Masukتصلبتُ في مكاني تماماً، وشعرتُ بثقل يد ياسين على كتفي كأنها جبل من الجليد يضغط على أنفاسي. كانت أنفاسه القريبة جداً من أذني تنذر بالخطر، وعيناه الزرقاوان اللتان تراقبان الشاشة كافيتين لجعلي أرتكب خطأً قاتلاً. في تلك اللحظات الحرجة، كان عليّ أن أختار بين الاستسلام للذعر وكشف قناعي، أو استخدام ذكائي لإقناع هذا الصياد الماهر الذي لا يرحم.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وتصنعتُ الرعب والارتباك بإتقان، وأنزلتُ رأسي قليلاً وأنا همس بصوت متلعثم يحاكي خوف مبرمجة بسيطة: "إ.. إنها بروتوكولات حماية جدارية مضاعفة (Firewall) يا قائد.. لقد لاحظتُ أن أنظمة 'سايبر-تيك' هنا تتعرض لمحاولات تشويش خفيفة وغير مرئية من عملاء الاتحاد، فـ.. فقمتُ بكتابة هذه الأسطر البرمجية بسرعة لعزل خطوط الرصد لدينا، حتى لا يتمكنوا من تعقبنا أو معرفة أننا نقوم بمسح القطاع.. السرعة في الكتابة هي مهاراتي الوحيدة للبقاء على قيد الحياة والاحتفاظ بوظيفتي تحت هذا الضغط المرعب." بقيت يده الثقيلة مستقرة على كتفي لعدة ثوانٍ بدت لي كأنها دهر كامل. لم يتحرك ولم ينطق بكلمة، بل كان يتأمل الأسطر المشفرة ببرود غامض، وكأنه يزن صدق كلماتي بميزان من ذهب ويفحص كل ثغرة في تعابير وجهي. ثم، ببطء شديد، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة غامضة لا تبشر بالخير أبداً، ورفع يده عن كتفي وتراجع خطوة إلى الوراء قائلاً بنبرة هادئة ورخيمة هزت أركان الغرفة: "حماية جدارية إذن.. ذكاء مثير للاهتمام وسرعة بديهة تحسب لكِ يا آسيا. أثبتي لي كفاءتكِ الميدانية الآن.. وأطلقي إشارة التعقب فوراً دون تأخير." تنفس الصعداء داخلياً، وضغطتُ بأصابع مرتجفة مصطنعة على زر الإرسال الرئيسي. وفي لمح البصر، ظهرت النبضة الطاقية "الوهمية" التي صنعتها على الشاشات الكبرى وفي رادارات الفريق، متموضعة بدقة في "المصنع الكيميائي المهجور" الواقع في القطاع الشمالي للضاحية الشرقية، بينما اختفت إشارة أختي ميرا الحقيقية تماماً وراء جدار التشفير السرّي والآمن الخاص بحاسوبي المحمول. ضغط ياسين على زر اللاسلكي المدمج في الطاولة المعدنية، ودوى صوته الحازم والقاطع في أرجاء المقر: "فهد، آنا.. لقد حددتْ آسيا موقع الهدف بدقة عالية. إنها تتحصن الآن في المصنع الكيميائي المهجور بالقطاع الشمالي، وراداراتنا تشير إلى أن عملاء الاتحاد يتحركون إلى هناك أيضاً بكثافة. انطلقا فوراً وحاصرا المكان، وسحقا أي تهديد أو عميل يعترض طريقكما.. لا أريد أخطاء." جاء صوت آنا عبر اللاسلكي مليئاً بالغرور والتحدي المعتاد، وهي تقول باستهزاء ولهجة تقطر غيرة: "علم يا قائد، نحن في الطريق. سنتحرك فوراً ونطوق المخرج.. لنرى إن كانت توقعات وإحداثيات هذه المبرمجة البائسة صحيحة، أم أنها مجرد مضيعة لوقت النخبة وسنضطر لتصحيح غبائها ميدانياً." أغلقتُ حاسوبي المحمول ببطء ووضعته في حقيبتي بحذر شديد، معتقدةً أن الخطة نجحت بالكامل، وأنني أبعدتُ الخطر والنخبة عن أختي ميرا ووفرتُ لها الوقت الكافي للاختباء والمغادرة بسلام. بدأتُ أقف من مقعدي وأنا أحاول التراجع خطوة للخلف قائلة بنبرة خافتة: "لقد أرسلتُ الإحداثيات للفريق وبث الإشارة مستقر يا سيدي.. سأبقى هنا في غرفة العمليات لمراقبة استقرار النظام وتحديث البيانات اللوجستية إذا تطلب الأمر.." لكن خطوتي تعثرت وجمدت في مكانها عندما استدار ياسين نحوي ببطء، وتلاقت عيناه الزرقاوان الحادتان مع عيني من خلف النظارات السميكة. وضع يديه في جيبي معطفه الطويل الأسود، وقال ببرود قاتل جعل قلبي يسقط بين قدمي: "ومن قال إنكِ ستبقين هنا في المكاتب يا آسيا؟ فهد وآنا سيتكفلون بالهجوم الميداني الساحق.. أما أنا وأنتِ، فسنركب مدرعة الدعم التكنولوجي المتنقلة ونتحرك خلفهم مباشرة إلى قلب الضاحية الشرقية. أريدكِ بجانبي تماماً على أرض المعركة لتوجيه الفريق ورصد أنظمة الطاقة عن قرب ومباشرة من هناك.. تحركي أمامي!" تجمدت الدماء في عروقي كلياً وشعرت ببرودة الموت. لقد نجحتُ في خداع الفريق وإبعادهم عن مخبأ ميرا، لكنني الآن مجبرة على الذهاب مع ياسين – الرجل الأخطر والأكثر دهاءً في النخبة – مباشرة إلى نفس الضاحية التي تختبئ فيها أختي الصغيرة، ومحاصرة معه في مدرعة واحدة! لم أملك خياراً سوى الطاعة والتحرك حتى لا أكشف أمري. تحركتُ أمامه بخطوات ثقيلة ومتوترة نحو المرآب السفلي، حيث كانت تقبع المدرعة التكنولوجية الضخمة والمصفحة. صعدنا إلى مقصورتها الخلفية المظلمة، والتي كانت مضاءة فقط باللون الأزرق الخافت المنبعث من شاشات المراقبة الميدانية المدمجة في جدرانها الفولاذية. جلستُ على المقعد المعدني البارد، وفتحتُ حاسوبي مجدداً ليتصل بأنظمة رادار المدرعة، بينما جلس ياسين في المقعد المقابل لي مباشرة، لا تفصل بيننا سوى مسافة قصيرة جداً. كان جسده الضخم يتحرك بخفة مع اهتزازات المدرعة وهي تنطلق بسرعة جنونية في شوارع المدينة المظلمة نحو الضاحية الشرقية. كان صمت المقصورة مرعباً ومطبقاً، لا يقطعه سوى صوت الطنين الخفيف للشاشات وهسيس أجهزة اللاسلكي. كنتُ أحاول جاهدة إبقاء عيني مركزتين على البيانات البرمجية المتدفقة أمامي، لكنني كنتُ أشعر بنظرات ياسين الثاقبة تخترقني كالنصال. كان يتأملني بصمت مريب، واضعاً يده أسفل ذقنه، وكأنه يدرس كل تعبير يظهر على وجهي وحركات يدي المرتعشة على لوحة المفاتيح. كلما اقتربت المدرعة من حدود الضاحية الشرقية، كان الرعب يزداد في أعماقي؛ فأنا لا أقود فقط عملية وهمية، بل أسير برفقة القاتل نحو حتفي، وإذا التقطت رادارات المدرعة المحمولة أي نبض حقيقي لأختي ميرا بسبب قربنا الشديد منها، فستنتهي اللعبة بالكامل، وسأتحول من مبرمجة النخبة إلى فريسة داخل هذا القفص الحديدي! وفجأة، اهتزت المدرعة بقوة وأضاءت الشاشة الرئيسية باللون الأحمر، معلنةً دخولنا النطاق الفعلي للمهمة وبدء الخطر الحقيقي..كانت الساحة المركزية للمستعمرة تضج بصليل المعدن المتمزق وأزيز الليزر الذي يقطع الهواء. فهد، بجسده الضخم وحركاته الميكانيكية الدقيقة، كان يتقدم كالإعصار، محطماً كل ما يعترض طريقه. أما آنا، فكانت في الأعلى، فوق أكوام الخردة، تطلق نيران سلاحها بدقة قاتلة، تمنع أي شخص من الاقتراب منها.اندفعتُ نحوهما، هالة أرجوانية تحيط بي كدرع طاقي. كان القتال مع فهد يشبه الصدام مع جدار فولاذي. في كل مرة كنتُ أحاول فيها اختراق دفاعاته بطاقتي، كان يرد بضربات ميكانيكية مدمرة تجعل الأرض تحت أقدامي تتصدع."أنتِ بطيئة يا 'نسخة'،" سخر فهد وهو يتفادى ضربة طاقية مني، ثم وجه لكمة مباشرة إلى كتفي. شعرتُ بألم حاد يسري في ذراعي، لكنني لم أتراجع. "ياسين أخطأ عندما ظن أنكِ ستكونين ورقة رابحة. أنتِ مجرد خطأ برمجِي يجب تصحيحه."لم أرد. ركزتُ كل طاقتي في يدي، ووجهتُ ضربة دقيقة نحو مفصل ذراعه الميكانيكية. تصاعد الشرر، وتراجع فهد للخلف، مفاجأةً. استغليتُ الفرصة وأطلقتُ موجة طاقية قوية أطاحت به بعيداً، لكن آنا، من موقعها، أمطرتني بوابل من الليزر، مما أجبرني على الاحتماء خلف جدار من الحديد ا
في قلب المستعمرة المنسية، كان الصمت أثقل من الضجيج الذي خلفته في المعبد. كانت أعين السكان تلاحقني بحذر، نظراتهم مزيج من الرجاء والشك. المسن الذي قادنا إلى وسط المستعمرة، والذي عرف نفسه باسم "إدريس"، كان يراقبني بحواسه الميكانيكية التي تصدر أزيزاً خافتاً في هدوء المكان."أنتِ تقولين إنكِ لستِ مخلصة، ولكن هالتكِ الأرجوانية تتحدث لغة أخرى،" قال إدريس وهو يشير بيده الميكانيكية نحو الأفق حيث تلوح أبراج 'سايبر-تيك' البراقة كأنها سكاكين تغرز في السماء. "في هذا العالم، لا يوجد حياد. إما أن تكوني جزءاً من الآلة التي تلتهمنا، أو أن تكوني الوقود الذي سيحرقها. ونحن لا نضع ثقتنا في الوقود.. إلا إذا أثبتَ جدارته."شعرتُ بميرا تشد على يدي بقوة. "ما هو الاختبار؟" سألتُ، وقد استعدتُ نبرة التحدي في صوتي. لم أكن قد أتيتُ إلى هنا لأكون أسيرة لنبوءات سكان الخردة.أشار إدريس إلى بوابة حديدية عملاقة في نهاية الساحة، خلفها يمتد وادٍ ضبابي يغلي بأضواء كهربائية متقطعة. "تلك هي 'منطقة الترددات'. مكان صممه مهندسو 'سايبر-تيك' الأوائل ليكون مقبرة للأخطاء البرمجية. إذا كنتِ حقاً ال
كان الانهيار لا يرحم. المعبد الرقمي، الذي بدا قبل لحظات كأنه قلعة من النور والبيانات المقدسة، تحول إلى دوامة من الأرقام المتكسرة والأصوات الميكانيكية المشروخة. الأرضية تحت أقدامنا بدأت تتلاشى، تاركة خلفها هوة سحيقة من الظلام التقني. كانت الجدران التي تعرض ذكرياتي تتساقط كزجاج مهشم، وكل قطعة زجاج تحمل مشهداً من ماضيّ المحي، تتطاير في الهواء كأشباح لا تجد وطناً."ميرا! تمسكي بي جيداً!" صرختُ، بينما كنتُ أحاول الحفاظ على توازني وسط هذه الفوضى العارمة. هالتي الأرجوانية كانت تومض بجنون، تحاول خلق "رابط استقرار" يمنعنا من السقوط في الفراغ. كان الهواء في القاعة مشحوناً برائحة احتراق الدوائر الكهربائية، ووميض الشاشات المحطمة يملأ المكان بضوء مضطرب ومخيف.فجأة، انبعث من بين الحطام الرقمي المتساقط شيء أوقف أنفاسي. لم تكن مجرد بيانات، بل كانت "أشباحاً".. نسخاً مكررة مني. رأيتُ آسيا الطفلة، وآسيا المراهقة في المختبر، وآسيا التي كانت تعمل لصالح "سايبر-تيك". كل واحدة منهن كانت تقف في طريقي ببرود، عيونهن خالية من الحياة، لكن نظراتهن كانت تخترق روحي، كأنها تعيد تذكيري بكل قرا
انطلقت الكيانات المعدنية بنا بسرعة خارقة عبر الغابة النيونية، مخترقة طبقات من الضباب المشفر الذي كان يغطي المكان. كان الجسد المعدني للكيان الذي يحملني يتحرك بمرونة لا تصدق، متجاوزاً العوائق والأشجار الحديدية وكأنها مجرد خيال. لم أعد أشعر بالخوف المعتاد، بل حل محله شعور غريب بالانتماء، وكأن هذا العالم، رغم برودته، كان يقرع على وترٍ مفقود في أعماق ذاكرتي.كانت ميرا تسير بجانبي، أو لنقل أنها كانت تطفو بتناغم مع حركة الكيانات، هالتها الأرجوانية تتوهج بشكل أقوى، وكأن المكان يغذي طاقتها. نظرتُ إليها، فرأيت طمأنينة غير مبررة في عينيها الفضيتين."هل تشعرين بذلك؟" سألتها بصوت خافت وسط ضجيج الرياح الاصطناعية.أومأت برأسها وقالت: "إنه ليس مكاناً مهجوراً يا آسيا. إنه 'سيرفر' عملاق.. إنه حديقة خلفية للعالم، حيث تُخزن الأحلام التي تم حذفها."بينما كنا نتقدم، بدأت الغابة تتغير. اختفت الكابلات والأشجار الحديدية، وظهر أمامنا هيكل عملاق يرتفع نحو السماء الأرجوانية كأنه ناطحة سحاب من الزجاج الأسود والضوء المتدفق. لم يكن مبنى عادياً؛ كان معبداً رقمياً، مكاناً تتجمع فيه البيانات المهملة لتشكل كياناً واحدا
كانت الكابلات التي نتسلقها تهتز بعنف تحت أقدامنا مع كل حركة، وكأنها عروق حية تستشعر وجودنا وترفضه. الصوت الميكانيكي الحاد للكيانات المعدنية العملاقة في الأسفل كان يتردد في أرجاء الغابة النيونية، محولاً الهواء المشبع بالأوزون إلى مزيج من الأزيز المشحون بالكهرباء. كانت ميرا تتنفس بصعوبة، هالتها الأرجوانية خافتة جداً، تكاد تختفي وسط أضواء الأشجار الفوسفورية التي كانت تومض بألوان غير طبيعية: الأخضر السام، والأزرق البارد، والبنفسجي الصارخ."آسيا.." همست ميرا وهي تنظر إلى الأسفل حيث كانت الأضواء الحمراء تمسح الأرض بحثاً عنا، كانت عيناها تتسعان من الخوف، "لماذا يبحثون عنا تحديداً؟ نحن لسنا جزءاً من هذا النظام.. نحن لا نملك حتى بصمة بيانات مسجلة هنا."توقفتُ عن التسلق للحظة، مستندة بجسدي المنهك إلى كابل ضخم كان يمر بجانب جذع معدني صدئ. نظرتُ إلى ميرا، وفي عينيها وجدتُ انعكاساً لخوفي الخاص الذي كنت أحاول جاهداً دفنه تحت قناع البرود. "ربما لأننا لسنا جزءاً منه، نحن التهديد الأكبر، يا ميرا. في أي نظام مغلق، أي جسم غريب، أي شفرة غير متوقعة، يعتبر خللاً برمجياً يجب تصحيحه وإتلافه فوراً."لم أكن أق
تلاشت ضحكات ياسين الهادئة مع صدى الغرفة التقنية، بينما كان صوت سلاحه الليزري يطنين بتهديد. وقفتُ في وسط الغرفة، محاطة بأجهزة لم أكن أعلم حتى بوجودها قبل دقائق. كانت ميرا خلفي، هالته الأرجوانية تتأرجح بعدم استقرار، وكأنها مرآة لحالتي النفسية. ياسين لم يكن يمزح؛ عيناه كانتا تلمعان ببريق الرجل الذي وصل أخيراً إلى كنزه المفقود."آسيا،" قال ياسين وهو يخطو خطوة داخل الغرفة، "لقد أخبرتكِ سابقاً، الهروب ليس من شيمكِ. أنتِ قطعة غيار أساسية في محرك 'فينيكس'، ولا يمكن للمحرك أن يعمل دون قطعه."فهد وآنا، اللذان كانا يقفان خلفه، كانا يمسحان الغرفة بحثاً عن أي تهديد محتمل. كانت أصوات أجهزة المسح الخاصة بهم هي الصوت الوحيد في الغرفة، صوت كأنه عد تنازلي.نظرتُ إلى الجهاز الأسطواني في وسط الغرفة. لم يكن مجرد جهاز، كان يبدو كأنه "قلب" للذاكرة الجماعية التي سلبوها مني. إذا استطاعوا الربط بينه وبين ميرا.. ستكون النهاية.(تفكير داخلي): لا يمكنني السماح لهم بأخذها. يجب أن أستغل فضول ياسين. هو يظن أنني ضعيفة، يظن أنني ما زلت تلك التلميذة المطيعة. خطؤه هو أنه لا يعرف أن 'فينيكس' لا يحترق ليختفي، بل يحترق ليو







