Share

5- أثر الدموع

Author: Hope49
last update publish date: 2026-07-29 09:21:57

لم يفارق طيف تلك الدموع الرقيقة ذهن كريس، وكأنها حفرت عميقاً في مكان ما من صدره لم يكن يعلم بوجوده.

في صباح اليوم التالي، وبينما كان جالسًا في مكتبه الفسيح، يراجع بعض الأوراق دون أن يدرك حرفاً مما كتب فيها، قطع حبل أفكاره صوت خطوات مساعده وهو يدخل الغرفة بحذر.

*"سيدي.. هل تأمر بشيء بخصوص الفتاة في القبو؟ لقد مضى يوم كامل دون أن تتناول طعاماً أو شراباً."*

رفع كريس رأسه ببطء، وتجمدت نظراته في الفراغ لثوانٍ معدودة، تذكر خلالها كيف انكسرت تلك النظرة الحادة وتحولت إلى تلك الدموع الصامتة التي أربكت كيانه البارحة. لمع في عينيه شعور غريب يمزج بين الغضب من نفسه والفضول الممزوج بالإنكار.

وقف كريس فجأة دون أن ينطق بكلمة، وعبر الممر بخطوات واسعة وحاسمة نحو القبو، وكأنه يهرب من أفكاره الخاصة.

عندما فتح باب القبو الخشبي، اندفع الهواء الراكد نحوه، ووجد سيلينا منكمشة في ذات الزاوية، شاحبة الوجه، وعيناها محمرتان من أثر البكاء الطويل، تبدو كعصفور مكسور الجناح لم يتبقَ فيه طاقة للمقاومة.

توقف كريس لثانية على عتبة الباب، وحدق بها مطولاً قبل أن يتقدم نحوها بخطوات بطيئة هذه المرة، خلافاً لعادته. توقف فوقها مباشرة، وبصوت خشن حاول أن يخفي خلفه أي نبرة تردد أو ضعف، قال:

*"لا تظني أن إظهار ضعفكِ أو دموعكِ البائسة سيجعلني أتراجع عن طريقتي.. أأفهمني؟!"*

رغم قسوة كلماته، إلا أن يده امتدت فجأة ودون سابق إنذار لتلتقط زجاجة الماء الموضوعة على الطاولة الصغيرة بجانب الباب، وألقى بها بقسوة مدروسة قريبة منها على الأرض الحجرية، قبل أن يضيف بنبرة حادة:

*"لكنني لستُ سفاحاً لأقتلكِ جوعاً.. كُلي واشربي، فمعركتي الحقيقية ليست مع جسدكِ الهزيل، ولن أسمح لكِ بالموت قبل أن تنتهي لعبتي للنهاية!"*

استدار بعدها بسرعة مخلفاً وراءه صدى صوته، وأغلق الباب خلفه بقوة، هارباً من نظرة الامتنان الخفية التي لمعت لثانية واحدة في عينيها رغم كل شيء.

---

مضت ساعة كاملة على إغلاق الباب، وصوت وقع خطواته الحازمة لا يزال يتردد في رأس سيلينا. كانت زجاجة الماء وقليل من الطعام البسيط ملقيين على الأرض الباردة أمامها، لكنها لم تحرك ساكناً؛ فجسدها المنهاك وروحها المكسورة رفضا كل محاولة للبقاء. لم تشعر بالجوع، بل كان البرد والوجع قد تمكنا منها حتى أفقداها القدرة على مد يدها.

وفي غرفة المراقبة العلوية، كان كريس جالساً أمام الشاشة الصغيرة التي تنقل ما يدور في القبو، وعيناه مسمرتان بلا ملل على صورتها المنكمشة في الزاوية. لاحظ بمرور الوقت أنها لم تقترب من الطعام البتة، بل بقيت ساكنة في مكانها وكأنها تفضل الموت على أن تقبل شيئاً من يديه.

شعر بفورة غضب مكتومة تسري في عروقه؛ فهو لم يترك الطعام رحمةً بها، بل لتبقى حية لتنفيذ خطته، ولم يكن ليسمح لها بأن تهزمه ببطئها أو باستسلامها المتمرد.

وقف فجأة من مقعده بعصبية، وعبر الممر بخطوات واسعة وعنيفة، دافعاً باب القبو ليفتح على مصراعيه بصوت مزعج.

تقدم نحوها بخطوات سريعة وصارمة حتى وقف فوقها مباشرة، ووجهه يقطر غضباً واجتهاداً في إخفاء أي شعور بالحيرة:

*"ألم أطلب منكِ أن تأكلي وتُبقي نفسكِ حية لخصومتنا؟!"* صرخ بصوت أجش ركّز فيه كل حدته، وهو ينحني نحوها.

بأصابعه الخشنة والقاسية، قبض بقوة على ذقنها، ضاغطاً على وجنتيها بإحكام صارم جعل فمها ينفرج رغماً عنها، ليرفع رأسها لتلتقي عيناهما المشتعلتان بنظراتها الذابلتين.

*"يبدو أنكِ لا تفهمين سوى بالعنف، ولا ترغبين في الموت بطوعكِ!"* هدر بصوت حاد ومرعب، وهو يلتقط بيده الأخرى طبق الطعام الملقى على الأرض، ممسكاً بالملعقة وملئها بالكمية المتاحة.

قرب الملعقة من شفتيها المفتوحتين عنوة بقبضته الحديدية على ذقنها، وبنبرة لا تقبل التراجع قال:

*"افتحي فمكِ وكلي.. وإن ظننتِ أن بإمكانكِ الامتناع، فسأطعمكِ إياه غصباً عنكِ ولو كلفني الأمر ابتلاعه بالقوة!"*

حاولت سيلينا المقاومة برفضها الصامت وإغلاق عينيها بمرارة، لكن قبضته المحكمة على ذقنها لم تترك لها مخرجاً؛ فدفع الطعام إلى داخل فمها بلا رحمة، ليجبرها على ابتلاعه مرغمة وسط أنفاسها المختنقة ودموعها الساخنة التي عادت لتجرّح وجنتيها الشاحبتين بوجع وقهر قاتل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رهينة بلا ذنب   265- اتساع الفجوة

    وقف كريس أمام المرآة الكبيرة، يرتدي سترته الثقيلة بملامح جادة وهادئة، كأنه عاد فوراً إلى درعه الصارم وجدية رجل الأعمال النافذ، متظاهراً بالبرود والاحترافية كي يضبط مشاعره المبعثرة قبل لحظة الرحيل. كانت سيلينا تراقبه من على السرير، تشد الغطاء حول جسدها وتحاول أن ترسم على وجهها ذات البرود، بينما قلبها يحترق بحزنٍ صامت وغموضٍ يلف هذا السفر المفاجئ. استدار كريس بخطوات هادئة وحاسمة نحو الباب، وبدا كأنه سيغادر الغرفة دون كلمة أخرى، لكنه فجأة... توقف. تخشّب جسده عند العتبة، وكأن قوة قاهرة سحبته للخلف. التفت بحدة واندفع نحو السرير بخطوات متسارعة، وقبل أن تستوعب سيلينا حركته، انحنى عليها بجسده الضخم، واحتضن وجهها بين كفيه العريضين ليدمج شفتيها بقبلة عميقة، حارة وطويلة... قبلة مشتعلة بالخوف والشغف والرجاء، صدمت ثباتها وأطاحت بكل دفاعاتها في ثانية واحدة. انسحب منها ببطء وهو يلهث، وجبهته تتكئ على جبهتها المبتلة، ثم ضمها إلى صدره بصلابة وحنانٍ جارف ألمع عينيها بالدموع، وضربت أنفاسه عنقها وهو يهمس بصوتٍ مبحوح يفيض بالرجاء: — "انتبهي لنفسكِ جيداً يا سيلينا... ولطفلي." تركها وسار نحو البا

  • رهينة بلا ذنب   264- غبار الرحيل

    انكسر الصمت الخانق بينهما حين لم ترده، ولم تبتعد. اعتبر كريس سكونها إذنًا يفتح له باب القرب، فسحب جسده الضخم نحوها ببطء، محيطًا إياها بذراعه القوية كمن يتشبث بفرصته الأخيرة للنجاة. ورغم سلطته وجرأته المعتادة في لمساته، إلا أن وقوعه العميق في شباكها وجسدها المنهك بحمل طفلهما جعلاه يخفف جموحه. كانت أصابعه العريضة تتحرك على جسدها بجرأة شائكة تشعل الدفء، لكن برأفةٍ حذرة ومحسوبة تراعي تعبها واستنزاف روحها؛ انحنى ببطء ودفن وجهه بين منحنى كتفها وشعرها المنسدل، مستنشقًا عبيرها بلهفةٍ لاهثة كادت تقتله طوال ساعات النهار. تسربت حرارة شفتيه لترسم قبلات جريئة، دافئة وشديدة الرقة على طول خط عنقها الرقيق، يمتص إرهاقها بلمسات تدريجية أذابت كل جدار من الجليد بنته حول قلبها. ارتجفت أنفاس سيلينا، واعتصرت الغطاء بيدين مرتعشتين وهي تشعر بالدفء يغزو أحشاءها، مستسلمة لتلك السطوة الناعمة التي جعلت روحها تتلاشى بين يديه. استدارت ببطء شديد داخل حلقة ذراعيه لتصبح مواجهة له في الظلام. التقت أعينهما على مسافة إنشات معدودة؛ رفع كريس كفه المرتجف ليحتضن وجنتها الشاحبة، واقترب بشفتيه ليدمجها بقبلة حارة وعميقة،

  • رهينة بلا ذنب   263- ظلال الغيرة والهمس

    ساد الهدوء أرجاء الجناح، لكنه لم يكن هدوءاً يبعث على الراحة، بل ثقلاً يضغط على صدر سيلينا المنهك. كانت مستلقية تحت الغطاء الدافئ، تنظر إلى السقف وتصارع ذلك الشعور المبهم الخائب الذي خلفه هروب كريس المفاجئ. ورغم أنها أقنعت نفسها بأنها لا تريد رؤيته ولا تطيق القرب من أحد، إلا أن قلبها كان ينبض باضطرابٍ حارق. فجأة، شقّ ذلك الصمت العتيم صوت ضحكات طفولية رنانة، تتصاعد بوضوح من الرواق الخارجي المؤدي إلى المكتب. كانت تلك ضحكات الطفلة "تايا"، يرافقها همسٌ أنثوي متودد وصوت ناعم لا تخطئه أذنها... صوت "إيلينا". تسمرت سيلينا في مكانها، واشتدت قبضتها فوق الغطاء حتى أبيضّت مفاصلها. كان صوت ضحك تايا البريء يتجاوب مع نبرة إيلينا الهادئة والمداعبة، وكأنهما تصنعان دفئاً عائلياً صغيراً بالقرب من كريس، محاولةً إيلينا ملء الفراغ واستغلال غيابها عن الجناح لتفرض وجودها في محيطه. تسلل الغيظ والغل إلى قلب سيلينا كالنار في الهشيم. استقامت في جلستها بحدة، وزفرت بضيق عارم وهي تخبط قدميها بالأرض بحنقٍ طفولي ومقهور؛ كيف له أن يفرّ من تفاصيل جسدها ومن اضطرابه أمامها، ليمشي نحو تلك الأصوات الدافئة وكأن شيئاً ل

  • رهينة بلا ذنب   262- نبضات خافتة تحت وطأة الصمت

    وضع كريس سيلينا فوق الفراش الوفير برفقٍ متناهٍ، وجسده الضخم ما زال يرتجف بتوترٍ مكتوم وصدمة لم يستوعب كامل أبعادها بعد. كانت دموع سيلينا قد جفت على وجنتيها الشاحبتين، لكن أنفاسها المتهدجة وارتجاف جسدها كانا يشيان بمدى الإنهاك النفسي والهوان الذي ألمّ بها بعد الموقف العاصف. ساد صمتٌ ثقيل وشديد الحساسية أرجاء الغرفة المغلقة. تراجعت سيلينا بجسدها المجهد نحو حافة الفراش، ورغم أن مواجهة أمها قد أزاحت جبل الخديعة عن كاهلها، إلا أن مرارة القهر وألم قسوته القديمة وطريقة اختطافه لها واستبداده بها ما زالت تحفر جروحاً غائرة في روحها؛ لم تكن تلك المواجهة لتمحو ما فعله بها أو تنزع الحذر والجفاء من صدرها. التقط كريس قميصاً قطنياً واسعاً ودافئاً من الخزانة، واقترب ببطء ليضعه بجانبها على الفراش. كان وجهه مشدوداً وعيناه المحمرتان تنطقان بصراعٍ مظلم وأسى مكتوم دون أن يتفوه بحرف واحد، فكبرياؤه وغضبه من الأكاذيب التي أحاطت بهما كانا يجعلان أي حديث كبركان قاب قوسين من الانفجار. نظرت سيلينا إلى القميص ثم رفعت عينيها نحوه بنظرة متعبة، يمتزج فيها التحدي بالكبرياء الجريح، ونبست بصوتٍ خفيض، مبحوح ومحمل بجفا

  • رهينة بلا ذنب   261- اعترافات تحت رماد الخديعة

    شحب وجه فينيا لثوانٍ قبل أن تنقلب ملامحها الشاحبة إلى قناعٍ من المقت والشرس. تلاشت مسرحية العاطفة المزيفة كلياً، واشتعلت حدقتاها بغيظٍ أعمى وهي ترى كل مخططاتها ومخططات جوزيف تتهاوى أمام كلمة "حمل". خطت خطوة عدوانية إلى الأمام، وخرج صوتها حاداً، مسموماً ومجرداً من أي نبرة أمومة: — "ساقطة! تتباهين بطفلٍ في أحشائكِ من الرجل الذي خطفكِ ودنس كرامتكِ؟ أصبحتِ تتضرعين تحت قدميه وتستجدين حمايته، ونسيتِ أصلكِ وعائلتكِ لأجل شهوةٍ وسجن ذهبي؟" في تلك اللحظة، عمّ الصمت القاعة كالسم القاتل. تجمد الدم في عروق كريس، واحتدت عيناه الكحليتان المحمرتان ببركانٍ غاضب هائل؛ انقبضت ذراعه واهتز جسده بالكامل وهو يهمّ بالاندفاع نحو فينيا لينهي وجودها بيده، غير أن سيلينا كانت أسرع، فرفعت يدها المرتجفة ووضعتها على صدره الصلب تمنعه وتوقفه في مكانه، وهي تتولى الرد بنفسها. ارتجف جسد سيلينا بالكامل، لكن الانكسار لم يجد طريقه إليها هذه المرة؛ بل تفجر في أوردتها غضبٌ عارم أطاح بكل أطياف الخوف القديم. خطت خطوة جنيّة نحو أمها، وعيناها المتورمتان تنطقان بشررٍ حارق، وصاحت بصوتٍ متهدج شقّ صمت القاعة: — "أنا ساقطة...؟

  • رهينة بلا ذنب   260- المواجهة المسمومة

    دُفع الباب الخشبي الثقيل لصالون الاستقبال السفلي ببطء، ليحدث صفيراً خافتاً شقّ الهدوء المشحون داخل القاعة. دخل كريس أولاً بقامته الضخمة وهيئته الصارمة، قابضاً على كف سيلينا بإحكام كأنه يغرس أصابعه في كفها ليحميها من العالم أجمع، تتبعه سيلينا بخطوات ثابتة رغم شحوب وجهها والتعب الجليّ الذي يثقل جسدها الحامل. في منتصف الصالون، كانت "فينيا" تقف بظهرٍ مستقيم وأناقة متكلفة تخفي خلفها ارتباكاً مريباً. ما إن وقعت عيناها على ابنتها حتى تحركت ملامحها بلهفة مصنعة، وخطت خطوة سريعة إلى الأمام وهي تمد ذراعيها، قبل أن تتسمر في مكانها فور أن جمدتها نظرات كريس النارية؛ عيناه المحمرتان من السهر والغيظ كانتا تنطقان بتهديدٍ صريح لو اقتربت إنشاً واحدًا إضافياً. ثبّتت سيلينا نظراتها على أمها، وانقبض قلبها وهي ترى الملامح التي لطالما ارتبطت في ذهنها بالخوف والخذلان. تشبثت بكف كريس الدافئة والقاسية في آنٍ واحد، تنقبض أناملها حول يده لتستمد منها القوة، بينما بدأت نبضات قلبها تتسارع بصورة مجهدة. اهتزت نبرة فينيا وهي تحاول اللعب على الوتر العاطفي مجدداً، مدعية الخوف والحرص الأمومي: — "سيلينا! كيف تنظرين إلي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status