LOGINظلّت ليان تراقب الرجلين من خلف الستارة، بينما كانت أنفاسها تتسارع. لم يبدُ عليهما أنهما من سكان القرية، فقد كانا يرتديان ملابس رسمية لا تناسب بساطة عين الوادي.
التفتت إلى والدتها وهمست: "هل تعرفينهما؟" أسرعت هناء إلى النافذة، وما إن وقع بصرها على السيارة السوداء حتى شحب وجهها. قالت بصوت مرتجف: "أغلقي الأنوار." استغربت ليان. "لماذا؟" "افعلي ما أقول." أطفأت ليان الأنوار، وغرقت غرفة الجلوس في الظلام. بقيتا تراقبان بصمت، حتى عاد الرجلان إلى السيارة بعد دقائق وانطلقا مبتعدين في الطريق الترابي. تنفست هناء الصعداء، لكنها بقيت تنظر إلى الباب وكأنها تخشى أن يعودا في أي لحظة. قالت ليان بحزم: "الآن ستخبرينني بكل شيء." جلست هناء على الأريكة، وأسندت رأسها إلى ظهرها، ثم أغمضت عينيها. "كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي." في مدينة الصفواء، لم يكن سليم قد غادر مكتبه رغم انتهاء الدوام. دخل يزن وهو يحمل ملفًا أزرق. "وصلني خبر أنها وصلت إلى عين الوادي." أغلق سليم الملف الذي كان يراجعه. "أعرف." "إذن لماذا لا تمنعها؟" رفع سليم نظره إليه. "لأنها لن تستمع إلي." سكت قليلًا، ثم أضاف: "وإن حاولت إجبارها... ستكرهني أكثر." اقترب يزن ووضع الملف أمامه. "هناك أمر أخطر." فتح سليم الملف بسرعة. كانت بداخله صور حديثة لليان وهي تصل إلى منزل والدتها. وفي آخر صورة ظهرت السيارة السوداء متوقفة أمام المنزل. قبض سليم على الصور بقوة. "كارما..." قالها بصوت يكاد يخلو من المشاعر. هز يزن رأسه. "بدأت تتحرك." في عين الوادي، نهضت هناء واتجهت إلى خزانة خشبية قديمة في إحدى زوايا المنزل. فتحتها بمفتاح صغير كانت تخفيه داخل علبة خياطة. أخرجت صندوقًا معدنيًا مغطى بطبقة من الغبار. وضعته أمام ليان. "هذا الصندوق لم يُفتح منذ عشرين عامًا." شعرت ليان بأن قلبها يخفق بقوة. رفعت الغطاء ببطء. كان بداخله مجموعة صور، وبعض الرسائل القديمة، وساعة يد رجالية توقفت عقاربها عند الساعة التاسعة وسبع عشرة دقيقة. تناولت الصورة الأولى. ظهر فيها والدها سامر السالمي مع مروان الراوي، وإلى جانبهما امرأة شابة لم ترها من قبل. سألت: "من هذه؟" تنهدت هناء. "اسمها نادين." "ومن تكون؟" ساد الصمت للحظات. ثم قالت: "كانت زوجة مروان... ووالدة سليم." ارتبكت ليان. "لكن... ماذا حدث لها؟" أجابت هناء بصوت خافت: "ماتت في الحريق." في تلك اللحظة، كان آدم يجلس داخل مبنى البلدية، يقلب السجل القديم مرة أخرى. توقف عند صفحة معينة. قرأ الاسم بصوت مسموع: "ليان سامر السالمي..." ثم انتقل إلى السطر الذي يليه. اتسعت عيناه. "لا..." أعاد القراءة مرة أخرى. الاسم نفسه. لكن بلقب مختلف. همس: "إذن... كانت مسجلة باسمين." سارع إلى تصوير الصفحة بهاتفه. وقبل أن يغادر، أمسك أبو ناصر بذراعه. "إذا عرفت الحقيقة كاملة... فلن تستطيع تغييرها." ابتسم آدم. "لكنها ستغير حياة الآخرين." عادت ليان إلى الصور. كل صورة كانت تثير سؤالًا جديدًا. وفجأة، وجدت صورة لطفلين يلعبان في حديقة المنزل نفسه. حدقت فيها طويلًا. كانت الطفلة ترتدي السوار الفضي الذي لا يزال في معصمها حتى اليوم. أما الطفل... فتعرفت إلى وجهه فورًا. كان سليم. تجمدت في مكانها. "هذا... مستحيل." اقتربت هناء منها. "كنتِما لا تفترقان." شعرت ليان وكأن الأرض تميد تحت قدميها. "أنا... كنت أعرف سليم؟" أومأت والدتها. "بل كنتما مثل الأخوين." اختلطت الأفكار في رأسها. كيف يمكن أن تمحو ذاكرتها كل ذلك؟ ولماذا لم يخبرها سليم؟ في الوقت نفسه، كانت كارما تجلس في مكتبها داخل شركة استثمار ضخمة. دخل عليها الرجل الذي كان يراقب منزل هناء. قال: "ليان وصلت إلى الصندوق." ابتسمت كارما ابتسامة هادئة. "كما توقعت." "هل نمنعها من معرفة الباقي؟" أشاحت بنظرها نحو النافذة. "لا." "لماذا؟" قالت بثقة: "دعها تعرف نصف الحقيقة." "ولماذا نصفها فقط؟" التفتت إليه، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة غامضة. "لأن نصف الحقيقة... أخطر من الكذب." حلّ الليل على عين الوادي. كانت ليان عاجزة عن النوم. خرجت إلى الحديقة، وجلست تحت شجرة الزيتون الكبيرة التي زرعها والدها قبل سنوات. أخذت تتأمل الصور القديمة مرة أخرى. وفجأة... سمعت صوت خطوات خلفها. استدارت بسرعة. وقف رجل مسن يحمل مصباحًا يدويًا. نظر إليها مبتسمًا. "أنتِ تشبهين والدك كثيرًا." وقفت بحذر. "من أنت؟" قال: "اسمي الشيخ محمود... وكنت آخر من رأى والدك حيًا." تجمدت ملامحها. اقترب الرجل خطوة، ثم قال بصوت هادئ: "إذا أردتِ أن تعرفي لماذا احترق ذلك المنزل... تعالي غدًا إلى المقبرة القديمة." ثم استدار وغادر بين الأشجار، تاركًا ليان تنظر خلفه بذهول. كانت تشعر أن كل باب تفتحه يقودها إلى باب أكثر غموضًا. لكنها لم تكن تعلم أن الحقيقة التي تنتظرها في المقبرة... ستقلب حياتها رأسًا على عقب.ساد الصمت داخل المستودع بعد اعتراف كارما.كانت الدموع تملأ عينيها وهي تنظر إلى الوجوه التي حملت آثار عشرين عامًا من الخوف والأسئلة.قالت بصوت متهدج:"لم أكن أريد قتل أحد... أقسم بذلك."أغلقت عينيها للحظة، ثم تابعت:"كنت أريد إحراق ملفات الشركة فقط، قبل أن تصل إلى الشرطة. كنت أظن أن الجميع غادر المنزل، لكن النار خرجت عن السيطرة."نظر إليها فارس بحزن."ولهذا اختفيتِ كل هذه السنوات؟"هزت رأسها."لم أهرب من الشرطة... كنت أهرب من نفسي."تقدم آدم خطوة إلى الأمام."لكن من كان يقود شبكة الفساد؟"ساد الصمت.ثم نظر فارس إلى سليم وقال:"حان الوقت لتعرف الحقيقة."اتجهت الأنظار كلها نحوه.قال بصوت هادئ:"والدك، مروان الراوي، لم يكن رجلًا شريرًا عندما بدأ."تجمد سليم في مكانه.أكمل فارس:"الشركة كانت على وشك الإفلاس، وخشي أن يخسر كل ما بناه. بدأ بتزوير بعض العقود ظنًا منه أنه سيصلح الأمر لاحقًا... لكنه تورط أكثر فأكثر، حتى أصبح أسيرًا لأخطائه."قال آدم:"ثم اكتشف سامر الحقيقة."أومأ فارس."سامر رفض أن يكون شريكًا في الجريمة، وجمع الأدلة، وقرر تسليمها للسلطات."همست ليان:"ولهذا أصبحنا جميعًا في خطر
توقفت الطلقات فجأة.ساد صمت ثقيل داخل المستودع، حتى إن الجميع أصبح يسمع أنفاس الآخر.تقدم فارس ببطء نحو النافذة المحطمة، ثم قال بصوت ثابت:"لن تطلقي النار... لأنك لا تريدين موتهم."جاء صوت كارما من الخارج، يحمل هدوءًا غريبًا:"لا أريد موتهم... بعد."ارتجفت ليان.كانت هذه المرأة تظهر دائمًا وكأنها تسبق الجميع بخطوة.لكن هذه المرة بدا وكأنها هي من كتبت القصة منذ بدايتها.---بعد لحظات، انفتح الباب الحديدي ببطء.دخلت كارما وحدها.لم تحمل سلاحًا.كانت ترتدي معطفًا أسود طويلًا، وشعرها مربوط بعناية، وملامحها هادئة على نحو أثار قلق الجميع.توقفت في منتصف المستودع.نظرت إلى فارس.ثم قالت:"مر عشرون عامًا... ولم تتغير."ابتسم فارس بمرارة."بل تغير كل شيء."نظرت إلى سليم.ثم إلى ليان.وأخيرًا إلى يزن."كبر الأطفال..."قالها وكأنها تتحدث عن أشخاص تعرفهم منذ زمن بعيد.---رفع آدم سلاحه في وجهها."لا تتحركي."ابتسمت."لن أهرب."قال سليم بحدة:"من أنتِ؟"التفتت إليه."اسمي الحقيقي... كارما الراوي."تجمد فارس في مكانه.أما سليم، فاتسعت عيناه."راوي؟"أومأت بهدوء."أنا أخت نادين... وأخت فارس."ساد صم
لم يغمض ليزن جفن طوال الليل.ظل الرسالة التي وجدها في الملف البني بين يديه، يقرأها مرة بعد أخرى، وكأن الكلمات ستتغير إذا كرر النظر إليها.لم تكن الرسالة طويلة، بل بضعة أسطر فقط، لكنها كانت كافية لتقلب كل ما ظنه حقيقة.> "إذا قرأت هذه الرسالة، فهذا يعني أنني اضطررت للاختفاء. لا تبحثوا عني، لأن موتي هو الحماية الوحيدة لكم.— فارس الراوي."جلس يزن على الكرسي الخشبي وهو يحاول استيعاب الأمر.إذا كان فارس هو من كتب الرسالة، فهذا يعني أنه كان حيًا بعد الحريق.لكن...أين اختفى طوال عشرين عامًا؟ولماذا ترك الجميع يعتقد أنه مات؟---في صباح اليوم التالي، اجتمع يزن مع سليم وليان وآدم والشيخ محمود.وضع الرسالة والصورة على الطاولة.ساد الصمت.تناول سليم الصورة بيد مرتجفة.ظل يحدق في وجه خاله الممزق في الصورة، ثم قال:"لم يخبرني أحد أن لأمي أخًا."أجابه الشيخ محمود:"لأن والدتك كانت تحاول حمايته."قطب آدم حاجبيه."من ماذا؟"تنهد الشيخ."من الشخص الذي كان يريد التخلص من كل من عرف الحقيقة."---أخذ آدم الصورة، وقلبها.لاحظ كتابة باهتة على ظهرها.اقترب من النافذة حتى تسقط أشعة الشمس عليها.بدأت الكلما
استيقظت ليان في صباح اليوم التالي على طرقات متتالية على باب المنزل الذي استضافها هي ووالدتها.فتحت الباب لتجد ساعي بريد يحمل ظرفًا أبيض بلا اسم مرسل.ناولها الظرف وغادر دون أن ينطق بكلمة.أغلقته خلفه، ثم فتحت الظرف بفضول.كان بداخله صورة واحدة.تجمدت ملامحها.الصورة التُقطت الليلة الماضية.هي وسليم يجلسان معًا أمام المنزل المحترق.وفي أسفل الصورة عبارة مكتوبة بالحبر الأحمر:"من يقترب منك... يموت."شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.وفي اللحظة نفسها، دخلت هناء إلى الغرفة.ما إن رأت الصورة حتى شهقت."لقد بدأ..."التفتت إليها ليان بسرعة."ماذا بدأ؟"لكن هناء لم تُجب، بل أخذت الصورة وأحرقتها في موقد الحطب.قالت بصوت مرتجف:"لا تحتفظي بأي رسالة تصل إليك."---في الوقت نفسه، كان سليم في مركز الشرطة برفقة آدم.كان الضابط المسؤول يستعرض تسجيلات كاميرات المراقبة الموجودة على الطريق المؤدي إلى عين الوادي.توقفت إحدى اللقطات عند سيارة سوداء.قال الضابط:"هذه السيارة دخلت القرية قبل الحريق بساعة."سأل آدم:"وهل خرجت؟"أجاب الضابط:"لا."نظر سليم إلى الشاشة بتركيز."إذن ما زالت داخل القرية."ساد الصمت.
ساد الصمت في منزل الشيخ محمود بعد إطلاق الرصاصة. لم يكن الخوف هو ما سيطر على الجميع، بل الشعور بأن من يراقبهم يعرف كل خطوة يخطونها.ظل آدم يقلب الورقة التي كانت ملفوفة حول الرصاصة، ثم قال:"هذا ليس تهديدًا عشوائيًا... بل دليل على أن أحدهم يعلم أننا اقتربنا من السر."أخذ سليم الورقة من يده."والسؤال هو... من أخبره بشأن الساعة؟"تبادلت ليان وآدم النظرات.كانوا ثلاثة فقط يعرفون بأمرها.قالت ليان بهدوء:"إذن هناك من يتنصت علينا... أو أن أحدًا قريبًا منا ينقل أخبارنا."ساد صمت ثقيل، فلم يجرؤ أحد على اتهام الآخر، لكن الشك بدأ يتسلل إلى الجميع.تذكرت ليان أن الساعة لا تزال داخل حقيبتها، فقد أخذتها من صندوق والدتها قبل احتراق المنزل.أخرجتها ووضعها على الطاولة.كانت ساعة قديمة، بحزام جلدي متشقق، وعقاربها متوقفة عند التاسعة وسبع عشرة دقيقة.أخذها الشيخ محمود بين يديه، وتأملها طويلًا.قال:"هذه ليست ساعة عادية."نظر إليه آدم باستغراب."كيف عرفت؟"ابتسم الشيخ ابتسامة خفيفة."سامر كان يرفض إصلاحها رغم أنها تعطلت منذ سنوات، وكان يقول دائمًا إن الوقت الذي توقفت عنده... لا يجب أن يتحرك."اقترب سليم
وقف يزن في مكانه غير قادر على استيعاب الكلمات التي سمعها."جابر الكيلاني ليس والدك الحقيقي."أعاد النظر إلى الورقة التي أعطته إياها كارما. كانت نسخة قديمة من شهادة ميلاد، باهتة الأطراف، وقد شُطب منها اسم بخط أسود، ثم كُتب اسم جابر الكيلاني فوقه بخط مختلف.رفع رأسه ببطء."من أين حصلتِ على هذا؟"ابتسمت كارما بهدوء."من الشخص الذي كان يحتفظ بكل الأسرار.""هل هي مزورة؟""أتمنى ذلك."قبض يزن على الورقة بقوة."من والدي إذًا؟"اقتربت كارما منه."لن أجيب عن هذا السؤال الآن."ارتفع صوته لأول مرة."إذن لماذا أخبرتني؟"قالت بنبرة هادئة:"لأنك تستحق أن تعرف أن الرجل الذي كرّست حياتك لإرضائه... لم يكن يومًا والدك."تركته وغادرت.أما هو، فبقي واقفًا تحت المطر، يشعر أن الأرض تسحب نفسها من تحت قدميه.---في صباح اليوم التالي، اجتمع سليم وآدم وليان في منزل الشيخ محمود.كان الدفتر الأزرق مفتوحًا أمامهم.قال آدم وهو يقلب صفحاته:"هناك شيء لا أفهمه."نظر إليه سليم."ماذا؟""نادين كتبت عن الشركة، وعن الخلافات، وعن جابر... لكنها لم تذكر سبب تسليم ليان إلى سامر."قالت ليان:"ولا ذكرت من أكون."أومأ آدم."وه







