LOGINمرت الساعات كأنها الدهر في ذلك القبو المعتم، ولم تكن الوحشة وحدها ما يؤنس وحدتها، بل كان شبح الأسئلة المعلقة ينهش ما تبقى من طاقتها. أفكار متلاحقة تضطرب في رأسها؛ كيف ستنتهي هذه اللعبة القاسية؟ وإلى أي مدى سيمضي في إيلامها لينتقي ثأراً لم تصنع هي بدايته؟
في تلك الأنائية، وعلى الجانب الآخر من الأبواب المغلقة، لم يكن حال كريس بأفضل بكثير. وقف في غرفته الواسعة بالطابق العلوي، يداه مستندتان إلى حافة النافذة الكبيرة التي تطل على الحديقة الخارجية المظلمة، وعيناه ترمقان الفراغ بذهول مشتعل. كانت كلمات سيلينا وصمتها المطبق تتردد في أذنيه كصدى مزعج لا ينقطع؛ ذلك الثبات الغريب في عينيها، ونظرتها المكسورة التي لم تحمل استجداءً واحداً، بل حملت مرارة عائلة كاملة تخلت عنها بسهولة مرعبة. *"هل هي حقاً ضحية مثلهم، أم أن الأمر برمته مجرد خدعة جديدة؟"* تمسّك بحافة النافذة بقوة حتى اصفرت مفاصله، محاولاً طرد تلك الشكوك التي بدأت تتسلل إلى قلبه، ومستدعياً صور والده الراحل وقهره الذي مات به، ليغذي بها نار الانتقام التي اشتعلت في صدره لسنوات. فهو لم يكن يبحث عن المال قط؛ فثروته تكفيه وتفيض، لكن ما أراده حقاً هو أن يحرق قلب جوزيف في أغلى ما يملك، وأن يذيق ذلك المتعجرف طعم الفقد بالطريقة ذاتها. لكن، وبينما كان يغرق في أفكاره المظلمة، قطع سكون الليل صوت قرع سريع على باب غرفته، تلاه دخول مساعده بخطوات متوترة وملامح وجه شاحبة. *"سيدي كريس.. لقد وصلتنا للتو معلومات جديدة لم تكن في الحسبان."* التفت إليه كريس ببطء، وعيناه المظلمتان تتقدان حدة وقسوة. *"تحدث.. ماذا هناك؟"* ابتلع المساعد ريقه بتوتر قبل أن يجيب بصوت منخفض: *"راقبنا تحركات عائلة جوزيف طوال الأيام الماضية كما أَمَرت.. ولم يسأل أحد قط عن سيلينا، بل إنهم أطلقوا شائعات في الخارج بأنها سافرت مفاجأة بغرض السياحة، وكأن شيئاً لم يكن!"* شعر كريس وكأن صاعقة قد ضربت صدره. تجمدت نظراته في الهواء، وعقد حاجبيه بذهول وصدمة خالطتها غيمة داكنة من الغضب والشك. كلمات سيلينا هبطت عليه الآن كالرعد الحقيقي: *"لو اتصلت بهم الآن.. لن يدفعوا ليرة واحدة لإنقاذي، بل ربما يشكرونك لأنك تخلصت من عبء مزعج..."* شعر ببرودة غريبة تسري في مفاصله، وأدرك أن القسوة التي مارسها عليها قبل ساعات قليلة لم تكن سوى حلقة أخرى من مسلسل الظلم الطويل الذي تعاني منه طوال حياتها. استدار بسرعة مخلفة وراءه مساعده المذهول، وعبر الغرفة بخطوات واسعة نحو الباب، وعيناه تشتعلان بمزيج معقد من الغضب العارم والفضول القاتل، متجهاً بخطوات حاسمة نحو القبو، حيث تنتظره الحقيقة التي ربما ستغير قواعد اللعبة بأكملها. فتح كريس باب القبو بعنف شديد، فاندفع الهواء البارد ليلفح وجه سيلينا التي كانت منكمشة على نفسها في زاوية القاعة المظلمة. كانت أعصابه مشدودة حتى أوشكت على الانفجار؛ فمعرفة أن عائلتها تخلت عنها ببساطة ودون أدنى اكتراث جعلت غضبه يشتعل بشكل أعمى. لم يحتمل عدم ظهور أي تأثر أو انهيار كافٍ عليها، فاندفع نحوها بخطوات واسعة ومرعبة. اقترب منها بخطوات خاطفة، وهجم عليها بضراوة؛ إذ غرس أصابعه الخشنة والقاسية بين خصلات شعرها الطويلة، شاداً إياها بعنف مفرط وقسوة وحشية جعلت رأسها يميل إلى الخلف رغماً عنها، ورافعاً إياها عن الأرض جزئياً لتصبح في مواجهة عينيه المشتعلتين بالشرر. كانت أصابعه تطبق على فروة رأسها بإحكام جارح، تضغط بقوة جعلت عروق يده تبرز بوضوح، بينما ترتجف أطرافها تحت وطأة قبضته الحديدية التي لم تترك لها مجالاً للحراك أو الإفلات. اقترب بوجهه منها حتى كادت أنفاسهما تمتزج، وصرخ بصوت أجش يقطر احتقاراً وتهكماً، مفرغاً كل سمومه وكلماته القاسية فوق رأسها: *"أحقاً أنتِ بهذه الدرجة من العدم عند أهلك؟! ألهذه الحقيقة البائسة كنتِ رخيصة وموجودة بلا أي قيمة تذكر، حتى لا يكلفوا خاطرهم حتى بالسؤال عنكِ أو محاولة إنقاذكِ؟ ألا يشكل غيابكِ شيئاً لهم، أم أنكِ مجرد قمامة تخلصوا منها بلا رثاء؟ ألا تخجلين من كونكِ لا تسوين شيئاً حتى في عيون من أنجبوكِ، مجرد عاهة وزائدة دنيئة لا أحد يكترث إن عاشت أو ماتت؟!"* استمر يمعن في إهانتها وتسفيلها بكل كلمة جارحة ووضيعة تتبادر إلى ذهنه، يجلدها بلسانه الحارق بلا توقف، جارغاً إياها مرارة التحقير المضاعف فوق مرارة الإهمال والكسر، غير مبالٍ بضعفها ولا برجفة جسدها المترنح بين قبضته. وسط تلك العاصفة الهوجاء من الكلمات القاسية، انهار السور الأخير لصمودها الحديدي. ولأول مرة منذ أن وطأت قدمها هذا الجحيم، جفلت شفتاها المرتجفتان، وانفجرت عيناها بدموع رقيقة وصامتة، هبطت على وجنتيها الشاحبتين بوهن وكسرة مفجعة، دون أن تطلق صرخة واحدة أو شكوى، مكتفية بانكسار ناعم ومرير هز فؤادها من الأعمق وأظهر لأول مرة مدى هشاشتها وضعفها المطلق أمامه.وقف كريس أمام المرآة الكبيرة، يرتدي سترته الثقيلة بملامح جادة وهادئة، كأنه عاد فوراً إلى درعه الصارم وجدية رجل الأعمال النافذ، متظاهراً بالبرود والاحترافية كي يضبط مشاعره المبعثرة قبل لحظة الرحيل. كانت سيلينا تراقبه من على السرير، تشد الغطاء حول جسدها وتحاول أن ترسم على وجهها ذات البرود، بينما قلبها يحترق بحزنٍ صامت وغموضٍ يلف هذا السفر المفاجئ. استدار كريس بخطوات هادئة وحاسمة نحو الباب، وبدا كأنه سيغادر الغرفة دون كلمة أخرى، لكنه فجأة... توقف. تخشّب جسده عند العتبة، وكأن قوة قاهرة سحبته للخلف. التفت بحدة واندفع نحو السرير بخطوات متسارعة، وقبل أن تستوعب سيلينا حركته، انحنى عليها بجسده الضخم، واحتضن وجهها بين كفيه العريضين ليدمج شفتيها بقبلة عميقة، حارة وطويلة... قبلة مشتعلة بالخوف والشغف والرجاء، صدمت ثباتها وأطاحت بكل دفاعاتها في ثانية واحدة. انسحب منها ببطء وهو يلهث، وجبهته تتكئ على جبهتها المبتلة، ثم ضمها إلى صدره بصلابة وحنانٍ جارف ألمع عينيها بالدموع، وضربت أنفاسه عنقها وهو يهمس بصوتٍ مبحوح يفيض بالرجاء: — "انتبهي لنفسكِ جيداً يا سيلينا... ولطفلي." تركها وسار نحو البا
انكسر الصمت الخانق بينهما حين لم ترده، ولم تبتعد. اعتبر كريس سكونها إذنًا يفتح له باب القرب، فسحب جسده الضخم نحوها ببطء، محيطًا إياها بذراعه القوية كمن يتشبث بفرصته الأخيرة للنجاة. ورغم سلطته وجرأته المعتادة في لمساته، إلا أن وقوعه العميق في شباكها وجسدها المنهك بحمل طفلهما جعلاه يخفف جموحه. كانت أصابعه العريضة تتحرك على جسدها بجرأة شائكة تشعل الدفء، لكن برأفةٍ حذرة ومحسوبة تراعي تعبها واستنزاف روحها؛ انحنى ببطء ودفن وجهه بين منحنى كتفها وشعرها المنسدل، مستنشقًا عبيرها بلهفةٍ لاهثة كادت تقتله طوال ساعات النهار. تسربت حرارة شفتيه لترسم قبلات جريئة، دافئة وشديدة الرقة على طول خط عنقها الرقيق، يمتص إرهاقها بلمسات تدريجية أذابت كل جدار من الجليد بنته حول قلبها. ارتجفت أنفاس سيلينا، واعتصرت الغطاء بيدين مرتعشتين وهي تشعر بالدفء يغزو أحشاءها، مستسلمة لتلك السطوة الناعمة التي جعلت روحها تتلاشى بين يديه. استدارت ببطء شديد داخل حلقة ذراعيه لتصبح مواجهة له في الظلام. التقت أعينهما على مسافة إنشات معدودة؛ رفع كريس كفه المرتجف ليحتضن وجنتها الشاحبة، واقترب بشفتيه ليدمجها بقبلة حارة وعميقة،
ساد الهدوء أرجاء الجناح، لكنه لم يكن هدوءاً يبعث على الراحة، بل ثقلاً يضغط على صدر سيلينا المنهك. كانت مستلقية تحت الغطاء الدافئ، تنظر إلى السقف وتصارع ذلك الشعور المبهم الخائب الذي خلفه هروب كريس المفاجئ. ورغم أنها أقنعت نفسها بأنها لا تريد رؤيته ولا تطيق القرب من أحد، إلا أن قلبها كان ينبض باضطرابٍ حارق. فجأة، شقّ ذلك الصمت العتيم صوت ضحكات طفولية رنانة، تتصاعد بوضوح من الرواق الخارجي المؤدي إلى المكتب. كانت تلك ضحكات الطفلة "تايا"، يرافقها همسٌ أنثوي متودد وصوت ناعم لا تخطئه أذنها... صوت "إيلينا". تسمرت سيلينا في مكانها، واشتدت قبضتها فوق الغطاء حتى أبيضّت مفاصلها. كان صوت ضحك تايا البريء يتجاوب مع نبرة إيلينا الهادئة والمداعبة، وكأنهما تصنعان دفئاً عائلياً صغيراً بالقرب من كريس، محاولةً إيلينا ملء الفراغ واستغلال غيابها عن الجناح لتفرض وجودها في محيطه. تسلل الغيظ والغل إلى قلب سيلينا كالنار في الهشيم. استقامت في جلستها بحدة، وزفرت بضيق عارم وهي تخبط قدميها بالأرض بحنقٍ طفولي ومقهور؛ كيف له أن يفرّ من تفاصيل جسدها ومن اضطرابه أمامها، ليمشي نحو تلك الأصوات الدافئة وكأن شيئاً ل
وضع كريس سيلينا فوق الفراش الوفير برفقٍ متناهٍ، وجسده الضخم ما زال يرتجف بتوترٍ مكتوم وصدمة لم يستوعب كامل أبعادها بعد. كانت دموع سيلينا قد جفت على وجنتيها الشاحبتين، لكن أنفاسها المتهدجة وارتجاف جسدها كانا يشيان بمدى الإنهاك النفسي والهوان الذي ألمّ بها بعد الموقف العاصف. ساد صمتٌ ثقيل وشديد الحساسية أرجاء الغرفة المغلقة. تراجعت سيلينا بجسدها المجهد نحو حافة الفراش، ورغم أن مواجهة أمها قد أزاحت جبل الخديعة عن كاهلها، إلا أن مرارة القهر وألم قسوته القديمة وطريقة اختطافه لها واستبداده بها ما زالت تحفر جروحاً غائرة في روحها؛ لم تكن تلك المواجهة لتمحو ما فعله بها أو تنزع الحذر والجفاء من صدرها. التقط كريس قميصاً قطنياً واسعاً ودافئاً من الخزانة، واقترب ببطء ليضعه بجانبها على الفراش. كان وجهه مشدوداً وعيناه المحمرتان تنطقان بصراعٍ مظلم وأسى مكتوم دون أن يتفوه بحرف واحد، فكبرياؤه وغضبه من الأكاذيب التي أحاطت بهما كانا يجعلان أي حديث كبركان قاب قوسين من الانفجار. نظرت سيلينا إلى القميص ثم رفعت عينيها نحوه بنظرة متعبة، يمتزج فيها التحدي بالكبرياء الجريح، ونبست بصوتٍ خفيض، مبحوح ومحمل بجفا
شحب وجه فينيا لثوانٍ قبل أن تنقلب ملامحها الشاحبة إلى قناعٍ من المقت والشرس. تلاشت مسرحية العاطفة المزيفة كلياً، واشتعلت حدقتاها بغيظٍ أعمى وهي ترى كل مخططاتها ومخططات جوزيف تتهاوى أمام كلمة "حمل". خطت خطوة عدوانية إلى الأمام، وخرج صوتها حاداً، مسموماً ومجرداً من أي نبرة أمومة: — "ساقطة! تتباهين بطفلٍ في أحشائكِ من الرجل الذي خطفكِ ودنس كرامتكِ؟ أصبحتِ تتضرعين تحت قدميه وتستجدين حمايته، ونسيتِ أصلكِ وعائلتكِ لأجل شهوةٍ وسجن ذهبي؟" في تلك اللحظة، عمّ الصمت القاعة كالسم القاتل. تجمد الدم في عروق كريس، واحتدت عيناه الكحليتان المحمرتان ببركانٍ غاضب هائل؛ انقبضت ذراعه واهتز جسده بالكامل وهو يهمّ بالاندفاع نحو فينيا لينهي وجودها بيده، غير أن سيلينا كانت أسرع، فرفعت يدها المرتجفة ووضعتها على صدره الصلب تمنعه وتوقفه في مكانه، وهي تتولى الرد بنفسها. ارتجف جسد سيلينا بالكامل، لكن الانكسار لم يجد طريقه إليها هذه المرة؛ بل تفجر في أوردتها غضبٌ عارم أطاح بكل أطياف الخوف القديم. خطت خطوة جنيّة نحو أمها، وعيناها المتورمتان تنطقان بشررٍ حارق، وصاحت بصوتٍ متهدج شقّ صمت القاعة: — "أنا ساقطة...؟
دُفع الباب الخشبي الثقيل لصالون الاستقبال السفلي ببطء، ليحدث صفيراً خافتاً شقّ الهدوء المشحون داخل القاعة. دخل كريس أولاً بقامته الضخمة وهيئته الصارمة، قابضاً على كف سيلينا بإحكام كأنه يغرس أصابعه في كفها ليحميها من العالم أجمع، تتبعه سيلينا بخطوات ثابتة رغم شحوب وجهها والتعب الجليّ الذي يثقل جسدها الحامل. في منتصف الصالون، كانت "فينيا" تقف بظهرٍ مستقيم وأناقة متكلفة تخفي خلفها ارتباكاً مريباً. ما إن وقعت عيناها على ابنتها حتى تحركت ملامحها بلهفة مصنعة، وخطت خطوة سريعة إلى الأمام وهي تمد ذراعيها، قبل أن تتسمر في مكانها فور أن جمدتها نظرات كريس النارية؛ عيناه المحمرتان من السهر والغيظ كانتا تنطقان بتهديدٍ صريح لو اقتربت إنشاً واحدًا إضافياً. ثبّتت سيلينا نظراتها على أمها، وانقبض قلبها وهي ترى الملامح التي لطالما ارتبطت في ذهنها بالخوف والخذلان. تشبثت بكف كريس الدافئة والقاسية في آنٍ واحد، تنقبض أناملها حول يده لتستمد منها القوة، بينما بدأت نبضات قلبها تتسارع بصورة مجهدة. اهتزت نبرة فينيا وهي تحاول اللعب على الوتر العاطفي مجدداً، مدعية الخوف والحرص الأمومي: — "سيلينا! كيف تنظرين إلي







