تسجيل الدخول57 هكذا هي الحياة؛ دروبٌ تتبدل لتُطوى صفحة وتبدأ أخرى، وتدور عجلاتها بانتظامٍ صارم لا تتوقف لأجل غائب، ولا تتعثر بموقف، بل تمضي قُدماً تجرّ خلفها المصائر والوجوه في نهر الزمان المتدفق. 🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹 تغيرت ملامح حسن على الفور، واجتاحت وجهه موجة من الاضطراب والوجل عقب كلمتها الأخيرة؛ تأهب بكل حواسه وجوارحه، ووقف مشدوهاً ينتظر صاعقة ذلك الشرط الذي قد يطيح بآماله. مرت عليه تلك اللحظات الثقيلة وكأنها سنوات عجاف، حتى قطعت لبنى حبل صمتهما وتفوهت بشرطها قائلة في ثبات - لازم أعرف إيه سبب الخلاف الحقيقي اللي كان بينك وبين نهى.. وليه طلقتها بعد كل السنين دي؟ زفر حسن نفساً حاراً بقوة كمن يزيح عن صدره جبلاً، وعاود الجلوس على مقعده ببطء، وعيناه شاخصتان نحو الفراغ؛ شرد بباله قليلاً، ومرت أمام عينيه لمحات خاطفة من الحزن العتيق، وكأن تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم قبل سبع سنوات تعود بكامل قسوتها لتتجسد أمامه، وكلمات نهى الجارحة واعترافها القديم يرن في أذنيه كصدى مرير. نعم، لم تفارقه تلك الذكرى طيلة تلك السنين؛ فكلما عقد نيته على الغفران أو حاول بدء حياة جديدة، تصرخ تلك الكلمات في أعماقه لتبعده أكث
56 تحتضن ذراعه القوي بتملك أنثوي دافع، وتسير بجواره بخطى راقصة، قبل أن تنحني نحوه وتردد بصوت خافت شبه مسموع، حتى لا يصل إلى مسامع والدتها يسرا التي كانت تسير خلفهما ببضع خطوات وتتفقد واجهات المحال - علشان خاطري يا بابا.. خلي ماما توافق تجيبلي البلوزة اللي نفسي فيها وشوفتها في المحل اللي فات.. أنت عارفها هتفضل تقول لبسها كتير انطلقت ضحكات عماد الرجولية الرنانة لتملأ الممر، والتفت إلى تلك الفتاة الفاتنة التي غدت شابة يافعة، ودائماً ما تغلبه بدلالها العذب وتلك الكلمة السحرية بابا التي تملك بها أوتار قلبه؛ فربت على كفها الصغيرة وردد بنبرة ملؤها التأكيد والفخر - وماما ليه وأنا رحت فين يا قلب بابا؟ أنا اللي هجيبلك كل اللي أنتِ عاوزاه، السنيورة مسك تؤمر وتطلب بس.. دي أقل هدية لتفوقك السنادي في دراستك، ودايماً رافعة راسي كده ومحافظة على المركز الأول. طبعت مسك قبلة رقيقة على وجنته وهي تشكره بامتنان جارف، وفي تلك اللحظة اقتربت منهما يسرا، متطلعة إليهما بفضول وشك، ثم رفعت إحدى حاجبيها واردفت بحزم مفتعل وعينين ضاحكتين - يا ترى بقى كنتوا بتتفقوا على مصيبة إيه من ورايا؟ الوشوه دي أنا عارفاها
55 لم يكن كل شيء على ما يرام كما يبدو في الظاهر، فبالرغم من كل تلك الترتيبات الدقيقة والأجواء الاحتفالية المبهرة التي خطط لها عماد بعناية فائقة ليخرج الحفل رائعاً ويليق بقلب الصغيرة، إلا أن الشروخ كانت أعمق من أن تداويها الألوان والبالونات. بالرغم من صخب الأغاني وضحكات الأطفال، كان قلب يسرا ما زال ينزف حزناً، تنهشه تلك الكلمات المسمومة التي ألقتها أختها شروق في وجه طفولتها البريئة. كانت يسرا تبتسم مجاملة، وتداعب ابنتها وتصفق مع المصفقين، لكن قلبها من الداخل كان يقطر ألمًا ومرارة على واقع حياتها الملتوي، وعلى مصير ابنتها اليتيمة التي باتت جُرمًا وثقلاً في عيون بعض المقربين. بينما كانت يسرا غارقة في ألمها النفسي تحاول مواراته خلف الأقنعة، كانت هناك عينان ترصدانها من بعيد، تشتعلان بحقد أسود وغل أعمق من بئر سحيق؛ إنها نرمين. كانت تقف مصلبة الجسد، تحمل ابنتها على كتفها بامتلاك، بينما تقبض بيدها الأخرى بقسوة على يد ابنها الصغير، تمنعه بعنف من الحركة أو اللهو مع بقية الأطفال، وتخص بالمنع "مسك" ابنة عمته. كانت نرمين تتهكم في سريرتها على هذا البذخ الصاخب، وتحدث نفسها بغيظ قائلًا..... كل هذه
54 عادت راندا من عملها والبهجة تسبق خطاها، تحمل بين يديها علبة كرتونية كبيرة مزينة بدقة، تحتوي على هدية فاخرة اختارتها بعناية لمسك بمناسبة اقتراب عيد ميلادها الثالث؛ فابنة أحمد ويسرا كانت دائمًا في منزلة خاصة بقلبها. تطلع خالد إلى تلك العلبة الكبيرة بإعجاب، ثم نقل نظراته الدافئة إلى راندا؛ فالشهور الأخيرة بدأت تترك أثرها العذب على جسدها، وباتت بطنها تبرز بوضوح خفيف ينبئ بحملها الذي دخل شهره الرابع. لقد قضت العامين الماضيين في تأجيل فكرة الإنجاب بذكاء وصبر، متنازلة عن رغبتها الأمومية مؤقتًا حتى يتفرغ هو تمامًا لإنهاء دراسته الشاقة ودبلوماته، والآن حان وقت قطاف الثمر. سألها خالد بدهشة ممزوجة بالابتسام، مشيرًا إلى العلبة - إيه العلبة الكبيرة دي كلها؟ أنتِ لسه راجعة من الشغل تعبانة، إيه اللي شايلاه ده؟ أجابته بنبرة تفيض حنانًا وهي تضعها على المنضدة - دي هدية مسك يا خالد.. عيب ميلادها الثالث بعد كام يوم، ومكنش ينفع المناسبة دي تعدي من غير ما أفرح قلبها وقلب يسرا شعر خالد بموجة جارفة من العشق تجتاح كيانه؛ اقترب منها بخطوات بطيئة، وأحاط خصرها الغض بذراعيه من الخلف، ساندًا ذقنه على كتف
53 يتطلع أحمد إلى وليده الصغير بعينين تشعان فخراً وعزاً، والبهجة تملأ أركان صدره الرحب؛ فأخيراً منّ الله عليه بالولد والوارث الذي يحمل اسمه، الذكر الذي طالما انتظر قدومه ليرفع به رأسه. امتدت يداه بلهفة حانية ليرفع الجسد الضئيل، وضمه إلى صدره بقوة وعاطفة جياشة لم يعهدها من قبل، ثم انحنى يهمس في أذنه الصغيرة بنبرة دافئة ممتلئة بالآمال - تعال في حضن أبوك يا حبيب قلبي..... بكرة لما تكبر هتبقى سندي وعزوتي في الدنيا دي كلها... شد حيلك كده وأكبر ارتسمت على شفتي مريم ابتسامة عريضة تفيض بالانتصار والخيلاء، وكانت تتابع تفاصيل تلك الفرحة العارمة التي أظهرها أحمد بسخاء وصخب أمام الجميع؛ فالتفتت إليه وتردّدت بنبرة يغلفها الغرور والاعتداد بالذات - إيه رأيك بقى يا سيدي؟ جبتلك الولد اللي كنت بتحلم بيه أهو، وجبتلك معاه الحظ والخير كله.. أنا عاوزة بقى حفلة سبوع كبيرة وضخمة، تليق بابنك البكري وتسمّع الدنيا كلها.. مش أي كلام يعني.... اه يعنى دا ولد مش بنت زى المحروسة لقد تناست مريم تماماً، في زحمة كبريائها، أمر مسك.. ابنة أحمد الأولى والطفلة البكر الحقيقية له. ولم تكن مريم وحدها هي التي طمست معالم
52 لقد غيرتها تلك الأيام العجاف كثيراً، صهرتها نيران الخذلان لتخرج من أتون تلك التجربة القاسية بشخصية جديدة؛ شخصية قوية، صلبة، عصية على الكسر. تعلمت كيف تتخلى ببساطة وتنزع الأشخاص من حياتها دون أن يرف لها جفن، ودون أن تظهر للملأ ذرة واحدة من حزنها الدفين. حتى نظرة عينيها تبدلت تماماً؛ غادرتها الانكسارات القديمة، لتلتمع اليوم ببريق جديد حاد، بريق يصعب على من يجهل ماضيها تفسيره أو سبر أغواره. أصبحت خطاها أكثر اتزاناً وثقة، تسير في دروب الحياة برأس مرفوع وعينين ثابتتين لا تحيدان عن الهدف. لم يعد يغريها البريق الزائف للكلام المعسول، أو بالمعنى الأصح، لم تعد ترى حولها أي بريق يستحق الالتفات؛ فقد انقشعت الغمامة وانكشفت الكثير من الأمور، وظهرت الحقائق عارية أمام بصيرتها. وفيما كانت تعود من عملها ذات مساء، والخطى تحثها بشوق جارف لرؤية ابنتها مسك وضمهما إلى صدرها، تلاشت طمأنينة الطريق حين تفاجأت بمن يقطع خطوتها ويقف حائلاً بينها وبين دربها. إنه محمود. كان يقف أمامها بارتباك فاضح، وعيناه اللتان طالما حملتا الكبرياء تمتلئان اليوم بندم يمزق ملامحه، ولسانه منعقد عاجز عن صياغة جملة مفيدة. حاول ر
حلّ اليوم الموعود لقراءة الفاتحة، واجتمعت العائلتان في بهو المنزل وسط إحتفال بسيط، يغلفه رنين الضحكات وصوت الملاعق وهي تداعب أكواب الشربات. ارتدت الوجوه أقنعة البهجة المناسبة للمقام، وبدت التبريكات تتدفق من الأفواه بسلاسة، حتى تقدم أحمد وبسط كفه ليلبس يسرا خاتم الخطبة، ليعلن الرابط الجديد أمام الجم
حلّ يوم الجمعة، ليجمع شمل الأسرة كاملة حول مائدة الغداء التي ضجت بتفاصيلهم المعتادة. وما إن فرغ الجميع من تناول الطعام، حتى انفضّ الجمع ليتوزعوا في أرجاء غرفة المعيشة. التفتت يسرا برأسها نحو عماد، وجلست بالقرب منه كعادتها، ثم همست له بنبرة خفيضة تخبئ وراءها ثقلاً كبيراً، مخبرة إياه بأنها تريده في أ
الصمت مالي الأوضاع، تقيل ومكتوم، ومفيش صوت طالع غير أنفاس عماد العالية اللي فضحا غضبه. بص لأخوه سمير بنظرات حادة، وبعدين لف لمامتهم اللي كانت عمالة تفرك في منديلها بقلق وخوف. - أنا حذرتكم من الأول عماد بدأ يتكلم وهو بيضغط على كل كلمة - قلت لكم الراجل ده ميتأمنش على ضفرها، فما بالكم بحياتها؟ كلا
عادت خلود من السوق وهي تحمل أكياس الخضار والاحتياجات اليومية، تجر خطى متعبة بعد جولة في لاهب النهار. وبينما كانت تصعد درجات السلم المؤدية لشقتها، اخترق سكون البناية صوت نحيب خافت، بكاء طفولي متقطع ينم عن خوف شديد. توقفت خلود، وتلفتت حولها حتى انتبهت لتلك الكتلة الصغيرة المنكمشة على نفسها في زاوية







