Home / الرومانسية / زواج ثلاث أشهر فقط / الفصل السابع: أوراق تحت رماد الصمت

Share

الفصل السابع: أوراق تحت رماد الصمت

last update publish date: 2026-10-13 00:33:54

عادت حافلات ومواكب عائلة القمة إلى العاصمة تحت زخات مطر خفيفة، لكن الجو داخل المقر الرئيسي للشركة كان أكثر سخونة من أي وقت مضى. انتشرت شائعات خاطفة عن حادثة المنتجع الجبلي، لكن حنكة سامر القانونية وسرعة تحركه منعا وسائل الإعلام من تداول أي تفاصيل تضر بأسهم المجموعة، واكتفت الصحافة بنشر خبر رسمي مفاده أن العائلة أنهت جولة صيد ناجحة برفقة المستثمر القادم من لندن.

في الطابق الخمسين، داخل المكتب الزجاجي الفاخر لكارما، كانت الخيوط تتشابك بسرعة. وقفت كارما أمام النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف، تتطلع إلى أبراج المدينة الضبابية. ورغم أن جسدها يبدو متماسكاً أمام الموظفين، إلا أن الفحوصات الطبية الأخيرة التي وصلتها عبر بريد مشفر من طبيبها الخاص كانت تؤكد أن الورم يتقدم بخطوات بطيئة ولكن ثابتة.

انفتح الباب الخشبي الثقيل، ودخل سامر يحمل ملفاً أزرق ضخماً. ارتدى بدلاته الرسمية المعتادة، لكن عينيه كانتا تتفقدان وجه كارما قبل أن تنظرا إلى الأوراق.

قال سامر بنبرة هادئة وموزونة:

"كارما... أنهيتُ كل الأمور المتعلقة بتقرير شرطة المنتجع. تم إغلاق القضية رسمياً ضد مجهول بناءً على رغبة والدك لتفادي الشوشرة، لكنني أبقيتُ التحقيق الخاص مفتوحاً تحت إشرافي الشخصي."

التفتت كارما إليه، ونظرت في عينيه بتركيز غريب ثم قالت:

"سامر... لماذا لم تترك الأمر لوالدي؟ أنت تخاطر بصنع عداء مباشر مع زياد، وزياد ليس مجرد مستثمر، بل يمتلك علاقات واسعة في السوق قد تضر بمستقبلك المهني إذا قررتَ مغادرة الشركة."

اقترب سامر بخطوات ثابتة حتى وقف على بعد خطوة واحدة منها. نظر إليها بثبات وقال بصوت دافئ:

"مستقبلي المهني لا يعني شيئاً إذا لم أستطع حمايتكِ. زياد يلعب لعبة خطرة يا كارما، وهو لا يستهدف أسهم الشركة فقط، بل يحاول بناء جدار بينكِ وبيني."

صمتت كارما، وشعرت بقلبها ينبض بسرعة. كانت تتساءل في سرها: هل هذا اهتمام زوج يخشى فقدان زوجته؟ أم أنه التزام مستشار قانوني يؤدي واجبه حتى آخر يوم في المهلة؟

في تلك الأثناء، كان زياد يجلس في المكتب المجاور الذي تم تخصيصه له بصفته الشريك الجديد. كان يحتسي قهوته السوداء، وأمامه أحد المحامين الكبار في العاصمة الذي يعمل لصالح صندوقه الاستثماري في خفاء.

قال المحامي بنبرة خفيضة:

"سيد زياد... سامر مستشار قانوني حذر جداً. كل العقود الصادرة من مجموعة القمة محصنة بالكامل، ولا يمكننا سحب الأسهم أو التأثير على مجلس الإدارة طالما أنه يراجع كل ورقة بنفسه."

ابتسم زياد ابتسامة باردة، وهز رأسه ببطء وقال:

"القلاع القوية لا تُقتحم من الخارج يا عزيزي... بل تُهدم من الداخل. نقطة ضعف سامر الوحيدة هي كبرياء كارما. إذا استطعنا كسر الثقة بينهما، ستطرده كارما من حياتها ومن الشركة بنفسها، وعندها ستنهار دفاعاتها."

أخرج زياد من درج مكتبه وثيقة سربها له أحد الموظفين المرتشين في الشؤون القانونية، تظهر أن سامر كان يستفسر قبل أسابيع عن إجراءات الطلاق السرية وتوزيع الممتلكات.

قال زياد بنبرة خبيثة:

"سامر كان يجهز لطلب الطلاق قبل أن تسوء حالة كارما الصحية... سأضمن أن تصل هذه الوثيقة إلى يدي كارما في الوقت المناسب تماماً، لتعتقد أن كل اهتمامه الحالي بها ليس سوى تمثيلية رخيصة."

في مساء ذلك اليوم، دعت كارما سامر لتناول العشاء في مطعم هادئ يطل على نهر العاصمة، مطعم لم يزوراه منذ أيام خطبتهما الأولى. كانت الأجواء هادئة، والموسيقى الكلاسيكية تنساب بين الطاولات.

كانت كارما ترتدي فستاناً أسود أنيقاً، وتحاول إخفاء شحوبها بلمسات خفيفة من الزينة.

قالت وهي تنظر إلى سامر عبر الطاولة:

"تذكرت هذا المكان يا سامر... أول مرة جلسنا هنا، كنت تتحدث بشغف عن أحلامك في فتح مكتب قانوني مستقل يدافع عن المظلومين في قريتك، قبل أن تسحبك عائلتي إلى دوامة صراعاتها المالية."

ابتسم سامر ابتسامة هادئة يملؤها الحنين:

"كنتُ أظن أن القانون مجرد نصوص وجداول... لكنني تعلمت معكِ أن القوة الحقيقية هي في حماية من تحب من الظلم، حتى لو كان الظلم قادماً من أقرب الناس إليه."

نظرت كارما إلى يد سامر الموضوعة على الطاولة، ومدت يدها ببطء لتلمس أصابعه. لأول مرة، لم تكن هناك حواجز زجاجية بينهما، بل كانت هناك مشاعر حقيقية تنمو تحت رماد السنوات الجافة.

لكن لحظة الصفاء لم تدم طويلاً؛ أضاء هاتف سامر برسالة تنبيه عاجلة من نظام الأمان الخاص بمكتبه في الشركة. إشعار محاولة فتح الخزنة السرية للمستندات الشخصية في غير أوقات العمل!

تغيرت ملامح سامر فوراً، وانقبضت حدقتا عينيه بحزم.

لاحظت كارما ذلك وقالت بقلق:

"ماذا حدث يا سامر؟"

وقف سامر وسحب سترته بسرعة وقال بجدية:

"هناك خرق أمني في مكتب الشؤون القانونية بالشركة... يجب أن أذهب فوراً."

أصرت كارما على الذهاب معه. وعندما وصلا إلى برج الشركة المظلم إلا من أضواء الطوارئ، صعدا إلى الطابق الخمسين بخطوات سريعة.

فتح سامر باب مكتبه، ليجد باب الخزنة السرية موارباً، وعلى الطاولة كانت هناك أوراق مبعثرة، ومن بينها الملف الذي يحتوي على المسودة القديمة لوثيقة الطلاق!

وقفت كارما عند الباب، ووقع نظرها فوراً على الورقة المطبوعة بالخط العريض، والتي تحمل توقيع سامر المبدئي في أسفلها!

انقطعت أنفاس كارما، وتجمدت الدماء في عروقها، بينما التفت سامر بذهول ليجد زوجته تقف خلفه وعيناها تتسعان بانتفاضة صدمة قاطعة!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زواج ثلاث أشهر فقط    الفصل الرابع عشر: معركة الطابق الخمسين

    كانت خطوط المطر الغزير تضرب نوافذ السيارة المتسارعة على الطريق السريع المؤدي إلى العاصمة كسهام زجاجية متتابعة. في المقعد الخلفي، كان سامر يجلس بجمود تام، وعيناه الشاخصتان تعكسان أضواء الشوارع الخافتة والظلام المخيم على أفق المدينة. بين يديه الثقيلتين، كان يمسك بالحقيبة الجلدية السوداء التي تحتوي على كافة التوكيلات الاستثمارية القديمة، وسجلات العقود العقارية لمشروع القمة تاون، والوثائق الحصرية الموقعة من مراد بك قبل مرضه.كانت الساعة في معصمه تشير إلى مرور ثلاث ساعات ونصف على بدء جلسة العلاج الصدمي لكارما في مشفى زيورخ. كان جسده هنا في العاصمة، يتهيأ لخوض معركة قانونية ومالية حاسمة، لكن عقله وروحه كانا هناك... معلقين خلف جدار قاعة العلاج التجريبي، يراغبان يد كارما الباردة ونبضات قلبها المنهك تحت رحمة الأجهزة الدماغية المعقدة.اهتز الهاتف في جيبه، فرفعه فوراً ليجد صوت المحامي نبيل يأتيه من الطرف الآخر مشحوناً بنبرة استنفار حاد وسباق مع الزمن:"سامر! أين أصبحت؟ زياد يسيطر على القاعة الرئيسية بالطابق الخمسين بالكامل! لقد جلب معه كبار الدائنين وأقنعهم بأن المجموعة تتجه نحو الإفلاس الوشيك ب

  • زواج ثلاث أشهر فقط    الفصل الثالث عشر: صدمة الذاكرة ومؤامرة العاصمة

    بعد دقائق مرت كأنها دهور من التطهير العاطفي وإعادة بناء الثقة، استعادت كارما بعض أنفاسها المتقطعة، لكنها لم تبتعد عن حضن سامر؛ كانت تتمسك بمعطفه كأنه طوق النجاة الوحيد لها في هذا العالم الموحش. كانت نبرة صوتها حين تحدثت هذه المرة خالية من كل قسوة وكبرياء، مملوءة بخوف طفولي نقي وعجز إنساني صادق:"سامر... أنا خائفة جداً. أنا أفقد ذاكرتي تدريجياً. بالأمس في اجتماع مجلس الإدارة لم أتعرف على وجوه كبار المستثمرين الذين أتعامل معهم منذ سنوات، وسقط القلم من يدي لأن عقلي توقف عن استيعاب المكان. الطبيب يقول إن الورم يضغط على الشرايين الرئيسية في قاع الدماغ، وإن العلاج التجريبي هنا قد يثبت حجم الورم ويمنع نموه، ولكنه في نفس الوقت قد يسلبني ذكرياتي الأخيرة كلياً بسبب الصدمات الكهربائية... أنا خائفة من أن أصحو في يوم قريب فلا أتعرف عليك، ولا أتذكر حتى اسمي أو حبي لك."مسح سامر دموعها بإبهامه بحنان بالغ وهو ينظر في عمق عينيها بثبات قاطع لا يتزعزع:"إن نسيتِ اسمكِ، سأكون أنا صوتكِ الذي يذكركِ به كل صباح عند شروق الشمس. وإن نسيتِ وجهي، سأحبكِ من جديد كل يوم وأتودد إليكِ وكأننا نلتقي للمرة الأولى في ه

  • زواج ثلاث أشهر فقط    الفصل الثاني عشر: انكسار الزجاج بين ثلوج زيورخ

    تردد صوت تحطم الكأس الزجاجي في أرجاء الشرفة العالية كصرخة مكتومة شقت سكون الجليد المخيم على بحيرة زيورخ. تناثرت الشظايا البلورية على الأرضية الخشبية المكسوة بطبقة رقيقة من الثلج، لكن كارما لم تتحرك من مكانها أنشاً واحداً. كانت يداها الشاحبتان متجمدتين في الهواء، وعيناها اللتان اتسعتا لفرط الصدمة ترتقبان ذلك الظل القابع تحت شجرة الصنوبر الكثيفة في الأسفل.كانت ندف الثلج المتساقطة تتراكم ببطء على كتفي المعطف الأسود الذي يرتديه ذلك الرجل، لكن ملامحه، ووقفته، والطريقة التي كان يرفض بها الانحناء أمام البرد القارس؛ كل شيء فيه كان يصرخ باسم واحد زلزل أركان روحها المنهكة: سامر.تراجعت كارما إلى الخلف بخطوات غير متزنة، وضغطت بيدها المرتجفتين على صدرها تحاول كبح ضربات قلبها المتسارعة التي هددت بالخروج من بين أضلعها. لم يكن هذا الدوار الذي يعصف بها في هذه اللحظة ناتجاً عن الورم المستقر في قاع دماغها، بل كان نوبة ذهول عارمة شلت تفكيرها كلياً. كيف وصل إلى هنا بهذه السرعة؟ كيف استطاع أن يخترق نظام السرية المحكم الذي فرضته على حركات سفرها؟ والأهم من ذلك كله... لماذا ينحني رجل بكبريائه وكرامته ليتتبع

  • زواج ثلاث أشهر فقط    الفصل الحادي عشر: ظلال فوق ثلوج زيورخ

    هبطت الطائرة الخاصة في مطار زيورخ الدولي وسط أجواء سويسرية باردة، حيث كانت ندف الثلج الخفيفة تتساقط على مدارج المطار كغبار أبيض ناعم. خرجت كارما من صالة الكبار وهي تلف جسدها النحيل بمعطفها الأسود الثقيل، تحيط بها هالة من الصمت والجفاء الذي يعكس جليد المدينة.كان في استقبالها طبيب خاص وسائق ينتميان لمشفى ألكسندر المتخصص في جراحة الأعصاب التجريبية. صعدت كارما إلى السيارة السوداء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعيناها الشاخصتان تتطلعان عبر النافذة المظللة إلى جبال الألب المغطاة بالبيوض، بينما كان هاتفها الصغير ينبض بالرسائل الملغاة والمكالمات المتكررة من والدها مراد بك ومكتب الشركة الرئيسي.أغلقت كارما الهاتف كلياً ووضعته في قعر حقيبتها، ثم أخذت نفساً عميقاً متقطعاً وهي تمسح وجهها المجهد. كانت تعلم أن غيابها دون إذن مجلس الإدارة سيعطي فرصة ذهبية للمتربصين بها في العاصمة، لكنها لم تكن تملك خياراً آخر؛ فالطبيب أكد لها في رسالته الشديدة أن نوبات الفقدان المؤقت للذاكرة ستتكرر بشكل أسرع وأقسى إذا لم تبدأ بجلسات المحفزات الدماغية الصدمية فوراً.وصلت السيارة إلى مبنى المشفى الراقي التابع على حافة إحد

  • زواج ثلاث أشهر فقط    الفصل العاشر: تذكرة إلى الغياب

    كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً حين خيم سكون مريب وثقيل على جناح كارما في الطابق الثاني من قصر آل القمة. لم يكن في الغرفة سوى ضوء خافت ينبعث من مصباح الطاولة الخشبي، يلقي بظلال ممتدة على الجدران المغطاة بالحرير الكحلي.فتحت كارما حقيبتها الجلدية الصغيرة على عجَل ، وكانت يداها المرتجفتان تصدران صوتاً خفيفاً وهي تضع فيها أظرف الملفات الطبية المشفرة، وتذكرة طيران خاصة برحلة شارتر حُجزت باسمها قبل ساعات قليلة، متجهة مباشرة إلى مطار زيورخ في سويسرا.وقفت كارما لثوانٍ أمام المرآة الكبيرة المذهبة في ركن الغرفة. كانت تفاصيل وجهها الشاحب تبدو جلية تحت الضوء الخافت؛ الشحوب يبتلع نضارة بشرتها، والظلال الداكنة تحت عينيها تتسع كخارطة وجع خفي لا يمكن طمسها بمساحيق التجميل بعد الآن. رفعت يدها لتلمس وجنتها المجهدة، وسقطت من عينها دمعة حارقة وفرت رغماً عن كبريائها المتصلب.تمتمت بنبرة خافتة تحنقت في حلقها:"سيكون كل شيء أسهل بدون وجودي... سيتفرغ والدي لإدارة الشركة بعيداً عن أزمتي، وسيعود سامر إلى حياته البسيطة في قرية النخيل دون أن ينحني تحت عبء زوجة تموت بالتقسيط كل يوم."أغلقت الحقيبة ببطء، وسحب

  • زواج ثلاث أشهر فقط    الفصل التاسع: جدار الجليد والأثر الغائب

    مرت الساعات الأولى من صباح اليوم التالي على قصر آل القمة ثقيلة كأنها دهور. لم تشرق الشمس بضوئها المعتاد، بل تلفحت بستائر من الضباب الرمادي الذي غشى جدران القصر الرخامية.في الطابق الثاني، كان سامر يقف أمام نافذة ممر جناحيهما الفاصل، يرتدي بدلته الرسمية الداكنة، وعيناه المحاطتان بسواد الإرهاق ترتقبان خروج كارما. لم ينم دقيقة واحدة؛ كانت كلماتها في الطابق الخمسين: الشفقة أشد ألماً من الخيانة تدور في رأسه كسكين تثرم روحه بلا رحمة.انفتح باب جناح كارما ببطء. خرجت ترتدي طقماً رسمياً باللون الكحلي الداكن، بشعر مشدود إلى الخلف وزينة خفيفة لم تفلح في إخفاء الشحوب المفاجئ الذي يعلو بشرتها.خطا سامر نحوها بلهفة مكتومة، وقال بصوت خفيض بحت فيه النبرة:"كارما... صباح الخير. دعيني أرافقك إلى الشركة اليوم، نحتاج إلى..."قطعت كلامه دون أن تنظر في عينيه، متجاوزة إياه ببرود قاتل أشد قسوة من أي صراخ.قالت وهي تواصل سيرها نحو الدرج الرئيسي:"سائقي الخاص بانتظاري في الأسفل. ومن اليوم يا سيد سامر، ملفاتي ومواعيدي الشخصية أصبحت تحت إشراف مكتبي الخاص فقط. لا داعي لتمثيل دور الزوج الحريص بعد الآن."وقف سامر و

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status