LOGINعادت خلود من السوق وهي تحمل أكياس الخضار والاحتياجات اليومية، تجر خطى متعبة بعد جولة في لاهب النهار. وبينما كانت تصعد درجات السلم المؤدية لشقتها، اخترق سكون البناية صوت نحيب خافت، بكاء طفولي متقطع ينم عن خوف شديد.
توقفت خلود، وتلفتت حولها حتى انتبهت لتلك الكتلة الصغيرة المنكمشة على نفسها في زاوية معتمة من الدرج. تركت الأكياس من يدها فوراً دون مبالاة، وانحنت تقترب من الطفلة التي بدت في بياضها ورقّتها كقطعة من المارشميلو اللذيذة، وزاد من سحر ملامحها احمرار أنفها الصغير ووجنتيها أثر البكاء المرير. حاولت خلود التحدث معها وملاطفتها لتهدئتها، لكن الفتاة الصغيرة ما إن رأت ظلاً يقترب منها حتى زاد نحيبها، وتشبثت بقضبان سور الدرج الحديدي بقوة وكأنها تخشى أن يختطفها أحد، وصرخت بصوت مخنوق مستغيثة - بابا.. يا بابا تعالى بقى... لمار خايفة أوي.. تعالى أمام هذا الذعر الطفولي، لم تجد خلود حيلة سوى أن تجلس بجوارها تماماً على الدرج الحجري، وبدأت تمسح على شعرها الحريري المبعثر بحنو باليغ، وتهمس لها بكلمات دافئة ومطمئنة حتى بدأت ثورة خوف الطفلة تخمد شيئاً فشيئاً، وتحول نحيبها العالي إلى شهقات رقيقة متقطعة. استغلت خلود الهدوء وسألتها بصوت ناعم عن اسمها وسبب جلوسها وحيدة هكذا، فأجابتها الطفلة وهي تمسح دموعها بكفيها الصغيرتين - أنا اسمي لمار وليد.. وقاعدة هنا مستنية بابا. باص المدرسة جابني ونزلني هنا عشان أنا اللي قولتله مش عايزة أروح عند عمتو.. ولادها ديماً بيضربوني، وجوزها راجل تخين وصوته عالي أوي وبيخوفني ومش بيحب لمار خالص. لم تملك خلود نفسها من الابتسام رغم الموقف؛ إذ أضفت براءة الطفلة وعفويتها في الوصف جوّاً من البهجة. جذبتها خلود وعانقتها بحب وهي تسألها بتلقائية ورفق - طيب وماما فين يا لمار؟ مش بتستناكي ليه؟ صفقت لمار بكفيها الصغيرتين ببراءة طفولية خالية من أبعاد الموت المأساوية، وأردفت - ماما راحت عند ربنا وسابت لمار لوحدها.. وبابا هو اللي معايا بس مش بيعرف يعملي شعري خالص وزي ما أنتِ شايفاه منكوش كده. انقبض قلب خلود، واجتاحتها موجة عارمة من الحزن والتعاطف مع هذه اليتيمة الصغيرة؛ تطلعت إلى شعرها المبعثر وعينيها الباكيتين، واندفعت تحتضنها بقوة إلى صدرها وهي تردد بنبرة تفيض بالشفقة والحنان - يا حبيبتي.. يا روحي أنتِ. وفي تلك اللحظة بالذات، دوت أصوات خطوات سريعة ومضطربة تصعد الدرج بهرولة وعاصفة. ظهر شاب يلهث من فرط الركض، ولم يكن سوى والدها؛ وما إن وقعت عيناه على طفلته، حتى انحنى بجسده ورفعها بين ذراعيه يتلقفها بلهفة وخوف أب كاد يفقد عقله، وأخذ يغمر وجهها بالقبلات وهو يردد بنبرة باهية متهدجة - أنا آسف.. اتأخرت عليكِ يا حبيبتي، غصب عني والله.. حقك على اعتدل الشاب في وقفته والتقت عيناه بعيني الفتاة التي تحمي ابنتها.. وتسمر مكانه. نعم، إنه هو..... وليد، المحامي نفسه الذي اشتبك معها بالأمس على هذا الدرج ذاته. امتزجت ملامح الدهشة بالخجل على وجه وليد، وشعر بالخزي الشديد من قسوته السابقة معها بعدما رآها تحتضن طفلته وتعتني بها بكل هذا النبل. وفي اللحظة نفسها، تذكرت خلود ندمها القديم لعدم اعتذارها عن الأوراق. وبتوافق غريب ومباغت، انطلقت من شفتيهما كلمة واحدة في التوقيت ذاته - أنا آسف.. - أنا آسفة.. ساد الصمت لثانية قبل أن تفلت منهما ضحكة صافية ومتبادلة كسرت كل حواجز الجفاء السابقة، لتتعالى معهما ضحكات الصغيرة "لمار" بتلقائية بهيجة ملأت فضاء السلم. تنحنح وليد محاولاً استعادة وقاره، وتطلع إلى خلود بنظرة امتنان حقيقية نابعة من القلب، وأردف بشكر حار - أنا حقيقي مش عارف أشكرك إزاي على اهتمامك بلمار.. أنا رجعت من بره ولقيت أختي بتكلمني بتقول إنها مجاتش، فدمي نشف وجريت زي المجنون.. شكراً ليكِ ولذوقك، وآسف مرة تانية على أسلوبي الغبي بتاع امبارح. ✨✨✨✨✨✨✨ - بقولك إيه يا يسرا.. اختبريه كانت تلك الكلمات الحاسمة نصيحة ريهام لصديقتها، عقب أن جلستا معاً وقصت لها يسرا بمرارة وتوجس تفاصيل حوارها الأخير مع حسام، وكيف تحولت عيناه إلى جمر من الجشع فور ذكر المرتب. ضاقت يسرا ما بين حاجبيها في دهشة وعينين متسعتين، ورددت بعدم فهم - أختبره؟ أختبره إزاي يعني يا ريهام؟ وفين؟ مالت ريهام نحوها، وبدأت تسرد لها تفاصيل خطة ذكية ومباغتة تضعه بها أمام الأمر الواقع لتكشف حقيقة معدنه. حازت الفكرة إعجاب يسرا على الفور؛ فاليقين بالرفض كان داخلياً، لكنها كانت تحتاج إلى دليل ملموس يقطع الشك باليقين أمام عائلتها. دون تردد، أخرجت هاتفها واتصلت به، وأخبرته بنبرة جادة ومضطربة مصطنعة أنها تريده في أمر هام وعاجل لا يحتمل التأجيل، واتفقت معه أن يلتقيا في مقهى هادئ فور انتهاء ساعات العمل. بالفعل، جاء حسام في الموعد المحدد، يخطو بخيلاء وعلامات البهجة ترتسم على وجهه، وما إن جلس حتى ردد بنبرة مرحة يغلفها الطمع - ها يا ستي؟ نويتي تعزميني النهاردة على الغدا بمناسبة المرتب، ولا إيه الموضوع المهم اللي طير النوم من عيني؟ ابتسمت له يسرا ابتسامة غامضة، يمتزج فيها الخبث بالترقب، وحركت أصابعها بتوتر مصطنع وهي تردد - كنت عاوزة أقولك على حاجة مهمة.. وبما إننا خلاص مابقاش في بينا أسرار، والإتنين بقينا واحد وكده، فكان لازم تكون أول واحد يعرف. التفت إليها حسام بكليته، وأبدى استعداداً كاملاً لسماعها والتهمام كلماتها، متأملاً نظراتها الزائغة وارتباكها المحبوك الذي أتقنت تمثيله، فحثها على الحديث بقلق قائلًا - طبعاً يا حبيبتي إحنا واحد.. قولي في إيه؟ خضيتيني أخذت يسرا نفساً عميقاً، وأردفت بارتباك حذر - أنا يعني.. أنا قدمت على قرض تبع الشغل بضمان المرتب عشان أقدر أكمل بقية جهازي والحاجات اللي نقصاني.. فقولت لازم أقولك وناخد الرأي سوا. - قرض؟ .ردد حسام الكلمة في سرّه، واشتعلت عيناه ببريق جشع التمع في ننه بوضوح. تطلع إليها بجمود لثوانٍ يحسب أرباحه وخسائره، قبل أن يرسم على وجهه قناع الثقة والمكر، ويميل نحوها مردداً بنبرة ناعمة - تمام.. وبما إننا الإتنين واحد زي ما لسه قايلة، ومصلحتنا واحدة.. إديني بقى نص القرض ده أكمل بيه تشطيب الشقة وعفشها، وأهو كله في الآخر لبيتنا وليكي، وعشان نعجل بموضوع الجواز والدخلة ومناخدش وقت طويل.. إيه رأيك؟ هنا، انقشع القناع تماماً عن عيني يسرا. رمقته بنظرات نارية حادة، نظرات احتقار وازدراء شديدين لم يستطع هو فهم سببهما أو استيعاب مغزاهما، ثم وقفت من مكانها بجسد ينتفض كبرياءً، ورددت بحدة وصوت قاطع كالسيف - بقولك القرض جايباه عشان أكمل جهازي.. وهو أصلاً مش مكفي حاجتي.... تاخد نصه وتكمل بيه شقتك؟ ألقت بكلماتها الحارقة في وجهه كالصفعة، ودون أن تنتظر منه حرفاً واحداً أو تمنحه فرصة للدفاع عن بساط أطماعه، تركت حقيبتها على كتفها وغادرت المقهى بخطى سريعة وعاصفة، تاركة إياه خلفها متسمراً في مكانه مصعوقاً من ردة فعلها. وفي منتصف طريق عودتها للمنزل، وقفت يسرا في زاوية من الشارع، وتطلعت إلى يدها اليمنى. وبحركة حاسمة ومليئة بالراحة، نزعت تلك الدبلة الحديدية من إصبعها وألقتها في قاع حقيبتها. اتخذت قرارها النهائي الذي لا رجعة فيه؛ ستقص على شقيقها الأكبر سمير وعماد كل ما حدث بالتفصيل، ولتثق تماماً أن رجال المنزل الأزرق سيتولون أمر هذا الشخص، ويعيدون له دبلته بطريقتهم الخاصة التي تليق بجشعه.57 هكذا هي الحياة؛ دروبٌ تتبدل لتُطوى صفحة وتبدأ أخرى، وتدور عجلاتها بانتظامٍ صارم لا تتوقف لأجل غائب، ولا تتعثر بموقف، بل تمضي قُدماً تجرّ خلفها المصائر والوجوه في نهر الزمان المتدفق. 🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹 تغيرت ملامح حسن على الفور، واجتاحت وجهه موجة من الاضطراب والوجل عقب كلمتها الأخيرة؛ تأهب بكل حواسه وجوارحه، ووقف مشدوهاً ينتظر صاعقة ذلك الشرط الذي قد يطيح بآماله. مرت عليه تلك اللحظات الثقيلة وكأنها سنوات عجاف، حتى قطعت لبنى حبل صمتهما وتفوهت بشرطها قائلة في ثبات - لازم أعرف إيه سبب الخلاف الحقيقي اللي كان بينك وبين نهى.. وليه طلقتها بعد كل السنين دي؟ زفر حسن نفساً حاراً بقوة كمن يزيح عن صدره جبلاً، وعاود الجلوس على مقعده ببطء، وعيناه شاخصتان نحو الفراغ؛ شرد بباله قليلاً، ومرت أمام عينيه لمحات خاطفة من الحزن العتيق، وكأن تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم قبل سبع سنوات تعود بكامل قسوتها لتتجسد أمامه، وكلمات نهى الجارحة واعترافها القديم يرن في أذنيه كصدى مرير. نعم، لم تفارقه تلك الذكرى طيلة تلك السنين؛ فكلما عقد نيته على الغفران أو حاول بدء حياة جديدة، تصرخ تلك الكلمات في أعماقه لتبعده أكث
56 تحتضن ذراعه القوي بتملك أنثوي دافع، وتسير بجواره بخطى راقصة، قبل أن تنحني نحوه وتردد بصوت خافت شبه مسموع، حتى لا يصل إلى مسامع والدتها يسرا التي كانت تسير خلفهما ببضع خطوات وتتفقد واجهات المحال - علشان خاطري يا بابا.. خلي ماما توافق تجيبلي البلوزة اللي نفسي فيها وشوفتها في المحل اللي فات.. أنت عارفها هتفضل تقول لبسها كتير انطلقت ضحكات عماد الرجولية الرنانة لتملأ الممر، والتفت إلى تلك الفتاة الفاتنة التي غدت شابة يافعة، ودائماً ما تغلبه بدلالها العذب وتلك الكلمة السحرية بابا التي تملك بها أوتار قلبه؛ فربت على كفها الصغيرة وردد بنبرة ملؤها التأكيد والفخر - وماما ليه وأنا رحت فين يا قلب بابا؟ أنا اللي هجيبلك كل اللي أنتِ عاوزاه، السنيورة مسك تؤمر وتطلب بس.. دي أقل هدية لتفوقك السنادي في دراستك، ودايماً رافعة راسي كده ومحافظة على المركز الأول. طبعت مسك قبلة رقيقة على وجنته وهي تشكره بامتنان جارف، وفي تلك اللحظة اقتربت منهما يسرا، متطلعة إليهما بفضول وشك، ثم رفعت إحدى حاجبيها واردفت بحزم مفتعل وعينين ضاحكتين - يا ترى بقى كنتوا بتتفقوا على مصيبة إيه من ورايا؟ الوشوه دي أنا عارفاها
55 لم يكن كل شيء على ما يرام كما يبدو في الظاهر، فبالرغم من كل تلك الترتيبات الدقيقة والأجواء الاحتفالية المبهرة التي خطط لها عماد بعناية فائقة ليخرج الحفل رائعاً ويليق بقلب الصغيرة، إلا أن الشروخ كانت أعمق من أن تداويها الألوان والبالونات. بالرغم من صخب الأغاني وضحكات الأطفال، كان قلب يسرا ما زال ينزف حزناً، تنهشه تلك الكلمات المسمومة التي ألقتها أختها شروق في وجه طفولتها البريئة. كانت يسرا تبتسم مجاملة، وتداعب ابنتها وتصفق مع المصفقين، لكن قلبها من الداخل كان يقطر ألمًا ومرارة على واقع حياتها الملتوي، وعلى مصير ابنتها اليتيمة التي باتت جُرمًا وثقلاً في عيون بعض المقربين. بينما كانت يسرا غارقة في ألمها النفسي تحاول مواراته خلف الأقنعة، كانت هناك عينان ترصدانها من بعيد، تشتعلان بحقد أسود وغل أعمق من بئر سحيق؛ إنها نرمين. كانت تقف مصلبة الجسد، تحمل ابنتها على كتفها بامتلاك، بينما تقبض بيدها الأخرى بقسوة على يد ابنها الصغير، تمنعه بعنف من الحركة أو اللهو مع بقية الأطفال، وتخص بالمنع "مسك" ابنة عمته. كانت نرمين تتهكم في سريرتها على هذا البذخ الصاخب، وتحدث نفسها بغيظ قائلًا..... كل هذه
54 عادت راندا من عملها والبهجة تسبق خطاها، تحمل بين يديها علبة كرتونية كبيرة مزينة بدقة، تحتوي على هدية فاخرة اختارتها بعناية لمسك بمناسبة اقتراب عيد ميلادها الثالث؛ فابنة أحمد ويسرا كانت دائمًا في منزلة خاصة بقلبها. تطلع خالد إلى تلك العلبة الكبيرة بإعجاب، ثم نقل نظراته الدافئة إلى راندا؛ فالشهور الأخيرة بدأت تترك أثرها العذب على جسدها، وباتت بطنها تبرز بوضوح خفيف ينبئ بحملها الذي دخل شهره الرابع. لقد قضت العامين الماضيين في تأجيل فكرة الإنجاب بذكاء وصبر، متنازلة عن رغبتها الأمومية مؤقتًا حتى يتفرغ هو تمامًا لإنهاء دراسته الشاقة ودبلوماته، والآن حان وقت قطاف الثمر. سألها خالد بدهشة ممزوجة بالابتسام، مشيرًا إلى العلبة - إيه العلبة الكبيرة دي كلها؟ أنتِ لسه راجعة من الشغل تعبانة، إيه اللي شايلاه ده؟ أجابته بنبرة تفيض حنانًا وهي تضعها على المنضدة - دي هدية مسك يا خالد.. عيب ميلادها الثالث بعد كام يوم، ومكنش ينفع المناسبة دي تعدي من غير ما أفرح قلبها وقلب يسرا شعر خالد بموجة جارفة من العشق تجتاح كيانه؛ اقترب منها بخطوات بطيئة، وأحاط خصرها الغض بذراعيه من الخلف، ساندًا ذقنه على كتف
53 يتطلع أحمد إلى وليده الصغير بعينين تشعان فخراً وعزاً، والبهجة تملأ أركان صدره الرحب؛ فأخيراً منّ الله عليه بالولد والوارث الذي يحمل اسمه، الذكر الذي طالما انتظر قدومه ليرفع به رأسه. امتدت يداه بلهفة حانية ليرفع الجسد الضئيل، وضمه إلى صدره بقوة وعاطفة جياشة لم يعهدها من قبل، ثم انحنى يهمس في أذنه الصغيرة بنبرة دافئة ممتلئة بالآمال - تعال في حضن أبوك يا حبيب قلبي..... بكرة لما تكبر هتبقى سندي وعزوتي في الدنيا دي كلها... شد حيلك كده وأكبر ارتسمت على شفتي مريم ابتسامة عريضة تفيض بالانتصار والخيلاء، وكانت تتابع تفاصيل تلك الفرحة العارمة التي أظهرها أحمد بسخاء وصخب أمام الجميع؛ فالتفتت إليه وتردّدت بنبرة يغلفها الغرور والاعتداد بالذات - إيه رأيك بقى يا سيدي؟ جبتلك الولد اللي كنت بتحلم بيه أهو، وجبتلك معاه الحظ والخير كله.. أنا عاوزة بقى حفلة سبوع كبيرة وضخمة، تليق بابنك البكري وتسمّع الدنيا كلها.. مش أي كلام يعني.... اه يعنى دا ولد مش بنت زى المحروسة لقد تناست مريم تماماً، في زحمة كبريائها، أمر مسك.. ابنة أحمد الأولى والطفلة البكر الحقيقية له. ولم تكن مريم وحدها هي التي طمست معالم
52 لقد غيرتها تلك الأيام العجاف كثيراً، صهرتها نيران الخذلان لتخرج من أتون تلك التجربة القاسية بشخصية جديدة؛ شخصية قوية، صلبة، عصية على الكسر. تعلمت كيف تتخلى ببساطة وتنزع الأشخاص من حياتها دون أن يرف لها جفن، ودون أن تظهر للملأ ذرة واحدة من حزنها الدفين. حتى نظرة عينيها تبدلت تماماً؛ غادرتها الانكسارات القديمة، لتلتمع اليوم ببريق جديد حاد، بريق يصعب على من يجهل ماضيها تفسيره أو سبر أغواره. أصبحت خطاها أكثر اتزاناً وثقة، تسير في دروب الحياة برأس مرفوع وعينين ثابتتين لا تحيدان عن الهدف. لم يعد يغريها البريق الزائف للكلام المعسول، أو بالمعنى الأصح، لم تعد ترى حولها أي بريق يستحق الالتفات؛ فقد انقشعت الغمامة وانكشفت الكثير من الأمور، وظهرت الحقائق عارية أمام بصيرتها. وفيما كانت تعود من عملها ذات مساء، والخطى تحثها بشوق جارف لرؤية ابنتها مسك وضمهما إلى صدرها، تلاشت طمأنينة الطريق حين تفاجأت بمن يقطع خطوتها ويقف حائلاً بينها وبين دربها. إنه محمود. كان يقف أمامها بارتباك فاضح، وعيناه اللتان طالما حملتا الكبرياء تمتلئان اليوم بندم يمزق ملامحه، ولسانه منعقد عاجز عن صياغة جملة مفيدة. حاول ر
ولم يطل مكوثه في ساحة الغزل، إذ سرعان ما عرج بالحديث نحو المرتب، وبدأ يلقي عليها نصائح مطولة في الادخار، وحسن التدبير، والتوفير للمستقبل. كان حديثه يدور في حلقة مفرغة، محورها الأساسي وسؤاله المبطن... كم يبلغ راتبك تحديداً؟.تسلل الضيق إلى صدر يسرا وحاولت كتمانه، حتى باغتَها في منتصف الحوار بسؤال مب
جلست يسرا بجوار شقيقها عماد، تحيطه بحنانها وتحاول مواساته على ضياع ذلك الحب الكبير؛ حبٌّ صمد لثلاث سنوات كاملة، وتحدّى الكثير، لكنه تبخر وتلاشى في لحظة واحدة عاصفة.كان عماد يشعر بضيق شديد يكتم أنفاسه، وتدفقت الدموع في عينيه بغزارة، لكنه جاهد بكل ما أوتي من كبرياء لتبصقها جفونه وتظل حبيسة في مقلتيه
خطا محمود عتبة المنزل بجسد هامد، يجر خلفه إرهاق يوم شاق وطويل أمضاه بين حديد الورشة وعوادم السيارات، تاركاً خلفه بقع الشحم على ثيابه، ومحتملاً بقايا حرارة النهار في صدره. لكن ثقل خطاه لم يكن من تعب الجسد وحده، بل من فكرة واحدة كانت تنهش روحه بضراوة. ما إن دلف إلى الصالة حتى وقعت عيناه على خلود، اب
مرّت الأيام متلاحقة كأنها في سباق مع الزمن، ليحلّ اليوم الموعود؛ يوم إعلان نتائج نهاية العام. وهو اليوم نفسه الذي علّق عليه سمير قراره النهائي بمباركة خطبة يسرا وتحديد موعدها الرسمي، رابطاً بين شهادتها الجامعية وانتقالها إلى بيت زوجها. دلفت يسرا من بوابات الجامعة الواسعة، ممسكة بيد ريهام بقوة كمن







