LOGIN[بصوت: مُنى] كانت قاعة "دهليز الختم" تغرق في صمتٍ ثقيل، صمتٍ لا يشبه السكينة التي نعرفها، بل يشبه هدوء المقابر الجليدية بعد مجزرة مروعة. ذرات الغبار الفضي التي كانت يوماً أرواح أجداد إلياس لا تزال معلقة في الهواء الكثيف، تتلألأ في عتمة المكان كشواهد قبور مضيئة، تتساقط ببطء لتستقر على ملابسنا ووجوهنا. رائحة السحر المحترق والرماد كانت تخنق أنفاسي، لكن المنظر أمامي كان يخنق روحي. في المنتصف، كان إلياس راكعاً على الأرضية الحجرية القاسية، منحنياً على نفسه كجبلٍ تصدع وانهار من الداخل. أنفاسه المتقطعة، التي تشبه اختناق رجل يغرق، كانت الصوت الوحيد الذي يكسر وحشة المكان. تقدمتُ نحوه بخطواتٍ بطيئة ومترددة، أخشى أن أوقظ ذلك الوحش الكامن تحت جلده والذي أباد أجداده للتو. نزلتُ على ركبتي بجواره، ولمستُ كتفه برفق، فانتفض وكأنني جمرة من نار لامست جلده العاري. رفع رأسه إليّ. كانت عيناه الرماديتان محمرتين، فارغتين من أي كبرياء عهدته فيه، ولا تعكسان سوى انكسارٍ مرعب وذنبٍ يسحقه. "لم أستطع إيقافه يا مُنى..." همس بصوتٍ مبحوح، يرتجف من القهر والعجز. "لقد قتلهم... قتل ما تبقى من شعبي... وأنا كنت مج
[بصوت: إلياس]تركنا الجسر الزجاجي خلفنا، ومع كل خطوة نخطوها أعمق، كان الهواء يزداد برودة وثقلاً، حتى تحول إلى ضباب رمادي كثيف يلتصق بالجلد.انتهى بنا المطاف أمام بوابة حجرية عملاقة محطمة، تفضي إلى قاعة شاسعة محفورة في قلب الجبل. لم تكن مجرد كهف، بل كانت أشبه بمعبدٍ قديم نُهب ودُمر منذ آلاف السنين. كانت الأرضية مغطاة بطبقة كثيفة من الرماد، والجدران تحمل بقايا نقوش تشبه تلك التي رأيناها في الكهف الكريستالي. نحن الآن في "دهليز الختم"... الغرفة التي تسبق سجن الكيان مباشرة.وفجأة، بدأ الرماد تحت أقدامنا يرتجف.انبعث من الأرض ضوءٌ فضي باهت، وتجمع الرماد المتناثر ليتشكل في هيئات بشرية شفافة. العشرات من الأطياف نهضت من سباتها، تحمل رماحاً ودروعاً متهالكة.تراجعت رنا خطوة للوراء، وأشعلت نيرانها، بينما سحب زياد سيفه ووقف في المقدمة. لكنني وقفت متسمراً في مكاني، وعيناي تتسعان في صدمة شلت كل أطرافي.لم تكن هذه وحوشاً من الهاوية... لقد رأيت هذا الدرع من قبل في مخطوطات عائلتي. رأيت هذا الشعار المحفور على صدورهم؛ شعار "الشمس المكسوفة". هؤلاء لم يكونوا أعداء. هؤلاء كانوا "قبيلة الرماد"... أجداد
[بصوت: زياد]غادرنا الكهف الكريستالي، وتركنا خلفنا آخر بقعة آمنة في هذا الجحيم. كلما تعمقنا في السراديب الحلزونية الضيقة التي تقودنا لأسفل، كان الهواء يزداد ثقلاً، محملاً برائحة الكبريت واليأس القديم.كقائد عسكري، لطالما كانت وظيفتي الأولى هي قراءة ساحة المعركة، لكن الأهم من ذلك، قراءة جنودي. لقد حاربتُ كتفاً بكتف مع إلياس في صقيع الشمال، وأعرف إيقاع سيفه، وأعرف تماماً كيف أصبح قتاله بعد أن ارتبط بمُنى. كانا معاً قوة لا تُقهر؛ نورها يمهد الطريق، وظلامه يضرب كالرعد. تناغمٌ أسطوري يغني عن ألف سيف.لكن اليوم؟ كان هناك شيء مكسور بينهما.تعرضنا لهجوم مباغت من "زواحف الشق"؛ كانت عبارة عن مخلوقات صخرية عمياء تعتمد على الصوت. في العادة عندما كنا نتعرض للهجوم، كانت مُنى تطلق ومضة من سحر الفجر لتعميها وتشتتها، بينما يندفع إلياس لحسم الأمر. لكن هذه المرة، تسمرت مُنى في مكانها، ويداها ترتجفان وهي تحاول استدعاء نورها وكأنها تخشى أن يلامس سحرها ظلاله.في ذات الوقت لم ينتظر إلياس هجوم مني و اندفع وحده كعاصفة هوجاء نحو هذه الوحوش. لم تكن تحركاته محسوبة أو تكتيكية كما عهدته، بل كانت عشوائية، غاضبة، وم
[بصوت: إلياس]لم يكن هناك صقيع، ولا شق أسود، ولا رائحة للرماد والدماء.فتحتُ عيني لأجد نفسي أقف في شرفة قصرٍ رخامي دافئ، تطل على حدائق تسبح في ضوء شمسٍ ذهبية، شمسٍ لم تلمس وجهي منذ أن نُفيت إلى جحيم الشمال. التفتُّ حولي بذهول، فرأيتها.كانت مُنى تقف وسط بحرٍ من زهور الياسمين البيضاء. لم تكن ترتدي فساتين الأكاديمية الثقيلة الملطخة بالدماء، ولم يكن التاج اللعين يثقل رأسها. كانت ترتدي ثوباً أبيض بسيطاً يتحرك بخفة مع نسيم الربيع. التفتت إليّ، وابتسمت. كانت ضحكتها صافية، خالية من الخوف، خالية من ثقل العالم. كانت آمنة تماماً.شعرتُ بقلبي يرتجف في صدري من فرط السكينة. طوال سنوات، كان كل ما أتمناه هو أن أرى هذه الابتسامة دون أن يعكر صفوها تهديدٌ بالموت. أردتُ الركض نحوها، أردتُ أن أضمها وأتأكد من أن هذا السلام حقيقي، لكن الظلال من حولي تكثفت فجأة، وتجمدت الشمس في السماء كلوحة باهتة."هل يعجبك هذا السلام، يا حامل دمي؟"تردد الصوت في أذني. لم يكن زئيراً لوحشٍ غاضب كما تخيلته دائماً، بل كان صوتاً عميقاً، هادئاً، وحكيماً كمستشارٍ يهمس في أروقة العقل. كان صوت الكيان.حاولتُ استدعاء سيفي، ل
[بصوت: مُنى]كانت الهوة التي تفصلنا عن زياد ورنا تبدو كفم وحش مفترس يبتلع الضوء والصوت. وقفتُ على حافة الجسر المحطم، ورغم البرد القارس الذي يلف الهاوية، كانت "شرارة الفجر" تنبض في صدري كشمس صغيرة، تبعث الدفء في عروقي وتطرد أي شعور بالضعف. كان زياد ورنا مجرد نقطتين صغيرتين تستقران على نتوء صخري ضيق، يبرز من جدار الهاوية العمودي على بُعد عشرات الأمتار تحتنا."كيف سنصل إليهما؟" سأل ساري وهو يلهث، والدم لا يزال يلطخ وجهه بعد تعويذة الكسوف. "الفراغ لدي لا يكفي لنقلنا جميعاً... طاقتي تقترب من النفاد."نظر إلياس إلى الأسفل، وعيناه الرماديتان تشتعلان بتصميم لا يلين. أحكم قبضته على سيفه، ثم التفت إليّ، ومد يده الخشنة ليشبك أصابعه بأصابعي."أحتاج نورك يا مُنى،" قال إلياس بصوت مهيب. "ظلامي وحده سيكون ثقيلاً وغير مستقر في هذا الفراغ. سحر الفجر هو الوحيد القادر على حملنا."ابتسمتُ بثقة، وأطلقتُ العنان للنور الذهبي الذي يجري في دمائي. دمجتُ نوري بظلامه الخالص، وانطلقت من تحت أقدامنا أشرطة من الظلام الكثيف تتخللها عروق من النور الساطع كالمعدن المنصهر. امتدت هذه الأشرطة في الهواء وتصلبت لتشكل در
[بصوت: زياد]تفتتت الحافة الحجرية بالكامل تحت قدمي، وبدأ جسدي في السقوط الحر نحو ظلام الشق الذي لا يُرى له قاع. الرياح الباردة بدأت تصفع وجهي بقسوة، والجاذبية تسحبني نحو حتفي المؤكد. في تلك اللحظة التي تسبق الموت، تتوقف عقول البشر العاديين عن التفكير، ويستسلمون للرعب المطلق. لكنني لست بشراً عادياً؛ أنا جندي، والجندي لا يموت بسهولة هكذا.نظرتُ إلى الأعلى بينما كنت أسقط، فرأيت ابتسامة التشفي المقيتة ترتسم على وجه كبير القضاة وهو ينظر إليّ من حافة الجسر، ظاناً أنه قد حسم المعركة، وأن دماءنا ستكون ثمناً لانتصاره.(لن تحتفل بموتي أيها الوغد).في أجزاء من الثانية، تركتُ مقبض سيفي المكسور يسقط من يدي، وبحركة غريزية وسريعة كلفحة الأفعى، ضغطتُ على زنادٍ خفي في درع معصمي الأيمن. انطلقت سلسلة معدنية رفيعة وشديدة الصلابة، تنتهي بخطافٍ حاد، كان هذا سلاحي السري الذي لم أستخدمه سوى في أحلك الظروف.انطلقت السلسلة كالسهم للأعلى، والتف الخطاف بقوة وعنف حول عنق كبير القضاة الذي اتسعت عيناه بصدمةٍ لم يمتلك الوقت لاستيعابها.ومع استمرار جسدي الثقيل والمغطي بالدروع في السقوط، شكلت السلسلة قوة سحبٍ هائلة لا