Masukكانت الغرفة الملحقة بالقاعة الكبرى في الفندق أشبه بساحة إعدام مؤقتة، يسودها توتر خانق يكاد يُسمع له طنين. أدهم الدمنهوري لم يكن يجلس وراء مكتبه، بل كان يتحرك جيئة وذهاباً كالنمر الحبيس في قفص من الزجاج والنفوذ. يده تفرك جبهته بعنف، وعيناه العسليتان اللتان انطفأ نورهما لخمس سنوات كانتا تشتعلان الآن بنيران جنونية، هجين من الصدمة، اللهفة، وعدم التصديق.
انفتح الباب ودخل السكرتير يلهث، والملف الجلدي يرتجف بين يديه. ألقى أدهم عليه نظرة حادة كادت تقتله، وصرخ بصوت رخيم هادر:
"انطق! الاسم عندك؟ هي اللي في القاعة ولا أنا اتجننت خلاص؟"
بلع السكرتير ريقه بصعوبة وتقدم خطوة:
"يا فندم.. الاسم مكتوب في كشف أطباء إقليم الإسكندرية.. الدكتورة ليلى عبد السلام، أخصائية الباطنة وسوء التغذية. هي حالياً برة في الاستراحة الخاصة بالوفود، ورفضت تمشي لما الأمن طلب منها تنتظر بناءً على أوامرك، وقالت بكل برود إنها معندهاش وقت تضيعه في مؤتمرات استعراضية!"
شعر أدهم بغصة تضرب حلقه. الاسم هو اسمها.. الصوت، العطر، النظرة، كلها حقائق تجمعت لتصفع بروده. "ليلى.. ليلى الحقيقية هنا!" همس في داخله. التفت إلى السكرتير وأشار بيده بحزم:
"دخلها حالا.. وأي مخلوق يقرب من الباب ده، أو يحاول يدخل، اعتبر مستقبله انتهى في نفس الثانية. سامع؟"
"مفهوم يا فندم."
انسحب السكرتير، ووقف أدهم يواجه الباب. شعر بجسده الثلاثيني القوي يرتجف لأول مرة. تثبتت عيناه على مقبض الباب الذي تحرك ببطء.. ثم انفتح.
خطت ليلى إلى الداخل.
لم تكن تمشي بخطوات مرتجفة، ولم تكن كتفاها منحنيتين كما كانت تفعل في مدرجات قصر العيني لتختفي من نظرات التنمر. دخلت كالعاصفة الهادئة. قوامها "الكيرفي" الفاتن المتناسق بالبدلة الزمردية كان يفرض هالة من الأنوثة الطاغية والمهابة التي لا يمكن تجاهلها. خصرها المنحوت برز بشدة مع حركتها الواثقة، وصدرها الممتلئ كان يعلو ويهبط بأنفاس منتظمة تخفي وراءها طبقات من الجليد. رفعت رأسها بشموخ، والتقت عيناها البنيتان الواسعتان بعينيه العسليتين المذهولتين.
أغلق الباب خلفها، وساد صمت طويل، صمت كان يمزق حجب الزمن الخمسة التي فصلت بينهما.
أدهم تقدم خطوتين بغير وعي، يداه امتدتا في الهواء كأنه يحاول تلمس سراب يخشى أن يتبخر:
"ليلى؟.. إنتي.. إنتي ليلى؟ مش قادر أصدق عيني.. خمس سنين يا ليلى؟ خمس سنين وأنا بتمزق كل يوم عشان ألاقيكي؟"
لم تتحرك ليلى من مكانها، ولم تهتز ملامحها الواجهة بقناع الجليد. نظرت إلى يديه الممتدتين بنظرة باردة غامضة، ثم رفعت عينيها لتنظر في وجهه مباشرة وقالت بصوت رخيم، هادئ، مفعم بالثقة والكبرياء التي لم يعهدها منها قط:
"أهلاً يا دكتور أدهم. مبروك على نجاح المؤتمر.. بس اعتقد إن أمن المجموعة بتاعتك استدعاني هنا لسبب طبي أو إداري يخص الدفعة، مش عشان دكتور أدهم الدمنهوري يفتكر ذكريات قديمة من أيام الكلية."
الكلمات نزلت على رأس أدهم كالمياه المثلجة. تراجعت يداه ببطء، ونظر إليها بصدمة عارمة. نبرة صوتها، برودها، طريقتها في الحديث معه كأنه غريب.. كل شيء فيها كان جديداً ومخيفاً بالنسبة له. تفرّس في ملامحها؛ اختفت ليلى السمينة التي كان يشفق عليها الجميع، وظهرت امرأة فاتنة، مثيرة، تملك جسداً "كيرفي" يضج بالأنوثة، ووجهاً حاد الملامح يقطر كبرياءً سحق كل محاولات اقترابه.
تقدم خطوة أخرى، وصوته أصبح متحشرجاً بالندم:
"ذكريات قديمة؟.. إنتي بتسمي حبنا وزواجنا ذكريات قديمة يا ليلى؟ أنا دورت عليكي في كل شبر في مصر! قلبت الدنيا، استعنت بالشرطة، بالشركات، بالمعارف.. عشت خمس سنين في جحيم الشقة القديمة وسط حطامها عشان بس أشم ريحتك! إنتي هربتي ليه؟ هربتي وصدقتي كلام عيل فاشل زي ياسر في الكافيه؟"
هنا.. ولمع ثانية واحدة، ظهرت لمعة حارقة في عيون ليلى البنية، لكنها سرعان ما كبتتها. أطلقت ضحكة خفيفة، باردة، حملت من السخرية ما يكفي لخدش كبرياء أدهم الأرستقراطي:
"هربت؟.. دكتور أدهم، أنا مهربتش. أنا ببساطة اخترت أعيش. اخترت مأكونش 'العمل الخيري' أو 'حالة الشفقة' اللي بتتسلى بيها وراء الأبواب المقفولة عشان تداري برود قصور عيلتك، وتتكسف تنطق باسمها قدام صحابك في الكافيه."
تحركت بخطوات واثقة، متجاوزة جسده القريب، لتصل إلى النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على بحر الإسكندرية. قوامها الفاتن من الخلف كان يثير جنون أدهم، لكن كلماتها كانت تقيد حركته:
"أنا امبارح في الكلية من خمس سنين، اتظلمت، واتهانت كرامتي وشرفي في عيادة الكلية من دكتور جاهل اتهمني في شرفي لأني كنت..."
توقفت ليلى فجأة، وحطت يدها بتلقائية فوق بطنها المنحوت الآن، متذكرة "يوسف"، لكنها تراجعت بسرعة ولم تنطق بأمر الجنين؛ فالوقت لم يحن بعد لرمي هذه القنبلة. وتابعت بنبرة قاسية:
"ولما جيت عشان أسمع الكلمة اللي تحميني وتخليني أقف على رجلي.. سمعت سكوتك. سكوتك يا أدهم بيه كان الطعنة اللي أعدمت ليلى القديمة. والست اللي واقفة قدامك دلوقتي.. مفيش في قلبها مكان لـ 'أدهم الدمنهوري'."
التفتت إليه بكامل قوامها الكيرفي الشامخ، ونظرت إليه بتحدٍّ صريح:
"ودلوقتي.. لو مفيش أي سبب مهني لاستدعائي هنا، فابني مستنيني في البيت، وأنا معنديش وقت أضيعه مع رجل عاش حياته كلها يخاف من عيون الناس."
أدهم شعر بجنون حقيقي يجتاح عقله. الكلمات قطعت أنفاسه، لكن الحقيقة الأكبر صدمته: "ابني مستنيني في البيت؟"
ترددت الكلمة في أذنه كدوي الرعد. تذكر كلام الدكتور محسن قبل خمس سنوات: "الآنسة ليلى طلعت حامل في شهرها الأول!".
اتسعت عيناه العسليتان بذعر ولهفة لا توصف. تقدم نحوها بخطوات سريعة، وبحركة مفاجئة وخارجة عن السيطرة، قبض على ذراعيها الممتلئتين بقوة وتملك طاغٍ، ضاغطاً عليها بجسده القوي وهو ينظر في عينيها بعنف وشغف حارق، صامداً أمام نظرتها الباردة:
"ابنك؟.. ابنك مين يا ليلى؟! أنتي كنتي حامل لما مشيتي! انطقي.. يوسف فين؟ ابني أنا فين؟!"
رغم تملكه وقبضته القوية وقربه الذي كان يزلزلها في الماضي، لم تطرف عين ليلى. ظلت ثابتة، ونظرت إلى يديه القابضتين على ذراعيها باحتقار بارد، وقالت بصوت منخفض كحيحة الأفاعي:
"شيل إيدك القذرة دي عني يا أدهم بيه.. ومتجيبش سيرة ابني على لسانك. ابني ملوش أب.. أبوه مات من خمس سنين لما سكت في الكافيه!"
لم تكن الكلمات التي قذفتها ليلى في وجهه مجرد رصاصات طائشة، بل كانت شظايا حارقة نفذت إلى أعمق زوايا روحه المثقلة بالندم. قبضته القوية التي التفت حول ذراعيها الممتلئتين لم ترتخِ، بل زادت قسوةً وتملّكاً مدفوعاً بوجع الفراق وصدمة الحقيقة. كان جسده القوي يقترب منها أكثر، يحيط بقوامها "الكيرفي" الفاتن الذي بات يثير في صدره مزيجاً جنونياً من العشق القديم والرغبة الطاغية في فرض سلطانه عليها مجدداً.
كان يلهث، وأنفاسه الساخنة تضرب وجهها الجليدي الثابت وعيناه العسليتان اللتان تحولتا إلى جمرتين تشتعلان غضباً وندماً صرختا بكل ما كتمه طوال خمس سنوات:
"مات؟! أبوه مماتش يا ليلى! أبوه واقف قدامك أهو.. وعاش خمس سنين في جهنم مبيتمناش من الدنيا غير لحظة واحدة زي دي! صمتي في الكافيه مكنش شفقة، أنا كنت غبي.. كنت مشتت وبفكر إزاي أحميكي من عيلتي بعد ما اتفصلت من الكلية عشانك! إزاي تسمحي لنفسك تحرميني من ابني؟ إزاي تخبي عني حتة مني ومنك وتعيشيه في الدنيا من غير اسمي ونفوذي؟!"
لم تهتز ليلى أمام هذا الإعصار، ولم تظهر على ملامحها الحادة أي علامة من علامات الضعف أو الخوف التي كانت تملأ عينيها في الماضي وراء نظارتها الطبية القديمة. رفعت حاجبها الأنيق، ونظرت إلى صدره القريب الذي يعلو ويهبط بعنف، ثم التقت عيناها البنيتان الواسعتان بعينيه مباشرة بنظرة تقطر كبرياءً وسخرية حارقة:
"اسمك ونفوذك؟.. إنت لسه زي ما إنت يا أدهم بيه، مابتشوفش في الدنيا غير المظاهر والفلوس والاسم اللي بتترعشوا لو اتهز قدام الناس! ابنك عايش في العلن، باسمك اللي اعترفت بيه متأخر في التحقيق لما ملقتش مفر، بس عايش بكرامته.. عايش في وسط ناس بيحترموا عقلي وعلمي وقيمتي، مش ناس بيبصوا لجسمي ويقيسوا حبهم ليا بمدى كسوفهم مني قدام أصحابهم الأكابر!"
حاولت دفع صدره العريض بكلتا يديها لتتحرر من قبضته المتملكة، لكن أدهم كان كالجبل الراسخ، لم يتزحزح خطوة واحدة، بل أحكم حصاره حولها أكثر، وسحبها نحو جسده بقوة أكبر حتى كادت أنفاسهما تختلط، ونبرة صوته الرخيمة العميقة انخفضت لتصبح تهديداً يضج بالعشق القاسي:
"مش هتمشي يا ليلى.. أنتي فاهمة؟! مش هسيبك تختفي تاني من حياتي بعد ما لقيتك! الخمس سنين اللي عشتهم في الركام انتهوا خلاص. الست اللي واقفة قدامي دي بجمالها الطاغي، بكبريائها، بعنادها اللي بيموتني.. هي مراتي! والجزء ده من حياتنا برة الأبواب المقفولة هيبدأ من النهاردة، وبشروطي أنا!"
أطلقت ليلى ضحكة قصيرة، باردة، غسلت كل ما تبقى من أثر لقبضته في عروقها، وقالت بصوت هادئ كالسكين الحاد:
"شروطك؟.. إنت نسيت نفسك يا دكتور أدهم. ليلى الغلبانة المكسورة اللي كنت بتقعد تحت رجليها في الشقة وتديني وعود كدابة.. ماتت وشبعت موت. أنا دلوقتي دكتورة ليلى عبد السلام، بطلوع الروح بنيت اسمي وعيادتي وحياتي وحميت ابني من قسوتكم. لو فاكر إن نفوذك وفلوسك يقدروا يلووا دراعي في الإسكندرية، تبقى مابتفهمش في الطب ولا في البشر. أنا لو مخرجتش من الباب ده حالا وبإرادتي، هقلب المؤتمر بتاعك ده لفضيحة تليق باسم عيلتكم المحترمة.. هقول للصحافة اللي برة كلها مين هو أدهم الدمنهوري وإزاي ساب مراته الحامل عشان خايف من أمه!"
تصلبت ملامح أدهم، وصدمته قوة كلماتها وجرأتها غير المتوقعة. كانت أنوثتها الكيرفي الشامخة تزيد من عنادها جمالاً يثير جنونه، لكنه أدرك في تلك اللحظة أن القوة الغاشمة لن تعيد إليه ليلى؛ فالمرأة التي أمامه أصبحت تملك مخالب حادة قادرة على تمزيقه.
تراجعت أصابعه ببطء عن ذراعيها، وأخذ خطوة للخلف وهو يلهث، لكن عيناه العسليتان لم تتركا وجهها ثانية واحدة. عدل من ياقة جاكيته الفاخر وقال بنبرة هادئة، تحمل وعداً مخيفاً وصادقاً:
"ماشي يا دكتورة ليلى.. اخرجي. امشي روحي لابننا.. ليوسف. أنا مش همنعك بالقوة دلوقتي، بس متفتكريش إن دي النهاية. أنا عرفت مكانك، وعرفت إن ليا ابن عايش هنا. من بكرة.. حياتك وعيادتك وكل خطوة بتخطيها في الإسكندرية هتبقى تحت عيني. هجبرك ترجعيلي يا ليلى، مش بالخوف، بس لأني هثبتلك إن الرماد اللي عشت فيه خمس سنين.. مكنش فيه غير اسمك!"
لم تعقب ليلى بحرف واحد. عدلت من هندام بدلتها الزمردية الأنيقة بمنتهى الهدوء والثبات، ورفعت رأسها بشموخ سحق كل محاولات التهديد التي أطلقها. التفتت بكامل قوامها الفاتن وتحركت بخطوات رنانة واثقة نحو الباب. فتحته وخرجت إلى ممرات الفندق الفسيحة، دون أن تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة، تاركة وراءها أدهم يقف في منتصف الغرفة، وعقله يغلي بخطط مجنونة لاستعادة عائلته التي ضاعت وسط ركام الصمت والرماد.
انقشعَت غيومُ الفجرِ الباردةِ عن أفقِ الساحلِ الشمالي لتتركَ خلفَها رطوبةً دافئةً غلّفَت واجهاتِ القصرِ الساحليِّ الشامخ، عاكسةً خيوطَ الشمسِ الأولى التي تسلّلَت بنعومةٍ بالغةٍ عبرَ النوافذِ الزجاجيةِ العملاقة. كان البحرُ بالأسفلِ قد استعادَ هدوءَهُ النسبي، لكنَّ الأجواءَ داخلَ الجناحِ الملكيِّ الفسيحِ كانت مشحونةً بأنفاسٍ متلاحقةٍ وتوتراتٍ خفيةٍ تكادُ تُسمعُ لها طنين. لم يكن هذا الصباحُ عادياً؛ بل كان أشبهَ بصلحٍ مؤقتٍ فوقَ أرضٍ ملغومةٍ بالمؤامراتِ التي بدأت خيوطُها القرمزيةُ تُغزلُ خلفَ السِّتارِ في العاصمةِ والصعيدِ على حدٍّ سواء.في داخلِ الصالةِ الكبرى، كانت ليلى تقفُ أمامَ الشرفةِ المطلةِ على جرفِ البحر، وقوامُها "الكيرفي" الفاتنُ الطاغي، الذي باتَ يضجُّ بأنوثةٍ أرستقراطيةٍ ساحرةٍ سحقَت ذكرياتِ التنمرِ القديمة، كان ملفوفاً برداءٍ من الحريرِ الناعمِ باللونِ الكحليِّ المنسدل. الفستانُ كان يلتصقُ بخصرِها المنحوتِ واستدارةِ وركَيها بليونةٍ تبرزُ جاذبيّتَها الطاغية، بينما كان صدرُها الممتلئ يعلو ويهبطُ بأنفاسٍ لاهثةٍ حذرة. شعرُها الأسودُ الكثيفُ كان مرفوعاً بكلاسيكيةٍ أنيقة،
انقشعت غيومُ الفجرِ المُمطرة عن سماءِ الساحلِ الشمالي رويداً رويداً، لتتركَ خلفها رطوبةً دافئةً غلّفت جدرانَ القصرِ الساحليِّ الشامخ، وأرضيتَهُ الرخاميّة التي شهدت ليلةً من نيرانِ الغضبِ والتملُّكِ الأعمى. عادَ السكونُ الظاهريُّ ليفرضَ سلطانهُ على المكان، لكنَّهُ كانَ سكوناً مشحوناً بأنفاسٍ متلاحقة، وأجسادٍ أضناها السهرُ والركضُ في ملاحمِ الدفاعِ عن العِشقِ والدم.في داخلِ الجناحِ الملكيِّ الفسيح، حيثُ يمتدُّ الزجاجُ العملاقُ كلوحةٍ حيّةٍ تعرضُ حركاتِ أمواجِ البحرِ الهادئةِ الآن، كانت ليلى تستلقي على الأريكةِ المخمليّةِ العريضة. قوامُها "الكيرفي" الفاتنُ الطاغي، الذي باتَ يضجُّ بأنوثةٍ أرستقراطيّةٍ راقية سحقت مقاييسَ التنمرِ القديمة، كانَ ملفوفاً برداءٍ من الحريرِ الناعم باللونِ القُرمزيِّ الدافئ. كانَ فستانُها الأحمرُ القاني مبللاً بعرقِ الخوفِ والنجاة، يلتصقُ بخصرِها المنحوتِ واستدارةِ وركَيها وصدرِها الممتلئ الذي يعلو ويهبطُ بأنفاسٍ لاهثةٍ حذرة.شعرُها الأسودُ الكثيفُ كانَ مبعثراً بنعومةٍ بالغةٍ فوقَ كتفَيها الممتلئتين، يفوحُ منهُ عيرُ الياسمينِ البريِّ الساحرِ المخ
لم تكن صرخة أدهم الدمنهوري مجرد صوتٍ شقَّ سكون القصر الساحلي، بل كانت زلزالاً نفسياً مدمراً أعلن فيه وحش التملك والغضب الكاسر عن ولادته الثانية. تلاشت هالة البرنس الأرستقراطي الهادئ في ثانية واحدة، ليحل محلها غضبٌ دموّي أعمى برزت معه عروق جبهته ورقابه كحبالٍ مشدودة تكاد تنفجر من فرط التوتر الحارق. اندفعت الدماء الحارة في عروقه وهو ينظر إلى الأريكة حيث استقرت ليلى، وقوامها "الكيرفي" الفاتن الطاغي بالفستان الأحمر القاني يتشنج برعبٍ لاهث بعد أن استعادت وعيها في لمح البصر، لتنطلق من صدرها الممتلئ صرخة أمومة مفزوعة مزقت حجب الليل:"يوسف!! أدهم.. ابني ضاع! أرجوك رجعهولي.. مش هقدر أعيش من غيره!"ارتجف صدرها الممتلئ وخصرها المنحوت مع أنفاسها المتلاحقة الهيستيرية، وعيناها البنيتان الواسعتان اللتان تخلصتا من نظارتها القديمة باتتا تفيضان بنيران الذعر والجلد. وقبل أن تنهض، اندفع أدهم نحوها، وبحركة رجولية عنيفة وتملكية قاطعة، قبض على كتفيها الممتلئتين، وجذب جسدها الممتلئ بالكامل ليلتصق بصدره العريض، ودفن وجهه الحاد في عنقها الأبيض يستنشق عير ياسمينها البري الممزوج بعرق الخوف، ووشوش
انقشعت أضواء الفلاشات الهيستيرية ورويداً رويداً بدأت همسات الاندهاش تتراجع في قاعة المؤتمرات الفخمة بفندق الإسكندرية، لكن صدى الكلمات القاطعة التي أطلقها أدهم الدمنهوري كان لا يزال يتردد في الأركان كزلزالٍ حطم كبرياء الطبقات المخملية في ثانية واحدة. تفرق الجمع الأرستقراطي إلى مجموعات صغيرة، والكل يتبادل نظرات مذهولة؛ فالمرأة "الكيرفي" الساحرة التي تقف بجوار الحوت المالي بكامل شموخها وعنفوانها، أصبحت رسمياً الملكة المتوجة لإمبراطورية الدمنهوري الطبية.كان أدهم لا يزال يطوق خصر ليلى المنحوت بيده القوية، ضاغطاً على قوامها الممتلئ الفاتن بتملكٍ أزلي أمام العيون الحاقدة. انحنى نحو أذنها وسط صخب القاعة، ونبرة صوته الرخيمة العميقة دوت دافئة وحارقة لتخترق حجاب وعيها:"شفتي عيونهم يا ليلى؟ شفتي إزاي الكل بقا بينحني قدام كبريائك وجمالك اللي كانوا بيتنمروا عليه زمان؟ أنتي تاجي.. والنهاردة أنا رديتلك اعتبارك قدام الكون كله، ولسه اللي جاي هيبهرك أكتر."نظرت إليه ليلى بعينيها البنيتين الواسعتين اللامعتين بدموع الانتصار الحارة التي قاومتها طويلاً خلف نظارتها القديمة. فستانها ا
مع إشراق شمس الصباح التالي فوق ضفاف الساحل الشمالي، كان البحر قد تخلص تماماً من غضبه العارم، ليستحيل إلى مرآة زرقاء شاسعة تعكس زرقة السماء الصافية وخيوط الشمس الذهبية الدافئة التي تسللت بنعومة عبر النوافذ الزجاجية العملاقة للقصر الساحلي المنعزل. كانت نسمات الصباح تحمل رطوبة البحر الممتزجة برائحة الندى والياسمين البري، لتضفي على المكان هدوءاً ظاهرياً يخفي خلفه براكين مؤجلة من العشق والتحدي والمؤامرات المشتعلة.في داخل الجناح الملكي الفسيح، كانت ليلى تستلقي على الفراش الوثير، وقوامها "الكيرفي" الفاتن الطاغي كان ملفوفاً برداء حريري ناعم باللون الكحلي الداكن، يحدد بدقة متناهية تفاصيل جسدها الممتلئ المتناسق الذي أعادت صياغته جراح السنين. كان خصرها المنحوت يستند بليونة إلى الوسائد البيضاء، وصدرها الممتلئ يعلو ويهبط بأنفاس هادئة ومضطربة في آن واحد، وهي تتأمل ملامح أدهم الدمنهوري المستلقي بجانبها.أدهم.. الرجل الذي حارب الكون كله بالأمس من أجلها، كان ينام بسلام لم يذقه منذ خمس سنوات. خصلات شعره السوداء الناعمة كانت مبعثرة على جبهته الحادة، وملامحه الرجولية القاسية الطاغية قد ارتخت قليلاً في ق
أشرقت شمس القاهرة فوق أسطح الأبراج الإدارية والمباني الخرسانية، لتزيح ببطء ستائر الضباب الكثيف الذي خلفه وراءه ليل الخريف البارد، معلنةً عن بداية يومٍ لا يحمل في طياته سوى نيران المواجهة وساعات الحساب الشرسة. لم يكن ذلك الفجر عادياً في العاصمة؛ بل كان أشبه بهدوءٍ حذر يسبق زلزالاً مدمراً، حيث كانت خيوط المؤامرات تُغزل في الخفاء داخل الصالونات الأرستقراطية، بينما كانت دقات الساعة تعلن اقتراب ساعة الصِدام.في تلك الأثناء، كانت المروحية الخاصة بمجموعة الدمنهوري تشق السماء، عائدةً بجنون من أطراف الساحل الشمالي نحو مهبط الطائرات الخاص بالبرج الرئيسي للعائلة في قلب العاصمة. وفي المقعد الخلفي، كان أدهم الدمنهوري يجلس مستنداً برأسه الحاد إلى المقعد، وعيناه العسليتان اللتان انطفأ نورهما لخمس سنوات تشتعلان الآن ببريقٍ وحشي، بريق تملكي قاطع لا يعرف التراجع أو المهادنة.كان يرتدي قميصاً قطنياً أسود يلتصق بعضلات صدره العريض وظهره الرياضي، وخصلات شعره السوداء الناعمة كانت ثائرة بفعل الرياح، بينما كانت تقارير النيابة العامة بالإسكندرية—التي أرسلها كابتن طارق فجراً—مستقرة بين أصابعه الطويلة القوية. ال







