FAZER LOGINحلّ يوم الجمعة، ليجمع شمل الأسرة كاملة حول مائدة الغداء التي ضجت بتفاصيلهم المعتادة. وما إن فرغ الجميع من تناول الطعام، حتى انفضّ الجمع ليتوزعوا في أرجاء غرفة المعيشة. التفتت يسرا برأسها نحو عماد، وجلست بالقرب منه كعادتها، ثم همست له بنبرة خفيضة تخبئ وراءها ثقلاً كبيراً، مخبرة إياه بأنها تريده في أمر هام للغاية.
بينما كانت يسرا منشغلة بتمهيد حديثها لأخيها، كانت هناك عيون ترقبها من بعيد بنظرات مشحونة بالحقد والغل؛ إنها نرمين، التي كانت تجلس والضيق يأكل جنباتها عقب فسخ يسرا لخطبتها. وما كان يزيد من حنق نرمين ويشعل جوفها، هو عجزها التام عن فتح فمها أو التحدث في الأمر، فجميع إخوتها وقفوا صفاً واحداً يعطون يسرا الحق الكامل في الخلاص من ذلك السمج. على الجانب الآخر، كانت شروق تجلس في معزل نسبي عن صخب العائلة، منكبّة على شاشة هاتفها بتأمل مرير. لم تكن تتصفح العبث، بل كانت تغوص في الصفحة الشخصية لوالدها. انقبض قلبها وحاصرها الضيق كالعادة؛ فهي لم تره ولو لمرة واحدة طيلة عمرها، ولم يكلّف هو نفسه يوماً عناء رؤيتها أو مجرد السؤال عنها، لتذوق مرارة خذلان لم تشعر به بقية أخواتها اللاتي لم يكترثن بالأمر أبداً. دارت في عقل شروق دوامة من الشجن الأسود، وحدثت نفسها بكسرة - نفسي يخرج من الصور ويحضنّي... نفسي أقول كلمة بابا زي البنات. ليه هو مش بيحبني زي ولاده التانيين اللي بيتصور معاهم دول وبينزل صورهم؟ حتى الفلوس بيرفض يبعتهالي، وولاده لابسين حلو أوي... أنا بكرهه وهفضل أكرهه طول عمري. وفي الوقت الذي كانت فيه شروق غارقة في أحزانها، كان هناك حديث آخر يمهد لطريقه بين عماد ويسرا. لم تجد يسرا ملجأً ولا عقلاً راجحاً تستشيره في معضلة صديقتها ريهام سوى عماد؛ لذا استجمعت شجاعتها وطلبت منه بصوت خافت أن يذهبا إلى غرفته ليتحدثا في أمر على قدر كبير من الخطورة. لحظات ودلفا إلى الغرفة، فأسرعت يسرا بغلق الباب خلفهما لتضمن السرية، ثم جلست على طرف الفراش والارتباك ينهش ملامحها. كان الموقف قاسيًا، وخاصة وهي تتهيأ لتروي تفاصيل تمس الشرف لأخيها؛ فلم تكن تدري من أي جرح تبدأ. لاحظ عماد اضطرابها الظاهر، وجلس قبالتها يحثها بنظراته الدافئة على الحديث لتبدد خوفها. استجمعت يسرا شتات شجاعتها، وسحبت نفساً عميقاً غصّ به صدرها، ثم أردفت بنبرة ترتجف - الموضوع يعني... بصراحة مش عارفة أحكي بس باختصار، فيه واحد حقير زمان ضحك على واحدة صاحبتي باسم الحب وسلمتله نفسها، ودلوقتي متقدم لها شاب وباباها مصمم عليه ومش عارفين نعمل إيه. وقعت الكلمات كالسياط على مسامع عماد، وألمته الفكرة في مقتل؛ فتاة فرّطت بطيش وطيبة قلب في أثمن ما تملك باسم الهوى، وشاب مستهتر، بلا ضمير ولا رحمة، سلبها شرفها وتركها عقبها تواجه مصيرها المظلم بمفردها، بينما ينعم هو بحياته دون أدنى تأنيب لضميره المستتر. بالرغم من أن عماد، بفطنته، علم هوية صديقتها المقصودة من سياق الحديث، إلا أنه آثر النبل ولم يسأل عن اسمها أو يحرج شقيقته، بل رد بنبرة يكسوها الحزن والأسى - لا حول ولا قوة إلا بالله... مفيش غير حل واحد يا يسرا، تعمل عملية وربنا يسترها معاها. صمتت يسرا برهة، وأخذت تفكر في كلمات عماد؛ فربما كان هذا هو طوق النجاة الوحيد والمسار الأوحد لإغلاق هذا الباب قبل الفضيحة، لكن الواقع صدمها، فاندفعت بالحديث قائلة - العملية دي أكيد بتتكلف كتير... هنجيب الفلوس منين؟ أومأ لها عماد برأسه مطمئناً، وضيق عينيه وهو يحسب الأمر في عقله، ثم أردف قائلاً - أنا معايا ألفين جنيه خذيهم... وإنتي معاكي ألف وخمسمية الفلوس اللي كنت مديهالك للمفارش، وكمان ممكن تعملوا جمعية وتكملوا باقي المبلغ. عند سماعها تلك الكلمات، لم تسع الدنيا يسرا من الفرحة، فقفزت من مكانها وشهقت بتهليل، وارتمت في أحضان أخيها تطوق عنقه بحب جارف وهي تردد - ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبداً يا حبيبي وفي تلك اللحظة، دارت في عقل يسرا خواطر دافئة امتناناً لموقفه.... - بالرغم من إن الموضوع كان صعب فتحه مع عماد، لكن علاقتي معاه تسمح بأي حاجة، وعارفة إنه الوحيد اللي هيلاقيلى الحل من غير تأنيب ولوم وتوبيخ... وبالرغم من إن هو عرف البنت تبقى مين لكنه موضحش ومحرجنيش... ربنا يخليك ليا يا عماد ويسترها معاك زي ما سترتها". ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ باتت تشعر بنفور حاد يلتهم كل تفاصيل حياتها؛ كل شيء حولها أصبح ثقيلاً ومرفوضاً، بدءاً من رائحة الطعام المطهو، مروراً بزوايا المنزل، وصولاً إلى رائحة زوجها التي أصبحت لا تطاق بالنسبة لها. حاولت مراراً وتكراراً أن تواري هذا الشعور الغريب وتأسر ملامحها، لكن معدتها كانت تفضحها في كل مرة، فتثور بعنف وتهيج عليها فور ملامسة تلك الروائح لأنفها، وخاصة تلك النسمات القادمة من زوجها. تسلل الضيق إلى قلب حسن وأخذ ينهش استقراره؛ فلم يكن هذا الموقف سوى حلقة جديدة في سلسلة من الجفاء. طالما رآها تصطنع سعادة باهتة ومفتعلة منذ بداية زواجهما، ولم يسمع منها يوماً كلمة حب واحدة تخصه بها، بالرغم من أنه لم يبخل عليها يوماً وكان يثري أذنيها بأرق كلمات العشق والهيام. كان يعلّل نفسه دائماً، ويخلق لها الأعذار تلو الأعذار بأنها طبعت على الخجل والتحفظ، لكن الصبر بدأ ينفد. وفي ذلك اليوم، تجاوز الأمر كل الحدود المحتملة؛ إذ لم تتوقف نهى عن التقيؤ حتى أفرغت كل ما في معدتها، ولم يتبقَّ سوى تلك العصارة الصفراء الحارقة. استحال وجهها شاحباً كالموت، وانتشرت على جبينها حبيبات العرق البارد، بينما سرت قشعريرة غريبة في جسدها الذي وهن تماماً، وفقدت معه القدرة على الإتيان بأي حركة أو حتى رفع جفنيها. لم يقف حسن متفرجاً ولم يحتمل الانتظار؛ اندفع نحوها وحملها بين يديه بعد أن خانتها قدماها تماماً ولم تقو على المشي، وعلامات الهلع ترتسم على وجهه، متوجهاً بها بأقصى سرعة إلى مستشفى البلدة. داخل غرفة الكشف، تولت الطبيبة فحصها بدقة، وطلبت إجراء بعض الفحوصات والتحاليل اللازمة العاجلة. وقف حسن بالخارج ينهشه القلق، وما إن خرجت الطبيبة حتى سألها بلهفة وتضرع عن حالتها وعما ألمّ بوجدان بيته، فأجابت برصانة وعملية - مبروك، المدام حامل... لكن هنضطر نحجزها في المستشفى عشان مسألة القيء المستعصي ده، ولأن جسمها فقد سوائل كتير، هتعيش الفترة الجاية على المحاليل تسمر حسن في مكانه، وشعر بحيرة عاصفة تتقاذفه؛ تلاطمت في صدره مشاعر السعادة الغامرة بقدوم طفله الأول، مع غيوم الحزن والشفقة على مرض زوجها وعذابها المؤلم. التفتت إليه الطبيبة برفق، ولمست حيرته لتمسح عليها بكلمات مطمئنة، مؤكدة له أن الأمر عارض وسيمر بسلام بمجرد استقرار نسب الهرمونات في جسدها. ✨✨✨✨✨✨ عادت يسرا من عملها منهكة، يجرّ الجسد خطاه نحو الراحة، لكنها ما إن دلفّت إلى المنزل حتى ألفيت سكوناً مريباً يلف الأرجاء، لا يقطعه سوى أصوات خافتة تنبعث من غرفة الاستقبال، توحي بوجود ضيف يشارك سمير جلسته. لم تكد تعبر الردهة في طريقها إلى غرفتها، حتى توقفت حركتها عند صوت والدتها الذي اخترق السكون بلهجة آمرة، جادة، لا تقبل النقاش - غيري هدومك بسرعة يا يسرا، علشان تقدمي الحاجة الساقعة للعريس اللي مع أخوكِ. تجمدت يسرا في مكانها، وشعرت بجدار من الضيق ينبني داخلها؛ فما كادت تخرج من نفق خطبتها السابقة التي حصدت منها المتاعب، حتى وجدت نفسها أمام عتبة جديدة تُفرض عليها فرضاً، دون تمهيد أو استئذان.حان الوقت المرتقب، موعد عودتها اليومي من العمل. وقف خالد في مكانه المعتاد على ناصية الشارع، يختبئ خلف نظراته المتلهفة، يتابع الطريق بعينين قلقتين، يتمنى فقط أن يلمح طيفها القادم من بعيد ليبرد به جوف اشتياقه. لكن الخوف كان ينهش صدره هذه المرة؛ فقد تملكه خجل عارم وجزع شديد منذ أن أرسل رسالته بالأمس. كان يخشى حتى فتح هاتفه أو تفقّد صندوق الرسائل، مرعوباً من ردة فعلها، ومستسلماً لهواجس الرفض التي قد تهدم حلمه الزجاجي.وفجأة، أطلت راندا. مرت من أمام المقهى بخطواتها الهادئة الواثقة، لكن الأمر هذه المرة لم يكن كالمعتاد؛ التفتت برأسها قليلاً، ورمقته بنظرة خاطفة استقرت في أعماق عينه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة غامضة. في تلك اللحظة، شعر خالد وكأن تياراً صعقاً من الكهرباء قد سرى بعنف في جميع أنحاء جسده، فانتفض قلبه بين ضلوعه، وتجمدت الدماء في عروقه من فرط المفاجأة السعيدة.أطلق ساقيه للريح وركض نحو داخل غرفته كالمجنون، التقط هاتفه بيدين ترتجفان وعرق يتصبب من جبينه. فتح الشاشة بسرعة لاهثة، ودخل إلى محادثتها ليجد سطرها الوحيد الذي غير مجرى حياته(أنا موافقة...)توقف الزمن من حوله، وشعر خالد
وقفت يسرا في منتصف ذلك المطبخ القديم، الذي تفوح من جدرانه رطوبة خانقة، وهي محاصرة بتلال من الأواني الكثيرة والمتراكمة التي تبدو كأنها بلا نهاية. كانت تجر يدها المجهدة فوق الصحون بحسرة ممتزجة بالمرارة، بينما يخترق مسامعها صوت قهقهات زوجها أحمد الصاخبة، الممتزجة بضحكات أخواته البنات ووالدته في الصالة المجاورة. كان صدى فرحتهم يطير في أرجاء البيت ليتحول في صدرها إلى خنجر مسموم يذبح كرامتها. انقبض قلبها وهي تقارن بين واقعها المرير، وبين شريط الذكريات الذي مر أمام عينيها فجأة؛ تذكرت نرمين، زوجة أخيها، في بداية زواجها.. كيف أنها لم تطأ قدمها خارج شقتها لمدة شهر كامل، وربما أكثر، وكيف كانت والدتها صفية تمنع أي شخص من إزعاجها، وتردد دائماً بفخر - دي عروسة جديدة، ولازم تكون مدلعة في بيتها، دي أجمل أيام في العمر كله. أما هي.. فها هي تقف وسط القاذورات والدهون في ثاني يوم لعرسها، تنظف أواني لم تتسبب في اتساخها، بالرغم من أنها في بيت والدتها وبكامل دلالها لم تكن تفعل ذلك قط، ولم تجبر يوماً على غسل هذه الكمية المرعبة من الصحون. دارت عيناها في المكان بيأس، وحدثت نفسها بمرارة على لسانها - إيه كم
تطلعت إليه خلود بتعجب وذهول من جراء هذا السؤال الفج، وشعرت بموجة عارمة من النفور والاشمئزاز تتضاعف في صدرها تجاهه؛ فطريقته في إلقاء التهم والتدخل في نواياها نزعت من عينيها أي مساحة للاحترام. عقدت حاجبيها ورددت بنبرة جافة يكسوها ضيق واضح لا يقبل المواربة - أظن حضرتك عرفت ردي النهائي على طلبك من كريم أخويا.. فمش فاهمة لازمتها إيه الأسئلة دي دلوقتي؟ وهتفرق مع حضرتك في إيه أساساً؟ تحرك العريس في مقعده، ومال بجسده ليقترب منها أكثر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صفراء تشع خبثاً ولؤماً، ثم أردف بنبرة متهكمة حملت طابع التشفي - هتفرق كتير طبعاً.. أصل أنا أبقى صاحب محمود ابن عمك والروح بالروح، وسمعت منه شخصياً وبلسانه إنك كنتِ بتحبيه بجنون وبتموتي فيه.. عشان كده بس سألت، عشان أتأكد لو رفضك ليا ده مجرد عناد وتضحية عشان خاطر محمود في تلك اللحظة، شعرت خلود وكأن أحدهم قد سكب على جسدها دلواً من الماء المثلج؛ تجمدت الدماء في عروقها، واهتزت الأرض من تحت قدميها. أإلى هذه الدرجة الدنيئة وصل الاستهتار والنذالة بابن عمها؟ أيتحدث عن مشاعرها القديمة ويجعل من كرامتها وسيرتها مادة للتسلية والتباهي بين أصدقا
انقشعت عتمة تلك الليلة الثقيلة، وأُسدل ستار الليل لتدب الحياة مجدداً في عروق يوم جديد، تملؤه الشمس بأشعتها الدافئة وضياؤها اللامع. استيقظت يسرا بجسد مهدود وروح منطفئة، والتفتت لتتطلع إلى ذلك الرجل الغافي بجوارها في سبات عميق، غير آبهٍ بما تركته ليلته العاصفة في وجدانها. انقبض قلبها بنفور تلقائي، لكنها سرعان ما قمعت هذا الإحساس، وبدأت تلوم نفسها بقسوة على تلك الأفكار السوداوية التي تراودها. فكرت في سرها لا مجال الآن للتراجع أو الندم.. لقد أصبحت زوجته أمام الله والناس، ولا بد أن أكون على قدر الثقة التي وضعها أهلي فيّ، وأن أحافظ على هذا البيت. غادرت الفراش بخطوات وئيدة، وراحت تتجول في أرجاء الشقة الغريبة، كأنها تحاول ترويض غرفها واستئناس جدرانها. نظرت إلى الأثاث والديكورات التي لم تسترْشَر في اختيارها، وحاولت جاهدة إقناع نفسها بأن كل شيء على ما يرام، بل وجميل. حدثت نفسها بنبرة توسلية تطمئن بها مخاوفها - إيه يا يسرا؟ ما الحاجة جميلة وزي الفل أهو.. ما هي مامتك كمان اشترت حاجات كتير من غير ما تاخد رأيك ومزعلتيش.. العمر لسه قدامنا طويل، وبكرة نغير ونبدل كل اللي مش عاجبنا على ذوقنا. توجهت
وقفت يسرا على عتبة باب الشقة، متجمدة في مكانها كتمثال من رخام، تتطلع إلى الفراغ بشروود تام وعينين غائمتين، وكأنها لا تعيش واقعاً بل استيقظت فجأة داخل كابوس أسود أحكم خناقه عليها. أهبطت رأسها بآلية ميتة، وألقت نظرة باهتة على فستان زفافها الأبيض الذي بدا لها كأنه كفن يُطوق أنفاسها، ثم دارت بنظراتها التائهة في أرجاء تلك الشقة الغريبة. كانت عيناها تتنقلان بين الزوايا والأثاث، تحاول استكشاف جغرافيا هذا المكان الذي سيصبح سجنها، بينما ظل جسدها ثابتاً، عاجزاً عن تحريك خطوة واحدة للأمام، وكأن قدميها غُرستا في الأرض. عادت بنظراتها المنكسرة إلى موضع قدمها، واجتاحها تساؤل مرير يمزق أحشاءها: هل كان هذا هو حلمها؟ هل هذه هي النهاية التي رسمتها لنفسها كأي فتاة تحلم بمنزل الزوجية، ذلك الملاذ الدافئ الذي يجمعها مع فتى أحلامها في رحلة حب واختيار؟ لقد أُجبرت على كل شيء بدم بارد. أُجبرت على هذا الأثاث الذي تراه للمرة الأولى اليوم بعد أن اختارته والدة أحمد وأخواته وتجاهلوها تماماً، وأُجبرت على هذا الفستان الذي لم تشارك في تفاصيله سوى بوجع ارتدائه، بل وأُجبرت قبل كل شيء على هذا الرجل الواقف قبالتها، والذ
جلست خلود تتوسط الصغيرتين؛ زينة ابنة أخيها، ولمار، تلك الطفلة التي تخطت بفطرتها فارق السن لتصبح صديقتها المقربة. لقد تعلقت لمار بخلود تعلقاً شديداً، وباتت تقضي جلّ أوقاتها معها، متمسةً في حنانها دفئاً كانت تفتقده. انفتح الباب ودلف كريم، يحمل في يده أكياس الحلوى التي تعود أن ينشر بها البهجة. بمجرد رؤيته، قفزت الصغيرة زينة بسعادة الأطفال الصافية، وفردت ذراعيها كعصفور يهم بالطيران، فتلقفها والدها بين أحضانه بحب جارف، ورفعها عالياً وهو يبتسم، قبل أن يمنحها قطعتها المفضلة من الشوكولاتة. طبع كريم قبلة حانية على جبين ابنته، ثم وضعها جانباً برفق. التفتت عيناه نحو لمار التي كانت تجلس هادئة، يرتسم في عينيها الصغيرتين شبح حزن خفي، ممتزج بنظرة فقد وحاجة لحنان أبوي تراقبه من بعيد. شعر كريم بوخزة في قلبه، فاقترب منها بخطوات حثيثة، وانحنى بجسده حتى صار في مستوى طولها، وسألها بنبرة تقطر حناناً وأبوة - القمر مجتش في حضن عمو ليه عشان تاخد الشوكولاتة بتاعتها؟ لم تكد الكلمات تلامس مسامعها حتى ضربت السعادة لمعة براقة في عينيها، وارتسمت ابتسامة رقيقة وواسعة على شفتيها الصغيرتين. فتحت ذراعيها بتلقائية و
- يالا يا لمار اصحي.. هتأخر ولسه هوديكِ عند عمتك. كانت تلك كلمات وليد التي ألقاها بنبرة متثاقلة وهو يحاول إيقاظ طفلته؛ فلديه اليوم جلسة قضية هامة ومصيرية سيترافع فيها بإحدى المحافظات البعيدة، والوقت يداهمه بلا رحمة. تقلبت لمار في فراشها الصغير، وراحت تتذمر بطفولية عابسة، واضعة كفيها الصغيرين على
أصبحت عروساً للمرة الثانية، وفي غمرة هذه المشاعر المتباينة، لم تكن يسرا لتنكر يوماً فضل والدتها التي أفنت عمرها في تربيتها، ولا فضل إخوتها الذين أحاطوها برعايتهم؛ فبالرغم من أنهم إخوة غير أشقاء، إلا أنهم كانوا لها السند والجدار الذي تستند إليه في كل مأزق. ولكن، ورغم كل هذا الدفء العائلي المحيط بها
بات أمر تلك الزيجة يلتهم حيزاً كبيراً من تفكير يسرا؛ إذ وجدت نفسها تتأرجح بين كفتي الرفض والقبول، عاقدةً في مخيلتها مقارنات لا تنتهي حول هذا التحول الجذري. فالموافقة تعني الانخلاع من جذورها، والانتقال للعيش في بلدة أخرى غريبة، لتنسج خيوط علاقات جديدة مع أناس لم تألفهم، وتبدأ في تأسيس أسرة من نقطة ا
وقفت يسرا مكانها دون حراك، وكأن قدميها قد غُرستا في الأرض، تحاول جاهدة استيعاب وتفنيد ما تفوهت به والدتها للتو. كيف تلاشت مأساة خطبتها السابقة بهذه السرعة لتبدأ أخرى في التشكل؟ قطع حبل أفكارها صوت نرمين الذي أتى من خلفها، لتهس في أذنها بنبرة حملت بريقاً غامضاً - عريس إيه بقى يا ريري... مفيهوش غلط



![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)



