LOGINمرت ثلاثة أيام كاملة على احتجازها في ذلك القبو المظلم. ثلاثة أيام بلا شمس، وبلا طعام حقيقي سوى رشفات ماء شحيحة، وبلا مؤنس سوى صدى خطواته الحادة من حين لآخر خلف الباب المغلق.
كانت سيلينا ملقاة على الأرض الباردة، جسدها يرتجف من حمى خفيفة أصابتها بسبب البرد والرطوبة القاسية، لكنها لم تصرخ ولم تطلب النجدة. كانت تعلم جيداً أن الصراخ هنا لا فائدة منه سوى إشباع غرور جلادها. فجأة، انفتح الباب الحديدي بصوت مزعج كسر سكون المكان. دخل كريس بخطواته الثقيلة، يرتدي قميصاً داكناً ونظراته تقطر بروداً وقسوة. وقف لبرهة يتأمل جسدها المنكمش في الزاوية، ولاحظ شحوب وجهها والضعف الواضح الذي بدأ ينال منها. لم يتحرك قلبه للرحمة، بل تقدم منها مباشرة حتى توقف فوقها. *"انهضي."* قالها بصوت جاف وأمر قاطع. لم تحرك سيلينا ساكناً في البداية، بل رفعت عينيها ببطء لتلتقي أعينهما في الضوء الخافت. *"لا أستطيع."* أجابت بصوت متعب وشبه منعدم. انحنى بسرعة، وأمسك بمعصمها بقوة ليجبرها على الوقوف رغماً عن ضعفها. ترنحت خطواتها وكادت تسقط، لولا أن قبض على كتفها بخشونة أكبر. *"لن تموتي بهذه السهولة يا ابنة جوزيف.. أمامي حساب طويل لم أبدأ بتصفייته بعد."* نظرت إليه بتحدٍ خافت رغم الإعياء، وقالت بصوت مبحوح: *"لماذا أنا؟ لمَ اخترتني أنا بالذات من بين الجميع؟ ألم تجد غيري؟"* توقف كريس لثانية، وضيّق عينيه بحدة وكأن سؤالها لمس وتراً حسساساً، لكنه نفض الفكرة بسرعة ورد بسخرية لاذعة: *"أنتِ الكبرى.. أنتِ من تحملين اسم العائلة التي دمرت كل ما أملك. ألا تتوقعي أن أنتقم من دمهم؟"* رمشت ببطء، وظهرت على شفتيها ابتسامة مرارة خفية، ثم قالت بصوت خافت جداً: *"دم عائلتي.. لكنك حقاً لا تعرف شيئاً عما فعلوه بي قبلك."* عقد حاجبيه باستغراب للحظة، لكنه سرعان ما استعاد جموده ودفعها للوراء بحدة، ثم التفت نحو الباب. *"غداً سيبدأ الفصل الحقيقي من عقابك.. استعدي جيداً."* أغلق الباب خلفه بقوة هائلة، تاركاً إياها وحدها في العتمة، بينما كانت عيناها تطالعان المكان بصمت، تدرك أن الحقيقة الكاملة لم تظهر بعد، وأن ما خفي كان أعظم. فتحت سيلينا عينيها على ضوء خافت ينعكس من الفتحة الصغيرة للباب، لتدرك أن يوماً جديداً قد بدأ. كان جسدها يؤلمها بشدة نتيجة النوم على الأرض الحجرية الباردة، وشفتاها جافتان من عطش طال أمده. لم تلبث طويلاً حتى سمعت صوت المفتاح يتحرك في القفل الخشن، تلاه فتح الباب بقوة. دخل كريس بخطواته المعتادة، وكانت عيناه تحملان نظرة أشد قسوة من الأيام السابقة. وقف فوقها مباشرة، وكتفاه العريضتان تحجبان النور القليل المتسرب من الخارج. *"يبدو أنكِ استرحتِ بما فيه الكفاية، ابنة جوزيف."* قالها بصوت أجش يقطر بالتهكم. رفعت رأسها ببطء، وحدقت فيه بثبات رغم التعب الذي يملأ ملامحها. *"ماذا تريد مني أيضاً؟"* سألت بصوت خافت لكنه واضح. انحنى بسرعة، وأمسك بمعصمها بقوة جعلتها تتأوه بخفة، ثم سحبها ووقف بها على أقدامها رغماً عنها. *"اليوم لن تكون هناك كلمات كثيرة.. اليوم ستتعلمين كيف تسير الأمور هنا حقاً."* دفعها أمامه لتخرج من تلك الزاوية المظلمة، ووجهها نحو الممر الخارجي البارد. سارت أمامه بخطوات متعثرة وبطيئة، بينما كان يتبعها كظل لا يرحم، مسيطراً على كل حركة تفعلها، ليقودها نحو جزء آخر من القبو لم تره من قبل، حيث ينتظرها ما هو أشد قسوة. سارت أمامه في الممر الحجري المعتم، كانت خطواتها الواهية تصدى بضعف بين الجدران الباردة، بينما كان صدى حذائه الثقيل يتبعها كنبضات ساعة مروعة تعلن اقتراب النهاية. أخذها إلى قاعة أوسع قليلاً، تتوسطها طاولة خشبية قديمة يعلوها مصباح زيت شاحب يلقي بظلال مرتعشة على الجدران. دفعها لتجلس على كرسي خشبي قاسي البنية، فوقعت عليه بتثاقل وهي تحاول التقاط أنفاسها المتاحة. وقف كريس خلفها، يداًه مستندتان إلى مسند الكرسي، وانحنى ليهمس بصوت هادئ ومريب قرب أذنها: "هل تظنين أنني جئت بكِ إلى هنا لمجرد حبس في قبو مظلم؟ تسلية الأطفال هذه لا تهمني.. ما أريده هو الحقيقة كاملة، والحقيقة لا تبنى إلا بالألم."وقف كريس أمام المرآة الكبيرة، يرتدي سترته الثقيلة بملامح جادة وهادئة، كأنه عاد فوراً إلى درعه الصارم وجدية رجل الأعمال النافذ، متظاهراً بالبرود والاحترافية كي يضبط مشاعره المبعثرة قبل لحظة الرحيل. كانت سيلينا تراقبه من على السرير، تشد الغطاء حول جسدها وتحاول أن ترسم على وجهها ذات البرود، بينما قلبها يحترق بحزنٍ صامت وغموضٍ يلف هذا السفر المفاجئ. استدار كريس بخطوات هادئة وحاسمة نحو الباب، وبدا كأنه سيغادر الغرفة دون كلمة أخرى، لكنه فجأة... توقف. تخشّب جسده عند العتبة، وكأن قوة قاهرة سحبته للخلف. التفت بحدة واندفع نحو السرير بخطوات متسارعة، وقبل أن تستوعب سيلينا حركته، انحنى عليها بجسده الضخم، واحتضن وجهها بين كفيه العريضين ليدمج شفتيها بقبلة عميقة، حارة وطويلة... قبلة مشتعلة بالخوف والشغف والرجاء، صدمت ثباتها وأطاحت بكل دفاعاتها في ثانية واحدة. انسحب منها ببطء وهو يلهث، وجبهته تتكئ على جبهتها المبتلة، ثم ضمها إلى صدره بصلابة وحنانٍ جارف ألمع عينيها بالدموع، وضربت أنفاسه عنقها وهو يهمس بصوتٍ مبحوح يفيض بالرجاء: — "انتبهي لنفسكِ جيداً يا سيلينا... ولطفلي." تركها وسار نحو البا
انكسر الصمت الخانق بينهما حين لم ترده، ولم تبتعد. اعتبر كريس سكونها إذنًا يفتح له باب القرب، فسحب جسده الضخم نحوها ببطء، محيطًا إياها بذراعه القوية كمن يتشبث بفرصته الأخيرة للنجاة. ورغم سلطته وجرأته المعتادة في لمساته، إلا أن وقوعه العميق في شباكها وجسدها المنهك بحمل طفلهما جعلاه يخفف جموحه. كانت أصابعه العريضة تتحرك على جسدها بجرأة شائكة تشعل الدفء، لكن برأفةٍ حذرة ومحسوبة تراعي تعبها واستنزاف روحها؛ انحنى ببطء ودفن وجهه بين منحنى كتفها وشعرها المنسدل، مستنشقًا عبيرها بلهفةٍ لاهثة كادت تقتله طوال ساعات النهار. تسربت حرارة شفتيه لترسم قبلات جريئة، دافئة وشديدة الرقة على طول خط عنقها الرقيق، يمتص إرهاقها بلمسات تدريجية أذابت كل جدار من الجليد بنته حول قلبها. ارتجفت أنفاس سيلينا، واعتصرت الغطاء بيدين مرتعشتين وهي تشعر بالدفء يغزو أحشاءها، مستسلمة لتلك السطوة الناعمة التي جعلت روحها تتلاشى بين يديه. استدارت ببطء شديد داخل حلقة ذراعيه لتصبح مواجهة له في الظلام. التقت أعينهما على مسافة إنشات معدودة؛ رفع كريس كفه المرتجف ليحتضن وجنتها الشاحبة، واقترب بشفتيه ليدمجها بقبلة حارة وعميقة،
ساد الهدوء أرجاء الجناح، لكنه لم يكن هدوءاً يبعث على الراحة، بل ثقلاً يضغط على صدر سيلينا المنهك. كانت مستلقية تحت الغطاء الدافئ، تنظر إلى السقف وتصارع ذلك الشعور المبهم الخائب الذي خلفه هروب كريس المفاجئ. ورغم أنها أقنعت نفسها بأنها لا تريد رؤيته ولا تطيق القرب من أحد، إلا أن قلبها كان ينبض باضطرابٍ حارق. فجأة، شقّ ذلك الصمت العتيم صوت ضحكات طفولية رنانة، تتصاعد بوضوح من الرواق الخارجي المؤدي إلى المكتب. كانت تلك ضحكات الطفلة "تايا"، يرافقها همسٌ أنثوي متودد وصوت ناعم لا تخطئه أذنها... صوت "إيلينا". تسمرت سيلينا في مكانها، واشتدت قبضتها فوق الغطاء حتى أبيضّت مفاصلها. كان صوت ضحك تايا البريء يتجاوب مع نبرة إيلينا الهادئة والمداعبة، وكأنهما تصنعان دفئاً عائلياً صغيراً بالقرب من كريس، محاولةً إيلينا ملء الفراغ واستغلال غيابها عن الجناح لتفرض وجودها في محيطه. تسلل الغيظ والغل إلى قلب سيلينا كالنار في الهشيم. استقامت في جلستها بحدة، وزفرت بضيق عارم وهي تخبط قدميها بالأرض بحنقٍ طفولي ومقهور؛ كيف له أن يفرّ من تفاصيل جسدها ومن اضطرابه أمامها، ليمشي نحو تلك الأصوات الدافئة وكأن شيئاً ل
وضع كريس سيلينا فوق الفراش الوفير برفقٍ متناهٍ، وجسده الضخم ما زال يرتجف بتوترٍ مكتوم وصدمة لم يستوعب كامل أبعادها بعد. كانت دموع سيلينا قد جفت على وجنتيها الشاحبتين، لكن أنفاسها المتهدجة وارتجاف جسدها كانا يشيان بمدى الإنهاك النفسي والهوان الذي ألمّ بها بعد الموقف العاصف. ساد صمتٌ ثقيل وشديد الحساسية أرجاء الغرفة المغلقة. تراجعت سيلينا بجسدها المجهد نحو حافة الفراش، ورغم أن مواجهة أمها قد أزاحت جبل الخديعة عن كاهلها، إلا أن مرارة القهر وألم قسوته القديمة وطريقة اختطافه لها واستبداده بها ما زالت تحفر جروحاً غائرة في روحها؛ لم تكن تلك المواجهة لتمحو ما فعله بها أو تنزع الحذر والجفاء من صدرها. التقط كريس قميصاً قطنياً واسعاً ودافئاً من الخزانة، واقترب ببطء ليضعه بجانبها على الفراش. كان وجهه مشدوداً وعيناه المحمرتان تنطقان بصراعٍ مظلم وأسى مكتوم دون أن يتفوه بحرف واحد، فكبرياؤه وغضبه من الأكاذيب التي أحاطت بهما كانا يجعلان أي حديث كبركان قاب قوسين من الانفجار. نظرت سيلينا إلى القميص ثم رفعت عينيها نحوه بنظرة متعبة، يمتزج فيها التحدي بالكبرياء الجريح، ونبست بصوتٍ خفيض، مبحوح ومحمل بجفا
شحب وجه فينيا لثوانٍ قبل أن تنقلب ملامحها الشاحبة إلى قناعٍ من المقت والشرس. تلاشت مسرحية العاطفة المزيفة كلياً، واشتعلت حدقتاها بغيظٍ أعمى وهي ترى كل مخططاتها ومخططات جوزيف تتهاوى أمام كلمة "حمل". خطت خطوة عدوانية إلى الأمام، وخرج صوتها حاداً، مسموماً ومجرداً من أي نبرة أمومة: — "ساقطة! تتباهين بطفلٍ في أحشائكِ من الرجل الذي خطفكِ ودنس كرامتكِ؟ أصبحتِ تتضرعين تحت قدميه وتستجدين حمايته، ونسيتِ أصلكِ وعائلتكِ لأجل شهوةٍ وسجن ذهبي؟" في تلك اللحظة، عمّ الصمت القاعة كالسم القاتل. تجمد الدم في عروق كريس، واحتدت عيناه الكحليتان المحمرتان ببركانٍ غاضب هائل؛ انقبضت ذراعه واهتز جسده بالكامل وهو يهمّ بالاندفاع نحو فينيا لينهي وجودها بيده، غير أن سيلينا كانت أسرع، فرفعت يدها المرتجفة ووضعتها على صدره الصلب تمنعه وتوقفه في مكانه، وهي تتولى الرد بنفسها. ارتجف جسد سيلينا بالكامل، لكن الانكسار لم يجد طريقه إليها هذه المرة؛ بل تفجر في أوردتها غضبٌ عارم أطاح بكل أطياف الخوف القديم. خطت خطوة جنيّة نحو أمها، وعيناها المتورمتان تنطقان بشررٍ حارق، وصاحت بصوتٍ متهدج شقّ صمت القاعة: — "أنا ساقطة...؟
دُفع الباب الخشبي الثقيل لصالون الاستقبال السفلي ببطء، ليحدث صفيراً خافتاً شقّ الهدوء المشحون داخل القاعة. دخل كريس أولاً بقامته الضخمة وهيئته الصارمة، قابضاً على كف سيلينا بإحكام كأنه يغرس أصابعه في كفها ليحميها من العالم أجمع، تتبعه سيلينا بخطوات ثابتة رغم شحوب وجهها والتعب الجليّ الذي يثقل جسدها الحامل. في منتصف الصالون، كانت "فينيا" تقف بظهرٍ مستقيم وأناقة متكلفة تخفي خلفها ارتباكاً مريباً. ما إن وقعت عيناها على ابنتها حتى تحركت ملامحها بلهفة مصنعة، وخطت خطوة سريعة إلى الأمام وهي تمد ذراعيها، قبل أن تتسمر في مكانها فور أن جمدتها نظرات كريس النارية؛ عيناه المحمرتان من السهر والغيظ كانتا تنطقان بتهديدٍ صريح لو اقتربت إنشاً واحدًا إضافياً. ثبّتت سيلينا نظراتها على أمها، وانقبض قلبها وهي ترى الملامح التي لطالما ارتبطت في ذهنها بالخوف والخذلان. تشبثت بكف كريس الدافئة والقاسية في آنٍ واحد، تنقبض أناملها حول يده لتستمد منها القوة، بينما بدأت نبضات قلبها تتسارع بصورة مجهدة. اهتزت نبرة فينيا وهي تحاول اللعب على الوتر العاطفي مجدداً، مدعية الخوف والحرص الأمومي: — "سيلينا! كيف تنظرين إلي







