LOGINالتفتت برأسها ببطء شديد نحوه، وعيناها تحاربان الإعياء لتستقرا في عينيه المظلمتين، وقالت بصوت خافت يعتصره التحدي:
*"إن كنت تبحث عن حقيقة تدين عائلتي، فلن تحتاج لتكبّد كل هذا العناء.. اسألهم هم، فهم بارعون جداً في تزييف الحقائق والتخلص مني حين تنتهي صلاحيتي."* توقف كريس لثانية كاملة، وضيّق عينيه بتمعن وكأن كلامها لامس وتراً غامضاً في ذهنه، لكنه نفض الشك بسرعة وأجاب بسخرية لاذعة: *"كفاكِ لعب دور الضحية المظلومة.. أساليبك الرخيصة في استعطافي لن تنفع معي أبداً."* أشاح بوجهه عنها بغضب، ثم استدار بخطوات سريعة نحو الطاولة، التقط منها دفتراً جلدياً قديماً وأوراقاً مبعثرة، ورماها أمامها بقسوة حتى اصطدمت بسطح الخشب بصوت حاد. *"اقرئي.. واخبريني كم من الدموع كفيلة بغسل خطايا أبيكِ."* حدقت سيلينا إلى الدفتر الجلدي والأوراق المبعثرة أمامها على الطاولة الخشبية المتهالكة، وكأنها تنظر إلى وحش كاسر يستعد لابتلاعها. مدت يدها المرتجفة ببطء شديد، وأصابعها الباردة تلامس الغلاف الخشن المتسخ بالغبار، لتقلب الصفحة الأولى بحذر شديد وكأنها تفتح باباً آخر من أبواب الجحيم. ما إن وقعت عيناها على السطور الأولى المكتوبة بخط يد حاد ومرتب، حتى انقبض قلبها بشدة. كانت المستندات تضم عقوداً، وشيكات، وتقارير مالية مسربة تحمل توقيع والدها "جوزيف"، توقيعات تؤكد بوضوح عمليات احتيال ضخمة، وإفلاساً مدبراً لشركات كبرى، وتشريداً لعشرات العائلات التي فقدت أموالها في ليلة وضحاها. *"هل تشعرين بالصدمة؟"* جاء صوت كريس هادئاً وبارداً كحافة سكين، وهو يقف بجانبها مائلاً برأسه قليلاً ليرقب تعابير وجهها عن قرب. *"أبوكِ لم يكتفِ بسرقة أموال عائلتي وتدمير شركتنا فحسب، بل تسبب في انهيار والدي الصحي حتى مات قهرًا.. والآن، هل ما زلتِ تظنين أنكِ البريئة المظلومة هنا؟"* رفعت سيلينا رأسها ببطء، وعيناها محملتان بدموع محبوسة ترفض السقوط أمام ضعفه. لم تكن مندهشة من دناءة والدها؛ فهي تعرف جيداً طمعه وجبروته، لكن الصدمة الحقيقية كانت في حجم الكارثة التي تورطت فيها عائلتها وألقت بظلالها المظلمة فوق حياتها وحدها. *"أنا أعلم.. أنا أعلم جيداً كم هو قاسي ومجرد من الإنسانية."* قالتها بصوت منخفض ومتهدج يكاد يضيع في صمت القاعة. *"لكنني لستُ هو.. ولماذا أتحمل أنا ثمن جرائمه وحدي بينما يهنأ البقية في الخارج؟"* ضغط كريس على حافة الطاولة بيده حتى اصفرت مفاصله، واقترب بوجهه منها أكثر، وعيناه تشتعلان بغضب دفين: *"لأنكِ جزء من دمه.. ولأن الدم لا يُغسل إلا بالدم والوجع."* التزمت الصمت المطبق، وأطبقت شفتيها بقوة رافضة أن تمنحه استجداءً إضافياً، مكتفية بكسرها الداخلي الذي أثقل أضلعها. ذلك الصمت البارد استفزه إلى حد الجنون. لم تتحمل أعصابه عنادها الصامت، فهجم عليها فجأة وأطبق بقبضته الخشنة على خصلات شعرها بقسوة مفرطة، رافعاً رأسها إلى الأعلى عنوة لترتسم على وجهها ملامح الألم المكتوم. "أتحافظين على صمتكِ وكأن شيئاً لا يعينكِ؟!" صرخ بصوت أجش يقطر بالوعيد والشر، وهو يشد على شعرها أكثر لتختنق أنفاسها تحت وطأة قبضته الحديدية. "أيتها المدللة، اعلمي أن صمتكِ هذا لن يجلب لكِ سوى مزيد من الجحيم!" دفع رأسها للخلف بدفعة قاسية أربكت جسدها النحيل، ثم تركها لتتهاوى بضعف على مقعدها، ملقية نظرة أخيرة مفعمة بالاحتقار قبل أن يستدار ويغادر القاعة بخطوات ثقيلة ومعدة للشر القادم، تاركاً إياها وحدها تصارع رجفة جسدها وحرقة قسوته. بعد أن انغلق الباب الحديدي بصوته المأساوي، ساد صمت مطبق ومخيف في أرجاء القاعة الواسعة، وكأن جدران الحجر البارد قد أطبقت على أنفاسها المتبقية. بقيت سيلينا جالسة مكانها على المقعد الخشبي القاسي، منكفئة على نفسها، تحيط ذراعاها المرتجفتان بجسدها المهشم وكأنها تحاول حمايته من ضربات أخرى لا تزال أصداؤها تتردد في رأسها. لم تكن تبكي؛ فالدموع جفت في مقلتيها، وتحولت إلى غصة مرة تحرِق حلقها وتمنعها من التنفس بشكل طبيعي. كانت تلامس بأصابعها الباردة فروة رأسها حيث تركت قبضته الخشنة آثار ألم حارق، لكن الوجع الجسدي لم يكن شيئاً قياساً بالثقل الهائل الذي استقر فوق صدرها. عادت بذاكرتها إلى الوراء، تستعرض سنوات من الإهمال والظلم والقسوة التي عاشتها في كنف تلك العائلة. تذكرت كيف كانت تُمضي الأيام وحيدة، بينما يُغدق والدها كل الاهتمام والرعاية على ابنته التي تصغرها بشهرين فقط، وكيف كانت دائماً الدرع البشري الذي يُلقى في وجه الأزمات لتنجو البقية دون أن يمسها سوء. *"حتى هنا.."* همست لنفسها بصوت مهشم ومبحوح لا تكاد تتبينه حتى أذنها، بينما كانت عيناها الزائغتان تحدقان في الأوراق المبعثرة أمامها على الطاولة. *"حتى في هذا القاع المظلم، أنا أدفع ثمن خطايا لم أرتكبها.. لم أكن يوماً سوى ورقة محروقة في حساباتهم."* مرت الدقائق بطيئة وثقيلة كأنها دهور. لم يكن هناك ما يكسر هذا السكون سوى وميض شعلة مصباح الزيت المتهاوية وظلال الجدران المتأرجحة وكأنها ترقص على جراحها. أغمضت عينيها بقوة، محاولةً طرد تلك الصور المؤلمة التي كانت تتدافع في مخيلتها، لكن دون جدوى. لقد أصبح الجحيم واقعاً مفروضاً عليها، وأدركت بمرارة تامة أن الطريق طويل، وأن ما خفي من عواصف ذلك الرجل كان أعظم بكثير ممّا ذاقته حتى الآن.مرت الأيام تحت سقف منزل ميلينا الواسع ببطء مشحون بالتوتر الخفي؛ فبينما كانت الأم تحيط سيلينا برعاية بالغة وحنان غامر، ظلت حقيقة واحدة غائبة تماماً عن وعيها؛ إذ لم تكن ميلينا تدرك أبداً أن هذه الفتاة البريئة لم تكن مجرد ضحية هربت من جحيم جوزيف، بل كانت **زوجة** ابنها رسمياً على الورق وفي واقع معقد لم تجرؤ سيلينا على الإفصاح عنه، خوفاً من ردة فعل قد تعصف بما تبقى من استقرارها المؤقت. وفي أحد الأمسيات الهادئة، وأثناء جلوس الثلاثة في غرفة المعيشة الفسيحة، أرادت سيلينا أن تساعد ميلينا في ترتيب بعض الأطباق على الطاولة الكبيرة، فمدت يدها لرفع كوب زجاجي ببطء. لكن توترها المفاجئ جعلها تتعثر في اللحظة الأخيرة، ليسقط الكوب ويتهاوى على الأرض متكسراً بصوت حاد ومزعج هز سكون المكان. هبّ كريس واقفاً من مكانه بعصبية طاغية، وتأجرت ملامحه بحدة مفرطة ليتهافت عليها بكلمات لاذعة ومحقرة أمام والدته ودون أي مراعاة لحالها المنهكة: *"ألا توجد طريقة تفعلين بها أي شيء بهدوء ودون إثارة الفوضى؟! أنتِ حقاً لستِ سوى عبء إضافي ومصدر إزعاج لا ينتهي، فابتعدي عن طريقي فوراً ولا تقتربي من شيء!"* انكمشت سيلينا على نفس
بعد مرور ايام من الهدوء نوعاً ما اضطر كريس لمغادرة مكانه القديم لفترة تقارب الشهر، محتاجاً للعودة مؤقتاً والإقامة في منزل والدته "ميلينا" التي كانت تسكن في منطقة بعيدة ونائية عن عيون أعدائه. ولم يكن أمامه أي خيار سوى اصطحاب سيلينا معه طوال تلك المدة لضمان سلامتها، خصوصاً مع تعقيدات وضعه الأمني. في تلك الليلة الباردة، فتحت ميلينا باب منزلها لتفاجأ بابنها يقتحم العتبة برفقة فتاة غريبة شاحبة ومذعورة. دخل كريس برفقة سيلينا إلى الداخل، وبقي صامتاً تماماً وملامحه متجهمة كعادته، دون أن ينطق بكلمة واحدة ليشرح لأمه سبب وجودها معه. تقدمت ميلينا خطوتين، وطلعت في سيلينا بفضول شديد ونظرات متفحصة تقلبها بين وجهها المرتجف وهيئتها المنهكة، قبل أن تلتفت نحو ابنها وترفع حاجبها بتهكم لتهمس بصوت واثق: *"ما هذا يا كريس؟ أهذه هي الفتاة التي سببت لك تلك الورطة وسألتني عنها في منتصف الليل بسبب... الدورة الشهرية؟!"* تجمّدت سيلينا في مكانها من شدة الخجل والإحراج، وارتد الدم إلى وجهها حتى كاد ينفجر، بينما كصّ كريس على أسنانه بغيظ، وأشاح بوجهه بضيق من إحراج والدته المباشر. وقبل أن تزيد ميلينا في أسئلتها، ال
تجمّد الدم في عروق كريس من صيغة سؤال والدته المباغت. انتفض وكأن لسعة كهربائية سرت في ملامحه الحادة، ليتسع عكساً ذلك الجمود المعتاد ويحل محله ارتباك مفاجئ لم يعتده طوال سنين حياته المظلمة. نظر بسرعة نحو سيلينا التي كانت تنكمش تحت البطانية وتئن بصمت، ثم أعاد الهاتف إلى أذنه وهو يجزّ على أسنانه بحرج بالغ وقلق من أن تخرج الأمور عن سيطرته. *"أمي... أرجوكِ، لا تذهبي بتفكيركِ إلى تلك الزوايا المعقدة والسخيفة!"* حاول كريس أن يبدو متماسكاً، لكن صوته الموشح بالعصبية والمحشور بالحرج فضحه تماماً: *"الأمر ليس كما تفكرين فيه أبداً. إنها... إنها ظروف طارئة وقاهرة جعلتني أجد نفسي أمام هذا الموقف رغماً عني، وليست كما تتخيلين!"* من الطرف الآخر للخط، علت ضحكة خفيفة ودافئة من والدته، لكنها كانت محملة بالفضول والدهشة التي لا تُخفى: *"ظروف طارئة وقاهرة؟! يا بني، أنت لا تتوجه لطلب المساعدة في مثل هذه الأمور الدقيقة والخاصة إلا إذا كانت تعني لك شيئاً حقيقياً... فتاة تتألم في مكانك وتطلب مساعدتك، وأنت تتصل بأمك تسأل عن الدواء والعلاج بخوف واضح؟ من تكون هذه الفتاة يا كريس؟ ومتى ستخبرني بالحقيقة؟"* شعر كريس
توسعت عينا سيلينا بذهول وذعر وهي تقف وسط الصيدلية المعقمة، متلطخة بدموعها ومرجفة من شدة الألم والبرد. أشار كريس بيده بخشونة نحو الأرفف المليئة بالأنواع والأحجام المختلفة، وخفض صوته ليكون حاداً ومسموعاً لها وحدها كي لا يلفت أنظار الصيدلي أكثر: *"هيا! لا تستمري بالوقوف هكذا كالصنم! أيتها... أي واحدة منهن تخصكِ؟! اختاري بسرعة قبل أن أفقد أعصابي تماماً!"* شعر الصيدلي بالارتباك الشديد من هيئة كريس المخيفة ونظراته المشتعلة، فتقدم بخطوات مترددة ليحاول التدخل والمساعدة بهدوء: *"سيدي، هل يمكنني مساعدتك في اختيار النوع المناسب؟"* رمقه كريس بنظرة حادة وصارمة جعلت الصيدلي يتراجع للخلف فوراً، ليجيب بفظاظة مقتضبة وهو يخفي حرجه الداخلي وغضبه: *"لا، شكراً.. نحن بخير."* خفضت سيلينا رأسها بخجل قاتل ووجه أحمر كالدم، وانهمرت دموعها بغزارة أكبر ليس من ألم جسدها فحسب، بل من الموقف السخفي والمحرج الذي وجدت نفسها فيه. مدت يدها بوهن شديد، وأشارت بأصابع ترتجف نحو علبة وردية اللون في الزاوية، وهمست بصوت يكاد لا يسمع: *"تـ... تلك..."* ما إن رأت عيناه العلبة التي أشارت إليها، حتى مد يده الطويلة وقطفها بخش
أنهى كريس مكالمته بهدوء، وألقى بالهاتف على الطاولة الخشبية الصغيرة بجانبه. ما إن أبعد الجهاز عن أذنه حتى اختفت فجأة تلك النبرة الدافئة وذلك اللين المفاجئ الذي ملأ ملامحه قبل ثوانٍ، لتعود قناع الجمود والصرامة تكسو وجهه الحاد. التفت ببطء نحو سيلينا، وهنا تجمّدت عيناه عليها. كانت ترمقه بنظرة غريبة وعميقة من زاوية الغرفة الضيقة؛ نظرة امتزجت فيها الدهشة الضائعة بملامح مكسورة، كأنها ترى فيه إنساناً حقيقياً ينبض بالقلب والمشاعر لأول مرة خلف كل ذلك الجبروت والقسوة. شعر كريس فجأة وكأن دفاعاته قد انكشفت أمينها وكأن شيئاً خفياً من روحه قد فُضح، فاشتعلت عيناه بنبرة غضب وعصبية فورية ليهدر بصوت خشن ومرتفع: *"ما الذي تحدقين به هكذا؟! أما زلتِ تملكين القدرة على التمادي بنظراتكِ البلهاء والمستفزة؟!"* أرعبها صوته الحاد والمفاجئ، فتركت مكانها وهرعت كالعصفور المذعور، مختبئة بسرعة داخل الحمام الصغير ومغلقة الباب خلفها باهتزاز شديد. مرت دقائق طويلة وثقيلة داخل الغرفة المظلمة، بينما كان كريس يزفر بأنفاس حارقة ويحاول تهدئة فوضى أفكاره المشتعلة. وفجأة، انفتح باب الحمام ببطء شديد. خرجت سيلينا بخطوات بطيئة
انطلقت السيارة الرياضية بشراسة جنونية تشق الشوارع المظلمة، وكأنها تهرب من جحيم محقق، لكن الجحيم الحقيقي كان محصوراً بالكامل داخل مقصورة السيارة الضيقة التي تملؤها أنفاس كريس المحترقة وسخطه المشتعل. بعد مسافة طويلة قضاها في صمت مميت يقطعه صوت المحرك الصاخب، أوقف كريس السيارة فجأة على جانب طريق مظلم ومنعزل بعيداً عن صخب المدينة، وضغط على المكابح بحدة جعلت سيلينا تندفع للأمام بفعل القصور الذاتي. التف نحوها بجذعه ببطء، وكأن حركة واحدة خاطئة قد تفجر ما تبقى من أعصابه. اشتعلت عيناه القاتمتان بنيران الغضب والغيرة البشعة التي لم تجد متنفساً لها سوى إراقة ما تبقى من كبرياء سيلينا المكسور. قبض بيده على ذقنها بخشونة وقسوة، رافعاً وجهها نحوه لتضطر لمواجهة نظراته المشتعلة، ليهدر بصوت فحيحي ومقترب يكاد يمزق صمت السيارة: *"أعجبكِ ما حدث هناك، أليس كذلك؟ ألم يسركِ أن يلتفت إليكِ أحدهم بهذه الطريقة ويضعكِ في باله؟"* هزت سيلينا رأسها بانهيار تام، وانفجرت باكية بصوت مخنوق ومرجف: *"أقسم لكَ... أقسم أنني لم أكن مسرورة! كنت أموت رعباً! أنا أكره تلك النظرات، ولم أنظر إليه حتى!"* لكن كريس لم يستمع لدف







