Home / مافيا / "رهينة الزعيم: ملكية لا تقبل التجزئة" / الفصل الثالث :خيوط الحرير والحديد

Share

الفصل الثالث :خيوط الحرير والحديد

last update publish date: 2026-06-13 22:19:31

عشر سنوات... عشر سنوات كاملة مرت على تلك الليلة التي تسلقتُ فيها الدولاب، محاولةً الهروب من قدرٍ لم أختره. في هذه العقود التي انصرمت، تحولتُ من طفلة ذعيرة ترتجف في الزوايا، إلى امرأة يصفها الجميع في كواليس هذا القصر بأنها "تحفة ليون الفنية". القصر الذي كان يوماً يثير رعبي، أصبح الآن وطناً وسجناً في آن واحد، عالمي الضيق الذي لا أعرف سواه. لم أعد أختبئ، بل أصبحتُ أمشي في ممراته الرخامية بخطواتٍ واثقة، لكنها واثقة كخطوات السجين الذي اعتاد على أغلاله، سلاسل غير مرئية صاغها ليون بدقة شيطانية طوال العقد الماضي.

كنتُ أقف أمام المرآة الكبيرة في جناحي، أراقب انعكاس صورتي. كنتُ أرتدي فستاناً من الحرير الأسود، اختاره ليون بنفسه، كعادته في فرض تفاصيل حياتي. كان القماش ينسدل على جسدي بطريقةٍ تجعلني أشعر بالارتباك، وكأنه يغلفني كهديةٍ ثمينة لا يحق لأحدٍ غيره لمس غلافها. شعري الأشقر الطويل كان ينسدل بتموجات هادئة على كتفيّ، أما عيناي، التي كانتا تفيضان بالدموع قديماً، فقد أصبحت الآن تحملان بريقاً غامضاً؛ مزيجاً مرّاً من التحدي المكتوم والانكسار العميق.

فجأة، انفتح الباب دون استئذان. لم أكن بحاجة للالتفات لأعرف مَن الداخِل؛ فعبق عطر "العود" الفاخر الممزوج برائحة السجائر القوية كان يسبق خطاه الرزينة دائماً. ظهر انعكاسه في المرآة خلفي؛ "ليون"، الرجل الذي لم يعد ذلك الصبي البارد، بل أصبح زعيماً يرتعد العالم عند ذكر اسمه، رجلاً يفيض بهيبةٍ طاغية وسطوةٍ تجعل من حضوره إعصاراً. قميصه الأسود كان مفتوح الأزرار العلوية، وعيناه الرماديتان كانتا تتفحصانني بتركيزٍ حاد، جعلني أشعر وكأنني عارية تماماً أمام نظراته المتفحصة.

"تبدين مذهلة، يا إيلينور،" قال بصوته العميق الذي اكتسى بخشونةٍ تزيد من جاذبيته المسمومة. اقترب مني حتى شعرتُ بحرارة جسده خلفي، ثم وضع يديه القويتين على كتفيّ، وأمال رأسه ليهمس بجانب أذني: "لكنكِ تعلمين أن هذا الجمال... خُلق لعينَيّ أنا فقط."

أخذتُ نفساً عميقاً، محاولةً استجماع شتات شجاعتي المنهكة. "إلى متى، يا ليون؟" سألتُه بصوتٍ حاول التماسك رغم الرعشة التي سرت في أوصالي. "إلى متى سأظل حبيسة هذه الجدران؟ اليوم هناك حفلٌ كبير للعائلات، وأريد الحضور. أريد أن أرى العالم، أن أتنشق هواءً لم يمر عبر رئة هذا القصر!"

تصلبت يداه فوق كتفيّ، وشعرتُ بالهواء من حولي يثقل ويتحول إلى غازٍ خانق. استدار بي بقوة ليواجهني، وعيناه اشتعلتا بتلك النظرة التملكية التي لم تتغير منذ كان طفلاً، بل أصبحت الآن أكثر خطورة، نظرة من يرى العالم ملكية خاصة.

"العالم في الخارج؟ إنه لا يستحقكِ!" قال بصرامة، وقبضته بدأت تشتد على ذراعي. "هم ذئاب، وأنتِ لستِ سوى جوهرة نادرة لا يفهمون قيمتها الحقيقية. لن يراكِ أحد في هذا الفستان، ولن تلمح عينٌ بشرية بريق عينيكِ الليلة. أنتِ هنا، في مملكتي، تحت حمايتي.. وتحت سيطرتي المطلقة."

"أنا لستُ قطعة أثاث تملكها!" صرختُ في وجهه، محاولةً دفع صدره العريض بعيداً عني، والتمرد الذي غلي في صدري لسنوات أخيراً وجد مخرجاً. "أنا بشر، لي روح، ولي رغبة في أن أكون حرة!"

ضحك ليون ضحكة قصيرة، خالية من المرح، ثم دفعني برفقٍ نحو الحائط وحاصرني بجسده، واضعاً يديه على جانبيّ رأسي. اقترب من وجهي حتى تلامست أنوفنا، وشعرتُ بأنفاسه الساخنة تداعب شفتيّ، مهددةً ومغوية في آن واحد.

"الحرية كلمة فارغة لا وجود لها في قاموسكِ ما دمتِ تحملين اسمي،" همس بهسيسٍ مرعب وهو ينظر لشفتاي بجوعٍ مكتوم. "لقد دفعتُ ثمنكِ دماً، مالاً، ووقتاً، وصبرتُ عليكِ لسنوات حتى تزهري بهذا الشكل. هل تظنين أنني سأسمح لغيري حتى بالحلم بلمسكِ؟ أنتِ لي، إيلينور. من قمة رأسكِ حتى أخمص قدميكِ. وإذا حاولتِ كسر هذا القفص، سأجعله يضيق عليكِ أكثر... حتى تنسي كيف تتنفسين بدون إذني."

شعرتُ بقلبي يخفق بعنف، ليس فقط من الرعب، بل من ذلك الشعور الملعون الذي يغزوني دائماً حين يقترب مني؛ شعورٌ يمزج بين الكره العميق وانجذابٍ محرم، شعور التبعية القاتل. كان هو الوحش الذي دمر طفولتي، وهو في الوقت نفسه الرجل الذي أصبحتُ لا أتخيل حياتي بدونه.

ابتعد عني فجأة، وعدل هندام قميصه ببرودٍ جليدي، وكأن العاصفة التي أشعلها قد تلاشت في لحظة. "سأذهب للحفل الآن،" قال وهو يتجه نحو الباب. "والأبواب ستُغلق عليكِ من الخارج. لا تحاولي التمرد يا عزيزتي، لأنكِ تعلمين جيداً أن عقابي... لا يرحم."

خرج وأغلق الباب خلفه، وسرعان ما تبع ذلك صوت القفل المعدني وهو يُغلق، ليتركني وحدي مع صدى كلماته التي تتردد في أرجاء الغرفة كالنذير. جلستُ على طرف السرير، وضعتُ رأسي بين يديّ وبدأتُ أبكي بصمت، متسائلةً: هل سأظل للأبد مجرد "رهينة" في يد هذا الرجل، أم أن هناك طريقاً آخر... طريقاً لا يؤدي إلى الانهيار؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • "رهينة الزعيم: ملكية لا تقبل التجزئة"   الفصل الحادي والسبعون: «نبض في قلب الحكاية»

    لم تمضِ سوى ساعات قليلة على ذلك اللقاء المؤثر مع الشاب وفتاة الحكاية المهمشة، حتى تحولت طاولات القاعة الكبرى في مؤسسة "أمل جديد" إلى منارة حقيقية تتجمع حولها العقول والأرواح المتعطشة للبوح والبدايات الجديدة. كان عبق الورق الجديد، الممزوج برائحة القهوة الدافئة التي أعدتها السيدة كلارا بعناية فائقة، يملأ الأرجاء، ليضفي على المكان ألفة لم نعمدها من قبل. جلستُ إلى مقعدي الخشبي المريح، وأمامي مكدسات من المخطوطات والرسائل التي وصلت تباعاً من شتى المدن والقرى، وكل رسالة تحمل في طياتها صرخة أمل، أو حكاية صمود، أو دمعة تحولت بفعل الإرادة إلى حبر ساطع يرفض الاستسلام للنسيان.اقترب مني ليون بخطوات واثقة وهادئة، حاملاً بين يديه ملفاً سميكاً يضم التصاميم الأولى لأغلفة الكتب التي وقع اختيارنا على نشرها هذا الموسم. جلس بجواري، وفتح الملف ببطء لتظهر أمام أعيننا لوحات فنية مذهلة تعكس بصدق ملامح الأمل والحرية والانتصار على العتمة. قال ليون بصوته الرخيم الذي يحمل طمأنينة العالم أجمع: "انظري يا إيلينور... كيف تحولت ألوان الرماد والخوف التي رافقتنا سنوات طويلة إلى هذه اللوحة الزاهية من النور والجمال. إنهم

  • "رهينة الزعيم: ملكية لا تقبل التجزئة"   الفصل السبعون: «صدى المخطوطة ونور الغد»

    استقر الصندوق الخشبي المحفور برمز زهرة اللوتس على الطاولة الخشبية الكبيرة في مكتبنا، وتحول إلى مركز اهتمامنا جميعاً في ذلك المساء. لم تكن المخطوطة القديمة التي يحويها مجرد أوراق تاريخية باهتة، بل كانت نافذة مفتوحة على أرواح عاشقة للجمال والكلمة الحرة، أرواح أبت أن تندثر حكاياتها فوضعت أمانتها بين أيدينا كأنها توصي بها لطرف أمين. جلستُ على المقعد الجلدي الوثير، وأخذت أتحسس ببطء ورقة الورق العتيقة المتآكلة الأطراف، بينما وقف ليون خلفي متموضعاً بيديه على مسند المقعد، تلمع في عينيه ومضات الشغف القديم بالكتابة والنشر التي طالما جمعتنا قبل أن تجرفنا عواصف الصراع والهروب."إنه ليس مجرد كتاب سنقوم بنشره يا إيلينور،" قال ليون بصوت هادئ ومستقر يملؤه اليقين، "بل هو التوقيع الأول على وثيقة ميلادنا الجديدة. إنهم يختاروننا لنكون حماة لذاكرتهم، وهذا يعني أن اسم 'أمل جديد' قد تجاوز حدود قصر السلام وأصبح منارة لكل من يبحث عن الأمان والإنصاف." أومأت برأس موافقة، وفتحت الصفحة الأولى من المخطوطة، لأجد عبارة بخط اليد مكللة بالذهب القديم: «الكلمة الصادقة هي السيف الذي لا يصدأ، والنور الذي لا تحجبه سحب الظل

  • "رهينة الزعيم: ملكية لا تقبل التجزئة"   الفصل التاسع والستون: «جذور الأمل في أرض المحنة»

    تلاشت أصداء أمواج البحر الرقراقة في ذاكرتنا مع عودتنا إلى قصر السلام، لكن تلك البرودة اللذيذة والسكينة الاستثنائية بقيت عالقة في الأجواء، تغسل ما تبقى من آثار السنين العجاف. لم تكن طريق العودة مجرد مسافة تقطعها عجلة السيارة عبر التلال الخضراء الممتدة، بل كانت عبوراً رمزياً حاسماً من ضفة النجاة والهروب إلى ضفة البناء والوجود الحقيقي. ارتسمت على جدران القصر العتيق ظلال غروب ناعمة لم نعهدها من قبل؛ فقد زالت كلياً تلك المسحة المعتمة التي طالما خيمت على السقف العالي والأبواب الخشبية المزخرفة، وحل محلها أريج الياسمين الدافيء الذي أخذ يتسلل عبر النوافذ المفتوحة بلا حراس ولا إنذارات. دخلتُ إلى الصالة الكبرى وأنا أحمل بين يدي باقة صدف صغيرة جمعتها مع ليون والأطفال على الشاطئ، ووضعتها في مزهرية بلورية عند مدخل الصالون، ليتحول هذا التفصيل البسيط إلى رماد ناعم يُحرق به آخر خيط من أوهام الخوف والترقب.في اليوم التالي، كانت أنفاس الصباح تشع ببريق عملي جديد يختلف تماماً عن كل الأيام التي خلت. لم يعد الجدول اليومي مخصصاً لفحص شبكات الأمان الرقمية، ولا لمراجعة ثغرات الكاميرات، ولا لمناقشة تحركات الحرا

  • "رهينة الزعيم: ملكية لا تقبل التجزئة"   الفصل الثامن والستون: «أشرعة نحو الأفق»

    تسللت شمس الصباح الساطعة عبر زجاج النوافذ العريضة التي باتت مفتوحة على مصراعيها بلا ستائر معتمة أو أجهزة إنذار ليزرية تعترض الضوء. كانت تلك هي المرة الأولى منذ سنوات طويلة التي أستيقظ فيها دون أن أبحث بتلقائية مرعوبة عن مفتاح الأمان أسفل وسادتي، ودون أن يتردد في ذهني ذلك السؤال الثقيل الذي طالما أرق مضجعي: هل سنعيش لندرك غروب هذا اليوم؟ تنفست عميقاً، متنشقة رائحة الياسمين المترامي على أسوار القصر، وأحسست ببرودة النسيم تداعب وجنتي بكرم ونقاء، كأن الطبيعة تعتذر لنا عن كل الخوف الذي جرعتنا إياه المعارك السابقة.في الرواق الممتد نحو صالة الطعام، لم تعد الخطوات حذرة ولا الشكوك ممتدة في عتمة الزوايا. كانت أصوات الأواني الفخارية وصفير غلاية الشاي تتصاعد من المطبخ حيث تقف السيدة كلارا تتغنى بلحن قديم بصوت دافئ، بينما ينهمك زين ولينا في ملاحقة قطة صغيرة بيضاء وجداها عند عتبة الحديقة. كان المشهد مشبعاً ببساطة مدهشة، تلك البساطة التي كنا نراها حلماً بعيد المنال في أيام المطاردات الليلية وصوت طلقات الرصاص.وقفتُ عند مدخل الصالون الكبير أراقب ليون وهو يرتدي معطفه المدني البسيط، خالياً من تلك الدرو

  • "رهينة الزعيم: ملكية لا تقبل التجزئة"   الفصل السابع والستون: «عهد الضياء المستحق»

    مرت الأيام التالية لخسوف تلك الليلة العصيبة بسيادة هدوء غريب ومشتهى، كأنه المكافأة الأبدية التي انتظرتها أرواحنا طويلاً. احتضن قصر السلام صمته الجميل، وتلاشى ذلك التوتر الشديد الذي كان يعصر قلوبنا عند كل حركة غريبة أو صوت مبهم. أصبحت مشاهد الصباح تتكرر بنفس النغم الشجي: ابتسامة السيدة كلارا وهي تناشد الأطفال لتناول فطورهم، وضحكات زين ولينا وهي تتدافع في الممرات العريضة، وشمس الضحى التي ترسم على بلاط القصر ظلالاً هادئة بلا أشباح.جلسنا أنا وليون في مكتبه المطل على الباحة الشرقية، نراجع معاً ملفات المؤسسة والوثائق القانونية لدار النشر. لم نعد نفتح أجهزة التحري أو نترقب الإشعارات الأمنية المشفرة؛ بل كنا نخطط لكيفية توسيع نشاط "أمل جديد" لدعم العائلات المتضررة وبناء مستقبل آمن لا تناله يد الابتزاز. أخذ ليون يضع توقيعه على الأوراق النهائية بثقة ورضا، ثم التفت إليّ وعيناه تفيضان بنور لم أره فيه منذ سنوات، نور المحارب الذي وضع سيفه جانباً بعد أن استعاد أرضه وحريته بالكامل.وفجأة، قرع باب المكتب بهدوء، ودخل أحد أفراد طاقم الحراسة الموثوقين يحمل بين يديه طرداً رسمياً مختوماً بختم السلطات القضا

  • "رهينة الزعيم: ملكية لا تقبل التجزئة"   الفصل السادس والستون: طي الظلال وبداية الفجر الجديد

    لم يكن سقوط الخلية النائمة واعتقال عناصرها في أزقة المدينة القديمة سوى الإعلان الرسمي عن نهاية الكابوس الذي حاول عبثاً أن يهز أركان حياتنا. مع أول ساعات الصباح، عادت طمأنينة الحياة لتجري في عروق قصر السلام وكأن شيئاً لم يكن. اطمأننا تماماً على سلامة سلمى، أخت رامي، التي احتضنتها كلارا بحنان بالغ وقدمت لها المشروبات الدافئة في صالون الاستقبال، بينما جلس رامي يتبادل نظرات الامتنان العميق مع ليون، مجهشاً בدموع الفرح بعد أن تخلص من كابوس الابتزاز الذي كاد يدمر عائلته.وقفتُ أمام نافذة غرفة التحكم الكبرى، أتأمل أشعة الشمس الذهبية وهي تغمر أشجار الحديقة والساحة الخارجية التي شهدت ليلة الأمس أشرس المعارك وأعقد المواجهات. لم تكن جدران قصر السلام مجرد أحجار صلبة نحتتها يد الزمن، بل أصبحت درعاً حياً يحمي أحلامنا الصغيرة والكبيرة على حد سواء. انضم إليّ ليون بهدوء، ولفّ ذراعيه حول كتفي بحنان، ململماً بقايا التوتر الذي سكن أعماقنا طوال الأيام الفارطة."لقد انتهى كل شيء يا إيلينور،" قال ليون بصوت دافئ يغمره السلام، وأضاف بابتسامة ثقة: "لم يعد هناك أي مكان للأجسام الغريبة أو الخلايا النائمة بيننا. ل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status