Inicio / الرومانسية / رماد القمر / البارت الثامن

Compartir

البارت الثامن

Autor: Faten Aly
last update Fecha de publicación: 2026-06-17 12:33:51

الصمت مالي الأوضاع، تقيل ومكتوم، ومفيش صوت طالع غير أنفاس عماد العالية اللي فضحا غضبه. بص لأخوه سمير بنظرات حادة، وبعدين لف لمامتهم اللي كانت عمالة تفرك في منديلها بقلق وخوف.

- أنا حذرتكم من الأول

عماد بدأ يتكلم وهو بيضغط على كل كلمة

- قلت لكم الراجل ده ميتأمنش على ضفرها، فما بالكم بحياتها؟ كلامي معاها النهارده أكد لي كل اللي كنت خايف منه؛ البني آدم السمج ده عمره ما كان مشروع جوز، ده كان عبء تقيل وكل شغلانته في الدنيا إنه يهينها.

سمير دخل في الكلام، وملامح وشه الصارمة كانت بتقول إن وقت التردد خلاص فات.

- الموضوع مش محتاج تفكير تاني يا أمي. كرامة أختنا مش حقل تجارب للمعتوه ده. كل دقيقة زيادة في الجوازة دي هي خسارة كبيرة ليها، وجع دماغ إحنا مش قده ولا حمل فيه.

الأم اتعدلت في قعدتها، وبصت في وشوش ولادها الاتنين، وشافت في عيونهم إصرار مفيش فيه تراجع.

- إحنا مش عاوزين منها غير راحة البال، واللي شفته منكم النهارده ميسيبش مكان للشك.

- يبقى خلاص، الموضوع انتهى

عماد قالها وهو بيقوم، وكأنه بينفض حمل تقيل من على كتافه.

- أنا هنهي المهزلة دي بكرة. مش هنسمح للراجل ده يكمل معاهم يوم واحد .

سمير هز راسه بالموافقة، والجو في الأوضة بدأ يهدى بعد ما كان مشحون، وساب وراه قرار حاسم بقطع كل الحبال اللي كانت رابطة أختهم بالراجل السمج ده، وحط نقطة لآخر السطر في كل اللي معكر صفوهم.

✨✨✨✨✨✨✨✨

انزاح الكابوس عن صدر يسرا، وتنفست الصدر الرحب الذي حرمت منه لشهور. لكن قطار الحياة لم يمهلها طويلاً لتذوق طعم هذه الحرية؛ إذ كانت ملامح صديقتها ريهام تنذر بعاصفة أخرى تختبئ خلف صمتها المريب.

جلس العصير في كوبين من الزجاج السميك، يتلألأ بلونه البرتقالي الدافئ، لكنه لم يفلح في إضفاء أي بهجة على جلستهما. كانت ريهام شاردة، عيناها معلقتان بنقطة وهمية على الطاولة، تفرك حواف الكوب بأصابع مرتجفة كأنها تستمد منه دفئاً تفتقده.

لم تحتمل يسرا هذا الجدار من الصمت والوجوم الذي يغلف صديقتها، فبادرتها بنبرة حازمة تخفي خلفها فيضاً من القلق

- ما هو بصي بقى... أنا لازم أعرف مالك. بقالك يومين شايلة الهم، في إيه يا روكا؟

كانت تلك الكلمات بمثابة الثقب الذي انهار منه السد؛ فلم تكد يسرا تنهي جملتها حتى انهمرت دموع ريهام حارة، غزيرة، وكأنها كانت تنتظر إشارة البدء لتعلن عن انكسارها. حاولت ريهام جاهدة كتمان شهقاتها، ووضعت يدها على فمها لترويض بكائها، لكن المأساة داخلها كانت أعتى من أن تُكبح.

بلا تردد، تحركت يسرا من مقعدها لتجلس في الفراغ المجاور لريهام، وضمتها إلى صدرها بقوة، هامسة بكلمات مهدئة، بينما كان قلبها ينتفض رعباً على حال رفيقتها. زاد هذا القرب من حث ريهام على الكلام، فمسحت دموعها بأكمام مرتجفة، ورشفت جرعة صغيرة من العصير بنهم من يبحث عن هواء، ثم قالت بصوت متحشرج

- أنا آسفة بس مقدرتش أمسك نفسي... الموضوع إن ابن عمي اتقدم تاني، وبابا وافق عليه ومصمم، ورافض يسمع ليا خالص.

ساد رعب مفاجئ في ملامح يسرا، وصدرت منها شهقة مكتومة كادت تقطع أنفاسها. ابن عم ريهام... ذلك الكابوس القديم المتجدد. سألتها بحذر شديد، وعيناها تتسع خيفة

- والحل يا ريهام؟ هتعملي إيه؟

عادت ريهام لتغرق في نحيب مرير، واهتز كتفاها بعنف وهي تردد من بين شهقاتها المتقطعة كلاماً جمد الدماء في عروق يسرا

- مش عارفة يا يسرا... بس أنا شايفة الحل الوحيد إني أموت نفسي.

وقعت الكلمة كالصاعقة. شعرت يسرا بصدمة شلت تفكيرها لثوانٍ، قبل أن تنتفض نافية الفكرة باندفاع مبهوت

- لا يا ريهام..... وعي تفكري في كده... بقولك، ما تحاولي تتكلمي مع ابن عمك وتشرحيله الموقف؟ يمكن يطلع متفهم ويستر عليكي

انتفض جسد ريهام رعباً بمجرد سماع الاقتراح، واقشعر بدنها وكأن الموت قد مر بجانبها للتو، لتردف بلهفة مذعورة

- لا لا لا، استحالة طبعاً! ابن عمي أصعب من أبويا... ده ممكن يقتلني في وقتها لو حس بس إني مش عايزاه أو في حاجة مخبياها

تلاشت الكلمات من فم يسرا، وحلّت حيرة ثقيلة مكان الصدمة. كانت تشعر وكأنها تقف أمام جدار مسدود، وخوف ريهام لم يكن مجرد أوهام بل حقيقة ملموسة تكاد تلامسها. ضمتها مرة أخرى، وعيناها تشردان في الأفق، تبحث عن مخرج غير موجود، لتردد بنبرة يحوطها الرجاء والاضطراب

- ربنا هيدبرها يا روكا... إرمي حملك عليه وقولي يا رب.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

فتحت خلود باب شقتها لتضع كيس القمامة بالخارج، لكن حركتها تجمدت والتقطت أنفاسها في ذهول؛ إذ صُعقت بمرأى تلك الكتلة الصغيرة الجالسة على الدرج. كانت فتاة غافية، تضم إلى صدرها دمية قماشية باهتة الألوان وكأنها ملاذها الأخير، بينما كانت حقيبتها الصغيرة ملقاة بإهمال بجوارها.

اقتربت خلود بخطوات وئيدة وحذرة، تدقق في ملامحها الملائكية الساكنة، لتكتشف أنها "لمار". اعتصر الألم قلب خلود وهي تتأمل هذه الطفلة التي لم تتجاوز سنواتها الثلاث، مرتمية على جفاء السلم الرخامي. انحنت برفق، ورفعت الجسد الضئيل واحتضنته إلى صدرها بحنان جارف، ومسحت بملامسة دافئة على ظهرها، لتصدر الطفلة إيماءة خافتة، همسة طفولية مبهمة مست شغاف قلب خلود وعمقت من رغبتها في حمايتها.

دلفت خلود بها إلى داخل الشقة، وفي زحام مشاعر الشفقة والدهشة التي تملكتها، غاب عن بالها تماماً أمر الحقيبة التي تركتها ملقاة على الدرج.

استقبلتها سماح، زوجة أخيها، بنظرات متسعة من الدهشة، وسألتها بفضول مستغرب عن هوية هذه الصغيرة المستسلمة للنوم. ردت خلود بصوت خفيض وهي تحكم ضمتها

- دي لمار اللي كنت حكيتلك عنها من يومين... بنت المحامي اللي ساكن جديد قصادنا. كنت بطلع الزبالة لقيتها نايمة على السلم، صعبت عليا أوي.

اقتربت سماح بخطوات هادئة، وانعكست على شفتيها ابتسامة صافية مشوبة بالتعاطف، ثم مدت يدها وتمسحت على شعر الطفلة المنسدل بحنان بالغ، وقالت

- يا حرام، شكلها تعبانة خالص والجو حر أوي برة... دخليها يا خلود تنام جنب زينة جوة، ولما تصحى نبقى نأكلها، أكيد جعانة.

وبالفعل، تحركت خلود متجهة إلى الغرفة الدفيئة التي تنام بها زينة، وابنة أخيها التي تقارب لمار في السن ولا تتعدى السنوات الثلاث هي الأخرى، وضعتها بجوارها على الفراش بكل رفق، ودثرتها بغطاء خفيف.

مرت فترة من الوقت في سكون، حتى تناهى إلى مسامع خلود أصوات جلبة صاخبة ونداءات عالية آتية من الشارع. تملكها الفضول لاستكشاف ما يجري، فخرجت إلى الشرفة لتتبين الأمر.

وفور تطلعها لأسفل، أبصرت وليد واقفاً وسط الشارع، والوجوم يكسو وجهه الشاحب، وعيناه الزائغتان تلتفان حول المكان بذعر حقيقي، وكأنه تائه يبحث عن قرار عاجل لا يقوى على اتخاذه، بينما كان يمسك بيد مرتجفة حقيبة لمار الصغيرة التي عثر عليها. كان الجيران يلتفون حوله محاولين تهدئته، وأدركت خلود فوراً أنه يعيش كابوس البحث عن طفلته المفقودة.

حاولت خلود أن تنادي عليه مباشرة لتطمئنه، لكنها تعثرت في عدم معرفتها باسمه، فالتفتت سريعاً ونادت بصوت عالٍ على أحد الجيران الواقفين معه، وقالت بنبرة واضحة

- قوله لمار عندي... لمار جوة الشقة

التقطت أذن وليد الجملة وسط الضجيج، وكأن الروح قد ردت إلى جسده المنهك بعد موت مؤقت. لم يضيع ثانية واحدة؛ بل ركض بهستيرية نحو البناية وصعد الدرج بقفزات متتالية حتى وقف أمام شقة خلود. استقبلته خلود بخجل ووجل، وأنزلت عينيها أرضاً وهي تقول بأسف

- أنا آسفة جداً، نسيت شنطتها على السلم... على العموم هي جوة نايمة، وأول ما تصحى هخليها تيجي لحضرتك على طول.

لهج لسان وليد بعبارات الشكر السريعة والامتنان الذي غمر قلبه، ثم قفل راجعاً وهو يحمد الله في سره وعلنه على سلامة ابنته. دلف إلى شقته المقابلة، وفور أن أغلق الباب الخشبي خلفه، انهار جسده أرضاً، واستند بظهره إلى الباب وهو يتنفس بصعوبة. غطى وجهه بيديه، شاعراً بثقل الدوامة العنيفة التي يدور في فلكها، والتي تيقن تماماً أن الخاسر الأوحد والضحية الأكبر فيها... هي طفلته الصغيرة لمار.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • رماد القمر    البارت الثامن

    الصمت مالي الأوضاع، تقيل ومكتوم، ومفيش صوت طالع غير أنفاس عماد العالية اللي فضحا غضبه. بص لأخوه سمير بنظرات حادة، وبعدين لف لمامتهم اللي كانت عمالة تفرك في منديلها بقلق وخوف. - أنا حذرتكم من الأول عماد بدأ يتكلم وهو بيضغط على كل كلمة - قلت لكم الراجل ده ميتأمنش على ضفرها، فما بالكم بحياتها؟ كلامي معاها النهارده أكد لي كل اللي كنت خايف منه؛ البني آدم السمج ده عمره ما كان مشروع جوز، ده كان عبء تقيل وكل شغلانته في الدنيا إنه يهينها. سمير دخل في الكلام، وملامح وشه الصارمة كانت بتقول إن وقت التردد خلاص فات. - الموضوع مش محتاج تفكير تاني يا أمي. كرامة أختنا مش حقل تجارب للمعتوه ده. كل دقيقة زيادة في الجوازة دي هي خسارة كبيرة ليها، وجع دماغ إحنا مش قده ولا حمل فيه. الأم اتعدلت في قعدتها، وبصت في وشوش ولادها الاتنين، وشافت في عيونهم إصرار مفيش فيه تراجع. - إحنا مش عاوزين منها غير راحة البال، واللي شفته منكم النهارده ميسيبش مكان للشك. - يبقى خلاص، الموضوع انتهى عماد قالها وهو بيقوم، وكأنه بينفض حمل تقيل من على كتافه. - أنا هنهي المهزلة دي بكرة. مش هنسمح للراجل ده يكمل معاهم يوم وا

  • رماد القمر    البارت السابع

    عادت خلود من السوق وهي تحمل أكياس الخضار والاحتياجات اليومية، تجر خطى متعبة بعد جولة في لاهب النهار. وبينما كانت تصعد درجات السلم المؤدية لشقتها، اخترق سكون البناية صوت نحيب خافت، بكاء طفولي متقطع ينم عن خوف شديد. توقفت خلود، وتلفتت حولها حتى انتبهت لتلك الكتلة الصغيرة المنكمشة على نفسها في زاوية معتمة من الدرج. تركت الأكياس من يدها فوراً دون مبالاة، وانحنت تقترب من الطفلة التي بدت في بياضها ورقّتها كقطعة من المارشميلو اللذيذة، وزاد من سحر ملامحها احمرار أنفها الصغير ووجنتيها أثر البكاء المرير. حاولت خلود التحدث معها وملاطفتها لتهدئتها، لكن الفتاة الصغيرة ما إن رأت ظلاً يقترب منها حتى زاد نحيبها، وتشبثت بقضبان سور الدرج الحديدي بقوة وكأنها تخشى أن يختطفها أحد، وصرخت بصوت مخنوق مستغيثة - بابا.. يا بابا تعالى بقى... لمار خايفة أوي.. تعالى أمام هذا الذعر الطفولي، لم تجد خلود حيلة سوى أن تجلس بجوارها تماماً على الدرج الحجري، وبدأت تمسح على شعرها الحريري المبعثر بحنو باليغ، وتهمس لها بكلمات دافئة ومطمئنة حتى بدأت ثورة خوف الطفلة تخمد شيئاً فشيئاً، وتحول نحيبها العالي إلى شهقات رقيقة مت

  • رماد القمر    البارت السادس

    ولم يطل مكوثه في ساحة الغزل، إذ سرعان ما عرج بالحديث نحو المرتب، وبدأ يلقي عليها نصائح مطولة في الادخار، وحسن التدبير، والتوفير للمستقبل. كان حديثه يدور في حلقة مفرغة، محورها الأساسي وسؤاله المبطن... كم يبلغ راتبك تحديداً؟.تسلل الضيق إلى صدر يسرا وحاولت كتمانه، حتى باغتَها في منتصف الحوار بسؤال مباشر عن المبلغ الذي ادخرته من راتب هذا الشهر، فأجابته بعفوية وتلقائية ودون تجميل- مرتب إيه اللي أحوشة يا حسام؟ كله خلص اشتريت بيه هدايا لكل العيلة هنا، ويا رب الفلوس الباقية معايا تكفيني مواصلات لآخر الشهر.عند سماع الكلمة، انقبض وجه حسام، وضاق ما بين حاجبيه بحدة، وظلت عيناه تدوران في محجريهما بينما ضغط على فكيه بقوة محاولاً كبت غيظه الصاعد. لاحظت يسرا حركته تلك بدقة، لكنها لم تكترث لغضبه أو امتعاضه؛ ففي النهاية هذه نقودها، وثمرة تعبها، ولها مطلق الحرية في التصرف بها.حاول حسام استجماع شتات نفسه، وتابع بنبرة هادئة اصطنعها برداءة- ولا يهمك.. ده أول مرتب ومعلش، بس بعد كده لازم تخلي بالك وتعملي حساب المستقبل بقا.. ها، وفين بقى هديتي أنا؟شعرت يسرا بالحرج من سؤاله الجريء، وحاولت الخروج من المأ

  • رماد القمر    البارت الخامس

    جلست يسرا بجوار شقيقها عماد، تحيطه بحنانها وتحاول مواساته على ضياع ذلك الحب الكبير؛ حبٌّ صمد لثلاث سنوات كاملة، وتحدّى الكثير، لكنه تبخر وتلاشى في لحظة واحدة عاصفة.كان عماد يشعر بضيق شديد يكتم أنفاسه، وتدفقت الدموع في عينيه بغزارة، لكنه جاهد بكل ما أوتي من كبرياء لتبصقها جفونه وتظل حبيسة في مقلتيه؛ فكيف له أن يبكي بدموع عينيه بينما قلبه ينزف دماً حارقاً على فراقها؟ تملكه سؤال مرير: كيف سيذكرها الآن وهي لم تعد له؟ لقد التقت بشخص آخر، رجل استطاع أن يمنحها الأمان والتعويض عما خسرته من سنوات في انتظاره. أدرك بيقين موجع أن الأيام ستمضي، وسيرتبط كل منهما بشخص آخر، ربما يعشقه بنفس الدرجة، أو بأقوى منها، أو أقل.. ليلتقيا بعد زمن طويل كالأغراب، كلٌّ منهما يمسك بيد شخص آخر ويمتلئ قلبه بعشقه، ليصبح حبهما القديم مجرد ذكرى عابرة طواها النسيان.حاولت يسرا جاهدة أن تهون عليه وطأة الصدمة وتخفف من مرارة واقعة الخبر، لكنه لم يعد يستطيع الحديث أكثر من ذلك؛ خشي أن تخونه نبرته وتفضحه دموع عينيه التي باتت على شفا الانهيار، فتنحنح ليتغلب على غصته، وأردف بألم مخفي وراء قناع من الرضا الزائف- سيبك أنتِ يا ري

  • رماد القمر    البارت الرابع

    مرّت الأيام متلاحقة كأنها في سباق مع الزمن، ليحلّ اليوم الموعود؛ يوم إعلان نتائج نهاية العام. وهو اليوم نفسه الذي علّق عليه سمير قراره النهائي بمباركة خطبة يسرا وتحديد موعدها الرسمي، رابطاً بين شهادتها الجامعية وانتقالها إلى بيت زوجها. دلفت يسرا من بوابات الجامعة الواسعة، ممسكة بيد ريهام بقوة كمن يستند إلى جدار آيل للسقوط. كان الشحوب قد استوطن ملامحهما، والوجل يطل من عيونهما الحائرة، حتى أن جفاف حلقيهما من فرط التوتر بات يسبب لهما غصة حقيقية. كانت خطواتهما ثقيلة، تتقدمان نحو لوحات الإعلانات وكأن أقدامهما مكبلة بالحديد؛ وكيف لا تكون كذلك، وما يفصلهما عن عتبة التخرج والانطلاق نحو المستقبل سوى لحظات تحسمها ورقة معلقة على جدار؟ كلما اقتربتا، تباطأت خطاهما أكثر، وأخذت دقات قلبيهما تتسارع بصخب يصم الآذان. لم يعد يفصلهما عن القوائم سوى سنتيمترات قليلة. في تلك اللحظة الحرجة، أغمضت يسرا عينيها بقوة، وضغطت على أصابع ريهام، ورفعت بقلبها تضرعاً صامتاً وخاشعاً إلى الله. وعندما فتحت جفنيها، بدأت عيناها تسبحان وسط طوفان الأسماء المرتبة أبجدياً. لمحت أولاً اسم صديقتها، فانتفض جسدها وقفزت في الهواء،

  • رماد القمر    البارت الثالث

    خطا محمود عتبة المنزل بجسد هامد، يجر خلفه إرهاق يوم شاق وطويل أمضاه بين حديد الورشة وعوادم السيارات، تاركاً خلفه بقع الشحم على ثيابه، ومحتملاً بقايا حرارة النهار في صدره. لكن ثقل خطاه لم يكن من تعب الجسد وحده، بل من فكرة واحدة كانت تنهش روحه بضراوة. ما إن دلف إلى الصالة حتى وقعت عيناه على خلود، ابنة عمه، وهي تجلس متوددة بجوار والدته. وفور أن أبصرته، انتفضت واقِفة، وركضت نحوه بملامح يملؤها الشغف، وتردد بنبرة مرحة حاولت بها سرقة ابتسامة من شفتيه الغائبتين - حمد الله على السلامة يا أستاذ حودة... كل ده تأخير؟ تسمرت نظرات خلود على وجهه، وتلاشت ضحكتها تدريجياً وهي تتأمل ملامحه عن قرب؛ ذقنه المهملة التي طالت بنبت أسود مبعثر، وعيناه المنكسرتان اللتان يكسوهما وجع حقيقي. تذكرت كلمات زوجة عمها لها حين وصفت لها حاله وانعزاله في الأيام الأخيرة، فشعرت بغصة حزن حارقة من أجله، وتقدمت خطوة أخرى مدفوعة بلهفة حنونة وسألته بصوت خفيض - مالك يا محمود؟ شكلك تعبان أوي وفي حاجة مضيقاك.. قولي فيك إيه؟ في تلك اللحظة، انقطع خيط الصبر الواهن داخل صدره. توقف محمود فجأة، وتصلب جسده كأنه قطعة حديد، ثم التفت إلي

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status