Home / الرومانسية / رهينة بلا ذنب / 2- خيوط الحقيقة المظلمة

Share

2- خيوط الحقيقة المظلمة

Author: Hope49
last update publish date: 2026-07-29 08:55:34

مرت ثلاثة أيام كاملة على احتجازها في ذلك القبو المظلم. ثلاثة أيام بلا شمس، وبلا طعام حقيقي سوى رشفات ماء شحيحة، وبلا مؤنس سوى صدى خطواته الحادة من حين لآخر خلف الباب المغلق.

كانت سيلينا ملقاة على الأرض الباردة، جسدها يرتجف من حمى خفيفة أصابتها بسبب البرد والرطوبة القاسية، لكنها لم تصرخ ولم تطلب النجدة. كانت تعلم جيداً أن الصراخ هنا لا فائدة منه سوى إشباع غرور جلادها.

فجأة، انفتح الباب الحديدي بصوت مزعج كسر سكون المكان.

دخل كريس بخطواته الثقيلة، يرتدي قميصاً داكناً ونظراته تقطر بروداً وقسوة. وقف لبرهة يتأمل جسدها المنكمش في الزاوية، ولاحظ شحوب وجهها والضعف الواضح الذي بدأ ينال منها. لم يتحرك قلبه للرحمة، بل تقدم منها مباشرة حتى توقف فوقها.

*"انهضي."*

قالها بصوت جاف وأمر قاطع. لم تحرك سيلينا ساكناً في البداية، بل رفعت عينيها ببطء لتلتقي أعينهما في الضوء الخافت.

*"لا أستطيع."* أجابت بصوت متعب وشبه منعدم.

انحنى بسرعة، وأمسك بمعصمها بقوة ليجبرها على الوقوف رغماً عن ضعفها. ترنحت خطواتها وكادت تسقط، لولا أن قبض على كتفها بخشونة أكبر.

*"لن تموتي بهذه السهولة يا ابنة جوزيف.. أمامي حساب طويل لم أبدأ بتصفייته بعد."*

نظرت إليه بتحدٍ خافت رغم الإعياء، وقالت بصوت مبحوح:

*"لماذا أنا؟ لمَ اخترتني أنا بالذات من بين الجميع؟ ألم تجد غيري؟"*

توقف كريس لثانية، وضيّق عينيه بحدة وكأن سؤالها لمس وتراً حسساساً، لكنه نفض الفكرة بسرعة ورد بسخرية لاذعة:

*"أنتِ الكبرى.. أنتِ من تحملين اسم العائلة التي دمرت كل ما أملك. ألا تتوقعي أن أنتقم من دمهم؟"*

رمشت ببطء، وظهرت على شفتيها ابتسامة مرارة خفية، ثم قالت بصوت خافت جداً:

*"دم عائلتي.. لكنك حقاً لا تعرف شيئاً عما فعلوه بي قبلك."*

عقد حاجبيه باستغراب للحظة، لكنه سرعان ما استعاد جموده ودفعها للوراء بحدة، ثم التفت نحو الباب.

*"غداً سيبدأ الفصل الحقيقي من عقابك.. استعدي جيداً."*

أغلق الباب خلفه بقوة هائلة، تاركاً إياها وحدها في العتمة، بينما كانت عيناها تطالعان المكان بصمت، تدرك أن الحقيقة الكاملة لم تظهر بعد، وأن ما خفي كان أعظم.

فتحت سيلينا عينيها على ضوء خافت ينعكس من الفتحة الصغيرة للباب، لتدرك أن يوماً جديداً قد بدأ. كان جسدها يؤلمها بشدة نتيجة النوم على الأرض الحجرية الباردة، وشفتاها جافتان من عطش طال أمده.

لم تلبث طويلاً حتى سمعت صوت المفتاح يتحرك في القفل الخشن، تلاه فتح الباب بقوة.

دخل كريس بخطواته المعتادة، وكانت عيناه تحملان نظرة أشد قسوة من الأيام السابقة. وقف فوقها مباشرة، وكتفاه العريضتان تحجبان النور القليل المتسرب من الخارج.

*"يبدو أنكِ استرحتِ بما فيه الكفاية، ابنة جوزيف."* قالها بصوت أجش يقطر بالتهكم.

رفعت رأسها ببطء، وحدقت فيه بثبات رغم التعب الذي يملأ ملامحها.

*"ماذا تريد مني أيضاً؟"* سألت بصوت خافت لكنه واضح.

انحنى بسرعة، وأمسك بمعصمها بقوة جعلتها تتأوه بخفة، ثم سحبها ووقف بها على أقدامها رغماً عنها.

*"اليوم لن تكون هناك كلمات كثيرة.. اليوم ستتعلمين كيف تسير الأمور هنا حقاً."*

دفعها أمامه لتخرج من تلك الزاوية المظلمة، ووجهها نحو الممر الخارجي البارد. سارت أمامه بخطوات متعثرة وبطيئة، بينما كان يتبعها كظل لا يرحم، مسيطراً على كل حركة تفعلها، ليقودها نحو جزء آخر من القبو لم تره من قبل، حيث ينتظرها ما هو أشد قسوة.

سارت أمامه في الممر الحجري المعتم، كانت خطواتها الواهية تصدى بضعف بين الجدران الباردة، بينما كان صدى حذائه الثقيل يتبعها كنبضات ساعة مروعة تعلن اقتراب النهاية. أخذها إلى قاعة أوسع قليلاً، تتوسطها طاولة خشبية قديمة يعلوها مصباح زيت شاحب يلقي بظلال مرتعشة على الجدران.

دفعها لتجلس على كرسي خشبي قاسي البنية، فوقعت عليه بتثاقل وهي تحاول التقاط أنفاسها المتاحة.

وقف كريس خلفها، يداًه مستندتان إلى مسند الكرسي، وانحنى ليهمس بصوت هادئ ومريب قرب أذنها:

"هل تظنين أنني جئت بكِ إلى هنا لمجرد حبس في قبو مظلم؟ تسلية الأطفال هذه لا تهمني.. ما أريده هو الحقيقة كاملة، والحقيقة لا تبنى إلا بالألم."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رهينة بلا ذنب   350- رهين حبها - النهاية

    لم يكن صباح عيد ميلاد سيرينا الأول عاديًا في منزل كريس. فمنذ اللحظة التي استيقظ فيها، بدا وكأنه يستعد لحدث لا يقل أهمية عن صفقة تجارية ضخمة. كان هاتفه في يده، وقائمة الترتيبات مفتوحة أمامه، وقد أجرى بالفعل عدة اتصالات قبل أن تنتهي سيلينا من تناول قهوتها. جلست على الأريكة تراقبه لبعض الوقت، ثم قالت: - “هل تسمح لي بسؤال؟” رفع عينيه عن الهاتف. - “تفضلي.” - “هل نحتفل بعيد ميلاد ابنتنا، أم نستعد لاستقبال وفد دولي؟” أغلق هاتفه ووضعه على الطاولة. - “إذا استمررتِ في السخرية مني، فسأكلفك بمراجعة قائمة الضيوف.” ضحكت. - “لقد راجعتها ثلاث مرات.” - “أربع مرات.” حدقت فيه بدهشة. - “أنت راجعتها أربع مرات؟” - “كانت هناك نسخة معدّلة.” هزت رأسها مستسلمة. - “سيرينا محظوظة لأن لديها أبًا يهتم بكل شيء.” نظر نحو ابنته التي كانت تجلس على سجادة اللعب، تحاول وضع مكعب فوق آخر. - “بالطبع هي محظوظة.” ثم أعاد عينيه إلى زوجته وأضاف: - “وأنا محظوظ لأن أمها لا تزال تتحملني.” ابتسمت سيلينا. - “لا تختبر صبري اليوم.” - “لم أبدأ بعد.” بحلول الظهيرة، كانت الاستعدادات قد اكتم

  • رهينة بلا ذنب   349- ابنتي أنا

    لم تكن عودة سيلينا إلى سريرهما تعني أن كل شيء عاد كما كان فحسب، بل كانت بداية مرحلة مختلفة في حياتهما. مرّت الأيام، ثم الأسابيع، وبدأ البيت يمتلئ بتفاصيل جديدة؛ ضحكات سيرينا، ألعابها الصغيرة التي انتشرت في كل مكان، ووجه كريس الذي لم يعد يستطيع إخفاء سعادته كلما فتحت ابنته عينيها ورأته أمامها. كان قد اكتشف مشكلة خطيرة في نفسه، أو هكذا كانت سيلينا تسميها على سبيل المزاح. لقد أصبح مهووسًا بابنته. لم يكن يكتفي بحملها وإطعامها والجلوس بجوار سريرها حتى تنام، بل كان يريد معرفة كل تفصيل يخصها. كم مرة ابتسمت؟ متى نامت؟ لماذا أصدرت ذلك الصوت؟ وهل تناولت الكمية الكافية من الحليب؟ وإذا تولت سيلينا أمرها، ظل يراقبهما وكأنه يشرف على مهمة بالغة الأهمية. في أحد الصباحات، كانت سيلينا تجلس على السجادة في غرفة المعيشة، تضع أمام سيرينا مجموعة من الألعاب الملونة. جلست الصغيرة على بطنها، تحاول الوصول إلى دمية أرنب وضعتها أمها على مسافة قصيرة. - “هيا يا حبيبتي، يمكنك الوصول إليها.” مدت سيرينا يدها، لكنها لم تنجح. كانت سيلينا على وشك تقريب اللعبة منها، حين ظهر كريس عند مدخل الغرفة. - “لماذا وضعتها

  • رهينة بلا ذنب   348- ليلتنا أخيرًا

    لم يكن اعتراف كريس قد غادر ذهن سيلينا منذ الليلة الماضية. كانت كلماته تعود إليها كلما التقت عيناهما، فتجد نفسها تبتسم دون أن تشعر، ثم تخفض نظرها حين تلاحظ أنه انتبه إلى ابتسامتها. أما كريس، فقد كان يلاحظ كل ذلك بصمت. لم يضغط عليها لتعود إلى سابق عهدها في ليلة واحدة، ولم يطالبها بأن تنسى ما حدث بينهما. لكنه كان سعيدًا بعودتها إلى غرفتهما، وبأنها لم تعد تغلق الباب بينهما في نهاية كل ليلة. وفي ذلك المساء، بعدما انتهت سيلينا من إرضاع سيرينا ووضعها في سريرها الصغير، عادت إلى غرفة النوم. كان كريس جالسًا على السرير، مستندًا إلى الوسائد، وقد ارتدى قميصًا منزليًا داكنًا. رفع عينيه إليها فور دخولها، ثم أزاح الغطاء عن الجانب الفارغ بجواره. - “تأخرتِ.” ابتسمت وهي تضع هاتفها على الطاولة. - “كنت مع ابنتك.” - “أعرف. بدأت أشعر أنني أحتاج إلى حجز موعد مسبق حتى أحصل على بعض الوقت معك.” ضحكت وهي تقترب من السرير. - “أنت تراها طوال اليوم تقريبًا.” - “لم أتحدث عن سيرينا.” توقفت لحظة، ثم نظرت إليه. كان يبتسم بتلك الطريقة الواثقة التي تعرفها جيدًا، لكن في عينيه شيئًا أكثر دفئًا من مجرد المزاح.

  • رهينة بلا ذنب   347- حين نفد صبره

    لم يكن كريس من الرجال الذين يتركون الأمور معلّقة طويلًا. كان يستطيع احتمال الأزمات، والضغوط، والخسائر، وحتى الألم الجسدي الذي أجبره على التوقف عن حياته المعتادة لأسابيع. لكنه لم يكن مستعدًا لاكتشاف أن بإمكان سيلينا أن تكون في المنزل نفسه، على بُعد خطوات منه، ومع ذلك لا يستطيع الوصول إليها كما اعتاد. مرّ اليوم الأول بعد تلك الليلة ثقيلًا. حاول أن يتصرف بصورة طبيعية. أعدّ الإفطار كما وعدها، وجلس معها ومع سيرينا إلى الطاولة. سألها عن نومها، وعن ألمها، وأصرّ على أن تتناول طعامها جيدًا. وحين احتاجت إلى شيء، نهض ليحضره قبل أن تطلبه مرتين. لكن سيلينا لم تعد إلى غرفتهما. كانت تتعامل معه بلطف، بلطف مهذب أكثر مما يحتمل. تشكره حين يساعدها، وتبتسم حين يتحدث إلى سيرينا، وتجيبه حين يسألها، لكنها لم تعد تبحث عن يده، ولم تعد تقترب منه تلقائيًا، ولم تعد تستقر بجانبه حين يجلسان معًا. وكان ذلك يثير جنونه. في المساء، حين حمل سيرينا وأعادها إلى سريرها الصغير، وجد سيلينا تجهز نفسها للنوم في الغرفة المجاورة مجددًا. توقف عند الباب. - “هل ستنامين هناك مرة أخرى؟” رفعت عينيها إليه. - “نعم.” - “سيلين

  • رهينة بلا ذنب   346- ليلة لم تمرّ

    - “يمكنني الانتظار…” قالتها سيلينا وهي تنظر إليه، ثم أضافت بابتسامة صغيرة موجعة: - “يبدو أنني أصبحت خبيرة في ذلك.” لم يُعجبه أسلوبها، ولا تلك الابتسامة التي لم تصل إلى عينيها. - “سيلينا، كفى. لقد فهمت أنك مستاءة.” - “لا، كريس. أنت فهمت أنني غاضبة، وهذا مختلف تمامًا.” - “إذن اشرحي لي ما الذي تريدينه مني بالضبط!” - “لا أريد أن أشرح لك كيف تكون زوجي!” ارتفع صوتها، فشدّ فكه، ونهض عن السرير متجاهلًا الألم الذي شدّ جانبه. - “وأنا لا أريد أن أشعر بأنني متهم طوال الوقت! منذ عدنا إلى المنزل وأنا أحاول أن أوازن بين كل شيء. عملي، إصابتي، سيرينا، وأنتِ. هل تعتقدين أن الأمر سهل؟” - “لم أقل إنه سهل!” - “لكنّك تتصرفين وكأنني أتعمد إهمالك!” - “لأنك لا ترى ما تفعله بي!” ساد صمت قصير، قبل أن تبتعد سيلينا عنه وتتجه نحو الخزانة. راقبها وهي تفتح أحد الأدراج، ثم تسحب ملابسها. - “ماذا تفعلين؟” - “سأنام في الغرفة المجاورة.” تجمد في مكانه. - “ماذا؟” - “سمعتني.” نظر إلى الملابس في يديها، ثم إلى وجهها. - “لا.” خرجت الكلمة منه تلقائيًا. رفعت عينيها إليه. - “عفوًا؟”

  • رهينة بلا ذنب   345- حين لا يكفي الانتظار

    لم تنم سيلينا جيدًا تلك الليلة. استيقظت أكثر من مرة، وفي كل مرة كانت تجد كريس نائمًا بجانبها، ويده ما زالت ممسكة بيدها، بينما كانت سيرينا تتنفس بهدوء في سريرها الصغير القريب منهما. كان كل شيء هادئًا، ومع ذلك لم تستطع سيلينا إيقاف أفكارها. لم تكن غاضبة من كريس، ولم تكن تظن أنه لم يعد يحبها. كانت تعرف أنه يهتم بها، وأنه يحاول أن يكون حاضرًا معها رغم إصابته والعمل ومسؤولياته الجديدة. لكنها كانت تفتقد شيئًا لم تعد تعرف كيف تطلبه. كانت تفتقد أن يبادر هو بالاقتراب منها، أن يبحث عنها حين لا تكون بجانبه، أن يجلس معها دون أن ينتظر انتهاء كل شيء آخر. تفتقد نظراته التي كانت تجعلها تشعر بأنها المرأة الوحيدة التي يراها في المكان، واهتمامه الذي لم يكن يحتاج إلى تذكير. منذ عودتهما من المستشفى، لم يحصلا على لحظة حقيقية تخصهما. كانت قد عاشت خلال فترة قصيرة ما يكفي لإرباك حياتها كلها؛ اختُطفت، وخافت على حياتها، ثم رأت كريس ينزف أمامها وهو يحاول إنقاذها. وبعد ذلك جاءت الولادة، والمستشفى، والقلق على إصابته، ثم العودة إلى المنزل حيث بدأت رحلة التعافي ورعاية طفلتهما. لم يكن لديها وقت لتستوعب كل ما

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status