LOGINتجمد الوجود في مكتب الشؤون القانونية بالشركة. كانت أضواء الطوارئ الخافتة تنعكس على وجه كارما الشاحب، وعيناها مثبتتان على الورقة البيضاء التي كُتب في أعلاها بخط واضح: "مسودة اتفاقية الطلاق والتسوية المالية".
قدم سامر خطوة نحوها، ويده ممتدة في الهواء بنظرة هلع لم تعهدها كارما منه من قبل. قال بصوت متقطع اختنقت فيه النبرة الرسمية: "كارما... انتظري، دعيني أشرح لكِ. هذه الورقة ليست كما تظنين!" رفعت كارما يدها المرتجفة لتمنعه من الاقتراب. سحبت الورقة من على الطاولة ببطء، وكانت حروف اسمها وتوقيع سامر المبدئي في الأسفل تشع كجمرة نار تكوي عينيها. ابتسمت كارما ابتسامة انكسار مريرة، ودمعة صامتة تحبس نفسها في حدقتيها قبل أن تسقط. قالت بصوت خافت يقطر وجعاً وكبرياء: "كنتَ تجهز لخروجك الآمن من حياتي ومن هذه الشركة يا مستشار... طوال هذه الفترة، بينما كنتُ أظن أنك تبحث عن حمايتي، كنتَ تحسب أيامك معي وتعد العدة لتوقيت خروجك المناسب!" صاح سامر بلهفة صادقة، مقترباً حتى أصبح على مسافة أنفاس منها: "والله يا كارما هذه الوثيقة صيغت في أسابيع زواجنا الأولى! عندما كانت بيننا جدران من الجليد، وقبل أن أعرفكِ بحق... وقبل أن يتغير كل شيء في قلبي! لم ألمس هذه الورقة منذ أشهر، وأقسم لكِ أنني لم أعد أرغب في أي طلاق!" شخصت كارما بنظرها في عينيه. كان كبرياؤها الجريح يصرخ في الداخل؛ فهي تعتقد أنه اكتشف مرضها السرّي وبدأ يمثل دور الزوج الحنون بدافع الشفقة أو لتجنب المساءلة القانونية أمام والدها مراد بك. قالت كارما بنبرة تحولت فجأة إلى جليد قاطع: "الشفقةُ أشدُّ ألماً من الخيانة يا سامر... لا أحتاج إلى زوج يمثل الحب لأن مهلته اقتربت من النهاية." وفي تلك اللحظة الحرجة، انفتح باب المكتب الخارجي، وظهر زياد برفقة اثنين من حراس الأمن الخاصين بالبرج، مدعياً أنه جاء لمتابعة تسريب الملفات بعد تلقيه إشعار إنذار أمني. وقف زياد عند العتبة، ونظر إلى الورقة في يد كارما، ثم رمق سامر بنظرة منتصرة خفية سرعان ما أخفاها وراء ملامح الاستنكار والدهشة. تقدم زياد نحو كارما وقال بنبرة مليئة بالتعاطف المصنوع: "كارما... ماذا يحدث هنا؟ هل أنتِ بخير؟ سيد سامر، ما هذه الأوراق التي تضغط بها على كارما في هذا الوقت المتأخر من الليل؟" التفت سامر نحو زياد وعيناه تشتعلان بغضب حارق، وعرف فوراً أن زياد هو من دبر خرق الخزنة وسرقة هذه الوثيقة تحديداً ليضعها في طريق كارما. خطا سامر نحو زياد بغضب وقال بصوت هادر: "أنت من فعل هذا يا زياد! اقتحمتَ مكتبي وسربتَ هذه المسودة القديمة لتلعب لعبتك الحقيرة!" تدخلت كارما بصرامة وقفت بها بين الرجلين، وتجمعت فيها كل قوة آل القمة. قالت وهي تنظر إلى سامر ببرود قاتل: "يكفي يا سامر... لا ترمِ خطاياك على الآخرين. الأوراق تحمل خطك وتوقيعك، وهذا يكفي بالنسبة لي." طوت كارما وثيقة الطلاق ووضعتها في حقيبتها، ثم التفتت إلى زياد وقالت: "زياد... رافقني إلى السيارة من فضلك." نظر سامر إلى كارما وهي تبتعد عنه، تشيعها نظراته المليئة بالعجز والألم. حاول أن يلحق بها، لكن كارما التفتت عند الباب وقالت دون أن تنظر إليه: "من الغد... يقتصر وجودك في الشركة على الشؤون القانونية العامة فقط. حياتي الشخصية وقراراتي لم تعد من اختصاصك يا سيد سامر." خرجت كارما برفقة زياد، وساد الصمت في الطابق الخمسين المظلم. وقف سامر وحده وسط المكتب المبعثر، يعصر قبضتيه بقوة حتى ابيضّت مفاصله ، مدركاً أن الحائط الأخير الذي كان يحميهما قد انهار، وأن المعركة القادمة لن تكون لحماية الشركة فقط، بل لإعادة بناء الثقة المحطمة قبل أن ينتهي الوقت المتبقي لكارماكانت خطوط المطر الغزير تضرب نوافذ السيارة المتسارعة على الطريق السريع المؤدي إلى العاصمة كسهام زجاجية متتابعة. في المقعد الخلفي، كان سامر يجلس بجمود تام، وعيناه الشاخصتان تعكسان أضواء الشوارع الخافتة والظلام المخيم على أفق المدينة. بين يديه الثقيلتين، كان يمسك بالحقيبة الجلدية السوداء التي تحتوي على كافة التوكيلات الاستثمارية القديمة، وسجلات العقود العقارية لمشروع القمة تاون، والوثائق الحصرية الموقعة من مراد بك قبل مرضه.كانت الساعة في معصمه تشير إلى مرور ثلاث ساعات ونصف على بدء جلسة العلاج الصدمي لكارما في مشفى زيورخ. كان جسده هنا في العاصمة، يتهيأ لخوض معركة قانونية ومالية حاسمة، لكن عقله وروحه كانا هناك... معلقين خلف جدار قاعة العلاج التجريبي، يراغبان يد كارما الباردة ونبضات قلبها المنهك تحت رحمة الأجهزة الدماغية المعقدة.اهتز الهاتف في جيبه، فرفعه فوراً ليجد صوت المحامي نبيل يأتيه من الطرف الآخر مشحوناً بنبرة استنفار حاد وسباق مع الزمن:"سامر! أين أصبحت؟ زياد يسيطر على القاعة الرئيسية بالطابق الخمسين بالكامل! لقد جلب معه كبار الدائنين وأقنعهم بأن المجموعة تتجه نحو الإفلاس الوشيك ب
بعد دقائق مرت كأنها دهور من التطهير العاطفي وإعادة بناء الثقة، استعادت كارما بعض أنفاسها المتقطعة، لكنها لم تبتعد عن حضن سامر؛ كانت تتمسك بمعطفه كأنه طوق النجاة الوحيد لها في هذا العالم الموحش. كانت نبرة صوتها حين تحدثت هذه المرة خالية من كل قسوة وكبرياء، مملوءة بخوف طفولي نقي وعجز إنساني صادق:"سامر... أنا خائفة جداً. أنا أفقد ذاكرتي تدريجياً. بالأمس في اجتماع مجلس الإدارة لم أتعرف على وجوه كبار المستثمرين الذين أتعامل معهم منذ سنوات، وسقط القلم من يدي لأن عقلي توقف عن استيعاب المكان. الطبيب يقول إن الورم يضغط على الشرايين الرئيسية في قاع الدماغ، وإن العلاج التجريبي هنا قد يثبت حجم الورم ويمنع نموه، ولكنه في نفس الوقت قد يسلبني ذكرياتي الأخيرة كلياً بسبب الصدمات الكهربائية... أنا خائفة من أن أصحو في يوم قريب فلا أتعرف عليك، ولا أتذكر حتى اسمي أو حبي لك."مسح سامر دموعها بإبهامه بحنان بالغ وهو ينظر في عمق عينيها بثبات قاطع لا يتزعزع:"إن نسيتِ اسمكِ، سأكون أنا صوتكِ الذي يذكركِ به كل صباح عند شروق الشمس. وإن نسيتِ وجهي، سأحبكِ من جديد كل يوم وأتودد إليكِ وكأننا نلتقي للمرة الأولى في ه
تردد صوت تحطم الكأس الزجاجي في أرجاء الشرفة العالية كصرخة مكتومة شقت سكون الجليد المخيم على بحيرة زيورخ. تناثرت الشظايا البلورية على الأرضية الخشبية المكسوة بطبقة رقيقة من الثلج، لكن كارما لم تتحرك من مكانها أنشاً واحداً. كانت يداها الشاحبتان متجمدتين في الهواء، وعيناها اللتان اتسعتا لفرط الصدمة ترتقبان ذلك الظل القابع تحت شجرة الصنوبر الكثيفة في الأسفل.كانت ندف الثلج المتساقطة تتراكم ببطء على كتفي المعطف الأسود الذي يرتديه ذلك الرجل، لكن ملامحه، ووقفته، والطريقة التي كان يرفض بها الانحناء أمام البرد القارس؛ كل شيء فيه كان يصرخ باسم واحد زلزل أركان روحها المنهكة: سامر.تراجعت كارما إلى الخلف بخطوات غير متزنة، وضغطت بيدها المرتجفتين على صدرها تحاول كبح ضربات قلبها المتسارعة التي هددت بالخروج من بين أضلعها. لم يكن هذا الدوار الذي يعصف بها في هذه اللحظة ناتجاً عن الورم المستقر في قاع دماغها، بل كان نوبة ذهول عارمة شلت تفكيرها كلياً. كيف وصل إلى هنا بهذه السرعة؟ كيف استطاع أن يخترق نظام السرية المحكم الذي فرضته على حركات سفرها؟ والأهم من ذلك كله... لماذا ينحني رجل بكبريائه وكرامته ليتتبع
هبطت الطائرة الخاصة في مطار زيورخ الدولي وسط أجواء سويسرية باردة، حيث كانت ندف الثلج الخفيفة تتساقط على مدارج المطار كغبار أبيض ناعم. خرجت كارما من صالة الكبار وهي تلف جسدها النحيل بمعطفها الأسود الثقيل، تحيط بها هالة من الصمت والجفاء الذي يعكس جليد المدينة.كان في استقبالها طبيب خاص وسائق ينتميان لمشفى ألكسندر المتخصص في جراحة الأعصاب التجريبية. صعدت كارما إلى السيارة السوداء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعيناها الشاخصتان تتطلعان عبر النافذة المظللة إلى جبال الألب المغطاة بالبيوض، بينما كان هاتفها الصغير ينبض بالرسائل الملغاة والمكالمات المتكررة من والدها مراد بك ومكتب الشركة الرئيسي.أغلقت كارما الهاتف كلياً ووضعته في قعر حقيبتها، ثم أخذت نفساً عميقاً متقطعاً وهي تمسح وجهها المجهد. كانت تعلم أن غيابها دون إذن مجلس الإدارة سيعطي فرصة ذهبية للمتربصين بها في العاصمة، لكنها لم تكن تملك خياراً آخر؛ فالطبيب أكد لها في رسالته الشديدة أن نوبات الفقدان المؤقت للذاكرة ستتكرر بشكل أسرع وأقسى إذا لم تبدأ بجلسات المحفزات الدماغية الصدمية فوراً.وصلت السيارة إلى مبنى المشفى الراقي التابع على حافة إحد
كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً حين خيم سكون مريب وثقيل على جناح كارما في الطابق الثاني من قصر آل القمة. لم يكن في الغرفة سوى ضوء خافت ينبعث من مصباح الطاولة الخشبي، يلقي بظلال ممتدة على الجدران المغطاة بالحرير الكحلي.فتحت كارما حقيبتها الجلدية الصغيرة على عجَل ، وكانت يداها المرتجفتان تصدران صوتاً خفيفاً وهي تضع فيها أظرف الملفات الطبية المشفرة، وتذكرة طيران خاصة برحلة شارتر حُجزت باسمها قبل ساعات قليلة، متجهة مباشرة إلى مطار زيورخ في سويسرا.وقفت كارما لثوانٍ أمام المرآة الكبيرة المذهبة في ركن الغرفة. كانت تفاصيل وجهها الشاحب تبدو جلية تحت الضوء الخافت؛ الشحوب يبتلع نضارة بشرتها، والظلال الداكنة تحت عينيها تتسع كخارطة وجع خفي لا يمكن طمسها بمساحيق التجميل بعد الآن. رفعت يدها لتلمس وجنتها المجهدة، وسقطت من عينها دمعة حارقة وفرت رغماً عن كبريائها المتصلب.تمتمت بنبرة خافتة تحنقت في حلقها:"سيكون كل شيء أسهل بدون وجودي... سيتفرغ والدي لإدارة الشركة بعيداً عن أزمتي، وسيعود سامر إلى حياته البسيطة في قرية النخيل دون أن ينحني تحت عبء زوجة تموت بالتقسيط كل يوم."أغلقت الحقيبة ببطء، وسحب
مرت الساعات الأولى من صباح اليوم التالي على قصر آل القمة ثقيلة كأنها دهور. لم تشرق الشمس بضوئها المعتاد، بل تلفحت بستائر من الضباب الرمادي الذي غشى جدران القصر الرخامية.في الطابق الثاني، كان سامر يقف أمام نافذة ممر جناحيهما الفاصل، يرتدي بدلته الرسمية الداكنة، وعيناه المحاطتان بسواد الإرهاق ترتقبان خروج كارما. لم ينم دقيقة واحدة؛ كانت كلماتها في الطابق الخمسين: الشفقة أشد ألماً من الخيانة تدور في رأسه كسكين تثرم روحه بلا رحمة.انفتح باب جناح كارما ببطء. خرجت ترتدي طقماً رسمياً باللون الكحلي الداكن، بشعر مشدود إلى الخلف وزينة خفيفة لم تفلح في إخفاء الشحوب المفاجئ الذي يعلو بشرتها.خطا سامر نحوها بلهفة مكتومة، وقال بصوت خفيض بحت فيه النبرة:"كارما... صباح الخير. دعيني أرافقك إلى الشركة اليوم، نحتاج إلى..."قطعت كلامه دون أن تنظر في عينيه، متجاوزة إياه ببرود قاتل أشد قسوة من أي صراخ.قالت وهي تواصل سيرها نحو الدرج الرئيسي:"سائقي الخاص بانتظاري في الأسفل. ومن اليوم يا سيد سامر، ملفاتي ومواعيدي الشخصية أصبحت تحت إشراف مكتبي الخاص فقط. لا داعي لتمثيل دور الزوج الحريص بعد الآن."وقف سامر و







