مشاركة

الفصل الخامس :التغيير

مؤلف: Lamar
last update تاريخ النشر: 2026-04-18 08:07:36

مرت فترة، ولم تعد زهرة تراقب التغييرات كما كانت تفعل في البداية. لم تعد تنتظر إشارات، ولا تحلل كل تصرّف، ولا تسأل نفسها كل ليلة إن كان هناك تحسن أم لا.

الحياة عادت تمشي بإيقاعها الطبيعي… أو ربما، هي التي صارت تمشي معه.

في الصباحات، تستيقظ قبل الجميع بدقائق. لم يعد هذا الوقت فقط للتحضير، بل صار وقتها الخاص. تقف في المطبخ، تحضّر قهوتها، وتشربها بهدوء قبل أن يبدأ اليوم. لم يكن هذا شيء كبير، لكنه كان كافيًا ليعطيها شعورًا بسيطًا بالسيطرة.

الأطفال كبروا قليلًا. لم يعودوا يحتاجونها بنفس الطريقة في كل دقيقة، لكنهم ما زالوا عالمها الأساسي. صارت تلاحظ تفاصيل جديدة فيهم؛ جمل يقولها طفلها فجأة فتضحك، أو طريقة ابنتها في تقليدها وهي لا تنتبه.

هذه اللحظات، كانت تعطيها طاقة حقيقية… ليست كبيرة، لكنها صادقة.

أما كريم، فبقي في نفس الدائرة، لكن بشيء من التعديل البسيط. لم يصبح شخصًا مختلفًا، ولم يتحول فجأة إلى رجل معبّر. لكنه أحيانًا، بدون مقدمات، يسأل:

“بدك شي؟”

أو يجلس مع الأطفال بدلًا منها لبعض الوقت.

هذه الأشياء، كانت تمر سابقًا دون قيمة لأنها “أقل من المطلوب”. أما الآن، فهي تراها كما هي… محاولات محدودة، لكنها موجودة.

وفي المقابل، كانت زهرة قد غيّرت شيئًا مهمًا جدًا داخلها:

لم تعد تفسر كل شيء على أنه تقصير مقصود.

أحيانًا، كانت تقول لنفسها: “يمكن هو هيك… مو لأنه ما بدو، بس لأنه ما بيعرف.”

هذا التفكير لم يحل المشكلة، لكنه خفف حدتها.

في أحد الأيام، خرجت زهرة لوحدها. لأول مرة منذ وقت طويل، دون أطفال، دون مهمة واضحة. فقط خرجت تمشي.

في البداية شعرت بشيء غريب… كأنها نسيت كيف تكون وحدها خارج البيت. لكن بعد دقائق، بدأت تشعر بخفة غير معتادة.

نظرت للناس، للمحال، للطريق… واكتشفت أنها كانت غائبة عن هذا العالم لفترة طويلة.

جلست في مكان هادئ، وطلبت قهوتها. أمسكت الهاتف، ثم وضعته جانبًا. لم تكن تريد أن تملأ اللحظة بأي شيء.

جلست فقط… تنظر.

وفي تلك اللحظة، جاءها شعور بسيط لكنه واضح:

“أنا موجودة… مش بس أم، مش بس زوجة… أنا أنا.”

لم يكن شعورًا كبيرًا أو مؤثرًا بشكل درامي، لكنه كان حقيقيًا.

رجعت للبيت، ولم تخبر أحدًا بشيء. لم تقل لكريم أين ذهبت بالتفصيل، ولم تشرح ماذا شعرت. احتفظت باللحظة لنفسها، كأنها شيء خاص لا تريد أن تفسده بالكلام.

ومنذ ذلك اليوم، بدأت تحاول أن تكرر هذا الشعور، بطرق مختلفة.

ليس دائمًا بالخروج، أحيانًا فقط بالجلوس مع نفسها، أو بالرسم، أو حتى بترتيب شيء تحبه بطريقة معينة.

هذه التفاصيل الصغيرة، صارت تشكل فرقًا أكبر مما توقعت.

لكن، رغم كل هذا… لم تختفِ تلك الفكرة تمامًا.

فكرة:

“هل هذا كافٍ لباقي حياتي؟”

لم تكن تفكر بها طوال الوقت، لكنها كانت تعود أحيانًا، في لحظات هدوء معينة.

في إحدى الليالي، كانت جالسة مع كريم، والتلفاز يعمل بصوت منخفض. الأطفال نائمون، والبيت هادئ.

قالت فجأة، بدون تخطيط:

“بتحس حياتنا عادية زيادة؟”

نظر إليها، مستغربًا قليلًا، وقال:

“يعني كيف؟”

قالت بعد لحظة:

“ما بعرف… كأنه ما في شي جديد… نفس الأيام عم تتكرر.”

فكر قليلًا، ثم قال:

“يمكن… بس هي الحياة هيك.”

لم يكن جوابه عميقًا، لكنه كان صادقًا بطريقته.

نظرت أمامها، ولم تجادله. لأنها عرفت أنه لا يرى الأمور بنفس الزاوية.

وهنا، فهمت زهرة شيئًا مهمًا:

ليست كل الأسئلة لها جواب مشترك.

بعض الأشياء، ستبقى داخلها فقط.

ومع ذلك، لم تشعر بالاختناق كما في السابق.

لأنها لم تعد تنتظر من الحياة أن تكون مختلفة تمامًا… فقط أن تكون محتملة، وفيها لحظات تستحق.

في نهاية يوم طويل، نام الأطفال، وهدأ البيت.

جلست زهرة على طرف السرير، ونظرت حولها. نفس المكان، نفس التفاصيل، نفس الحياة تقريبًا.

لكنها لم تكن نفس الشخص.

لم تعد تلك التي تبحث عن الكمال في كل شيء، ولا تلك التي تنهار من نقص بسيط. صارت ترى الصورة كما هي:

فيها نقص… وفيها أشياء جميلة.

وضعت رأسها على الوسادة، وأغمضت عينيها.

لم تكن تفكر كثيرًا هذه المرة.

فقط شعرت بشيء هادئ…

نوع من القبول.

ليس استسلامًا…

ولا رضا كامل…

لكن بين الاثنين.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • زهرة ..حكاية بين الضوء والظل    الفصل السادس والثمانون:,صدمة جديدة

    في الطرف الآخر…عاد كريم إلى المنزل بخطوات بطيئة، ثقيلة، كأن كل خطوة تحمل وزن قرار لا يستطيع التراجع عنه، فتح الباب بهدوء، دخل دون أن يُصدر صوتًا، وكأنه يخاف أن يوقظ شيئًا… أو يوقظ نفسه.الأطفال كانوا نائمين.آدم ملتف على نفسه، ويده الصغيرة ممسكة بطرف الغطاء، أما ليان فكانت مستلقية ببراءة، أنفاسها منتظمة، كأن العالم لم يمسّها بعد.وقف كريم عند الباب للحظات… فقط ينظر.ثم اقترب ببطء.جلس على ركبتيه قربهما، مدّ يده ولمس شعر آدم، بحذر… كأنه يخاف أن يوقظه من عالم أكثر أمانًا من هذا الواقع.“سامحني…”همسها خرجت منه بصعوبة، صوته مكسور بطريقة لم يعترف بها من قبل.انحنى، قبّل جبين آدم، ثم ليان… وعيناه امتلأتا دون مقاومة، دموع ثقيلة، صامتة، نزلت دون أن يمسحها.“ما بعرف إذا عم احميكم… أو عم دمّركم معي…”رفع رأسه، نظر إليهما طويلًا، وكأنه يحاول أن يحفظ ملامحهما… قبل أن تتغير حياته أكثر.في الخارج…كان وائل واقفًا بجانب سيارته، يراقب باب الفيلا من بعيد، سيجارته تشتعل بين أصابعه، ونظراته باردة، محسوبة، كأن كل شيء يسير تمامًا كما أراد.رنّ هاتفه.رفع الهاتف، ردّ فورًا:“إيوا…”صمت لحظة، يستمع.ثم اب

  • زهرة ..حكاية بين الضوء والظل    الفصل الخامس والثمانون:تلاعب

    تشعر بيدها وهي ترتجف… ولا بالهاتف الذي سقط على الأرض.الصوت فقط بقي.“ماما…”يتردد داخلها، يطرق صدرها بعنف، كأن أحدهم فتح بابًا كانت تحاول إغلاقه بالقوة منذ أيام، وفجأة… اندفع كل شيء دفعة واحدة.“آدم…”همستها خرجت مكسورة، بالكاد تُسمع.“شو في؟”صوت سليم جاء هادئًا، لكنه كان يراقبها بدقة، عينه لم تفلت أي تفصيلة من انهيارها المفاجئ.لم ترد فورًا.انحنت بسرعة، التقطت الهاتف، عادت تحاول الاتصال بنفس الرقم… مرة، مرتين، ثلاث…لكن لا رد.“مين كان؟”سألها مرة ثانية، هذه المرة بنبرة أكثر جدية.رفعت عينيها نحوه، كانت مليئة بارتباك حقيقي، خوف لا يمكن إخفاؤه:“ابني…”تغيّرت ملامحه قليلًا.“شو؟”“كان… كان ابني… قال ماما وبعدين سكر الخط…”سليم صمت لثوانٍ، وكأنه يعيد ترتيب الموقف بسرعة، ثم قال:“رقم غريب؟”“إيه…”مد يده:“هاتيه.”ترددت لحظة…لكن أعطته الهاتف.نظر إلى الرقم، ضغط عليه، وضعه على أذنه… انتظر.لا رد.خفض الهاتف، نظر إليها، وقال بهدوء محسوب:“هاد مو اتصال عادي.”“يعني؟!”“يعني حدا عم يلعب فيكي.”الكلمة… دخلت صدرها كإبرة باردة.“مين؟!”سليم لم يجب مباشرة، بل نظر نحو الفيلا، ثم عاد إليها:“

  • زهرة ..حكاية بين الضوء والظل    الفصل الرابع والثمانون:غريبة

    عندما اندفعوا به خارج المكان… لم تستوعب زهرة ما حدث إلا بعد أن أغلق الباب.الصوت.الضجيج.الأضواء.كل شيء عاد كما كان… إلا هي.وقفت مكانها لثوانٍ، وكأن جسدها انفصل عن عقلها، ثم فجأة اندفعت نحو الباب، دفعت من أمامها، خرجت بسرعة، أنفاسها متقطعة، قلبها يسبقها بخطوات.“كريم!”نادت باسمه، بصوت خرج رغماً عنها.الشارع كان شبه فارغ.الليل هادئ… بشكل مستفز.لا أحد.دارت حول نفسها، نظرت يمينًا ويسارًا، ركضت خطوات قصيرة، وكأنها تتوقع أن تجده ملقىً في زاوية، أو واقفًا ينتظرها، أو حتى ينظر إليها بنفس تلك النظرة التي كانت قبل دقائق.لكن…لا شيء.اختفى.كما اختفى أطفالها.كما اختفى كل شيء في حياتها.توقفت، أنفاسها تزداد حدة، وضعت يدها على صدرها، شعرت للحظة أن الأرض تميل تحتها، وأنها على وشك السقوط.“وينك…”همست، لكن هذه المرة لم تكن تسأل عنه فقط… كانت تسأل عن نفسها.“ما رح تلاقيه.”الصوت جاء من خلفها.التفتت ببطء.وائل.واقف، هادئ، كأن شيئًا لم يحدث.“ليش؟” قالتها بحدة، بعينين فيهما تعب وغضب.“لأنو اللي مثله… لما ينكسر، يا بيختفي… يا بيرجع أخطر.”سكتت.نظرت له للحظات.ثم قالت ببرود:“أنا خلص… ما عند

  • زهرة ..حكاية بين الضوء والظل    الفصل الثالث والثمانون:

    الموسيقى كانت منخفضة… لكن قلب زهرة كان أعلى منها.وقفت في مكانها، ثابتة، كأنها تحاول أن تثبت لنفسها قبل أي أحد آخر أنها قادرة تكمل، أن الخطوة التي أخذتها لم تعد قابلة للتراجع، وأنها وصلت لنقطة… لازم تكمل فيها حتى لو كانت النهاية مؤلمة.لكن فجأة—باب المكان انفتح بعنف.صوت قوي… مفاجئ… قطع كل شيء.الأنظار التفتت.وهو دخل.كريم.وقف عند المدخل، عيونه تبحث بشكل هستيري، ما احتاج وقت طويل… شافها.تجمد.وهي أيضًا.لثانية واحدة… العالم وقف بينهم.عيونه نزلت عليها ببطء، نظرة صدمة، قهر، رفض… شيء داخله انكسر من مجرد رؤيتها واقفة بهذا المكان، بهذا الشكل، وسط هالناس.“زهرة…”قال اسمها بصوت مبحوح، كأنه خرج غصب عنه.هي ما تحركت.بس نظرت له.نظرة باردة… مو لأنها قوية، بل لأنها منهكة لدرجة ما عاد فيها طاقة تتهز.مشى بسرعة نحوها، خطواته ثقيلة، مشدودة، وكل خطوة كانت محملة بغضب مكتوم، لحد ما وقف قدامها مباشرة، قريب جدًا.“شو عم تعملي هون…؟”صوته منخفض… لكنه مخيف.ما جاوبت فورًا.بس قالت:“رجّعلي ولادي.”الكلمة… ضربته مباشرة.“شو؟”“رجّعلي ولادي… وبمشي.”ضحك ضحكة قصيرة… موجوعة:“إنتِ مفكرة الموضوع بهالبسا

  • زهرة ..حكاية بين الضوء والظل    الفصل الثاني والثمانون: انحدار

    لم تقل شيئًا بعد أن فهمت. لم تحتج إلى تأكيد. نظرة وائل كانت كافية لتقول ما لم يُقال… كريم لم يعد بعيدًا كما ظنت، ولم يعد الوصول إليه مستحيلًا كما شعرت قبل ساعات فقط، بل أصبح قريبًا… بشكل مرعب. قلبها خفق بسرعة، لكن هذه المرة لم يكن الخفق مجرد خوف، بل كان خليطًا معقدًا من التوتر، الأمل، والرهبة… رهبة مما قد تضطر أن تصبح عليه لتصل. “وينه؟” قالتها أخيرًا، بصوت منخفض، لكنه ثابت. وائل لم يعطها الإجابة مباشرة، بل وقف، اتجه نحو النافذة، أبعد الستارة قليلًا، كأنه ينظر إلى شيء بعيد، ثم قال: “مو مهم تعرفي وينه… المهم تعرفي كيف نوصل له.” زهرة وقفت بدورها، اقتربت خطوة، عيناها عليه: “أنا ما عندي وقت للألعاب… بدي ولادي.” استدار نحوها، نظر إليها نظرة طويلة، كأنه يقيّم صلابتها، ثم قال: “واللي بدك ياه… إلو طريق.” “قلي.” “بدك تمشي هاد الطريق.” الكلمات كانت واضحة… قاسية. لكنها هذه المرة لم تعترض. فقط سكتت. وائل لاحظ. ابتسم ابتسامة خفيفة، أقرب للرضا: “منيح… بلشتي تفهمي.” اقترب منها، مدّ يده، ليس ليمسكها… بل ليشير إلى حقيبتها: “جهزي حالك… الليلة ما رح تنامي هون.” رفعت حاجبه

  • زهرة ..حكاية بين الضوء والظل    الفصل الحادي والثمانون:قبول

    لم يكن الصمت الذي تلا كلمة “إنتِ” عاديًا… كان كثيفًا، يلتف حولها كضباب بارد، يدخل في صدرها دون استئذان، ويجعل أنفاسها أثقل، وكأن الهواء نفسه أصبح صفقة… يجب أن تدفع ثمنها لتتنفسه. بقيت زهرة واقفة أمام وائل، عيناها ثابتتان عليه، لكن داخلها كان ينهار ويتكوّن في آنٍ واحد، كأنها تُدفع إلى زاوية لا مخرج منها إلا عبر بابٍ تعرف مسبقًا أنه لن يعيدها كما كانت.“يعني شو؟” قالتها أخيرًا، بصوت خرج أهدأ مما شعرت، لكنه كان محمّلًا بكل الخوف الذي تحاول إخفاءه، “شو يعني أنا؟”وائل لم يتهرّب، لم يلف ويدور، بل اقترب خطوة واحدة فقط، كأن المسافة بينهما محسوبة بدقة، وقال بنبرة منخفضة لكنها واضحة: “يعني تصيري معي… مو ضدي، وتشتغلي بالطريقة اللي أنا بعرفها، وبتصيري قادرة توصلي للي بدك ياه… بسرعة.”ضحكت زهرة، ضحكة قصيرة، مكسورة، بلا روح، وكأنها تسخر من نفسها أكثر مما تسخر منه، ثم قالت: “وأنا شو بكون بهالطريقة؟”"عاهرة""مومس"نظر إليها طويلًا، ثم قال: “بتكوني حدا ما بينكسر.”الجملة بدت مغرية… لكنها كانت سامة.لم ترد فورًا، فقط ابتعدت خطوة، وضعت يدها على جبينها، أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تحاول أن تسترجع صورة واح

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status