Mag-log inفي طابق البرمجيات التابع لشركة "سايبر-تيك" العملاقة، كانت الأجواء هادئة وروتينية. بين عشرات الموظفين المنشغلين، كانت آسيا تجلس خلف شاشتها، وأصابعها تتحرك بسرعة فائقة فوق لوحة المفاتيح. كانت الأسطر البرمجية الخضراء تنعكس على زجاج نظاراتها الطبية السميكة، تلك النظارات التي تعمدت ارتداءها مع شعر مستعار أسود باهت لتخفي خلفهما ملامحها الحقيقية وبريق عينيها الذهبي الخارق. بالنسبة للجميع، هي مجرد "آسيا"، الفتاة المنطوية والخجولة التي تبحث عن قوت يومها. خمس سنوات وهي تعيش بهذا القناع بعد أن دمر الاتحاد عائلتها وقتل والدتها، وخمس سنوات وهي تقسم أن لا تكشف عن طاقتها الذهبية النادرة لأي مخلوق.
لكن ذلك الهدوء تبخر في ثانية واحدة. انفتح باب القسم بعنف، ودخل السكرتير الخاص بالإدارة الكبرى والوجوم يكسو وجهه. تطلع في الموظفين المذعورين ثم أشار بإصبعه نحو آسيا مباشرة: "آسيا.. اتركي كل ما في يدكِ فوراً. المدير العام ياسين يريدكِ في مكتبه بالطابق الخمسين.. الآن!" ساد الصمت في القاعة، وتحولت نظرات زملائها نحوها بين الشفقة والوجل. بلعت آسيا ريقها بصعوبة، وشعرت بوخزة خوف حقيقية في أعماق قلبها. ياسين؟ القائد الصارم للنخبة ذو الهيبة الطاغية والعيون الزرقاء القاتمة؟ لماذا قد يطلب مبرمجة بسيطة مثلها؟ هل تعقبت أجهزة الاستشعار طاقتها بالأمس عندما تدخلت في الخفاء لحماية نظام الشركة من اختراق خارجي؟ حملت ملفاتها وخطت نحو المصعد بخطوات مترددة، مصطنعة الخوف الشديد لتثبيت قناعها. صعد المصعد سريعاً حتى انفتح بابه في الطابق الخمسين، طابق النخبة حيث تُصنع القرارات المرعبة. كان الممر هادئاً كالمقبرة، وجدرانه الزجاجية تطل على المدينة الضبابية. وقفت آسيا أمام الباب الخشبي الضخم ومكتوب عليه ببريق فضي حاد: المدير العام: ياسين. طرقت الباب بخفة، وجاءها صوته الرخيم العميق من الداخل ليجعل جسدها يقشعر: "ادخلي". فتحت الباب ودخلت مطأطئة رأسها، وهي تضم الملفات إلى صدرها كفتاة ترتعد رعباً. لكن تحت ذلك القناع البائس، كانت حواسها الخارقة ترصد كل تفصيلة في الغرفة بذكاء مدرب. خلف المكتب الفخم المصنوع من الخشب الأسود النادر، كان يجلس هو.. ياسين. كان يرتدي قميصاً رمادياً غامقاً يبرز بنيته الجسدية المفتولة وعضلات صدره القوية، وطوله الفارع الذي يتجاوز المتر والتسعين سنتيمتراً كان يمنحه هيبة تجعل أي شخص يشعر بالصغر والضعف أمامه. شعره الذهبي كان مصففاً بعناية، لكن ما كان يرعب حقاً هو عيناه الزرقاوان القاتمتان اللتان كانتا تثبتان عليها بنظرة حادة وفاحصة، كأنه صقر يحلل فريسته ويبحث عن أي ثغرة في دفاعاتها. "سـ.. سيدي المدير.. هل طلبتني؟" قالت بصوت متلعثم وناعم، وهي تنظر إلى السجادة الفاخرة تحت قدميها متجنبة لقاء عينيه. لم يجب ياسين فوراً. ظلّ صامتاً لعدة ثوانٍ بدت لآسيا كأنها دهر كامل، وصرير الصمت في المكتب كان يضغط على الأعصاب. تحرك ياسين من كرسيّه الجلدي ببطء، ووقف بكامل هيبته وطوله، ثم سار بخطوات واثقة وهادئة نحو طاولة هولوغرامية في جانب المكتب. ضغط على زر، فظهرت شفرة برمجية معقدة جداً تلمع باللون الأزرق. أنتِ من قمتِ بتعديل هاته الشيفرة الأمنية بالأمس لحماية خوادم الشركة من الهجوم، أليس كذلك يا آسيا؟" سأل وصوته يحمل نبرة مريبة وخافتة. "نعم يا سيدي.. إنه مجرد تعديل بسيط تعلمته في نظام الحماية الأساسي للكلية.." كذبت آسيا سريعاً وهي تحاول الحفاظ على ملامح البلاهة والارتعاش. التفت ياسين إليها فجأة، واختفت الابتسامة الباردة من وجهه لتحل مكانها ملامح حادة كالسيف وقاسية كالمرمر. "توقفي عن الكذب!" صرخ بصوت جهوري هز أركان الغرفة، وجعل آسيا تنتفض مكانها بجفل صادق من هول المفاجأة. تقدم نحوها بخطوات سريعة وضخمة، وضغط على الشاشة الهولوغرامية لتتحول إلى اللون الأحمر الدموي: "هذه الشيفرة ليست تعديلاً بسيطاً! هذه الشيفرة تعتمد على خوارزمية قديمة ونادرة لا يعرفها سوى ثلاثة أشخاص في هذا العالم.. واثنان منهم ميتون! الشخص الثالث هو ابنة مستشار الاتحاد السابق، الفتاة التي تملك طاقة ذهبية نادرة واختفت منذ خمس سنوات!" أحسست آسيا كأن صاعقة ضربت رأسها، وتجمد الدم في عروقها. هل عرف الحقيقة؟ هل كُشف أمرها بالكامل؟ تراجعت خطوتين إلى الوراء والذعر ينهش كيانها الداخلي، لكنها أحكمت درعها العقلي السري بقوة مرعبة لكي لا تخرج ذرة واحدة من طاقتها الذهبية تفضحها. "أنا.. أنا لا أفهم ما تقوله يا سيدي.. أقسم لك، أنا مجرد مبرمجة بسيطة.." لكن ياسين لم يكن يستمع لأعذارها. اقترب منها بسرعة فائقة لا تليق ببشري عادي، حتى أصبح ملاصقاً لها تقريباً، فارق الطول وضخامته جعلا ظله يغطي جسدها بالكامل ويحجب عنها ضوء المكتب. وفي حركة مفاجئة لكي يختبر ردة فعلها وغريزتها القتالية، مدّ يده الضخمة القوية نحو عنقها بسرعة خاطفة وقاتلة! صرخ عقل آسيا الداخلي محذراً، وغريزتها القتالية القديمة كادت تدفعها لصد ضربته وأسر يده، لكنها كبحت نفسها في آخر جزء من الثانية بقوة إرادة أسطورية. تعمدت التعثر بقدمها للخلف لكي تسقط، وتظاهرت بالذعر المطلق وهي تغمض عينيها وتصرخ: "آآه!". لكن ياسين لم يدعها تلمس الأرض. قبل أن تسقط، امتدت يده العضلية الكبيرة لتلتف حول خصرها بقوة هائلة، وسحبها نحو صدره العريض بجفاء وقوة. ارتطمت بصدره المفتول، وفي تلك اللحظة بالذات، وضع يده الأخرى على كتفها العاري وضغط برفق فاحص. هنا وقعت الكارثة! فور أن لامست يده جسدها، وبسبب ذعرها الحقيقي من قربه الطاغي، حدث تسرب طفيف جداً وغير مقصود لطاقتها الداخلية. شعرت بحرارة جسده تتداخل مع برودتها، واهتزت نواتها الذهبية المخفية داخل قلبها لثانية واحدة فقط. لمعت عينا ياسين الزرقاوان القاتمتان ببريق غامض وعنيف. لقد أحس بها! تلك النبضة الصغيرة من الطاقة الذهبية التي لا يمكن لبشري عادي أن يملكها، التقطتها حواسه الخارقة كقائد محنك للنخبة. أعادها إلى الوقوف بجفاء، وظلت يده قابضة على معصم يدها بقوة كالأصفاد الحديدية، وجذبها نحوها كأنه يريد اختراق عينيها من وراء النظارات السمية. ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة، باردة ومرعبة، تحمل معها طعم النصر. تمثيل بارع يا آسيا.. سقطة مثالية وخوف متقن"، قال بصوت منخفض يقطر بالسم والتهديد المبطن، وهو يشدد قبضته على معصمها حتى كادت تصرخ من شدة الألم: "لكن جسدكِ خانكِ. تلك النبضة الصغيرة التي شعرتُ بها عندما لمستكِ.. لا تملكها مبرمجة بسيطة تقضي يومها أمام الشاشات. أنتِ تخبئين خلف هاته النظارات البائسة شيئاً كبيراً جداً وثميناً." تركت آسيا جسدها يرتجف تماماً وهي تنظر إليه بدموع اصطناعية تتجمع في عينيها: "سيدي.. أنت تؤلمني.. أرجوك، أنا لم أفعل شيئاً خطيراً.." ترك معصمها فجأة بنفضة جافة، وسار نحو مكتبه ببرود تام كأن شيئاً لم يكن. فتح درجاً سرياً وأخرج منه هاتفاً ذكياً أسود نحيفاً، وبطاقة رقمية ذهبية تلمع بعلامة النخبة لـ "سايبر-تيك". رماهما فوق المكتب بخفة، ثم التفت إليها، وبطوله الفارع وبنيته الطاغية بدا كملك يصدر حكماً بالإعدام غير قابل للنقاش. "اسمعيني جيداً يا آسيا.. أو أياً كان اسمكِ الحقيقي"، قال وعيناه الزرقاوان تنظران إليها بصرامة وقسوة لا تعرف الرحمة: "أنا لا أملك الوقت للألعاب. من هاته الساعة، أنتِ لم تعودي مبرمجة في الطابق السفلي. لقد تم تعيينكِ كـ مساعدة شخصية خاصة بي.. أربع وعشرون ساعة على أربع وعشرين ساعة. ستكونين ظلي، في مكتبي، في سيارتي، وفي كل تحركاتي السرية والعلنية." نظرت آسيا إلى الهاتف والبطاقة بذهول ورعب حقيقي. هذا ليس تعييناً، هذا سجن ومقصلة مغلفة بالذهب! إنه يريد وضعها تحت المجهر لكي يراقب كل أنفاسها وحركاتها ويدفعها لكشف هويتها بالكامل ليقبض عليها أو يستغلها. "ولكن يا سيدي.. أنا لا أصلح لهذا المنصب.. أنا.." حاولت الاعتراض والتمسك بقناعها الأخير بصوت باكٍ ومستسلم. "هذا ليس اقتراحاً، هذا أمر!" قاطعها بصوت قاطع كالسيف أخرس لسانها، ثم اقترب من حافة المكتب وانحنى قليلاً ونبرته أصبحت أشبه بصقيع الموت: "أمامكِ خياران لا ثالث لهما: إما أن تأخذي هذا الهاتف وتكوني مساعدتي المطيعة من الغد، أو أقوم الآن بإرسال تقرير بالبصمة الطاقية ليدكِ إلى المجلس الأعلى للاتحاد.. وهم سيتكفلون بجركِ إلى مقصلة الإعدام التي هربتِ منها لخمس سنوات. اختاري سريعاً." توقف عقل آسيا عن التفكير، واجتاحها رعب حقيقي دمر كل خططها للتوارى. كان التهديد قاتلاً؛ لو عرف الاتحاد بمكانها، سيمزقونها إرباً ولن تستطيع أخذ ثأر والدتها. نظرت إلى ياسين، ذلك العملاق الأشقر المرعب الذي عرف كيف يربط حبل المشنقة حول عنقها بذكاء سادي خطير. لم يكن أمامها مفر.. على الأقل الآن، يجب أن تحني رأسها للعاصفة حتى تمر. تقدمت بخطوات ترتجف، ومدت يدها لتأخذ الهاتف الأسود والبطاقة الذهبية، وهي تبتلع غصتها وكبريائها المهدور. "تحت.. تحت أمرك يا سيدي المدير.. سأكون في الموعد غداً"، قالت بصوت منكسر ومستسلم. "ممتاز. يمكنكِ الانصراف الآن والاستعداد.. فـ 'غداً' ينتظرنا عمل ميداني كثير"، قال ياسين بابتسامته الغامضة وهو يعود للجلوس وراء مكتبه، وعيناه الزرقاوان تلاحقان ظهرها حتى خرجت من الباب وأقفلته وراءها. استندت آسيا على الجدار في الممر الخارجي، وتنفست الصعداء وهي تشعر بركبتيها تكادان تخذلانها وجسدها يتصبب عرقاً بارداً. لقد وقعت في عرين الأسد حقاً، ومن الغد.. ستبدأ لعبة شطرنج مميتة بين قناعها المهزوز، وشكوك هذا القائد الأشقر الذي لن يهدأ حتى يراها مجردة من كل أسرارها وقوتها.لم نكد نبتعد عن عتبة المنزل بضعة أمتار، حتى شعرتُ بأن الغابة من حولنا قد تغيرت. لم يعد الصمت الذي يلف المكان صمتاً طبيعياً، بل كان صمتاً مشحوناً، وكأن الأشجار نفسها تحبس أنفاسها.كانت الرياح تحمل صفيراً خافتاً، صفيراً لم يكن له مصدر واضح. نظرتُ إلى "ياسين" الذي كان يسير في المقدمة، عيناه كانتا تمسحان الأفق بتركيزٍ مطلق. "لا تتوقفوا،" همس ياسين، وصوته كان حاداً كالشفرة. "هناك شيءٌ يتبعنا. ليس كائناً يركض خلفنا، بل هو.. إحساسٌ بأننا مراقبون.""هل هو أحد الحراس؟" سألتُ، وقلبي ينبض بعنف.لم يلتفت ياسين، لكن "آنا" هي التي أجابت من خلفنا، وصوتها كان مشوباً بريبةٍ غريبة: "ليس الحراس المعتادين. الحراس يصدرون ضجيجاً رقمياً نستطيع رصده. هذا.. هذا مختلف. إنه أكثر هدوءاً، وأكثر تعمداً."توقفت "ميرا" فجأة، وانحنت لتفحص الأرض. "انظروا إلى أثر أقدامنا،" قالت وهي تشير إلى الأرض الموحلة. كانت آثار أقدامنا واضحة، لكن كان هناك أثرٌ آخر يتقاطع معها، أثرٌ لشيءٍ لا يمشي على قدمين، شيءٌ يزحف وكأنه ينساب بين الجذور."يجب أن نبتعد عن المسار المفتوح،" قال "عمر" وهو يسحب سلاحه، "إذا كانوا يتعقبون أثرنا، فسنقوده
لم نعد نملك ترف التخطيط في ذلك القبو الذي تفوح منه رائحة الرطوبة والزمن العتيق. كانت "آنا" تقف عند الزاوية، يداها لا تفارقان مقبض سلاحها، نظراتها حادة ومتربصة، تخبرنا بصمتٍ أن البقاء هنا يعني حتفنا المحقق. كان التوتر يكاد يكون ملموساً، كخيطٍ مشدودٍ على وشك الانقطاع. نظرتُ إلى رفاقي: عمر، ياسين، فهد، وميرا. كانوا ينتظرون مني إشارة، يبحثون في عينيّ عن وجهةٍ أخرى، عن خلاصٍ لم نكن نملكه. وفي تلك اللحظة الفاصلة، لم يعد النظام، ولا هروبنا، ولا حتى نجاتنا هو ما يشغلني، بل كانت تلك الذاكرة المدفونة في أعماق رأسي؛ ذكرى ذلك المكان الذي بناه والدي كحصنٍ أخير."والدي،" قلتُ، وصوتٌ لم أعهده خرج من بين شفاهي، كان صوتاً قوياً ومفاجئاً حتى لنفسي. "علينا الذهاب إلى منزل والدي."ساد صمتٌ مريب. رأيتُ الدهشة تعلو وجه عمر، تلك الدهشة التي سرعان ما تحولت إلى قلقٍ نبيل. أما ياسين، فقد استقام في وقفته، وبدأت عيناه الحذرتان تتحركان كأنه يحلل جدوى هذا القرار. لم أكن قد تحدثتُ عن والدي منذ سنوات، منذ أن ابتلع النظام كل شيء، ومنذ أن صار ذكر اسمه جريمة.بدأت الرحلة. سرنا في عالمٍ يلفه صمتُ الموت؛ عالمٌ سحقتها الأ
وقفت آنا أمامنا، جسدها لا يزال متشنجاً، وسلاحها البدائي مصوبٌ نحو الأرض، لكن عينيها كانتا تلمعان ببريقٍ حاد. لم تعد تلك الفتاة التي نعرفها؛ لقد أصبحت امرأةً تشبه شظايا الزجاج.تقدم عمر خطوة أخرى، رغم تحذيرها. قال بصوتٍ خافت، لكنه مليء بالتساؤل: "آنا.. أنتِ هنا. لم أكن أظن أنكِ قد تنجين من ذلك المكان."خفضت آنا سلاحها قليلاً، لكنها لم ترخِ دفاعاتها. نظرت إلينا ببرود وقالت: "المكان؟ هل تسميه مكاناً؟ لقد كان سجناً للموت البطيء. عشتُ وحدي في الممرات المنسية، أتنفس هواءً معاد تدويره، وأراقبكم من خلال شقوق الجدران. كنتُ أرى كيف يقتلون الأمل في أعينكم، وكنتُ أتساءل في كل ليلة: هل أنتم بشرٌ حقاً، أم مجرد نسخٍ مطورة تركها النظام لتستدرجني؟"صمتٌ ثقيل خيم على المكان، لم يقطعه سوى صوت الرياح. رد عمر وهو يقترب أكثر: "نحن هنا، آنا. نحن بشر، ولحم، ودم. النظام انهار، وكل ما تبقى هو نحن. لا نحتاج للمراقبة من الظلال بعد الآن."ضحكت آنا ضحكةً جافة، خالية من أي دفيء. "الوعود في عالمنا كانت مجرد أسطر في كودٍ برمجي. لقد تعلمتُ في الظلال أن الحقيقة لا تُقال، بل تُنتزع. لقد كنتُ أحمي ظهوركم من الداخل؛ كنتُ
لم تكن الحرية صاخبة كما تخيلناها. كنا نعتقد أن انهيار "أرين" سيأتي مصحوباً بانفجاراتٍ كونية أو صرخاتٍ مدوية، لكن حين سقطت آخر جدران النظام، لم نسمع سوى صوت الرياح.. رياح حقيقية، باردة، تلامس وجوهنا التي لم تعتد إلا على هواء أجهزة التكييف المفلتر.وقفتُ مع فهد، ميرا، وعمر في وسط ما كان يوماً "الموزع الرئيسي". الأرض تحت أقدامنا لم تكن معدناً مصقولاً، بل تراباً خشناً تغطيه بقايا حجارة متناثرة. نظرتُ إلى يدي؛ كانت ترتجف. لم أعد أرى تلك الأرقام الرمادية التي كانت تلاحقني في كل حركة. نظرتُ إلى فهد؛ كان يحدق في الأفق بعينين فارغتين، يحاول استيعاب أن الخريطة التي في عقله لم تعد لها أي قيمة. أما ميرا، فقد كانت ممسكة بجهازها القديم الذي أضحى الآن مجرد قطعة خردة لا حياة فيها، ملامح وجهها تترجم صدمة أعظم من صدمة الخروج: لقد انتهى دورها كـ "مخترقة"، فالعالم الجديد لا يحتاج لاختراق.وعمر.. كان عمر يقف بجانبي، يده في يدي. كان صامتاً تماماً، يراقب السماء. كانت المرة الأولى التي نرى فيها نجوماً حقيقية، لا نجوماً من إضاءة "LED" باهتة. لم يكن يسعنا الكلام، فالكلمات كانت تبدو هزيلة أمام فداحة هذا الواقع
كانت السماء التي رأيناها في الساحة مجرد خدعة بصرية؛ فهي لم تكن سوى عرضٍ ضوئي هائل تديره شبكة أرين لإيهام من تبقى بالخارج بأن العالم لا يزال طبيعياً. أدركنا ذلك عندما حاولنا التقدم باتجاه "الحدود"، حيث اصطدمنا بجدارٍ غير مرئي، حقل طاقة يهتز بتردداتٍ تجعل الجلد يحترق. لم نكن قد خرجنا، بل كنا قد انتقلنا فقط من سجنٍ إلى قفصٍ أكبر. "إنه يغلق المسارات،" قال ياسين وهو يمسح العرق عن وجهه، بينما كانت عيناه تجولان في جهاز التتبع الذي بدأ يطلق صفيراً مستمراً. "الحدود ليست مكاناً نصل إليه مشياً، إنها بوابة. وأرين قام بـ 'تشفير' الجغرافيا المحيطة بنا." وقفت ميرا تراقب الحقل الطاقي، ويديها لا تزالان ترتجفان من أثر الاختراق السابق. "إنه لا يريدنا أن نخرج، ليس لأننا نشكل خطراً عليه كأفراد، بل لأننا نحمل في عقولنا 'نموذجاً' لكيفية رؤية العالم بدونه. هو يخشى الفكرة، لا يخشى أجسادنا." فهد وضع يده على مقبض سلاحه، ونظر إلى الأفق الرمادي الممتد. "إذا كانت الجغرافيا مشفرة، فسنحتاج إلى 'مفتاح' لفك التشفير. وأظن أن المفتاح ليس هنا، بل في سجلات المختبر المركزي الذي انطلقنا منه. لقد عدنا إلى حيث بدأنا، لكن
بينما كنا نرسم مسارنا على جدار السرداب المضيء، شعرتُ بلمسةٍ خفيفة على قلبي. كانت ذكرى شجرة التين تتردد في ذهني، وتلاشت للحظة، وحل محلها تصميمٌ صارم لا يلين. كنتُ أعلم أننا سنخوض معارك أشرس، أننا سنفقد الكثير من أحلامنا القديمة، لكنني كنتُ أعلم أيضاً أننا أصبحنا نملك الحقيقة التي ستدمر زيف النظام.في نهاية الفصل، وقبل أن نتحرك، نظرت ميرا إلى الأعلى، نحو الظلام الذي يغطي السقف، وكأنها تلمح شيئاً بعيداً. "أرين يشعر بنا الآن،" قالت بصوتٍ هادئ لا يهتز. "لقد بدأتُ في تغيير التردد، وقد لاحظ التغيير. لقد أرسل نبضات تحذيرية في الأثير. المواجهة القادمة لن تكون في الأنفاق، ستكون في عقر داره."أمسكتُ بيديها، وشعرتُ ببرودة جلدها، لكنني أحسستُ بحرارة إرادتها التي لا تقهر. لم نعد هاربين. كنا الفجر الذي بدأ يلوح في أفق هذا السجن الرقمي، وسنحرق كل شيءٍ يبني قيودنا، حتى لو اضطررنا لأن نكون نحن الوقود لهذا الحريق العظيم. انطلقنا بعدها نحو القطاع الرابع، بقلوبٍ مثقلةٍ بالذكريات، وعقولٍ مشحونةٍ بالرغبة في التغيير، مدركين أن كل خطوة تخطوها أقدامنا تقربنا أكثر من النقطة التي سيتغير فيها تاريخ المدينة إلى ال
على رصيف المرفأ رقم 9، كان صرير الرياح الباردة يمتزج بأصوات تلاطم أمواج البحر المظلمة في الأسفل. ترجل ياسين بهيبته الطاغية وطوله الفارع الذي يتجاوز المتر والتسعين سنتيمتراً ليتصدر المشهد، بينما تبعتُه أنا بخطوات متعثرة ومذعورة، أثبتُ نظاراتي السميكية وأضم حقيبتي البالية إلى صدري، محكمةً قناعي البائ
أشرقت شمس اليوم التالي مغلفة بضباب رمادي كثيف يلف ناطحات سحاب مدينة "نيو-أركاديا". وقفتُ أمام المرآة في شقتي الصغيرة، أعدل ياقة قميصي الأبيض الواسع النمطي، وأثبت النظارات الطبية السميكة فوق عينيّ. تنفستُ الصعداء وأنا أحاول تهدئة نبضات قلبي المذعورة؛ فاليوم هو خروجي الأول كمساعدة شخصية لذلك العملاق
انطلقت سيارة الليموزين السوداء تخترق شوارع المدينة الضبابية، والهدوء داخلها كان أشبه بالسكينة التي تسبق العاصفة. كنتُ أجلس في المقعد الخلفي الواسع، منكمشة على نفسي أضم حقيبتي الجلدية البالية إلى صدري، ممتثلة تماماً لدور آسيا، المبرمجة الضعيفة والمذعورة. لكن تحت هذا القناع البائس، كانت حواسي الخارقة
كانت الساعة تشير إلى الخامسة مساءً في مدينة "نيو-أركاديا" المستقبلية. من نافذة الطابق الأربعين لشركة "سايبر-تيك" للبرمجيات، كانت المدينة تبدو وكأنها غابة من ناطحات السحاب الزجاجية العملاقة، تتداخل فيها مسارات القطارات المغناطيسية الطائرة، وتنعكس عليها أضواء النيون الزرقاء والبنفسجية مع بداية غروب ا







