تسجيل الدخول
كانت الساعة تشير إلى الخامسة مساءً في مدينة "نيو-أركاديا" المستقبلية. من نافذة الطابق الأربعين لشركة "سايبر-تيك" للبرمجيات، كانت المدينة تبدو وكأنها غابة من ناطحات السحاب الزجاجية العملاقة، تتداخل فيها مسارات القطارات المغناطيسية الطائرة، وتنعكس عليها أضواء النيون الزرقاء والبنفسجية مع بداية غروب الشمس. عالم متطور، تحكمه التكنولوجيا، لكنه يفتقر إلى الروح.
أغلقتُ حاسوبي المحمول ببطء، وتنهدتُ بتعب مصطنع وأنا أتحسس إطار نظاراتي الطبية السميكة ذات الحواف السوداء. لم أكن بحاجة إلى تلك العدسات الزجاجية يوماً لأرى؛ فبصري يمكنه اختراق الجدران ورصد أدق التفاصيل من على بعد أميال. لكنني كنت أحتاجها كأهم درع، كستار يفصل بين الفتاة العادية الانطوائية، وبين حقيقتي المرعبة التي لا يجب أن يعلمها أحد. "آسيا، هل يمكنكِ مراجعة هذه الأكواد والبيانات قبل المغادرة؟" جاءني صوت زميلي في القسم، مارك، وهو يضع ملفاً رقمياً ضخماً أمامي على المكتب. التفتُّ إليه ببطء، ورسمتُ على وجهي تلك الابتسامة البسيطة، الباهتة والمطيعة التي اعتاد عليها الجميع هنا طوال السنوات الماضية. "بالتأكيد يا مارك، سألقي عليها نظرة سريعة"، أجبته بصوت خافت وخجول كالعادة. بالنسبة لمارك، ولجميع الموظفين في هذا الطابق، أنا مجرد "آسيا".. الفتاة الهادئة التي تجلس في الزاوية، لا تثير المشاكل، ترتدي ملابس فضفاضة داكنة، وتضع شعراً مستعاراً أسود اللون يخفي طبيعة شعرها الحقيقي، وتضع عدسات لاصقة قاتمة السواد لتخفي أكبر أسرارها. لا أحد في هذه المدينة الغارقة في صخب الآلات، بل ولا أحد في هذا الكوكب بأسره، يعلم أن الفتاة التي تجلس وراء هذا المكتب الصغير هي نفسها البطلة الخارقة التي هزت العواصف باسمها يوماً ما. لا أحد يعلم أنه خلف هذا المظهر الهزيل، ينام بركان خامد من الطاقة الحيوية الخارقة.. طاقة قادرة على تدمير مدن كاملة أو إنقاذ البشرية. لا أحد يتخيل أن تحت هذا الشعر المستعار ينساب شعر أحمر قاني كبلورات اللهب، وأن وراء تلك العدسات السوداء تختبئ عينان ذهبيتان مشتعلتان، كأعين الصقور الجارحة، تعكسان قوة خارقة للطبيعة. خمس سنوات مرت منذ تلك الليلة المشؤومة.. الليلة التي تحطمت فيها حياتي السابقة إلى أشلاء. كنا نظن أننا نحمي العالم، لكن الخيانة جاءت من أقرب الناس إلينا، من أولئك الذين أقسموا على حمايتنا. دُمرت عائلتي، وسُلب مني كل شيء في لحظة غدر واحدة. في تلك الليلة، وأنا أقف وسط نيران الرماد والدموع، أقسمتُ قسماً غليظاً: سأدفن قوتي إلى الأبد، سأصنع لنفسي قناعاً من طين وأعيش في الظل كإنسانة عادية، ولن أرفع إصبعاً واحداً لإنقاذ عالم لا يستحق التضحية. بدأتُ في جمع أشيائي البسيطة داخل حقيبتي، مستعدة للمغادرة والهروب إلى شقتي الصغيرة المنعزلة. لكن فجأة، انفتح باب القسم الرئيسي بعنف، وساد صمت رهيب ومفاجئ، سحق كل همسات الموظفين وصوت نقرات لوحات المفاتيح. كان الصمت ثقيلاً، من النوع الذي يسبق العواصف المدمرة. التفتُّ ببطء شديد، حريصة على ألا أبدي أي رد فعل سريع قد يثير الشكوك. وفي تلك اللحظة، تجمدت الأنفاسي في صدري خلف زجاج نظاراتي. كان هو.. "ياسين". المدير التنفيذي الجديد والصارم لمجموعة "سايبر-تيك"، والرجل الغامض الذي تتصدر صورته غلاف المجلات الاقتصادية والتقنية. لم يكن مجرد رجل أعمال ثري، بل كان يُعرف بذكائه الحاد الذي يقترب من العبقرية، وهيبته التي تجبر الجميع على الانحناء. كان يرتدي بدلة داكنة مصممة بعناية فائقة، تبرز بنيته القوية والطويلة. كان يسير بخطوات هادئة ومدروسة، وخلفه يتحرك طاقم من المساعدين والحراس الشخصيين مثل الظلال. ملامح وجهه كانت حادة كالسيف، وعيناه الرماديتان كانتا تشبهان الصقيع.. باردتان، نافذتان، وتقرآن البشر ككتب مفتوحة. لم يكن دخوله إلى قسم البرمجيات مجرد زيارة تفقدية عادية، بل كانت عيناه الحادتان تمسحان الوجوه والمكاتب بدقة مرعبة، وكأنه صياد ماهر يبحث عن ثغرة، أو عن خيط رفيع يقوده إلى صيد ثمين. التقارير السرية التي التقطتها أجهزتي سابقاً كانت تقول إن ياسين يدير منظمة سرية للغاية تحت غطاء الشركات، منظمة مدعومة من الاتحاد تبحث بـاستماتة عن "البطلة الخارقة المفقودة" ذات العيون الذهبية، بهدف إعادتها للميدان أو القضاء عليها إن شكلت تهديداً. بينما كان يتقدم في الممر الأوسط بين المكاتب، توقف فجأة. انحرفت نظراته الباردة مباشرة نحو الزاوية التي أجلس فيها. وفي تلك اللحظة بالذات، التقت عيناه بعيني خلف زجاج نظاراتي الطبية. في جزء من الثانية، شعرتُ بصدمة كهربائية تسري في عمودي الفقري. ذبذبة طاقة غريبة وعنيفة تفجرت داخل جسدي، وكأن القوة الخارقة المدفونة في أعماقي قد استيقظت فجأة من سباتها، تصرخ في داخلي وتحذرني من الخطر الحاد الذي يقف أمامي. تسارعت دقات قلبي، وبذلتُ جهداً خارقاً للسيطرة على تعابير وجهي حتى لا تظهر ذرة خوف أو ارتباك. كانت نظرته طويلة، عميقة، ومحملة بشكوك ذكية جعلتني أشعر وكأنه يحاول اختراق زجاج نظاراتي وقناعي الطيني ليرى ما خلفه. لم أكن أعلم في تلك اللحظة، أن دخول ياسين المباغت إلى عالمي الهادئ سيكون شرارة البداية لأعنف صراع في حياتي، بداية النهاية لكل الأقنعة التي ارتديتها، وأن أسراراً مظلمة توشك على الانفجار.. أسرار ستجعل الرماد يشتعل من جديد.بينما كنا نرسم مسارنا على جدار السرداب المضيء، شعرتُ بلمسةٍ خفيفة على قلبي. كانت ذكرى شجرة التين تتردد في ذهني، وتلاشت للحظة، وحل محلها تصميمٌ صارم لا يلين. كنتُ أعلم أننا سنخوض معارك أشرس، أننا سنفقد الكثير من أحلامنا القديمة، لكنني كنتُ أعلم أيضاً أننا أصبحنا نملك الحقيقة التي ستدمر زيف النظام.في نهاية الفصل، وقبل أن نتحرك، نظرت ميرا إلى الأعلى، نحو الظلام الذي يغطي السقف، وكأنها تلمح شيئاً بعيداً. "أرين يشعر بنا الآن،" قالت بصوتٍ هادئ لا يهتز. "لقد بدأتُ في تغيير التردد، وقد لاحظ التغيير. لقد أرسل نبضات تحذيرية في الأثير. المواجهة القادمة لن تكون في الأنفاق، ستكون في عقر داره."أمسكتُ بيديها، وشعرتُ ببرودة جلدها، لكنني أحسستُ بحرارة إرادتها التي لا تقهر. لم نعد هاربين. كنا الفجر الذي بدأ يلوح في أفق هذا السجن الرقمي، وسنحرق كل شيءٍ يبني قيودنا، حتى لو اضطررنا لأن نكون نحن الوقود لهذا الحريق العظيم. انطلقنا بعدها نحو القطاع الرابع، بقلوبٍ مثقلةٍ بالذكريات، وعقولٍ مشحونةٍ بالرغبة في التغيير، مدركين أن كل خطوة تخطوها أقدامنا تقربنا أكثر من النقطة التي سيتغير فيها تاريخ المدينة إلى ال
داخل أنبوب التصريف الذي زحفنا عبره، كانت الرائحة لا تُطاق؛ خليطٌ من مياهٍ راكدةٍ كيميائية وبخارٍ معدني يلف المكان. لم يكن الأنبوب مجرد ممر، بل كان شاهداً على مدى تعقيد المدينة؛ أسلاكٌ نحاسية متشابكة تلتف حول الأنابيب كأنها شرايين، وجدرانٌ تهتز بتردداتٍ منخفضة تجعل عظامنا ترتجف. كان فهد يتقدمنا، سلاحه جاهز، بينما كان ياسين يراقب جهازه الذي بدأ يعطي إشاراتٍ متقطعة؛ لقد ابتعدنا عن المناطق التي يسيطر عليها النظام بالكامل، ودخلنا إلى ما يسمى بـ "المنطقة الرمادية" – مساحة لم تُرقمن بعد بالكامل، أو ربما سقطت من ذاكرة أرين.توقفنا في تجويفٍ واسعٍ نسبياً، حيث تقاطعت عدة أنابيب ضخمة. كان ياسين يلهث، وقد مسح العرق عن جبينه. "أظن أننا في أمان مؤقت،" قال بصوتٍ خافت. "هذه المنطقة.. الإشارات هنا مشوشة بشكل غريب. النظام لا يستطيع اختراق هذا العمق بسهولة."لكنني كنتُ أنظر إلى ميرا. كانت تجلس في زاويةٍ منعزلة، تضع يديها المضمادتين على أنبوبٍ ضخم يمر بجانبها، وتغمض عينيها بتركيزٍ شديد. لم تكن خائفة. كانت تستمع. ليس للضجيج، بل للنبضات الخفيفة التي تسري في معادن المدينة."ميرا، ما الذي تفعلينه؟" سألتها، و
لم يكن السكون في السرداب مطلقاً كما ظننا في البداية. مع مرور الوقت، بدأ سمعي يتكيف مع الترددات المخفية في جدران هذا المكان. لم يكن صمتاً طبيعياً؛ كان صمتاً ثقيلاً، مشحوناً بنبضاتٍ خافتة، وكأن السرداب نفسه كان يحاول كتم أنفاسه لتجنب إثارة انتباه "أرين". كنا نجلس في تلك العتمة، وأنا أراقب فهد وياسين وهما يحاولان ترتيب ما تبقى من أجهزتنا البدائية، بينما كانت ميرا لا تزال مستغرقة في حالة من السكون العميق، وكأنها في رحلة داخلية لا أعرف عنها شيئاً.كان الهواء يزداد ثقلاً، وبدأت أشعر بـ "ضغطٍ" غريب في صدغي، شعورٌ يشبه الرغبة في التقيؤ، وهو مؤشرٌ على أن "النظام" ليس بعيداً. ميرا بدأت تتململ، وفتحت عينيها فجأة. لم تكن نظرتها كما كانت في الفصل السابق، بل كانت نظرة حادة، متيقظة، وكأنها التقطت إشارةً لم أستطع أنا إدراكها."إنهما يقتربان،" همست."من؟" سألتُ، وأنا أقف بسرعة، وأمسك بسكيني التي أصبحت رفيقتي الدائمة في هذه الرحلة."المطهرون،" أجابت ببرودٍ مرعب. "لقد تتبعوا النبضة المغناطيسية التي أطلقها ياسين. لم يكن الانهيار كافياً لمسح أثرنا. أرين.. أرين لا ينسى."نظرتُ إلى ياسين، الذي كان لا يزال ي
لم يكن هناك سوى صمتٍ مطبق في ذلك السرداب المنسي، صمتٌ يلفُّ المكان كوشاحٍ ثقيل، يقطعه فقط صوت أنفاسنا المتسارعة التي بدأت تهدأ تدريجياً. كان السرداب عبارة عن حجرةٍ مستطيلة، جدرانها مغطاة بطبقةٍ سميكة من غبارِ السنين، وتتخللها شقوقٌ ضيقة تسمح بمرور خيوطٍ ضعيفة جداً من الضوء المحبوس، كأنها خيوطُ أملٍ ضئيلة تتسلل إلى قاع بئرٍ عميق. وضعتُ ميرا على كومةٍ من الأقمشة التي كانت تبدو وكأنها بقايا أثاثٍ تحلل مع الزمن، وكانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً من الرطوبة، والصدأ، ورائحة الأرض العميقة التي لم تلمسها شمسٌ منذ عقود.كنتُ أراقب وجهها تحت الضوء الشحيح. كانت تبدو هشةً كدميةٍ من الخزف، شاحبةً لدرجةٍ تجعل عروقها الزرقاء تظهر بوضوح تحت جلدها الرقيق. يداها المضمادتان كانتا مستقرتين على صدرها، وكأنها تحاول حماية نفسها من العالم الخارجي حتى وهي في حالة سبات. لقد انتصرنا في الهروب، لكن الثمن كان بادياً على كل إنشٍ من جسدها. لم أكن أريد أن أستيقظ من هذا السكون، رغم إدراكي أن المطاردين في الخارج قد لا يتركوننا طويلاً.اقتربتُ منها ببطء، وجلستُ بجانبها على الأرض الباردة. شعرتُ ببرودة الحجر تنتقل إلى جسد
بمجرد أن خطونا الخطوة الأولى بعيداً عن "عش" ميرا، بدأت الأنفاق تتصرف بطريقةٍ لا يمكن وصفها إلا بالجنون المحض. لم تكن الأنفاق مجرد ممرٍ من الصخر والطين، بل كانت أشبه بجلدٍ حيٍّ يتنفس، جسدٍ ميكانيكيّ ضخمٍ استيقظ للتو. كان جدار النفق الأيمن ينكمش ببطء، تارةً يبرز منه أسلاكٌ تشبه العروق النابضة، وتارةً يضيق ليلفَّنا في ممرٍ خانقٍ يفوح منه صليلُ المعدن الممزق. الهواء الذي نتنفسه أصبح ثقيلاً، مشبعاً بطعمِ الأوزون والصدأ، وكأن المدينة تحاول أن تبتلعنا في جوفها المظلم."لا تنظروا إلى الجدران!" صرخت ميرا، وصوتها كان يرتجف، ليس من الخوف فحسب، بل من الإجهاد الذهني الهائل الذي كانت تتعرض له. كانت ممسكة بيدي بقوة لدرجة أن أظافرها كادت تغرس في جلدي، بينما كانت يدها الأخرى تلوح في الفراغ، أصابعها ترسم في الهواء أنماطاً ضوئية غير مرئية، كأنها تعزف على سيمفونيةٍ من الأكواد التي لا يراها غيرها. "إنها مجرد خوارزميات إدراكية! إذا صدقتم أنها تضيق، ستسحقكم فعلاً. العقل هنا هو المفتاح.. لا تعطوها الفرصة لتقرأ مخاوفكم.""ماذا يعني ذلك؟" سأل ياسين بصوتٍ متهدج، وهو يراقب بذهولٍ قطعةً من المعدن في الجدار تتحول
كانت الرطوبة في الأنفاق السفلى ذات ملمسٍ لزج، تشبه العرق الذي يغطي أجسادنا من التوتر. الهواء هناك، بعيداً عن أجهزة التهوية الرئيسية، كان مشبعاً برائحة النحاس المحترق والتراب القديم. حين توقفنا أمام تلك الفجوة في الجدار—التي لم تكن صدفة، بل بدت وكأنها "عش" صممته كائنات لم تعتد ضوء الشمس—ساد صمتٌ خانق، صمتٌ لم يقطعه إلا صوت نبضات قلبي التي كانت تعزف إيقاعاً مضطرباً في أذنيّ. حين سلط ياسين ضوء مصباحه إلى الداخل، انحسرت الظلال لتكشف عن "ميرا". كانت تجلس على بساطٍ من خرقٍ بالية، محاطة بهياكل أجهزةٍ قديمة فككتها بمهارة مذهلة، وكأنها طفلة تلعب بألعابها، لكن ألعابها كانت تتكون من دوائر إلكترونية، أسلاك عارية، وألواح طاقة مهربة. لم تكن "نسخة" رقمية، كانت طفلة من لحم ودم، بشعرٍ أشعث ووجهٍ شاحبٍ كأنه لم يرَ نور النهار منذ سنوات. كانت ترتدي سترة المختبر الكبيرة التي تتدلى على كتفيها الضعيفتين، تحمل شعار "سايبر-تيك" الذي كان يبدو كوصمة عارٍ على جسدها الصغير. وفي اللحظة التي التقت فيها عيناها بعيني، تجمدت الدماء في عروقي. لم تكن عيناها تعكسان البراءة المعهودة للأطفال في عمرها؛ كانت عيناها تشعان بب







