مشاركة

الفصل الرابع : شراره التمرد

مؤلف: ايمان E/M/K
last update تاريخ النشر: 2026-06-16 22:58:26

صوت القفل المعدني الذي أُغلق خلف ليون كان كوقعِ رصاصةٍ في هدوء الغرفة؛ صدىً يتردد في أذني كقرعِ طبول الحرب. لم تكن هذه المرة الأولى التي يُحبس فيها جسدي، لكنها كانت المرة الأولى التي شعرتُ فيها أن روحي قد انتفضت، رافضةً تلك القيود التي ظننتها قدراً محتوماً. وقفتُ أمام النافذة، أراقب أضواء السيارات التي تنسلّ كنجومٍ هاربة في الممر الطويل المؤدي إلى بوابة القصر، متخيلةً تلك الحياة الصاخبة التي يمنعني ليون من رؤيتها، وكأنني أنظر إلى عالمٍ آخر، كوكبٍ بعيد لا يحق لي الارتقاء إليه.

في تلك الليلة، انكسر شيءٌ ما بداخلي. مسحتُ دموعي بقوة، ونظرتُ إلى انعكاسي في المرآة؛ لم أرَ فيها "تحفة ليون الفنية" تلك، بل رأيتُ امرأةً تمتلك ذكاءً دُفن تحت طبقاتٍ من الخوف والقمع. بدأتُ أستحضر كل ثغرة في هذا القصر، كل ممرٍ سري كان ليون يستخدمه في صباه للعب والاختباء، وتلك الزوايا المظلمة التي يتجنبها الحراس لأنهم — وبأوامر صارمة منه — يعتقدون أنني "أضعف من أن أحاول".

بينما كنتُ أراجع غرفتي بعينين صقريتين، وقع بصري على درجٍ مخفي في تسريحة الزينة الفخمة؛ درجٌ كان ليون قد أهداني إياه منذ سنوات، كمكافأةٍ باهتة على طاعتي العمياء. خطرت لي فكرةٌ مجنونة، فكرة جعلت نبضات قلبي تتسارع كدقات ساعةٍ توشك على الانفجار؛ ماذا لو كان هذا القصر، الذي بناه ليون ليكون سجني، يحوي في طياته مفتاح حريتي؟

بدأتُ أبحث بتركيزٍ محموم، بيديّ المرتجفتين من مزيج الحماس والتوتر. نزعتُ إحدى اللوحات الفنية الثقيلة التي كانت معلقة بجانب السرير، لأجد خلفها تجويفاً سرياً في الجدار، مخفياً بمهارة. لمستُ قلبي، كان يدق بعنفٍ يجعل ضلوعي تؤلمني. سحبتُ من داخل التجويف ظرفاً قديماً وبطاقة دخول صغيرة تحمل شعار عائلة منافسة لليون؛ كانت تبدو كوثيقةٍ أُخفيت منذ زمنٍ بعيد، لحظة اندلاع الحرب.

تذكرتُ كلمات ليون حين كان يمنعني من الخروج: "العالم في الخارج ذئاب، وأنتِ لا تملكين ما يحميكِ". لقد كان يكذب! لقد كان يحجب عني الحقيقة؛ لم تكن عائلتي غريبة عنه، بل كانت جزءاً من صراعٍ دموي قديم، محاه هو من الوجود ليرث كل شيء، ويجعل مني ضحيته الأبدية ورهينته الأغلى. لم أعد مجرد رهينة، أصبحتُ الآن "شاهدة" على ماضيه الملطخ بالدماء وسرّه الأعظم.

فجأة، قاطع أفكاري صوت خطواتٍ ثقيلة ومنتظمة تقترب من الغرفة. شعرتُ بدمائي تتجمد في عروقي. خبأتُ البطاقة والظرف بسرعة فائقة داخل طيات فستاني، ورميتُ نفسي على السرير، متظاهرةً بالنوم العميق، مغمضة العينين بينما كان صدري يعلو ويهبط بصعوبة. انفتح الباب، ودخل ليون. كانت رائحة الخمر الفاخر تختلط بحدة عطره القوية، وبدا عليه إرهاق غامض. اقترب مني وجلس بجانبي، وضع يده الباردة على شعري ومسده بحنانٍ مخيف، وكأنه يطمئن على ممتلكاته الأثمن.

"أتعلمين، يا إيلينور،" همس وكأنه يخاطب طيفاً، "لقد كان الحفل مملاً إلى أقصى درجة. لم أجد في القاعة بأكملها شيئاً يضاهي بريق عينيكِ.. حتى وأنتِ غاضبة."

حبستُ أنفاسي، أشعر ببرودة أصابعه على فروة رأسي. كان لا يزال يعتقد أنني تلك الطفلة التي يسهل ترويضها، لكنه لم يلحظ أن "الرهينة" قد وجدت سلاحها الأول، وأن الجمر بدأ يشتعل تحت الرماد. أدركتُ في تلك اللحظة أنني لن أنتظر أحداً لينقذني. إذا كان ليون يريد أن يمتلكني، فعليه أن يستعد لحربٍ لا هوادة فيها. غداً، سأبدأ في رسم طريقي للخروج من هذه القلعة، ولو كان الثمن هو تدمير كل شيءٍ بناه ليون حولنا، وتدمير عالمنا معاً.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • "رهينة الزعيم: ملكية لا تقبل التجزئة"   السادس والخمسون ما بعد العاصفة

    بعد رحيل سيارات الأمن وهدوء صخب الفجر الذي قلب موازين القوى في المدينة، خيم على قصر السلام صمتٌ من نوع خاص؛ صمتُ النصر الذي لا يداخله شكٌ أو خوف. جلستُ في الحديقة الخلفية للقصر، حيث كانت أشعة الشمس تميل نحو الغروب، تاركةً خلفها ألواناً أرجوانية ساحرة تذوب في الأفق. كان زين ولينا يلعبان على العشب الأخضر، وضحكاتهما الرنانة تبعث في نفسي طمأنينة لم أعهدها من قبل. شعرتُ بيد ليون الدافئة توضع على كتفي، فاستندتُ برأسي إلى جانبه، مغمضةً عينيّ ومستنشقةً رائحة الأزهار التي باتت الآن ترمز إلى بدايتنا الحقيقية بعيداً عن أشباح الماضي."هل تصدقين أن الأمر انتهى حقاً؟" همس ليون بصوتٍ رخيم يحمل نبرة من الراحة العميقة التي لم تسمعها أذناي من قبل. فتحتُ عينيّ ونظرتُ إلى وجهه الذي بدأ يستعيد نضارته وتختفي عنه خطوط التوتر والقلق التي رافقته طوال سنوات النضال. ابتسمتُ له بثقة، وأجبتُه: "لقد انتهى الجزء الذي كنا فيه مطاردين، يا ليون. الآن تبدأ حياتنا الحقيقية، تلك التي كنا نخطط لها في أحلامنا الصغيرة."لقد أدركنا في تلك اللحظات أن الانتصار لم يكن في القبض على رافائيل أو الكشف عن وثائق الفساد فحسب، بل في قد

  • "رهينة الزعيم: ملكية لا تقبل التجزئة"   الخامس الخمسون عاصفة الحقيقة الكبرى

    كانت خيوط الفجر الأولى تبدأ بالتسلل عبر زجاج نوافذ قصر السلام، لكن الهدوء الذي اعتاد المكان على استقباله مع شروق كل شمس كان غائباً تماماً هذه المرة. في قاعة الاجتماعات الكبيرة، كانت أكوام الملفات والوثائق التي استعدناها من القبو منثورة فوق الطاولة الخشبية الطويلة، تحيط بها شاشات الحواسيب المتوهجة ببيانات وأسماء لم تكن لتخطر على قلب بشر. قيدنا رافائيل بإحكام في زاوية الغرفة تحت حراسة مشددة، بينما وقف ليون أمامي، وعيناه المحمرتان من قلّة النوم تعكسان حجماً هائلاً من المسؤولية والضغط العصبي. "إيلينور، هذه القائمة التي بحوزتنا لا تضم أسماء أشخاص عاديين؛ إنها شبكة متكاملة من المسؤولين ورجال الأعمال الذين استفادوا لسنوات من تمويلات إمبراطورية الكايزر المظلمة،" قال ليون بصوت منخفض ومتهدج وهو يمرر أصابعه بين أوراقه المبعثرة. "إذا نشرنا هذه المستندات دفعة واحدة عبر وسائل الإعلام كما خططنا، فسنكشف الحقيقة نعم، لكننا سنواجه ارتدادات عنيفة قد تطال سلامة أطفالنا وكل من نحبهم." تقدمت نحوه، ووضعت يدي الدافئة فوق كفه المتوترة، وأجبته بنبرة راسخة تملؤها الثقة التي لا تكل: "أعرف حجم الخطر يا ليون، ول

  • "رهينة الزعيم: ملكية لا تقبل التجزئة"   الرابع والخمسون رقصة الأفاعي في الظلام

    لم يمنحني رافائيل فرصة للتراجع؛ فقد قفز بخفة مرعبة نحو المخرج، محاولاً قطع الطريق عليّ. في تلك اللحظة، لم تعد المسألة تتعلق بالخوف، بل بالبقاء. رميتُ المصباح جانباً ليشتت انتباهه، وانقضضت عليه بركلة قوية استهدفت معصمه الذي كان يحمل فيه ملفاً حساساً، مما أجبره على إفلاته ليتبعثر على الأرضية الرطبة. "لن تخرج من هنا بشيء!" صرخت، وأنا أستجمع كل مهارات الدفاع عن النفس التي تعلمتها في السنوات الماضية. تبادلنا ضربات سريعة وقاسية في الممر الضيق. كان رافائيل يتحرك بدقة ميكانيكية، لكنه لم يتوقع أنني سأكون بهذه الشراسة. صدى ارتطام أجسادنا بالجدران الإسمنتية تردد في القبو، بينما كنت أبحث عن أي ثغرة لأتمكن من استدعاء ليون. وفجأة، وبينما كان يحاول خنقي، دوى صوت طلقة نارية حادة اخترقت سكون القبو، لتصيب الجدار بجانبه مباشرة. "ابتعد عنها فوراً!" كان ليون واقفاً عند مدخل القبو، ملامحه كالحجر، وسلاحه مصوب بدقة مذهلة نحو رأس رافائيل. توقف رافائيل عن الحركة تماماً، ورفع يديه ببطء، وابتسامته الخبيثة لا تزال تعلو وجهه. "يا له من لقاء عائلي دافئ، يا ليون،" قال رافائيل بسخرية لاذعة. "ألم تتساءل أبداً

  • "رهينة الزعيم: ملكية لا تقبل التجزئة"   الثالث والخمسون ظلال ترفض الرحيل

    لم تكن عودة والدة ليون إلى القصر مجرد حدث عابر، بل كانت بمثابة إعلان رسمي عن شفاء أرواحنا من جروح الماضي العميقة. عندما عبرت بوابات القصر الكبيرة للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، وفتحت ذراعيها لاستقبال زين ولينا اللذين كانا ينظران إليها بفضول وبرراءة أطفال، غرقت الغرفة في موجة دافئة من الدموع والضحكات التي لم تشهدها جدران هذا المكان قط.جلست السيدة "كلارا" في صالون القصر الواسع، بينما كنت أعدّ لها بنفسي كوباً من الشاي الدافئ، وكان ليون جَالساً بجانبها لا يكاد يصدق أنها حقيقة ماثلة أمامه وليست طيفاً آمناً يراود أحلامه. نظرت إلينا بابتسامة حانية تكسو ملامحها الشاحبة، وقالت بصوت يملؤه السلام: "لم أكن أتخيل يوماً أنني سأرى هذا اليوم، يا إيلينور. لقد أنقذتِ عائلتنا من حافة الهاوية، وأعدتِ النور إلى بيت طالما ابتلعه الظلام."أجبتها بابتسامة متواضعة وأنا أجلس بقربها: "لم أكن لأفعل شيئاً لو لم يتمسك ليون بالأمل حتى اللحظة الأخيرة. نحن جميعاً نتحمل هذه النجاة معاً."في تلك الأثناء، اندفع زين ولينا نحو جدتهما، حاملين بأيديهما الصغيرتين رسومات ملونة قاما بإعدادها خصيصاً لها. ابتسمت كلارا بعمق، واحت

  • "رهينة الزعيم: ملكية لا تقبل التجزئة"   الفصل الثاني خمسون الحقيقة التي خلف الظلال

    كان الهواء في القبو السفلي بارداً وثقيلاً، محملاً برائحة التعفن الممزوجة بعبير غريب لعطور قديمة تعود لعقود مضت. انעكست ومضات الشاشات الرقمية الخافتة على جدران الغرفة الإسمنتية الصماء، لتكشف عن مساحة سرية مجهزة بأحدث تقنيات الحفظ والمراقبة، وكأنها ملجأ محصن تم إخفاؤه عن العالم بأسره. تقدم ليون بخطوات بطيئة وحذرة، وسلاحه مرفوع بتركيز تام، بينما كنت أمشي خلفه مباشرة وعيناي تتنقلان بين الأجهزة المتناثرة وخزائن الملفات المعدنية الضخمة. وفجأة، توقف ليون مكانه كأن الصاعقة قد اصابت، وتسمرت قدماه أمام كرسي جلدي كبير متراجع إلى الخلف في زاوية الغرفة المظلمة. على الكرسي، جلست امرأة نحيلة بملامح شاحبة يكسوها الوقار، وترتدي معطفاً قديماً. رفعت رأسها ببطء شديد، وعيناها الواسعتان اللتان تشبهان عيني ليون تماماً حدقتا فينا بذهول لا يصدق، وكأنها ترى شبحاً عاد من عالم الأموات! "لي... ليون؟" رددت الصوت بصوت خافت ومتحشرج يكاد لا يُسمع، وكأن الحبال الصوتية لم تستخدم لسنوات طويلة. سقط السلاح من يد ليون، واندفع نحوها بخطوات متعثرة وكأنه لا يصدق ما تراه عيناه. جثا على ركبتيه أمامها، وأخذ يمسك بيديها ال

  • "رهينة الزعيم: ملكية لا تقبل التجزئة"   الفصل الواحد والخمسون: براعم في قصر السلام

    كانت زوايا القصر الكبير تهدأ تدريجياً مع حلول المساء، لكن ذهني ظل مشدوداً وكأن الزمن لم يتوقف عن الدوران عند تلك اللحظة التي سقط فيها عرش الوالد. صحيح أننا نلنا السلام والسكينة برفقة زين ولينا، إلا أن الأوراق القديمة التي استخرجناها من خزائن إمبراطورية الكايزر المظلمة ظلت تطاردني كطيف صامت. هناك تفاصيل صغيرة، وخيوط غامضة لم تُحكَم نهايتها بعد، أشبه بغززل مبعثر ينتظر من يعيد ترتيبه ليكشف عن الحقيقة الكاملة وراء اختفاء والدة ليون الحقيقية، السر الذي طالما دفنه العجوز تحت طبقات من النفوذ والمال. وقفتُ أمام مكتبة القصر الضخمة، أمد أصابعي بحذر بين المجلدات الجلدية القديمة، باحثة عن ذلك الدفتر الجلدي الأسود الذي رأيته مصادفة ليلة الاقتحام الكبرى. استخرجت الدفتر بهدوء، وغطت الغبار ريشات صفحاته الصفراء التي خطت بخط يديّ الوالد نفسه. وفي تلك اللحظة، شعر ليون بوجودي، فترجل عن الأريكة واقترب مني بخطوات هادئة، محيطاً كتفي بيده الدافئة لتبديد أي هواجس قد تزعج صفو ليلتنا. "ما الذي يبقيكِ مستيقظة حتى هذه الساعة المتأخرة يا إيلينور؟ ألا يكفينا ما واجهناه لنجعلكِ تطمئنين تماماً؟" سألني بصوته الهادئ

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status