Masukلم يكن هدير أمواج البحر في ميناء العاصمة كافياً ليغطي على زئير الشك والوجل الذي كان يعصف بصدر مراد السيوفي. كان واقفاً وسط رجاله، والملفات والصفقات تتطاير أمامه دون أن تسترعي انتباهه؛ فعقله وقلبه كانا هناك، في ذلك الجناح الرئيسي حيث ترك قطته الفاتنة بفستانها الشيفون الأبيض وعطرها المخدر.
وفجأة، رن هاتفه الشخصي بنغمة مخصصة لسليم فقط.
أجاب مراد في لمحة عين، وقبل أن ينطق بكلمة، جاءه صوت سليم مرتجفاً، أنفاسه متلاحقة وينازع الموت:
"مراد بيه.. لقد خُدعنا.. الاجتماع في الميناء كان فخاً لإبعادك عن القصر.. طارق الجارحي وكارما.. لقد اخترقوا الحديقة الغربية.. ليلى.. ليلى ليست في الجناح.. لقد اختطفوها!"
انقبضت عضلات وجه مراد بشكل مرعب، وتحولت ملامحه الوسيمة الشرسة إلى ملامح شيطان خرج للتو من الجحيم. ساد صمت قاتل ومخيف في الميناء، تجمدت له دماء الحراس من حوله. ضغط على الهاتف بقوة جعلت هيكله المعدني يتشقق بين أصابعه، وصاح بصوت جهوري مرعب زلزل أركان المكان، صوت حمل بحّة الغيرة العمياء والتملك الشرس الذي تحول إلى رغبة عارمة في الإبادة:
"سليم! أقسم بدم عائلتي.. لو حدث لها خدش واحد، سأبيد العاصمة عن بكرة أبيها! جهزوا السيارات الثقيلة! أريد كل رجل يحمل سلاحاً في مملكتي أن يتحرك الآن.. الحرب الشاملة قد بدأت!"
ألقى بالهاتف في البحر، وركض نحو سيارته المصفحة بخطى واثقة وقاتلة، وعيناه تشعان بشرر مستطير. في تلك اللحظة، لم يكن مراد زعيم مافيا يدافع عن نفوذه، بل كان نمراً كاسراً سُلبت منه أنثاه، وغريزة التملك لديه تحولت إلى طاقة تدميرية لا يمكن لأي قوة في الأرض أن تقف في وجهها.
في هذه الأثناء، استعدتُ وعيي ببطء لأجد نفسي مقيدة بسلاسل حديدية ثقيلة إلى مقعد خشبي في وسط مستودع مهجور على أطراف المدينة. كان المكان مظلماً، تفوح منه رائحة العفن والبارود، وتضاء فيه لمبة واحدة باهتة معلقة بسلك من السقف، ملقية بظلال مرعبة على وجهي الشاحب. كان فستاني الأبيض متسخاً وممزقاً عند الأطراف، وشعري البني منسدلاً بفوضوية يغطيه الغبار.
"أخيراً استيقظتِ يا قطة النمر الفاتنة،" انطلق الصوت الأجش لطارق الجارحي من بين الظلال.
خطا نحو الضوء، ممسكاً بسوطه الجلدي، وبجانبه كانت تقف كارما الدمنهوري، وعيناها الرماديتان تلمعان بحقد أعمى وغير طاغية وهي تتأمل قيودي.
"انظر إليها يا طارق،" قالت كارما بنبرة مسمومة وهي تتقدم مني وتتحسس فستاني الأبيض بقسوة، "تبدو كملاك ساقط. مراد سيأتي إلى هنا، وعندما يرى ضعفها وانكسارها، سيركع تحت أقدامنا."
رفعتُ رأسي بصعوبة، ورغم الألم الذي يعتصر معصميّ بسبب السلاسل، إلا أن نظرات مراد الشجاعة والشرسة كانت قد انطبعت في روحي. نظرتُ في عيني كارما وقُلت بصوت متهدج لكنه حازم:
"مراد لن يركع لأحد.. مراد سيأتي ليحرقكم جميعاً. أنتم لا تعرفون جنون تملكه وغليان غيرته.. لقد فتحتم أبواب الجحيم على أنفسكم!"
ما إن نطقتُ باسمه، حتى استشاطت كارما غضباً، ورفعت يدها لتصفعني على وجهي صفعة قوية دوت في أرجاء المستودع، جعلت شفتي تنزف دماً قرمزيّاً دافئاً.
"إياكِ أن تنطقي باسمه على لسانكِ القذر!" صرخت كارما بغيرة جنونية، "هو لي.. وكان سيبقى لي لولا دخولكِ الطائش إلى حياته!"
ضحك طارق الجارحي بخبث، ورفع سلاحه الأوتوماتيكي وقال: "لقد أرسلتُ له الإحداثيات.. والعد التنازلي لموته وموتكِ قد بدأ."
ولم يكد ينهي جملته، حتى اهتزت الأرض تحت أقدامنا بدوي انفجار هائل حطّم البوابة الحديدية الضخمة للمستودع بالكامل! تناثرت الشظايا والغبار في الهواء، وتحولت الأجواء إلى ساحة معركة مشحونة بالأدرينالين والنيران.
من بين الدخان الكثيف، ومن وسط وابل الرصاص الذي بدأ ينهمر كالمطر، اندفعت ثلاث سيارات مصفحة سوداء لتقتحم المكان بقوة مرعبة. وترجل من السيارة الوسطى بخطى ثابتة، فتاكة، ولا تعرف الرحمة.. هو.
كان مراد يقف بكامل طوله وعرض منكبيه، يمسك بمدفع رشاش ثقيل بيده اليمنى، ومسدسه الفضي باليد الأخرى. قميصه الأسود كان مفتوحاً، وعضلات صدره تتحرك بحدة مع أنفاسه المتلاحقة، وعيناه.. عيناه كانتا تحترقان بنيران غيرة شرسة وتملك مطلق أعمى بصيرته عن كل شيء باستثناء جسدي المقيد.
"طارق! كارما!" دوي صوته الجهوري المبحوح كأنه رعد القيامة ليملأ المستودع رعباً، "لقد كتبتم نهايتكم بأيديكم!"
بدأ مراد بإطلاق النار بجنون وبدقة مرعبة، يسحق رجال طارق واحداً تلو الآخر كالنمل. كان يتحرك وسط الرصاص ببراعة وحش كاسر يدافع عن شرفه وأنثاه. رأيتُ الدماء تتناثر، وسمعتُ صرخات الموت تحيط بي، لكن عيني لم تفارق طيفه الطاغي.
انهمر الرصاص بغزارة، وفي وسط العاصفة، ركض مراد نحوي غافلاً عن كل المخاطر. أطلق النار على السلاسل الحديدية التي تقيدني لتتحطم برصاصة واحدة دقيقة، وجذبني إليه بعنف وشغف عارم، ليرتطم جسدي بصدره الحار والصلب. أحاط خصري بذراعه الضخمة، ورفع وجهي الملطخ بالدموع والدماء ليتأمل شفتي النازفة.
عندما رأى أثر صفعة كارما على وجهي، انطلقت من حنجرته صرخة غضب وحشية هزت جدران المستودع. ضغط على فكي برفق طاغٍ، وتغلغلت عيناه الصقريتان في عينيّ بنبرة مفعمة ببحّة الغيرة القاتلة والتملك الذي لا يرحم:
"من فعل هذا بكِ؟! أقسم بجلال الله.. من تجرأ على لمس وجهكِ الفاتن، سأنتزع روحه بيديّ هاتين ببطء لم يشهده بشر من قبل! أنتِ ملكي يا ليلى.. دمي ولحمي، ولن يخرج أحد من هذا الوكر حياً بعد أن أبكاكِ!"
أحكم ضمتي إليه برومانسية مظلمة وشرسة وسط وابل الرصاص المتبادل، مستعداً لخوض آخر فصول الانتقام وسحق تحالف الأفاعي في ليلة امتزج فيها لهيب العشق بنيران الحرب.
كان المستودع يشتعل من حولنا، والنيران تلتهم الأركان الخشبية والملفات المتناثرة، ملقية بظلال برتقالية راقصة على وجه مراد الذي تحول إلى كتلة من الغضب المحرق. ورغم وابل الرصاص الكثيف الذي كان يطلقه رجال طارق الجارحي المتبقون من خلف السواتر، إلا أن مراد لم يتزحزح من أمامي أنشاً واحداً؛ بل جعل من جسده الضخم وعرض منكبيه درعاً بشرياً يحجب عني الموت.
أحكم ذراعه القوية حول خصري، رافعاً إياي ليلتصق جسدي المرتجف بقميصه الأسود الممزق إثر شظايا الانفجار. كان عِطره الأخاذ، الممتزج الآن برائحة البارود ودماء أعدائه، يتدفق إلى رئتيّ كمخدر يسلبني الخوف ويستبدله بتبعية مطلقة له.
"مراد.. انتبه خلفك!" صرختُ بذعر وأنا ألمح طيف أحد القناصة يوجه سلاحه نحوه من فوق شرفة حديدية معلقة.
بلمحة عين، ودون أن يلتفت بكامل جسده، رفع مراد مسدسه الفضي بيده اليسرى وأطلق رصاصة واحدة خاطفة، ليمزق صدر القناص ويهوي به من الأعلى كجثة هامدة ارتطمت بالأرض بقوة. التفت إليّ مجدداً، وعيناه الصقريتان تلمعان ببحّة غيرة قاتلة وتملك أعمى فاق كل الحدود.
"لقد أخبرتكِ سابقاً يا قطتي.. لا وجود لقوة على هذه الأرض تملك انتزاعكِ من قبضة النمر،" همس بصوته الجهوري المبحوح بجانب أذني، بينما كانت شفتاه تلامسان بشرة عنقي المكشوفة بنعومة حارقة تشتت عقلي وسط النيران، "والآن.. حان وقت الحساب."
التفت مراد بكامل هيبته الطاغية نحو زاوية المستودع حيث كان طارق الجارحي يحاول سحب كارما الدمنهوري للفرار عبر باب خلفي سري. صاح مراد بصوت رعدي زلزل ما تبقى من جدران المستودع:
"طارق! كارما! أ تظنان أن جحيمي له أبواب خلفية يمكنكم الهروب منها؟!"
أطلق مراد دفعة من رصاص مدفعه الرشاش تحت أقدامهما مباشرة، لتتطاير الشظايا الإسمنتية وتجبرهما على التوقف والتراجع برعب تام. تقدم مراد نحوهما بخطوات فتاكة، متأنية وملكية، ساحباً إياي خلف ظهره العريض بيد، وموجهاً سلاحه باليد الأخرى. الحراس التابعون له (سليم ورجاله) كانوا قد طوقوا المكان بالكامل الآن، شاهرين أسلحتهم ومستعدين لإبادة الجميع بانتظار إشارة من سيدهم.
سقط طارق الجارحي على ركبتيه بعد أن نفدت ذخيرة سلاحه، وكانت علامات الهزيمة والذعر تكسو وجهه الحاد، بينما انكمشت كارما خلفه، وشحب وجهها لدرجة الموت وهي ترى طيف مراد يتقدم كقضاء لا مفر منه.
"مراد.. اعفُ عني،" توسل طارق بنبرة متقطعة، "كانت.. كانت صفقة نفوذ وسلاح.. كارما هي من حرضتني، هي من اخترقت حصون قصرك لسرقة الفتاة!"
التفتت كارما إليه بصدمة وغيظ، ثم نظرت إلى مراد والدموع والغيرة تحرق عينيها الرماديتين، وقالت بصوت مرتجف:
"مراد.. أنا فعلتُ هذا لأجلك! هذه الفتاة لا تليق بعالمك.. إنها تضعفك! أنا من خضتُ معك الصراعات، أنا من أحبك بجنون!"
توقف مراد أمامهما مباشرة، ليفيض المكان بهالته الطاغية وعضلات صدره تتحرك بعنف مع أنفاسه الحارة. نظر إلى كارما ببرود مميت، برود يحمل وعيداً بالدمار، وقال بنبرة منخفضة وقاطعة كالشفرة:
"الحب في عالمي يعني الانصياع لقوانيني يا كارما. والخطأ الأكبر الذي ارتكبتيه أنتِ وهذا الكلب، هو أنكما ظننتم أن ليلى تضعفني. ليلى هي شرفي، وتملكِي لها يفوق مملكتي برمتها. من يتجرأ على لمسها أو إبكائها.. يُحكم على نفسه بالفناء البطيء."
التفت مراد نحو سليم وقال بصوته الجهوري الحازم:
"سليم.. طارق الجارحي ورجاله يُصفون هنا والآن، ويُحرق المستودع فوق جثثهم ليكونوا عبرة لكل من يفكر في تحدي السيوفي. أما كارما.."
نظر مراد إلى كارما نظرة غيرة شرسة تفيض بالتملك المطلق ليلي، وأكمل بقسوة لا تعرف الرحمة:
"تُسلم لعائلتها جثة هامدة في صندوق أسود.. ليُعلم والدها أن تحالفنا قد غُمس بالدم والخيانه، وأن من يلمس أنثى النمر.. يقطع نسله."
صرخت كارما بذعر وهي ترى رجال مراد يتقدمون نحوها، بينما التفت مراد إليّ بالكامل، وجذبني إليه بعنف وشغف عارم، محيطاً ظهري بيده الضخمة ليوجه وجهي نحو صدره العريض حتى لا أرى مشهد الدماء القادم. انحنى وطبع قبلة حارقة، عنيفة وعميقة للغاية على شفتي النازفة، قبلة امتزج فيها طعم الدماء بلهيب العشق المظلم، معلناً تطهير عرينه وسحق أعدائه رغماً عن شباك المؤامرة.
قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض
تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي







