت هذا اليوم يا عمي." بقي لورينزو يراقب انعكاس داميانو في زجاج المصعد المغلق. كان يشعر بعمق حسه الأمني والتجاري أن ابن أخيه يحيك أمراً مريباً، وأن طموحه المريض يدفعه نحو اتخاذ خطوات خطيرة، لكنه لم يتخيل أبداً أن اسم داميانو سيشعل بعد ساعات بداية كابوس يُغير تاريخ العائلتين للأبد. تشابكت أصابع أثينا مع أصابع داميانو عندما التقيا عند أعلى الدرج الرخامي بالقصر. كانت أثينا ترتدي فستانها الأبيض المطرز بخيوط فضية ينسدل بنعومة ساحرة، وكانت نظرات الحب الصادق تلمع في عينيها المختلفتين. لكن قبيل الخروج نحو سيارة الزفاف والمواكب الصحفية المتجمهرة في الخارج، توقفت أثينا فجأة. وضعت يدها على قفصها الصدري، وشعرت بانقباضة حادة ودقات قلب مضطربة لم تجد لها تفسيراً. "ما الأمر يا أثينا؟" سألها داميانو وهو ينظر إليها. هزت أثينا رأسها ببطء وهي تتنفس بكهربة: "لا أعرف يا داميانو... لدي شعور غريب وحاد بالخوف. كأن ثقلاً يضغط على صدري، وكأن الهواء يهمس لي ألا أخطو هذه الخطوة." ابتسم داميانو برعاية زائفة، وشدّ على يدها بقلب بارد: "إنه مجرد توتر طبيعي يصيب أي عروس قبل الزفاف، لا تقلقي. ثقي بي." أومأت أثينا وهي تحاول تصديق كلماته الدافئة، دون أن تعلم أن ثقتها هذه كانت أولى خطواتها الرسمية نحو السقوط في الهاوية. في هذه الأثناء، تسللت أورورا إلى غرفتها، وأغلقت الباب بالمفتاح. أخرجت من حقيبتها علبة صغيرة، وفتحتها لتكشف عن زوج من العدسات اللاصقة الملونة: إحداهما زرقاء كالثلج، والأخرى خضراء كالزمرد. رفعتها أمام عينيها، وابتسمت ابتسامة باردة أرعبت انعكاسها في المرآة: "من اليوم... لن يتذكر هذا العالم العاهر سوى امرأة واحدة اسمُها أثينا."الفصل الثاني والستون: أَقْنِعَةٌ فِي العَاصِمَةِ الزُّجَاجِيَّة تستقر باريس تحت غطاءٍ من المطر الخفيف المنسكب على شوارعها العتيقة، بينما تضيء كشافات برج إيفل الأفق بضوءٍ ذي بؤرة خافتة تحاكي غموض الليلة. في حي "سان جيرمان" الفاره، يقبع قصر "باليه دي روز"، الحصن الأريستقراطي الشاهق الذي يستضيف هذا المساء الحفل الخيري السنوي لجمعية "الفنون البحرية". غير أن هذا العنوان البراق ليس سوى واجهة كلاسيكية تخفي خلف أسوارها الاجتماع السري الأضخم لكبار تجار السلاح، والممولين الدوليين، ورؤساء كارتيلات حلف "السينديكات الأوروبي"، بدعوة خاصة ومشددة الحراسة من الدون فيكتور كالسيرا نفسه. خارج البوابة الحديدية الضخمة للقصر، كانت سيارات الـ "رولز رويس" والـ "مايباخ" السوداء تتوقف تباعاً، ويتدفّق منها كبار الشخصيات بملابسهم السهرة الفاخرة وسط حراسة أمنية مشددة، حيث يخضع الجميع لمسح بيومتري وتفتيش إلكتروني بدقة عالية جداً. داخل سيارة "بنتلي" ذات زجاج داكن متوقف على بعد أربعمائة متر في زاوية الشارع المظلمة، كان الجو مفعماً بالهدوء التكتيكي الحذر. جلست أثينا أمام المرآة الداخلية للسيارة وهي تضع اللمسات ال
الفصل الحادي والستون: صَدَمَةٌ فِي نِيس وَرَايَاتُ الحَرْب في أعالي تلال مدينة "نيس" الفرنسية، حيث تطل الجبال الخضراء على مياه البحر الأبيض المتوسط الدافئة، كان قصر "شاتو دي لوميير" يقبع كحصنٍ منيع يفيض بالفخامة والأريستقراطية الباردة. تحيط بالقصر حدائق غناء ممتدة، وتماثيل رخامية كلاسيكية شُيدت على الطراز الفرنسي القديم، تعطي الزائر إيحاءً بوابلي أنه أمام معلمٍ تاريخي، بينما في الحقيقة هو المقر الرئيسي المصفح والسرّي لـ "الدون فيكتور كالسيرا"؛ المأوى الشيطاني الذي تُدار منه عمليات حلف "السينديكات الأوروبي". داخل جناح المكتب المصفح، والمكسو بأفخر أنواع الخشب النادر مع شاشات مراقبة سرية وستائر مخملية ثقيلة، كان الدون فيكتور يجلس خلف مكتبه الأبنوسي الشاهق. كان يرتدي بدلة إيطالية رمادية فاخرة، ويفرد يديه المكسوتين بالخواتم الذهبية النادرة، يرتشف نبيذه المعتّق بلذة ويتابع بابتسامة ثعلبية الشاشات الرقمية التي تعرض خطوط الملاحة البحرية. كان يتوقع في أية لحظة أن يستقبل اتصالاً مشفراً من ذراعه الأيمن وشريكه الميداني "ماركوس"، ليزفّ إليه خبر الخضوع الكامل لميناء "جنوة"، وتجميد أصول أثينا ولو
الفصل ستون: رَسَائِلُ الدَّمِ فِي مِيناءِ "جَنُوة" كانت الخريطة الرقمية الثلاثية الأبعاد تتوهج باللون الأزرق الخافت وسط العتمة النسبيّة للقاعة الرئاسية، بينما كانت أثينا تقف طريحة الصمت أمام الشاشة الكبرى، تعيد قراءة التقارير الواردة من جهاز الاستخبارات التابع لآل دي سانتيس. اقترب لورينزو بخطوات متزنة، يضع يديه في جيبي بنطاله الداكن، وقف بجانبها ينظر إلى ذات الملفات المفتوحة. أمالت أثينا رأسها نحو الشاشة، وبنبرة تملؤها التساؤلات التكتيكية، قالت: "فيكتور... أريد أن أفهم طبيعة هذا الرجل وكيف تداخلت خيوطه مع داميانو في الخفاء دون أن ينكشف أمرهما طوال تلك السنوات؟" شخصت عين لورينزو ببرود حاد، وثبت نظرته على ملف "الدون فيكتور كالسيرا"، قبل أن يبدأ بالشرح بتفصيل دقيق وافٍ: "فيكتور ليس مجرد تاجر سلاح عادي يا أثينا... إنه يتزعم 'السينديكات الأوروبي'، وهو حلف مظلم يتألف من أعتى أسر الجريمة المنظمة وتجار الموانئ في جنوب فرنسا، ومارسيليا، وشواطئ إسبانيا. طوال سنوات حكم والدكِ، كان فيكتور يبحث عن موطئ قدم في إيطاليا لمضاعفة أرباحه وتمرير شحنات السلاح الثقيل والأجهزة المحظورة عبر الموانئ الشم
الفصل التاسع والخمسون:ظِلالٌ عَبْرَ الحُدُودِ وَحَلَفُ الـ "سِنْدِيكَات" كان هدوء القلعة المتموضعة في أعالي جبال الشمال يماثل الهدوء الذي يسبق العواصف العاتية. الثلج يتساقط بكثافة وراء الزجاج الضخم للقاعة الرئاسية لآل دي سانتيس، ليكسوا جبال الألب برداء أبيض ناصع، بينما كان الداخل يعج بحرارة الحسابات التكتيكية والتحركات الاستخباراتية الشرسة. على الطاولة الأبنوسية العملاقة الممتدة في منتصف القاعة، أضاءت الشاشات الرقمية المتموضعة في الجدران بخطوط تشفير خضراء وحمراء. كانت الخرائط التفاعلية للحدود الإيطالية الفرنسية تعرض مسارات الشحن المائي والبري، إلى جانب التدفقات المالية المشبوهة التي بدأت تتعرض لتجميد وتحويلات مفاجئة عبر بنوك جنيف وزيورخ. كانت أثينا تقف عند النافذة، يلتف ثوبها المخملي الأسود حول جسدها كزيّ ملكي يفيض بالقوة والأريستقراطية. كانت تمسك بين أطراف أصابعها بكأس زجاجي يحتوي على القليل من النبيذ المعتّق، وتراقب انعكاس عينيها الرماديتين القاتلتين على الزجاج. لم تعد هناك مساحة للخوف في قلبها؛ فكل قطرة ألم عاشتها كـ "إيلينا" تحولت الآن إلى درع صلابة يكسر كل من يحاول المساس بإمب






Ulasan-ulasanLebih banyak