Home / الرومانسية / رماد الأقنعة / الفصل التاسع : اختراق النطاق الاحمر

Share

الفصل التاسع : اختراق النطاق الاحمر

Author: هاري
last update publish date: 2026-05-22 21:38:55

اهتزت المدرعة التكنولوجية المصفحة بقوة إثر عبورها فوق ممر ترابي وعر عند مدخل الضاحية الشرقية، وتزامن ذلك مع وميض أحمر مفاجئ اجتاح الشاشة الرئيسية المدمجة أمامنا، ليعلن النظام بصوت آلي حاد: "تحذير: دخول النطاق الفعلي للمهمة. تم رصد تداخلات كهرومغناطيسية مجهولة المصدر".

انقبض قلبي بعنف خلف ضلوعي، وشعرتُ ببرودة تسري في أطرافي. أنا أعلم جيداً سبب هذا التداخل؛ إنها الموجات الطاقية الأرجوانية المضطربة التي تنبعث من أختي الصغيرة "ميرا" كلما شعرت بالخوف أو حاصرها الخطر! قربنا الشديد منها بدأ يؤثر على رادارات المدرعة المحمولة، وهذا يعني أن خدعتي البرمجية أصبحت على حافة الانهيار الكامل.

التفتُّ بسرعة نحو لوحة المفاتيح، وبدأت أصابعي تتحرك بجنون لإدخال شفرات حجب إضافية قبل أن يكتشف الرادار موقع النبض الحقيقي، لكن صوت ياسين الرخيم والبارد قاطعني فجأة وهو يميل بجسده الضخم نحوي، وعيناه الزرقاوان تلمعان ببرود مرعب في عتمة المقصورة الزرقاء: "ما خطب هذا التداخل المفاجئ يا آسيا؟ الأنظمة تشير إلى أن مصدر الموجات قادم من منطقة قريبة جداً خلفنا، وليس من المصنع الشمالي حيث يتجه فهد وآنا الآن."

بلعتُ ريقي وتصنعتُ ملامح المبرمجة المرعوبة التي أوشكت على البكاء من شدة الضغط، ونظرتُ إليه من خلف نظاراتي السميكية قائلة بصوت متلعثم ومذعور: "إ.. إنه فخ من عملاء الاتحاد يا قائد! إنهم يستخدمون أجهزة بث ترددات حرارية متطورة لبث موجات كهرومغناطيسية وهمية حول المدرعة لتضليلنا وتشويش راداراتنا، حتى يمنعونا من تقديم الدعم التقني لفريق النخبة في المصنع الشمالي! إنهم يحاولون عزلنا رقمياً!"

ضيق ياسين عينيه الحادتين، ونظراته الثاقبة كانت تخترقني كأنها تبحث عن كذبة في نبرة صوتي. وضع يده الضخمة على حافة الطاولة الحديدية الفاصلة بيننا، واقترب أكثر حتى شعرت بأنفاسه الباردة تلامس جبهتي، ثم قال بصوت خافت يحمل نبرة تهديد مبطنة: "عملاء الاتحاد إذن؟ يبدو أنهم أصبحوا أكثر ذكاءً مما توقعت.. أو أن هناك شيئاً آخر يحدث هنا وأنا لم أكتشفه بعد. قومي بتطهير النظام فوراً من هذا التشويش وإلا اعتبرتُ هذا فشلاً ذريعاً منكِ."

"ح.. حاضراً يا سيدي، سأفعل ذلك فوراً!" أجبته بسرعة وأنا أتنفس الصعداء داخلياً لأنني كسبت بضع دقائق أخرى. بدأت أصابعي تعزف على لوحة المفاتيح لكتابة بروتوكول تصفية رقمي مصطنع، يظهر لياسين على الشاشة أن التشويش يتلاشى، بينما كنت في الحقيقة أقوم ببناء جدار ناري برمي عازل يحيط بمدرعتنا كلياً لمنع أجهزتها من التقاط أي نبضات حقيقية صادرة عن ميرا الحقيقية ما دمنا نتحرك في هذه الشوارع المظلمة.

في تلك الأثناء، دوى اللاسلكي فجأة بصوت فهد الصامت المعتاد والذي يحمل نبرة ترقب: "قائد، نحن على بعد خمسمائة متر من المصنع الكيميائي المهجور في القطاع الشمالي. مؤشرات الطاقة الحرارية في المكان مرتفعة، يبدو أن عملاء الاتحاد قد بدأوا باقتحام المبنى بالفعل للبحث عن الهدف."

ارتسمت على وجه ياسين ملامح قاسية، وضغط على زر التحدث قائلاً ببرود قاتل: "فهد، اقتحما المكان بلا رحمة. صفي كل عميل يرتدي شعار الاتحاد، ولا تتركا أي أثر. الهدف يجب أن يقع في أيدينا حياً، وإذا تعذر ذلك، تخلصوا منه فوراً لكي لا يستفيد الاتحاد من طاقته المجهولة."

سمعتُ تلك الكلمات وشعرت بطاقتي الذهبية النارية تغلي في أعماقي كبركان أوشك على الانفجار. هذا الوحش الأشقر الجالس أمامي مستعد لإصدار أمر بقتل أختي الصغيرة بدم بارد لمجرد الحفاظ على مصالح شركته المظلمة! ضغطتُ بقوة على قبضة يدي تحت الطاولة حتى ابيضت مفاصلي، محاولة كبح مشاعري الثائرة وتذكير نفسي بأنني يجب أن ألعب دور الضحية الضعيفة حتى النهاية.

استمرت المدرعة في شق طريقها عبر الأزقة الضيقة والمظلمة للضاحية الشرقية، وبدأت الكاميرات الخارجية للمركبة تعرض تفاصيل الشوارع شبه المهجورة والمباني المتهالكة من حولنا. وفجأة، بينما كنت أراقب إحدى الشاشات الفرعية الجانبية المخصصة للكاميرات الحرارية للمدرعة، تجمدت كلياً في مقعدي، وسقطت حقيبة حاسوبي من يدي المرتعشة.. لقد لمحتُ طيفاً بشرياً صغيراً يركض بذعر في الزقاق الخلفي الموازي لطريق مدرعتنا تماماً، وحوله هالة طاقية لا تخطئها عيني أبداً.. إنها ميرا!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد الأقنعة   الفصل الحادي والعشرون: خيانة الموز والظهور المفاجئ

    كانت الساحة المركزية للمستعمرة تضج بصليل المعدن المتمزق وأزيز الليزر الذي يقطع الهواء. فهد، بجسده الضخم وحركاته الميكانيكية الدقيقة، كان يتقدم كالإعصار، محطماً كل ما يعترض طريقه. أما آنا، فكانت في الأعلى، فوق أكوام الخردة، تطلق نيران سلاحها بدقة قاتلة، تمنع أي شخص من الاقتراب منها.اندفعتُ نحوهما، هالة أرجوانية تحيط بي كدرع طاقي. كان القتال مع فهد يشبه الصدام مع جدار فولاذي. في كل مرة كنتُ أحاول فيها اختراق دفاعاته بطاقتي، كان يرد بضربات ميكانيكية مدمرة تجعل الأرض تحت أقدامي تتصدع."أنتِ بطيئة يا 'نسخة'،" سخر فهد وهو يتفادى ضربة طاقية مني، ثم وجه لكمة مباشرة إلى كتفي. شعرتُ بألم حاد يسري في ذراعي، لكنني لم أتراجع. "ياسين أخطأ عندما ظن أنكِ ستكونين ورقة رابحة. أنتِ مجرد خطأ برمجِي يجب تصحيحه."لم أرد. ركزتُ كل طاقتي في يدي، ووجهتُ ضربة دقيقة نحو مفصل ذراعه الميكانيكية. تصاعد الشرر، وتراجع فهد للخلف، مفاجأةً. استغليتُ الفرصة وأطلقتُ موجة طاقية قوية أطاحت به بعيداً، لكن آنا، من موقعها، أمطرتني بوابل من الليزر، مما أجبرني على الاحتماء خلف جدار من الحديد ا

  • رماد الأقنعة   الفصل العشرون: اختبار النيران الرقمية

    في قلب المستعمرة المنسية، كان الصمت أثقل من الضجيج الذي خلفته في المعبد. كانت أعين السكان تلاحقني بحذر، نظراتهم مزيج من الرجاء والشك. المسن الذي قادنا إلى وسط المستعمرة، والذي عرف نفسه باسم "إدريس"، كان يراقبني بحواسه الميكانيكية التي تصدر أزيزاً خافتاً في هدوء المكان."أنتِ تقولين إنكِ لستِ مخلصة، ولكن هالتكِ الأرجوانية تتحدث لغة أخرى،" قال إدريس وهو يشير بيده الميكانيكية نحو الأفق حيث تلوح أبراج 'سايبر-تيك' البراقة كأنها سكاكين تغرز في السماء. "في هذا العالم، لا يوجد حياد. إما أن تكوني جزءاً من الآلة التي تلتهمنا، أو أن تكوني الوقود الذي سيحرقها. ونحن لا نضع ثقتنا في الوقود.. إلا إذا أثبتَ جدارته."شعرتُ بميرا تشد على يدي بقوة. "ما هو الاختبار؟" سألتُ، وقد استعدتُ نبرة التحدي في صوتي. لم أكن قد أتيتُ إلى هنا لأكون أسيرة لنبوءات سكان الخردة.أشار إدريس إلى بوابة حديدية عملاقة في نهاية الساحة، خلفها يمتد وادٍ ضبابي يغلي بأضواء كهربائية متقطعة. "تلك هي 'منطقة الترددات'. مكان صممه مهندسو 'سايبر-تيك' الأوائل ليكون مقبرة للأخطاء البرمجية. إذا كنتِ حقاً ال

  • رماد الأقنعة   الفصل التاسع عشر: أشباح في المرايا

    كان الانهيار لا يرحم. المعبد الرقمي، الذي بدا قبل لحظات كأنه قلعة من النور والبيانات المقدسة، تحول إلى دوامة من الأرقام المتكسرة والأصوات الميكانيكية المشروخة. الأرضية تحت أقدامنا بدأت تتلاشى، تاركة خلفها هوة سحيقة من الظلام التقني. كانت الجدران التي تعرض ذكرياتي تتساقط كزجاج مهشم، وكل قطعة زجاج تحمل مشهداً من ماضيّ المحي، تتطاير في الهواء كأشباح لا تجد وطناً."ميرا! تمسكي بي جيداً!" صرختُ، بينما كنتُ أحاول الحفاظ على توازني وسط هذه الفوضى العارمة. هالتي الأرجوانية كانت تومض بجنون، تحاول خلق "رابط استقرار" يمنعنا من السقوط في الفراغ. كان الهواء في القاعة مشحوناً برائحة احتراق الدوائر الكهربائية، ووميض الشاشات المحطمة يملأ المكان بضوء مضطرب ومخيف.فجأة، انبعث من بين الحطام الرقمي المتساقط شيء أوقف أنفاسي. لم تكن مجرد بيانات، بل كانت "أشباحاً".. نسخاً مكررة مني. رأيتُ آسيا الطفلة، وآسيا المراهقة في المختبر، وآسيا التي كانت تعمل لصالح "سايبر-تيك". كل واحدة منهن كانت تقف في طريقي ببرود، عيونهن خالية من الحياة، لكن نظراتهن كانت تخترق روحي، كأنها تعيد تذكيري بكل قرا

  • رماد الأقنعة   الفصل الثامن عشر: معبد البيانات المنسية

    انطلقت الكيانات المعدنية بنا بسرعة خارقة عبر الغابة النيونية، مخترقة طبقات من الضباب المشفر الذي كان يغطي المكان. كان الجسد المعدني للكيان الذي يحملني يتحرك بمرونة لا تصدق، متجاوزاً العوائق والأشجار الحديدية وكأنها مجرد خيال. لم أعد أشعر بالخوف المعتاد، بل حل محله شعور غريب بالانتماء، وكأن هذا العالم، رغم برودته، كان يقرع على وترٍ مفقود في أعماق ذاكرتي.كانت ميرا تسير بجانبي، أو لنقل أنها كانت تطفو بتناغم مع حركة الكيانات، هالتها الأرجوانية تتوهج بشكل أقوى، وكأن المكان يغذي طاقتها. نظرتُ إليها، فرأيت طمأنينة غير مبررة في عينيها الفضيتين."هل تشعرين بذلك؟" سألتها بصوت خافت وسط ضجيج الرياح الاصطناعية.أومأت برأسها وقالت: "إنه ليس مكاناً مهجوراً يا آسيا. إنه 'سيرفر' عملاق.. إنه حديقة خلفية للعالم، حيث تُخزن الأحلام التي تم حذفها."بينما كنا نتقدم، بدأت الغابة تتغير. اختفت الكابلات والأشجار الحديدية، وظهر أمامنا هيكل عملاق يرتفع نحو السماء الأرجوانية كأنه ناطحة سحاب من الزجاج الأسود والضوء المتدفق. لم يكن مبنى عادياً؛ كان معبداً رقمياً، مكاناً تتجمع فيه البيانات المهملة لتشكل كياناً واحدا

  • رماد الأقنعة   الفصل السابع عشر: صدى الرموز المفقودة

    كانت الكابلات التي نتسلقها تهتز بعنف تحت أقدامنا مع كل حركة، وكأنها عروق حية تستشعر وجودنا وترفضه. الصوت الميكانيكي الحاد للكيانات المعدنية العملاقة في الأسفل كان يتردد في أرجاء الغابة النيونية، محولاً الهواء المشبع بالأوزون إلى مزيج من الأزيز المشحون بالكهرباء. كانت ميرا تتنفس بصعوبة، هالتها الأرجوانية خافتة جداً، تكاد تختفي وسط أضواء الأشجار الفوسفورية التي كانت تومض بألوان غير طبيعية: الأخضر السام، والأزرق البارد، والبنفسجي الصارخ."آسيا.." همست ميرا وهي تنظر إلى الأسفل حيث كانت الأضواء الحمراء تمسح الأرض بحثاً عنا، كانت عيناها تتسعان من الخوف، "لماذا يبحثون عنا تحديداً؟ نحن لسنا جزءاً من هذا النظام.. نحن لا نملك حتى بصمة بيانات مسجلة هنا."توقفتُ عن التسلق للحظة، مستندة بجسدي المنهك إلى كابل ضخم كان يمر بجانب جذع معدني صدئ. نظرتُ إلى ميرا، وفي عينيها وجدتُ انعكاساً لخوفي الخاص الذي كنت أحاول جاهداً دفنه تحت قناع البرود. "ربما لأننا لسنا جزءاً منه، نحن التهديد الأكبر، يا ميرا. في أي نظام مغلق، أي جسم غريب، أي شفرة غير متوقعة، يعتبر خللاً برمجياً يجب تصحيحه وإتلافه فوراً."لم أكن أق

  • رماد الأقنعة   الفصل السادس عشر : في قبضة "سايبر-تيك"

    تلاشت ضحكات ياسين الهادئة مع صدى الغرفة التقنية، بينما كان صوت سلاحه الليزري يطنين بتهديد. وقفتُ في وسط الغرفة، محاطة بأجهزة لم أكن أعلم حتى بوجودها قبل دقائق. كانت ميرا خلفي، هالته الأرجوانية تتأرجح بعدم استقرار، وكأنها مرآة لحالتي النفسية. ياسين لم يكن يمزح؛ عيناه كانتا تلمعان ببريق الرجل الذي وصل أخيراً إلى كنزه المفقود."آسيا،" قال ياسين وهو يخطو خطوة داخل الغرفة، "لقد أخبرتكِ سابقاً، الهروب ليس من شيمكِ. أنتِ قطعة غيار أساسية في محرك 'فينيكس'، ولا يمكن للمحرك أن يعمل دون قطعه."فهد وآنا، اللذان كانا يقفان خلفه، كانا يمسحان الغرفة بحثاً عن أي تهديد محتمل. كانت أصوات أجهزة المسح الخاصة بهم هي الصوت الوحيد في الغرفة، صوت كأنه عد تنازلي.نظرتُ إلى الجهاز الأسطواني في وسط الغرفة. لم يكن مجرد جهاز، كان يبدو كأنه "قلب" للذاكرة الجماعية التي سلبوها مني. إذا استطاعوا الربط بينه وبين ميرا.. ستكون النهاية.(تفكير داخلي): لا يمكنني السماح لهم بأخذها. يجب أن أستغل فضول ياسين. هو يظن أنني ضعيفة، يظن أنني ما زلت تلك التلميذة المطيعة. خطؤه هو أنه لا يعرف أن 'فينيكس' لا يحترق ليختفي، بل يحترق ليو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status