LOGINأفلت ذقنها بغتة وكأن يده احترقت بلمسها، لتسقط سيلينا إلى الأمام قليلاً وهي تسعل بعنف، تحاول التقاط أنفاسها المقطوعة وسط شهقات الاختناق والدموع التي غرقت فيها مجددًا. وقف كريس فوقها يلهث بغضب عارم، ينازع الفوضى التي بدأت تضرب جذورها في صدره؛ فهو لم يكن يعلم هل يوبخها على عنادها الاحمق أم يوبخ نفسه على هذا القسوة التي باتت تثقل ضميره.
*"إياكِ.. وإياكِ أن تستسقي الموت على يدي بهذه الطريقة الرخيصة، فموتكِ لن يكون إلا بالطريقة التي أرسمها أنا، هل مفهوم؟!"* صرخ بصوت أجش يحاول من خلاله ترسيخ هيبة السجان التي بدأت تتداعى أمامه. لم تجبه؛ بل اكتفت بالانكماش على نفسها مجدداً، ضامة ركبتيها إلى صدرها، وكأنها تحاول حماية ما تبقى من كرامتها المبعثرة على أرضية القبو الباردة. التفت كريس بغضب وخطا نحو الباب، ثم أغلقه خلفه بقوة هائلة جعلت الصدى يتردد في أرجاء المكان المظلم. مرت الأيام التالية ثقيلة وبطيئة كأنها الدهر. وفي غرفة المراقبة، كان كريس يتابعها بصمت مطبق عبر الشاشة؛ لاحظ بذهول كيف بدأت سيلينا تستسلم لواقعها الجديد مجبرة، فتتناول طعامها بتعاسة صامتة فقط لتبقي شرارة الحياة الصغيرة مشتعلة فيها، وكأنها أدركت أن الموت هنا لن يمنحها راحة بل سيكون هدية لمجانين العائلات التي نبذتها. وفي الليلة الرابعة، وبعد منتصف الليل بقليل، لم يكتفِ كريس بالمراقبة من بعيد. دفع باب القبو وخطا بخطوات ثقيلة ومترددة نحو زاويتها المظلمة. كانت تنظر إليه بعينين زائغتين، لا توجد فيهما تلك الشراسة القديمة، بل فراغ مرعب ينطق بآلاف الكلمات. توقف أمامها مباشرة، ورمى حقيبة صغيرة على الأرض قريتها، وبنبرة خلت من حدتها المعتادة، قال: *"بدلي ثيابكِ.. غداً سنغادر هذا القبو، فلدي مكان آخر تليق به هذه الدرجة من الجحيم الذي تعيشينه."* رفعت سيلينا رأسها ببطء، وحدقت في الحقيبة ثم إليه، متساءلة في قهر صامت عن الفصل الجديد من العذاب الذي ينتظرها في هذا العالم الذي لا يرحم. —- مرت الساعات الفاصلة حتى أشرق صباح اليوم التالي، وحمل معه بداية تحول قاسي في مجرى الأحداث. لم يكن كريس يعلم أن قرار نقله لها سيفتح باب جحيم آخر، جحيم تتقاطع فيه مصالح عائلتها التي تخلت عنها مع مخاوفهم الخفية من انكشاف أسرارهم القديمة. في قصر عائلة جوزيف الفخم، كان الأب يجلس في مكتبه متربعاً على عرشه الزائف، يرتشف قهوته بهدوء ظاهر، بينما كان هاتف مكتبه يرن بإلحاح شديد. التقط السماعة بملل ليأتيه صوت مدبر أعماله الداخلي مرتبكاً ومرعباً: *"سيدي.. لقد وصلتنا تقارير غير مؤكدة من مصادرنا الخاصة في الميناء الشمالي.. يبدو أن كريس لم يغادر البلاد كما تظنون، وأن الفتاة.. سيلينا.. معه وليست في رحلة سياحية كما أعلنا!"* اهتزت فنجان القهوة في يد الأب لثانية قبل أن يستعيد رباطة جأشه، واشتعلت عيناه بنظرة حاقدة وباردة. عقد حاجبيه بعنف، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وملتوية. *"أحقاً ظن ذلك الوغد أنه قادر على اللعب معي؟!"* همس بصوت مبحوح يحمل وعيداً بالموت، قبل أن يضيف بلهجة آمرة قاطعة: *"اتصل فوراً برجال التحريات والأمن الخاص، وأخبرهم أن يحددوا مكانه خلال ساعات.. لن أسمح لتلك الغبية أن تكون ثغرة تكشف أسرار العائلة أو تهز اسمنا في السوق!"* وفي تلك اللحظة بالذات، على بعد كيلومترات قليلة، كان كريس قد أمر حراسه بإخراج سيلينا من القبو المظلم وإركابها في المقعد الخلفي للسيارة المعتمة، استعداداً لنقلها إلى مقره الجديد في الأطراف النائية. كانت سيلينا تنظر من زجاج السيارة المغبر إلى الشوارع المارة بسرعة، غير مدركة أن اختفاءها المزيف قد تحول للتو إلى حرب حقيقية، وأن عائلتها لم تكن تتجاهلها فحسب، بل بدأت تتحرك لتمحوها من الوجود للأبد.مرت الأيام تحت سقف منزل ميلينا الواسع ببطء مشحون بالتوتر الخفي؛ فبينما كانت الأم تحيط سيلينا برعاية بالغة وحنان غامر، ظلت حقيقة واحدة غائبة تماماً عن وعيها؛ إذ لم تكن ميلينا تدرك أبداً أن هذه الفتاة البريئة لم تكن مجرد ضحية هربت من جحيم جوزيف، بل كانت **زوجة** ابنها رسمياً على الورق وفي واقع معقد لم تجرؤ سيلينا على الإفصاح عنه، خوفاً من ردة فعل قد تعصف بما تبقى من استقرارها المؤقت. وفي أحد الأمسيات الهادئة، وأثناء جلوس الثلاثة في غرفة المعيشة الفسيحة، أرادت سيلينا أن تساعد ميلينا في ترتيب بعض الأطباق على الطاولة الكبيرة، فمدت يدها لرفع كوب زجاجي ببطء. لكن توترها المفاجئ جعلها تتعثر في اللحظة الأخيرة، ليسقط الكوب ويتهاوى على الأرض متكسراً بصوت حاد ومزعج هز سكون المكان. هبّ كريس واقفاً من مكانه بعصبية طاغية، وتأجرت ملامحه بحدة مفرطة ليتهافت عليها بكلمات لاذعة ومحقرة أمام والدته ودون أي مراعاة لحالها المنهكة: *"ألا توجد طريقة تفعلين بها أي شيء بهدوء ودون إثارة الفوضى؟! أنتِ حقاً لستِ سوى عبء إضافي ومصدر إزعاج لا ينتهي، فابتعدي عن طريقي فوراً ولا تقتربي من شيء!"* انكمشت سيلينا على نفس
بعد مرور ايام من الهدوء نوعاً ما اضطر كريس لمغادرة مكانه القديم لفترة تقارب الشهر، محتاجاً للعودة مؤقتاً والإقامة في منزل والدته "ميلينا" التي كانت تسكن في منطقة بعيدة ونائية عن عيون أعدائه. ولم يكن أمامه أي خيار سوى اصطحاب سيلينا معه طوال تلك المدة لضمان سلامتها، خصوصاً مع تعقيدات وضعه الأمني. في تلك الليلة الباردة، فتحت ميلينا باب منزلها لتفاجأ بابنها يقتحم العتبة برفقة فتاة غريبة شاحبة ومذعورة. دخل كريس برفقة سيلينا إلى الداخل، وبقي صامتاً تماماً وملامحه متجهمة كعادته، دون أن ينطق بكلمة واحدة ليشرح لأمه سبب وجودها معه. تقدمت ميلينا خطوتين، وطلعت في سيلينا بفضول شديد ونظرات متفحصة تقلبها بين وجهها المرتجف وهيئتها المنهكة، قبل أن تلتفت نحو ابنها وترفع حاجبها بتهكم لتهمس بصوت واثق: *"ما هذا يا كريس؟ أهذه هي الفتاة التي سببت لك تلك الورطة وسألتني عنها في منتصف الليل بسبب... الدورة الشهرية؟!"* تجمّدت سيلينا في مكانها من شدة الخجل والإحراج، وارتد الدم إلى وجهها حتى كاد ينفجر، بينما كصّ كريس على أسنانه بغيظ، وأشاح بوجهه بضيق من إحراج والدته المباشر. وقبل أن تزيد ميلينا في أسئلتها، ال
تجمّد الدم في عروق كريس من صيغة سؤال والدته المباغت. انتفض وكأن لسعة كهربائية سرت في ملامحه الحادة، ليتسع عكساً ذلك الجمود المعتاد ويحل محله ارتباك مفاجئ لم يعتده طوال سنين حياته المظلمة. نظر بسرعة نحو سيلينا التي كانت تنكمش تحت البطانية وتئن بصمت، ثم أعاد الهاتف إلى أذنه وهو يجزّ على أسنانه بحرج بالغ وقلق من أن تخرج الأمور عن سيطرته. *"أمي... أرجوكِ، لا تذهبي بتفكيركِ إلى تلك الزوايا المعقدة والسخيفة!"* حاول كريس أن يبدو متماسكاً، لكن صوته الموشح بالعصبية والمحشور بالحرج فضحه تماماً: *"الأمر ليس كما تفكرين فيه أبداً. إنها... إنها ظروف طارئة وقاهرة جعلتني أجد نفسي أمام هذا الموقف رغماً عني، وليست كما تتخيلين!"* من الطرف الآخر للخط، علت ضحكة خفيفة ودافئة من والدته، لكنها كانت محملة بالفضول والدهشة التي لا تُخفى: *"ظروف طارئة وقاهرة؟! يا بني، أنت لا تتوجه لطلب المساعدة في مثل هذه الأمور الدقيقة والخاصة إلا إذا كانت تعني لك شيئاً حقيقياً... فتاة تتألم في مكانك وتطلب مساعدتك، وأنت تتصل بأمك تسأل عن الدواء والعلاج بخوف واضح؟ من تكون هذه الفتاة يا كريس؟ ومتى ستخبرني بالحقيقة؟"* شعر كريس
توسعت عينا سيلينا بذهول وذعر وهي تقف وسط الصيدلية المعقمة، متلطخة بدموعها ومرجفة من شدة الألم والبرد. أشار كريس بيده بخشونة نحو الأرفف المليئة بالأنواع والأحجام المختلفة، وخفض صوته ليكون حاداً ومسموعاً لها وحدها كي لا يلفت أنظار الصيدلي أكثر: *"هيا! لا تستمري بالوقوف هكذا كالصنم! أيتها... أي واحدة منهن تخصكِ؟! اختاري بسرعة قبل أن أفقد أعصابي تماماً!"* شعر الصيدلي بالارتباك الشديد من هيئة كريس المخيفة ونظراته المشتعلة، فتقدم بخطوات مترددة ليحاول التدخل والمساعدة بهدوء: *"سيدي، هل يمكنني مساعدتك في اختيار النوع المناسب؟"* رمقه كريس بنظرة حادة وصارمة جعلت الصيدلي يتراجع للخلف فوراً، ليجيب بفظاظة مقتضبة وهو يخفي حرجه الداخلي وغضبه: *"لا، شكراً.. نحن بخير."* خفضت سيلينا رأسها بخجل قاتل ووجه أحمر كالدم، وانهمرت دموعها بغزارة أكبر ليس من ألم جسدها فحسب، بل من الموقف السخفي والمحرج الذي وجدت نفسها فيه. مدت يدها بوهن شديد، وأشارت بأصابع ترتجف نحو علبة وردية اللون في الزاوية، وهمست بصوت يكاد لا يسمع: *"تـ... تلك..."* ما إن رأت عيناه العلبة التي أشارت إليها، حتى مد يده الطويلة وقطفها بخش
أنهى كريس مكالمته بهدوء، وألقى بالهاتف على الطاولة الخشبية الصغيرة بجانبه. ما إن أبعد الجهاز عن أذنه حتى اختفت فجأة تلك النبرة الدافئة وذلك اللين المفاجئ الذي ملأ ملامحه قبل ثوانٍ، لتعود قناع الجمود والصرامة تكسو وجهه الحاد. التفت ببطء نحو سيلينا، وهنا تجمّدت عيناه عليها. كانت ترمقه بنظرة غريبة وعميقة من زاوية الغرفة الضيقة؛ نظرة امتزجت فيها الدهشة الضائعة بملامح مكسورة، كأنها ترى فيه إنساناً حقيقياً ينبض بالقلب والمشاعر لأول مرة خلف كل ذلك الجبروت والقسوة. شعر كريس فجأة وكأن دفاعاته قد انكشفت أمينها وكأن شيئاً خفياً من روحه قد فُضح، فاشتعلت عيناه بنبرة غضب وعصبية فورية ليهدر بصوت خشن ومرتفع: *"ما الذي تحدقين به هكذا؟! أما زلتِ تملكين القدرة على التمادي بنظراتكِ البلهاء والمستفزة؟!"* أرعبها صوته الحاد والمفاجئ، فتركت مكانها وهرعت كالعصفور المذعور، مختبئة بسرعة داخل الحمام الصغير ومغلقة الباب خلفها باهتزاز شديد. مرت دقائق طويلة وثقيلة داخل الغرفة المظلمة، بينما كان كريس يزفر بأنفاس حارقة ويحاول تهدئة فوضى أفكاره المشتعلة. وفجأة، انفتح باب الحمام ببطء شديد. خرجت سيلينا بخطوات بطيئة
انطلقت السيارة الرياضية بشراسة جنونية تشق الشوارع المظلمة، وكأنها تهرب من جحيم محقق، لكن الجحيم الحقيقي كان محصوراً بالكامل داخل مقصورة السيارة الضيقة التي تملؤها أنفاس كريس المحترقة وسخطه المشتعل. بعد مسافة طويلة قضاها في صمت مميت يقطعه صوت المحرك الصاخب، أوقف كريس السيارة فجأة على جانب طريق مظلم ومنعزل بعيداً عن صخب المدينة، وضغط على المكابح بحدة جعلت سيلينا تندفع للأمام بفعل القصور الذاتي. التف نحوها بجذعه ببطء، وكأن حركة واحدة خاطئة قد تفجر ما تبقى من أعصابه. اشتعلت عيناه القاتمتان بنيران الغضب والغيرة البشعة التي لم تجد متنفساً لها سوى إراقة ما تبقى من كبرياء سيلينا المكسور. قبض بيده على ذقنها بخشونة وقسوة، رافعاً وجهها نحوه لتضطر لمواجهة نظراته المشتعلة، ليهدر بصوت فحيحي ومقترب يكاد يمزق صمت السيارة: *"أعجبكِ ما حدث هناك، أليس كذلك؟ ألم يسركِ أن يلتفت إليكِ أحدهم بهذه الطريقة ويضعكِ في باله؟"* هزت سيلينا رأسها بانهيار تام، وانفجرت باكية بصوت مخنوق ومرجف: *"أقسم لكَ... أقسم أنني لم أكن مسرورة! كنت أموت رعباً! أنا أكره تلك النظرات، ولم أنظر إليه حتى!"* لكن كريس لم يستمع لدف







