تسجيل الدخول
"هل أنتِ متأكدة يا صوفيا؟" سألتُ بصوت منكسر، بينما كانت يداي ترتجفان وأنا أمسح حواف الصحون الفضية الثقيلة التي تكدست أمامي.
كان قلبي يخفق بسرعة، مفعماً بالرعب. "متأكدة جداً يا سيلينا، الألفا فولكان يمر بنوبة غضب بركانية الليلة." أجابتني صوفيا بنبرة متقطعة وهي ترتب أواني المطبخ بحركة محمومة. التفتَتْ نحوي وعيناها الواسعتان تعكسان خوفاً حقيقياً استقر في حدقتيها، ثم تابعت: "الخطأ في حضرته الليلة لا يعني سوى شيء واحد... الموت. القطعان المجاورة تتربص بنا على الحدود، واللعنة تنهش عقله وجسده بلا رحمة، وحشه هائج الليلة ولا يرحم أحداً يقف في طريقه." أومأتُ برأسي، ودموعي المتحجرة تحجب الرؤية عن عيني. أنا خادمة بلا صوت في قصر الرماد. عدتُ بنظري إلى الصحون الفضية، أحاول تركيز كل طاقتي في تنظيفها كي لا يلاحظ أحد الاضطراب الذي يجتاح جسدي. كانت جدران المطبخ السفلي مبنية من صخور سوداء سميكة، تنضح بالرطوبة وتفوح منها رائحة الحطب المحترق والبهارات الحادة التي تملأ الأجواء. هذا المكان المقبب تحت الأرض كان أشبه بالسجن، لكنه بالنسبة لي كان الحصن الوحيد الذي يفصلني عن الهلاك. قبل ثلاث سنوات، كنتُ أعيش حياة مختلفة تماماً. حياة مليئة بالدفء والأمل قبل أن يحل الجحيم بساحتنا. أتذكر ذلك اليوم وكأنه حدث بالأمس؛ حين اقتحم الألفا الخائن قريتي مع جنوده، حرقوا البيوت، وسفكوا الدماء، وسلبوني كل ما أملك. لم يكتفِ بتدمير موطني، بل ترك عنقي مشوهاً بوشم ملعون غائر، عقدة سحرية سوداء التهمت صوتي وحبست وحشي الداخلي في سجن من الصمت الأبدي. والأبشع من ذلك كله، أنه سرق مني طفلي الوليد. انتزعه من بين يديّ وأنا عاجزة عن الصراخ، مدعياً أنه مات، تاركاً إياي جثة تتحرك بلا روح. قدمتُ كل ما أملك لأختفي عن الأنظار، غيرتُ معالم حياتي، وابتلعتُ كبريائي لأعيش كخادمة بكماء لا اسم لها ولا أثر وسط مئات الخدم. كنتُ أظن أن عرين الألفا فولكان — الحاكم الطاغية الأعمى والأكثر دموية — هو المكان الآمن الذي لن يخطر على بال أحد أن يبحث فيه عني أبداً. فالجميع يهرب من قصر الرماد خوفاً من بطشه، بينما أنا وحدي من لجأتُ إليه طائعة. "سيلينا! خذي هذه الأواني وتحركي بها نحو الردهة العلوية فوراً، رئيسة الخدم تصرخ في الخارج." قطعت صوفيا حبل أفكاري وهي تضع صينية برونزية ثقيلة بين يديّ. نظرتُ إليها بنظرة مستجدية، لكنها هزت كتفيها بقلة حيلة. حملتُ الصينية الثقيلة، وشعرت ببرودة المعدن تخترق جلدي المرتجف. تحركتُ بخطوات وئيدة نحو السلالم الحجرية المؤدية إلى الأعلى. مع كل درجة أخطوها، كان الهواء يصبح أكثر ثقلاً وكثافة. لم يكن هواءً عادياً، بل كان مشبعاً بفيرومونات خانقة بدأت تتسرب من جناح الألفا، معلنة أن الطاغية قد بدأ بالتحرك، ومحولة أروقة القصر إلى ساحة توتر يستحيل التنفس فيها. عندما وصلتُ إلى الردهة الكبرى، كان المشهد مرعباً. عشرات الخدم والحراس يقفون بصفوف منتظمة كالتماثيل الحجرية، ملامحهم متيبسة، وأنفاسهم محبوسة. الأضواء المنبعثة من المشاعل الجدارية الكبيرة كانت تتراقص على الجدران، ترسم ظلالاً مشوهة تعكس الأجواء الجنائزية التي خيمت على المكان. ساد الصمت بغتة في الردهة الكبرى. كان صمتاً حاداً ومفاجئاً قطع حتى حفيف الملابس وجلبة الأواني الخفيفة، كأنما ضربت المكان صاعقة غير مرئية جمدت الدماء في العروق. انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة المؤدية إلى جناح القيادة العلوية، واهتزت أساسات القصر بأكملها تحت وطأة خطوات ثقيلة، منتظمة، تحمل نبرة دموية طاغية لا تخطئها أذن مستذئب أو بشر. لقد وصل الألفا فولكان. كان مرآه يحبس الأنفاس ويجبر العقول على الانحناء طوعاً أو كرهاً. جسده الشاهق الضخم، العاري الصدر، بدا وكأنه نُحت من صخر بركاني أسمرته نيران المعارك المستعرة. عضلات صدره وبطنه كانت مفتولة بصرامة، وتنساب فوقها ندوب غائرة، متقاطعة كأوسمة حرب دموية، تروي حكايات الموت والتمزيق الذي وزعه بيديه العاريتين على كل من تجرأ على تحديه. كانت بشرته تشع بحرارة لافحة غير طبيعية، وكأن وحشه الداخلي يحترق بالداخل، وينبعث منه فيض مرعب من فيرومونات الهيمنة الشرسة. كانت تلك الطاقة نقية وكثيفة لدرجة أنها أجبرت الجميع في الردهة على الجثو على ركبهم تلقائياً، وإلصاق جباههم بالأرض الباردة. لم يكن هناك خيار آخر؛ فالبقاء واقفاً في حضرته يعد إعلاناً للعصيان. فوق عينيه الحادتين، كان يلتف شريط عريض من الحرير القرمزي الداكن، مربوطاً بإحكام خلف رأسه ليخفي وراءه سر لعنته: العمى الجزئي الذي أصابه نتيجة سحر أسود قديم. لكن تلك العصابة الحريرية لم تكن لتنقص من كونه المفترس الأعلى في هذه الممالك؛ بل كانت تضفي عليه غلافاً من الغموض المخيف. كان وحشه الداخلي قد طور حواساً بديلة خارقة، حواساً ترى دقات النبض، وتتحسس موجات الخوف المتصاعدة، وتستنشق النوايا الدفينة دون حاجة لضياء الشمس أو نور البصر. كان يتحرك بين الصفوف بثقة مطلقة، ثقة صياد يعرف أين تقع فريسته بدقة متناهية. ألصقتُ جسدي بالأرض الصخرية الباردة، ووضعتُ الصينية البرونزية بجانبي بعناية فائقة كي لا تصدر أي صوت قد يلفت الانتباه. ضغطتُ بكفيّ على البلاط الخشن حتى ابيضت أصابعي من شدة الضغط. كانت هالته الدموية ثقيلة جداً، تضغط على صدري كصخرة عاتية تمنع رئتيّ من التمدد واستنشاق ما تبقى من الهواء. في تلك اللحظة بالذات، شعرتُ بالوشم الملعون المحيط بعنقي يبدأ بالوخز العنيف. بدأت تنبعث منه حرارة لاسعة غريبة، نبضات حرارية متلاحقة تنهش جلدي تحت الخمار الأسود. كأن الطاقة الوحشية المستعرة التي يشع بها جسد فولكان قد تواصلت سحرياً وتفاعلت مع العقدة الخاملة في جسدي. سرت في أوصالي قشعريرة ألم حارقة امتزجت بخوف وجودي مرعب؛ خوف من أن يكتشف هذا الطاغية أمري، أو يشعر بالسحر الأسود المخبوء في جسدي قبل أن أحقق غايتي، وأصل إلى طفلي المستباح. تيبس الكون في عيني تماماً عندما توقفت تلك الخطوات الرعدية فجأة. انقطع كل صوت في الردهة، ولم أعد أسمع سوى أزيز دمي الهادر وهو يتدفق بعنف في أذنيّ. من موقعي المنحني ووجهي القريب من الأرض، أبصرتُ الحافة السفلية لسرواله الجلدي الأسود الثقيل تتوقف على بعد إنشات قليلة جداً من رأسي. كانت المسافة قريبة لدرجة أنني استطعت رؤية الغبار العالق بحذائه الثقيل. احتبست أنفاسي في حلقي، ودهم الرعب كل خلية في جسدي، وشعرت بأن عضلاتي قد أصيبت بشلل تام من فرط الخوف. رفع فولكان رأسه عالياً في الهواء، وتحركت عضلات صدره العريض بقوة وصرامة وهو يسحب زفيراً طويلاً، متبوعاً بشهيق عميق غير طبيعي. تكررت الحركة، وكأنه يمتص كل ذرات الأكسجين المحيطة بنا. في تلك اللحظة، شعر الحراس المحيطون به بالتوتر، وظنوا أن هجوماً ما وشيك الحدوث. لكن وحشه الداخلي، الذي كان يزأر غضباً طوال الساعات الماضية ويمزق عقله بسبب آلام اللعنة، سكن فجأة بطريقة مباغتة وغير مفهومة له. انقبض فكه الحاد وتوترت عروق عنقه القوية بينما كانت حاسة شمه الخارقة تلتقط خيطاً رفيعاً غامضاً من رائحة لم يعهدها في قصر الرماد من قبل. لم تكن رائحة دم خادمة عادية، ولا رائحة طعام أو حطب. كانت رائحة عذبة، نادرة، تشبه عبير زهور برية سُحقت تحت المطر في ليلة ربيعية. رائحة دماء ملكية نقية، دافئة ومثيرة، تخفي نفسها بذكاء وراء طبقات غبار المطبخ، ورماد الحطب الحارق، وعرق الخوف الذي يفرزه الخدم. تلك الرائحة اللذيذة لمست شيئاً خامداً في أعماق روحه الممزقة، وطردت — ولو للحظات معدودة — النيران الحارقة التي كانت تنهش عقله وجسده الملعون. شعر براحة مفاجئة خففت من وطأة الصداع الذي كان يمزق رأسه. مال بجسده الضخم نحو الأسفل بنحو بطيء ومقصود، متتبعاً هذا الأثر السحري الذي كان ينبعث بوضوح من جسدي. انحنى فوقي كصخرة عظيمة أوشكت أن تسقط، مستنشقاً الهواء بالقرب من رأسي وجسدي المنحني كحشرة ضعيفة تحت قدميه. طالت الثواني حتى بدت لي كأنها دهور من العذاب والانتظار في غياهب الجحيم. كنتُ أشعر بأنفاسه الساخنة اللاهبة كالجمر تخترق قماش خماري السميك لتلفح جلد عنقي المشوه مباشرة. دقات قلبي المتسارعة كانت تدوي في صدري كطبول حرب عنيفة، وأنا أعلم علم اليقين أن المستذئبين — وخصوصاً الألفا المهيمن — يستطيعون سماع النبض واحتساب سرعته وتحديد مدى ذعر الفريسة من خلاله. كان يعلم أنني مرعوبة، لكنه لم يكن يعلم من أكون. تمتم فولكان بنبرة منخفضة أجشة حملت حشرجة وحشية أرعشت الحجارة من حولنا، وتساءل في سره عن كنه هذه الظلال الصامتة التي تجثو أمامه وتفرز هذا العبير الساحر الذي يهدئ وحشه. تلمست أصابعه الضخمة نصل خنجره المثبت على خصره، وكأنه فكر لثانية في كشف وجهي ومعرفة هويتي. لكنه، وضغطاً من أصوات قادة القطيع المترددة في قاعة الاجتماعات، والواجبات الصارمة لليلة ذكرى العرش التي لا تنتظر، أطبق فكه بقوة وتراجع خطوة إلى الوراء. استدار بحركة سريعة وحاسمة، مكملاً طريقه ب هدوء غاضب نحو قاعة العرش العلوية، وسط تنهيدات ارتياح مكتومة انطلقت من صدور الحراس والخدم الذين ظنوا أن العاصفة قد مرت. خلفني فولكان وراءه وأنا أتهاوى ببطء على الأرض الصخرية بجسد يرتجف بلا سيطرة. شعرت بأن قواي قد استُنزفت بالكامل في تلك الدقائق القليلة. بدأتُ ألتقط أنفاسي المفقودة بصعوبة بالغة، وعينائي تتسعان من فرط الصدمة. أسرعت صوفيا نحوي وتناولَت الصينية من يدي وهي تهمس بذعر: "سيلينا! هل أنتِ بخير؟ ظننتُ أنه سيقطع رأسكِ الليلة!" لم أستطع إجابتها، بل اكتفيتُ بالنظر إلى الممر المظلم الذي اختفى فيه جسده الضخم. كنتُ مدركة بيقين مرعب، يقين يهز كل أركان وجودي، أن أول شرخ في قناع صمتي الذي حافظتُ عليه لسنوات قد كُسر تماماً... وأن الوحش الطاغية قد استنشق أثري الملكي، ولن يتوقف حتى يلتهم ظلالي بالكامل.لم يكن البياض المطلق الذي نفثه الخنجر البلوري من جدار المرآة الكونية إلا الرمق الأخير لأوهام السلالات الغابرة؛ إذ تحطم طيف المحو وتبخرت لعنة النسيان تحت وطأة الاصطدام بالنقاء الأزلي لرابطة الألفا واللونا، تلك الرابطة التي صيغت من الفولاذ وتلظت بكير الشغف السيادي. انقشعت الظلال الملعونة عن مخدع الأباطرة، واسترد الوعي الإمبراطوري عافيته الكاملة، ليجد "قايد" و"سيلينا" أن روحيْهما قد انصهرتا في سبيكة عصية على الفناء. ومع انبثاق خيوط فجر أثيري ناصع، فجر لم تشهد الممالك الطاهرة بمثله ضياءً ونقاءً، تقدم القادة العشاق نحو "الشرفة العلوية الشاهقة" لقصر الرماد، الشرفة البازلتية العظيمة التي تتربع فوق قمم الجبال الإمبراطورية وتطل على امتداد القطاعات الموحدة، حيث بدت الأرض من تحتهم كبحر من الرماد المقدس والسهول الخضراء التي عُمدت بالنور والحرية.وقفت اللونا الإمبراطورية سيلينا بجانب ذئبها الأوحد "فولكان"، سافرة الوجه، لا يواري جمالها الملائكي الطاغي حجاب، تاركة خصلات شعرها الفضي الطويل تتطاير مع نسائم الصباح الباردة كأمواج من الأثير السائل. كانت ترتدي ثوبًا إمبراطوريًا من الحرير الفضي
لم يكن الوعيد الذي نفثته المسلة الحجرية السوداء في مطلع الفجر إلا الطور الأخير من اختبارات الدم التي خاضها الإمبراطور "قايد" واحتوتها اللونا "سيلينا" بنقاء رابطتها الملكية؛ إذ سرعان ما تفتتت تلك الطلاسم المحرمة وخرّت صريعةً أمام جدار الوفاء الإمبراطوري الذي لا يلين. ومع انقشاع سحب اللعنة المفتعلة، استقر الرضيع في مهده محفوفًا بأنوار طهرت الأثير كليًا، لينبثق فجر ممتد صبغ جدران "قصر الرماد" البازلتية بلون الذهب العتيق. لم يكن هذا اليوم يومًا عاديًا في سجلات التاريخ، بل كان يوم "العرض العسكري الأكبر"، حيث احتشدت فيالق قطيع الرماد والقطعان الشمالية والجنوبية الموحدة في السهل الفسيح الممتد أمام أسوار العاصمة، ليرسموا أمام أباطرة وسفراء إمبراطوريات العالم بأسره لوحة مهيبة تنطق بالهيمنة الشرسة والسيادة المطلقة التي لا تقبل الشريك.على منصة الحكم الشاهقة المرصعة بألواح الفولاذ والياقوت القرمزي، وقفت اللونا الإمبراطورية "سيلينا" كآلهة النور؛ يتدلى شعرها الفضي الطويل كموجات من الضياء السائل على كتفيها، وعيناها الزرقاوان اللامعتان كأحجار الزبرجد تفيضان بكبرياء صارم وفخر لا تشوبه شائب
لم يكن الوعيد الجحيمي الذي انبعث من صدع البلاطات الرخامية وسلاسل الظلام إلا سحابة من سحر أسود زائف، تبددت وتلاشت ما إن اصطدمت بنقاء الرابطة الأثيرية وجدار الوفاء الأزلي الذي شيده "قايد" بذراعيه الحديديتين. انقشعت خطوط الفولاذ الأسود الوهمية عن جسد الرضيع، وعاد المهد إلى سكونه الدافئ تحت ظلال الشموع العطرية، ليبقى الجناح الملكي الإمبراطوري مغلفًا بعبق النصر وعودة الطمأنينة إلى العرين. ولكن، رغم انحسار الخطر الخارجي، كان الصراع النفسي داخل العرين لا يزال يفور كالحمم تحت بشرة الأبطال؛ فالحرب قد تترك الساحة، لكن الشغف السيادي المفرط في الكثافة يظل يطحن أحشاء الألفا واللونا في صراع أبدي بين الكبرياء والاستسلام.كان قايد —الذي تراجع وحشه "فولكان" ليبقى وشمه الفولاذي القرمزي يطوق مفاصله— يجلس على حافة المنصة الوثيرة المغطاة بفرش من فراء الذئاب السوداء الكثيفة. كان صدره العريض المفتول لا يزال يعلو ويهبط بأنفاس متهدجة لاهبة، تحمل رائحة البارود والمسك البري، وعيناه الحمراوان تشعان بنظرات غيرية تملكية شرسة، يتأمل فيها أنثاه كأنه لا يزال يخشى أن ينتزعها الموت من بين يديه. كان يغرس أصاب
لم تكن صرخة "سيلينا" الأثيرية التي دوّت في وعي "قايد" وهو يهوي في غيابات الرتاج الحجري إلا فخًا طيفيًا معقدًا نصبته بقايا العقول المدبرة للمستذئبين المارقين الخوارج، والذين اتخذوا من "المفازة الملعونة" ملاذًا أخيرًا لحشد فيالقهم الموتورة. تلك المفازة، بأرضها السبخة الملحية التي تفوح منها رائحة الكبريت العتيق والدم المتخثر، كانت أشبه بمسرح جحيمي شُيّد خصيصًا لكسر شوكة الإمبراطورية الفتية. ما إن استرد قايد وعيه حتى وجد نفسه في مواجهة طوفان من المقاتلين الخوارج الذين ارتدوا دروعًا مصقولة بنترات الفضة المشعة، حاملين سيوفًا فضية ضخمة صُممت خصيصًا لتمزيق خلايا المستذئبين وشل قدراتهم على التجدد اللحمي.كان الموقف أبعد ما يكون عن النزهة العسكرية؛ فالخطوط الأمامية لقطيع الرماد والنخبة التي لحقت بملكها كانت ترتد تحت وطأة الوابل الفضي والكمائن المباغتة التي نُصبت في وهاد المفازة. شعر قايد بصوت "فولكان" يزمجر في أحشائه كبركان أوشك على اقتلاع قشرة الأرض. لم يكن صراعه النفسي ناتجًا عن خشية الموت، بل من تلك الغيرة التملكية الشرسة والهلع الوجودي الذي اجتاحه لمجرد فكرة أن يُمس حمى ملكته أو
لم يكن نداء الأعماق والذئاب الأوائل الذي انبعث من رتاج البوابة السرية في الحصن العتيق إلا فصلاً مؤجلاً من فصول الأقدار التي لا تهدأ، بيد أن الأباطرة الجدد، بعد أن دانت لهم الممالك الطاهرة واستسلمت لسطوتهم فيالق الشمال والجنوب، آثروا أن يطبعوا صك نصرهم أولاً في قلب عاصمتهم التاريخية. كانت العودة المظفرة إلى "قصر الرماد" الإمبراطوري حدثًا زلزل أركان الأرض؛ حيث اصطفت الملايين من رعايا القطعان الموحدة على جانبي الطرقات، ينثرون الرماد المقدس والزهور البرية المغموسة بالمسك، ويهتفون بأصوات رعدية باسم الإمبراطور القرمزي الفولاذي "قايد" واللونا الإمبراطورية الملكية "سيلينا". كان القصر، بشرفاته البازلتية الشاهقة وأعمدته المصقولة بلهب التنانين القديمة، يبدو كحصن سماوي استرد روحه الضائعة بعد دهر من الحروب والخراب.ولكن، ما إن غلقت الأبواب البرونزية الضخمة وراء الأباطرة، وتلاشت أصوات الهتافات الخارجية وراء الجدران الحجرية السميكة، حتى غدا العالم بأسره عبئًا هان أمام وهج اللقاء المنتظر. في الجناح الملكي الإمبراطوري، المضاء بنور خافت من جمر الشموع العطرية التي تنفث عبق الياسمين البري والأ
لم يكن البُعد الأثيري الغامض الذي انفتح في كبد السماء إلا طيفًا اختباريًا عابرًا مخرته إرادة "فولكان" الكونية، وسرعان ما ارتدت الأرواح إلى أجسادها داخل خنادق الرماد، لتجد أن المعركة لم تنتهِ بعد، بل إن الوجود بأسره قد رهن نفسه في هذه الساعات الأخيرة لـ "معركة الحسم الشاملة". إن قطيع "مخالب السلسلة"، الطغاة الذين تحالفوا مع سحرة الشمال وخوارج الأرض، قد حشدوا فيالقهم المتبقية بكامل عتادهم الملعون، محولين الوادي العتيق إلى طوفان من الدروع الحديدية والأسلحة المصقولة بسحر الكسوف، في محاولة يائسة وأخيرة لاقتلاع عروش لونا وإبادة السلالة الملكية من جذورها.في قلب هذا السعير، حيث تلاشت الخطوط الفاصلة بين الحياة والفناء، وقف "قايد" كالطود المنيع الذي لا تزلزله العواصف. كانت عيناه قد تخطتا اللون الأحمر القاني لتشتعلا بنور ذهبي بركاني حارق، يعكس نيران الغضب التملكي الشرس والغيرة المقدسة على حمى عائلته وملكتها. شعر بالصراع النفسي يطحن أحشاءه لآخر مرة؛ فالأعداء يتقدمون كجراد بري يريد التهام كل ما بناه بالدموع والنار، وإن سقط الحصن اليوم، فلن يتبقى لسيلينا وليدها سوى العدم. تحررت الغريزة







