LOGINمرت الساعات الأولى من صباح اليوم التالي على قصر آل القمة ثقيلة كأنها دهور. لم تشرق الشمس بضوئها المعتاد، بل تلفحت بستائر من الضباب الرمادي الذي غشى جدران القصر الرخامية.
في الطابق الثاني، كان سامر يقف أمام نافذة ممر جناحيهما الفاصل، يرتدي بدلته الرسمية الداكنة، وعيناه المحاطتان بسواد الإرهاق ترتقبان خروج كارما. لم ينم دقيقة واحدة؛ كانت كلماتها في الطابق الخمسين: الشفقة أشد ألماً من الخيانة تدور في رأسه كسكين تثرم روحه بلا رحمة. انفتح باب جناح كارما ببطء. خرجت ترتدي طقماً رسمياً باللون الكحلي الداكن، بشعر مشدود إلى الخلف وزينة خفيفة لم تفلح في إخفاء الشحوب المفاجئ الذي يعلو بشرتها. خطا سامر نحوها بلهفة مكتومة، وقال بصوت خفيض بحت فيه النبرة: "كارما... صباح الخير. دعيني أرافقك إلى الشركة اليوم، نحتاج إلى..." قطعت كلامه دون أن تنظر في عينيه، متجاوزة إياه ببرود قاتل أشد قسوة من أي صراخ. قالت وهي تواصل سيرها نحو الدرج الرئيسي: "سائقي الخاص بانتظاري في الأسفل. ومن اليوم يا سيد سامر، ملفاتي ومواعيدي الشخصية أصبحت تحت إشراف مكتبي الخاص فقط. لا داعي لتمثيل دور الزوج الحريص بعد الآن." وقف سامر وتجمّدت خطواتُه ، يراقب أثر عطرها الهادئ وهو يتلاشى في الممر المظلم. يعلم في قرارة نفسه أن مهلة التسعين يوماً تنقضي منها الساعات سراعاً، وأن الجدار الذي بنته بينهما الآن سينهيها قبل أن يقتلها المرض إذا لم يفعل شيئاً. في مقر مجموعة القمة الاستثمارية، كان الطابق الخمسين يعيش حالة من الاستنفار الهادئ. نقل سامر رسمياً للتعامل مع الشؤون العقارية والقضايا الروتينية للشركة، وتركت الملفات الرئيسية بين يدي زياد، الذي استغل الشرخ الحاصل فوراً ليفرض وجوده كمستشار استراتيجي مقرب من كارما. في منتصف النهار، عقدت كارما اجتماعاً مغلقاً مع كبار المستثمرين لمناقشة مشروع التوسعة في منتجع جبل النسر. كانت تجلس على رأس الطاولة الكبيرة، تملي شروطها بنبرة حادة وصارمة تحاول بها إثبات قوتها أمام الجميع. وفجأة... ساد الصمت في رأسها. انقطع الصوت من حولها تماماً، وبدأت أضواء القاعة الكريستالية تتداخل وتتلاشى في بقع بيضاء ساطعة. شعرت كارما ببرودة مفاجئة تسري في أطرافها، والورقة التي كانت تمسكها بيدها بدأت ترتجف بعنف. غشيتها نوبة الفقدان المؤقت للتركيز؛ نظرت إلى وجوه أعضاء مجلس الإدارة الجالسين حولها، لكنها لم تعد تتذكر أسماءهم ولا موضوع الاجتماع، بل شعرت وكأنها تقف في مكان مجهول بالغ الغرابة. سقط القلم من يدها ليرتطم بالأرض الخشبية بصوت مدو. استدار زياد الجالس عن يمينها بنظرة قلقة، وقال بصوت خفيض: "كارما؟ هل أنت بخير؟ وجهك أبيض كالثلج..." حاولت كارما أن تتنفس، لكن الهواء استعصى على رئتيها. وقفت بسرعة لتهرب من نظرات الحاضرين، وتمتمت بنبرة غير متزنة: "الاجتماع... يؤجل لساعة. أحتاج لبعض الهواء." خرجت كارما مسرعة من القاعة وهي تتعثر بفرط الدوار، توجهت نحو الممر الخلفي المؤدي إلى شرفتها الخاصة بالشركة، بعيداً عن أعين الموظفين. في تلك اللحظات، كان سامر يقف عند نهاية الممر يحمل بضعة ملفات، ورأى طريقة مشيها المضطربة. لم يتردد لثانية؛ ألقى الملفات جانباً وركض نحوها بخطوات متسارعة فور أن رأى ركبتيها تتداعيان تحتها كأنها ستسقط على الأرض. وصل إليها في اللحظة الأخيرة، وأمسك بها بين ذراعيه قبل أن ترتطم بالبلاط الرخامي. سقطت كارما بين يديه، رأسها مستند إلى صدره، وكانت تتنفس بصعوبة وعيناها تتطلعان فيه بذهول وضبابية. قال سامر بهلع حقيقي، وهو يشدها إليه ويرفع وجهها بيدين ترتجفان: "كارما! كارما افهميني... اسمعي صوتي! كارما!" بدأت الرؤية تعود إليها تدريجياً، وحين ميزت ملامح سامر القريبة جداً، ويديه اللتين تحتضنانها بحنان وخوف صادق، شعرت بغصة طاحنة في حلقها. لثوان معدودة، أرادت أن ترتمي في صدره وتبكي، أن تخبره بأنها خائفة من الموت ومن هذا الظلام الذي يبتلعها... لكن صورة مسودة الطلاق قفزت أمام عينيها كالجدار الصلب. استجمعت كارما بقايا قوتها، ودفعته بعيداً عنها بقمة كبرياء، واستندت على الجدار خلفها وهي تتنفس بجهد. قالت بصوت متقطع حاد: "لا تلمسني... قلت لك لا تلمسني!" وقف سامر أمامها وعيناه تدمعان عجزاً: "أنت لست بخير يا كارما! هذا التدهور ليس طبيعياً... ينبغي أن نذهب إلى المشفى فوراً!" ردت كارما وهي ترمقه بنظرة كبرياء جريح يقطر ألماً: "جسدي ومرضي ليسا من شأنك... لا تحتاج لتمثيل الخوف علي مجدداً لتبارك ضميرك يا مستشار." وفي تلك اللحظة، اهتز هاتف كارما في حقيبتها بنغمة طوارئ خاصة ومشفرة. سحبت الهاتف بيد مرتجفة، لتجد رسالة إلكترونية سرية عاجلة من البروفيسور الكسندر كاهن، كبير أطباء الأعصاب في مشفى زيورخ بسويسرا: سيدة كارما، أظهرت التحاليل الأخيرة تسارعاً خطيراً في وضع الورم. يجب أن تتواجدي في زيورخ خلال 48 ساعة للبدء بالعلاج التجريبي الصدمي، وإلا لن نتمكن من السيطرة على فقدان الذاكرة الدائم. السفر يجب أن يكون سرياً للغاية. حدقت كارما في شاشة الهاتف، ثم رفعت عينيها نحو سامر. كانت نظرتها هذه المرة خالية من الغضب، مملوءة بوداع عميق ومظلم لم يفهمه سامر في حينه. أغلقت الهاتف، ومشت بخطوات ثابتة متجاوزة إياه، بعد أن اتخذت قرارها الأخير: السفر وحدها إلى سويسرا ليلاً، والتلاشي من حياته وحياة عائلتها للأبد دون أن يدرك أحد مكانها. وقف سامر يراقب أثر ابتعادها أو خطواتها المبتعدة، لكن حسه القانوني وشكوكه الحذرة جهزت فيه إنذاراً حاداً؛ كان يعلم أن هناك شيئاً كبيراً يحاك في الخفاء، وأن كارما تخطط لشيء قد يغير مجرى القصة بالكامل.كانت خطوط المطر الغزير تضرب نوافذ السيارة المتسارعة على الطريق السريع المؤدي إلى العاصمة كسهام زجاجية متتابعة. في المقعد الخلفي، كان سامر يجلس بجمود تام، وعيناه الشاخصتان تعكسان أضواء الشوارع الخافتة والظلام المخيم على أفق المدينة. بين يديه الثقيلتين، كان يمسك بالحقيبة الجلدية السوداء التي تحتوي على كافة التوكيلات الاستثمارية القديمة، وسجلات العقود العقارية لمشروع القمة تاون، والوثائق الحصرية الموقعة من مراد بك قبل مرضه.كانت الساعة في معصمه تشير إلى مرور ثلاث ساعات ونصف على بدء جلسة العلاج الصدمي لكارما في مشفى زيورخ. كان جسده هنا في العاصمة، يتهيأ لخوض معركة قانونية ومالية حاسمة، لكن عقله وروحه كانا هناك... معلقين خلف جدار قاعة العلاج التجريبي، يراغبان يد كارما الباردة ونبضات قلبها المنهك تحت رحمة الأجهزة الدماغية المعقدة.اهتز الهاتف في جيبه، فرفعه فوراً ليجد صوت المحامي نبيل يأتيه من الطرف الآخر مشحوناً بنبرة استنفار حاد وسباق مع الزمن:"سامر! أين أصبحت؟ زياد يسيطر على القاعة الرئيسية بالطابق الخمسين بالكامل! لقد جلب معه كبار الدائنين وأقنعهم بأن المجموعة تتجه نحو الإفلاس الوشيك ب
بعد دقائق مرت كأنها دهور من التطهير العاطفي وإعادة بناء الثقة، استعادت كارما بعض أنفاسها المتقطعة، لكنها لم تبتعد عن حضن سامر؛ كانت تتمسك بمعطفه كأنه طوق النجاة الوحيد لها في هذا العالم الموحش. كانت نبرة صوتها حين تحدثت هذه المرة خالية من كل قسوة وكبرياء، مملوءة بخوف طفولي نقي وعجز إنساني صادق:"سامر... أنا خائفة جداً. أنا أفقد ذاكرتي تدريجياً. بالأمس في اجتماع مجلس الإدارة لم أتعرف على وجوه كبار المستثمرين الذين أتعامل معهم منذ سنوات، وسقط القلم من يدي لأن عقلي توقف عن استيعاب المكان. الطبيب يقول إن الورم يضغط على الشرايين الرئيسية في قاع الدماغ، وإن العلاج التجريبي هنا قد يثبت حجم الورم ويمنع نموه، ولكنه في نفس الوقت قد يسلبني ذكرياتي الأخيرة كلياً بسبب الصدمات الكهربائية... أنا خائفة من أن أصحو في يوم قريب فلا أتعرف عليك، ولا أتذكر حتى اسمي أو حبي لك."مسح سامر دموعها بإبهامه بحنان بالغ وهو ينظر في عمق عينيها بثبات قاطع لا يتزعزع:"إن نسيتِ اسمكِ، سأكون أنا صوتكِ الذي يذكركِ به كل صباح عند شروق الشمس. وإن نسيتِ وجهي، سأحبكِ من جديد كل يوم وأتودد إليكِ وكأننا نلتقي للمرة الأولى في ه
تردد صوت تحطم الكأس الزجاجي في أرجاء الشرفة العالية كصرخة مكتومة شقت سكون الجليد المخيم على بحيرة زيورخ. تناثرت الشظايا البلورية على الأرضية الخشبية المكسوة بطبقة رقيقة من الثلج، لكن كارما لم تتحرك من مكانها أنشاً واحداً. كانت يداها الشاحبتان متجمدتين في الهواء، وعيناها اللتان اتسعتا لفرط الصدمة ترتقبان ذلك الظل القابع تحت شجرة الصنوبر الكثيفة في الأسفل.كانت ندف الثلج المتساقطة تتراكم ببطء على كتفي المعطف الأسود الذي يرتديه ذلك الرجل، لكن ملامحه، ووقفته، والطريقة التي كان يرفض بها الانحناء أمام البرد القارس؛ كل شيء فيه كان يصرخ باسم واحد زلزل أركان روحها المنهكة: سامر.تراجعت كارما إلى الخلف بخطوات غير متزنة، وضغطت بيدها المرتجفتين على صدرها تحاول كبح ضربات قلبها المتسارعة التي هددت بالخروج من بين أضلعها. لم يكن هذا الدوار الذي يعصف بها في هذه اللحظة ناتجاً عن الورم المستقر في قاع دماغها، بل كان نوبة ذهول عارمة شلت تفكيرها كلياً. كيف وصل إلى هنا بهذه السرعة؟ كيف استطاع أن يخترق نظام السرية المحكم الذي فرضته على حركات سفرها؟ والأهم من ذلك كله... لماذا ينحني رجل بكبريائه وكرامته ليتتبع
هبطت الطائرة الخاصة في مطار زيورخ الدولي وسط أجواء سويسرية باردة، حيث كانت ندف الثلج الخفيفة تتساقط على مدارج المطار كغبار أبيض ناعم. خرجت كارما من صالة الكبار وهي تلف جسدها النحيل بمعطفها الأسود الثقيل، تحيط بها هالة من الصمت والجفاء الذي يعكس جليد المدينة.كان في استقبالها طبيب خاص وسائق ينتميان لمشفى ألكسندر المتخصص في جراحة الأعصاب التجريبية. صعدت كارما إلى السيارة السوداء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعيناها الشاخصتان تتطلعان عبر النافذة المظللة إلى جبال الألب المغطاة بالبيوض، بينما كان هاتفها الصغير ينبض بالرسائل الملغاة والمكالمات المتكررة من والدها مراد بك ومكتب الشركة الرئيسي.أغلقت كارما الهاتف كلياً ووضعته في قعر حقيبتها، ثم أخذت نفساً عميقاً متقطعاً وهي تمسح وجهها المجهد. كانت تعلم أن غيابها دون إذن مجلس الإدارة سيعطي فرصة ذهبية للمتربصين بها في العاصمة، لكنها لم تكن تملك خياراً آخر؛ فالطبيب أكد لها في رسالته الشديدة أن نوبات الفقدان المؤقت للذاكرة ستتكرر بشكل أسرع وأقسى إذا لم تبدأ بجلسات المحفزات الدماغية الصدمية فوراً.وصلت السيارة إلى مبنى المشفى الراقي التابع على حافة إحد
كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً حين خيم سكون مريب وثقيل على جناح كارما في الطابق الثاني من قصر آل القمة. لم يكن في الغرفة سوى ضوء خافت ينبعث من مصباح الطاولة الخشبي، يلقي بظلال ممتدة على الجدران المغطاة بالحرير الكحلي.فتحت كارما حقيبتها الجلدية الصغيرة على عجَل ، وكانت يداها المرتجفتان تصدران صوتاً خفيفاً وهي تضع فيها أظرف الملفات الطبية المشفرة، وتذكرة طيران خاصة برحلة شارتر حُجزت باسمها قبل ساعات قليلة، متجهة مباشرة إلى مطار زيورخ في سويسرا.وقفت كارما لثوانٍ أمام المرآة الكبيرة المذهبة في ركن الغرفة. كانت تفاصيل وجهها الشاحب تبدو جلية تحت الضوء الخافت؛ الشحوب يبتلع نضارة بشرتها، والظلال الداكنة تحت عينيها تتسع كخارطة وجع خفي لا يمكن طمسها بمساحيق التجميل بعد الآن. رفعت يدها لتلمس وجنتها المجهدة، وسقطت من عينها دمعة حارقة وفرت رغماً عن كبريائها المتصلب.تمتمت بنبرة خافتة تحنقت في حلقها:"سيكون كل شيء أسهل بدون وجودي... سيتفرغ والدي لإدارة الشركة بعيداً عن أزمتي، وسيعود سامر إلى حياته البسيطة في قرية النخيل دون أن ينحني تحت عبء زوجة تموت بالتقسيط كل يوم."أغلقت الحقيبة ببطء، وسحب
مرت الساعات الأولى من صباح اليوم التالي على قصر آل القمة ثقيلة كأنها دهور. لم تشرق الشمس بضوئها المعتاد، بل تلفحت بستائر من الضباب الرمادي الذي غشى جدران القصر الرخامية.في الطابق الثاني، كان سامر يقف أمام نافذة ممر جناحيهما الفاصل، يرتدي بدلته الرسمية الداكنة، وعيناه المحاطتان بسواد الإرهاق ترتقبان خروج كارما. لم ينم دقيقة واحدة؛ كانت كلماتها في الطابق الخمسين: الشفقة أشد ألماً من الخيانة تدور في رأسه كسكين تثرم روحه بلا رحمة.انفتح باب جناح كارما ببطء. خرجت ترتدي طقماً رسمياً باللون الكحلي الداكن، بشعر مشدود إلى الخلف وزينة خفيفة لم تفلح في إخفاء الشحوب المفاجئ الذي يعلو بشرتها.خطا سامر نحوها بلهفة مكتومة، وقال بصوت خفيض بحت فيه النبرة:"كارما... صباح الخير. دعيني أرافقك إلى الشركة اليوم، نحتاج إلى..."قطعت كلامه دون أن تنظر في عينيه، متجاوزة إياه ببرود قاتل أشد قسوة من أي صراخ.قالت وهي تواصل سيرها نحو الدرج الرئيسي:"سائقي الخاص بانتظاري في الأسفل. ومن اليوم يا سيد سامر، ملفاتي ومواعيدي الشخصية أصبحت تحت إشراف مكتبي الخاص فقط. لا داعي لتمثيل دور الزوج الحريص بعد الآن."وقف سامر و







