Mag-log inتجمّدت أصابع سامر داخل جيب كتفه، يعتصر المظروف الأبيض حتى كاد يمزقه. في تلك اللحظة، توقفت عقارب الساعة في عقله.
ثلاثة أشهر؟ ردد الكلمة في سرّه، والذهول يفتك بدماغه. إذا طلقها الآن، ستسحقه عائلة القمة وتدمر مستقبله ومستقبل عائلته قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. أما إذا انتظر ثلاثة أشهر فقط... فستنتهي الكابوس طبيعياً، وسينجو بحريته ورأسه مرفوع دون صراع قانوني واحد! في ثانية واحدة، انقلبت ملامح الخوف في وجهه إلى قناع محبوك من الصدمة والألم التصنّع. سحب يده من جيبه فارغة، وخطا خطوتين نحوها، وصوته يرتجف ببراعة: "ثلاثة أشهر؟! كارما... ما هذا الكلام؟ أي مستشفى؟ وأي أطباء هؤلاء الأغبياء الذين يتحدثون عن موتكِ؟!" لم تبتسم كارما، لكن عينيها الحادتين ضيقتا النطاق لتدرس أثر الخبر على وجهه. كانت تتوقع منه بروداً، أو ربما ارتياحاً مكتوماً، لكن رد فعله المذعور باغتها. اقترب سامر أكثر، ولأول مرة منذ سنتين، وضع كفيه على كتفيها بلمسة دافئة: "سنسافر إلى ألمانيا، إلى أمريكا... سأحضر أكبر جراحي العالم. لن أسمح لأحد بأن يأخذكِ مني!" ضيقّت كارما شفتيها، وسحبت كتفيها ببطء من تحت يديه، وإن كان صوتها قد فقد جزءاً من صلابته المعتادة: "كبار الأطباء في المركز الطبي الملكي أكدوا أن الورم يتمدد.يتمدد في الخلايا العصبيّة... لا علاج له جراحياً." أخذ سامر نفساً عميقاً، وضغط على يديه كأنه يحارب القدر نيابة عنها: "سنجد علاجاً. ابتداءً من الغد، سأتولى أنا ترتيب ملفكِ الطبي بنفسي." التفتت نحو المرآة ثانية، لكن نظرتها إلي انعكاسه خلفها كانت محمّلة بشك مكتوم... هل هذا هو الزوج البارد الذي لم يبتسم في وجهها منذ دهر؟ في صباح اليوم التالي، شهدت أروقة شركة القمة تحولاً غريباً أثار همس الموظفين. دخلت كارما مكتبها الفخم لتجد كوباً من المشروب الدافئ يبعث رغوة الأعشاب الطبيعية على مكتبها، بجانبه ورقة صغيرة بخط يد سامر: "مشروب مهدئ للأعصاب، شربتُ نصفه لتتأكدي أنه ليس مسموماً." ابتسمت كارما ابتسامة لا تكاد تُرى، ثم أزاحتها فوراً حين دخل والدها مراد بك رئيس مجلس الإدارة، يرافقه عدد من كبار التنفيذيين. قال مراد بك بنبرة حادة لا تقبل النقاش: "كارما، مشروع القمة تاون الاستثماري يتعثر في التراخيص. أعدت توزيع المهام، وسيتولى زوجكِ سامر الملف القانوني كاملاً أمام هيئة النزاهة." كان هذا القرار بمثابة انتحار مهني؛ فالملف مليء بالثغرات والضغط السياسي، ولطالما ألقيت الملفات الخاسرة على كاهل سامر ليكون كبش فداء. وقبل أن تتكلم كارما، فتح الباب ودخل سامر ببدلته الكحلية الأنيقة. نظر إلى والدها بثبات لم يعهده مجلس الإدارة من قبل، وقال بصوت واضح أمام الجميع: "سأتولى الملف يا عمي... لكن بشرط واحد." رفع مراد بك حجبيه بذهول من جرأة صهره: "شرط؟ أنت تتشرّط في مجلس إدارتي؟" رد سامر بهدوء واثق: "شرطي أن تُعفى كارما من أي اجتماع متأخر بعد الساعة السادسة مساءً. صحتها وضغط العمل لا يسمحان بالجهد الإضافي." ساد الصمت الغرفة. نظر المدراء لبعضهم البعض بذهول. كارما نفسها تسمّرت في مكانها، وعيناها تثبتان على سامر بتساؤل صامت: ما الذي يفعله هذا الرجل؟ في ليلة تلك الجمعة، كان العشاء العائلي الكبير في القصر يحفل بالتوتر المعهود. عائلة القمة تجلس على طاولة الطعام الملكية، ينهرون الخدمات ويتبادلون الاتهامات الضمنية حول الأسهم والأرباح. عندما وجهت والدة كارما نقداً لاذعاً لطريقة إدارتها لمجمع التسوق، وضع سامر شوكته بحدة على الطبق الفضي، ليرتطم الصوت بالسقف الرخامي. التفتت العائلة كلها إليه. قال سامر بصوت هادئ لكنه يحمل تهديداً مكتوماً: "كارما حققت أعلى نسبة أرباح في تاريخ المجمع هذا الشهر. إذا كان هناك من يقصّر في هذه العائلة، فهو ليس زوجتي." اتسعت عينا كارما. لم يسبق لأحد في هذا القصر أن وقف بوجه والدتها أو دافع عنها بهذه الشراسة. بعد منتصف الليل، تقابل الزوجان عند الشرفة المطلة على حدائق القصر الثلجية. كان الهويد بارداً، وكارما تلف جسدها بمعطف أسود طويل. قالت دون أن تنظر إليه: "ما الذي تغير يا سامر؟ لم تكن تهتم بي أو تتصدى لوالدي من قبل." اقترب منها، ووقف بجانبها يسند ذراعيه على السور الحجري، ونظره متجه نحو النجوم: "ربما لأنني أدركت أخيراً كم كنتُ غبياً... وأن الوقت الذي يضيع بيننا لن يعود أبداً." التفتت إليه، ونظرت في عينيه مباشرة: "هل تظن أنني سأصدق هذا التحول المفاجئ؟" ابتسم سامر ابتسامة حزينة، ومد يده برفق ليرتب طرف معطفها حول عنقها لحمايته من الهواء البارد: "لا تصدقي كلامي يا كارما... صدقي أفعالي فقط. باقي لدينا ثلاثة أشهر، وأنا لن أترككِ تحاربين وحدكِ." شعرت كارما بغصة في حلقها. خفق قلبها بقوة لم تشعر بها منذ سنوات الزفاف الأولى، وانصرفت نحو غرفتها بخطوات مسرعة للهروب من مشاعرها المربكة. أما سامر، فبقي واقفاً في الشرفة يراقب أثر أقدامها على السجاد. دخل غرفته، وأخرج مظروف الطلاق من جيبه، ثم ألقاه في خرّاطة الورق الكهربائية، ليتحول إلى أشرطة صغيرة تناثرت في القمامة. نظر إلى انعكاس وجهه في زجاج الشرفة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة ومظلمة: "تسعون يوماً فقط يا سامر... كن الزوج المثالي لمدة تسعين يوماً، وسينتهي كل شيء وتستعيد حريتك للأبد.كانت خطوط المطر الغزير تضرب نوافذ السيارة المتسارعة على الطريق السريع المؤدي إلى العاصمة كسهام زجاجية متتابعة. في المقعد الخلفي، كان سامر يجلس بجمود تام، وعيناه الشاخصتان تعكسان أضواء الشوارع الخافتة والظلام المخيم على أفق المدينة. بين يديه الثقيلتين، كان يمسك بالحقيبة الجلدية السوداء التي تحتوي على كافة التوكيلات الاستثمارية القديمة، وسجلات العقود العقارية لمشروع القمة تاون، والوثائق الحصرية الموقعة من مراد بك قبل مرضه.كانت الساعة في معصمه تشير إلى مرور ثلاث ساعات ونصف على بدء جلسة العلاج الصدمي لكارما في مشفى زيورخ. كان جسده هنا في العاصمة، يتهيأ لخوض معركة قانونية ومالية حاسمة، لكن عقله وروحه كانا هناك... معلقين خلف جدار قاعة العلاج التجريبي، يراغبان يد كارما الباردة ونبضات قلبها المنهك تحت رحمة الأجهزة الدماغية المعقدة.اهتز الهاتف في جيبه، فرفعه فوراً ليجد صوت المحامي نبيل يأتيه من الطرف الآخر مشحوناً بنبرة استنفار حاد وسباق مع الزمن:"سامر! أين أصبحت؟ زياد يسيطر على القاعة الرئيسية بالطابق الخمسين بالكامل! لقد جلب معه كبار الدائنين وأقنعهم بأن المجموعة تتجه نحو الإفلاس الوشيك ب
بعد دقائق مرت كأنها دهور من التطهير العاطفي وإعادة بناء الثقة، استعادت كارما بعض أنفاسها المتقطعة، لكنها لم تبتعد عن حضن سامر؛ كانت تتمسك بمعطفه كأنه طوق النجاة الوحيد لها في هذا العالم الموحش. كانت نبرة صوتها حين تحدثت هذه المرة خالية من كل قسوة وكبرياء، مملوءة بخوف طفولي نقي وعجز إنساني صادق:"سامر... أنا خائفة جداً. أنا أفقد ذاكرتي تدريجياً. بالأمس في اجتماع مجلس الإدارة لم أتعرف على وجوه كبار المستثمرين الذين أتعامل معهم منذ سنوات، وسقط القلم من يدي لأن عقلي توقف عن استيعاب المكان. الطبيب يقول إن الورم يضغط على الشرايين الرئيسية في قاع الدماغ، وإن العلاج التجريبي هنا قد يثبت حجم الورم ويمنع نموه، ولكنه في نفس الوقت قد يسلبني ذكرياتي الأخيرة كلياً بسبب الصدمات الكهربائية... أنا خائفة من أن أصحو في يوم قريب فلا أتعرف عليك، ولا أتذكر حتى اسمي أو حبي لك."مسح سامر دموعها بإبهامه بحنان بالغ وهو ينظر في عمق عينيها بثبات قاطع لا يتزعزع:"إن نسيتِ اسمكِ، سأكون أنا صوتكِ الذي يذكركِ به كل صباح عند شروق الشمس. وإن نسيتِ وجهي، سأحبكِ من جديد كل يوم وأتودد إليكِ وكأننا نلتقي للمرة الأولى في ه
تردد صوت تحطم الكأس الزجاجي في أرجاء الشرفة العالية كصرخة مكتومة شقت سكون الجليد المخيم على بحيرة زيورخ. تناثرت الشظايا البلورية على الأرضية الخشبية المكسوة بطبقة رقيقة من الثلج، لكن كارما لم تتحرك من مكانها أنشاً واحداً. كانت يداها الشاحبتان متجمدتين في الهواء، وعيناها اللتان اتسعتا لفرط الصدمة ترتقبان ذلك الظل القابع تحت شجرة الصنوبر الكثيفة في الأسفل.كانت ندف الثلج المتساقطة تتراكم ببطء على كتفي المعطف الأسود الذي يرتديه ذلك الرجل، لكن ملامحه، ووقفته، والطريقة التي كان يرفض بها الانحناء أمام البرد القارس؛ كل شيء فيه كان يصرخ باسم واحد زلزل أركان روحها المنهكة: سامر.تراجعت كارما إلى الخلف بخطوات غير متزنة، وضغطت بيدها المرتجفتين على صدرها تحاول كبح ضربات قلبها المتسارعة التي هددت بالخروج من بين أضلعها. لم يكن هذا الدوار الذي يعصف بها في هذه اللحظة ناتجاً عن الورم المستقر في قاع دماغها، بل كان نوبة ذهول عارمة شلت تفكيرها كلياً. كيف وصل إلى هنا بهذه السرعة؟ كيف استطاع أن يخترق نظام السرية المحكم الذي فرضته على حركات سفرها؟ والأهم من ذلك كله... لماذا ينحني رجل بكبريائه وكرامته ليتتبع
هبطت الطائرة الخاصة في مطار زيورخ الدولي وسط أجواء سويسرية باردة، حيث كانت ندف الثلج الخفيفة تتساقط على مدارج المطار كغبار أبيض ناعم. خرجت كارما من صالة الكبار وهي تلف جسدها النحيل بمعطفها الأسود الثقيل، تحيط بها هالة من الصمت والجفاء الذي يعكس جليد المدينة.كان في استقبالها طبيب خاص وسائق ينتميان لمشفى ألكسندر المتخصص في جراحة الأعصاب التجريبية. صعدت كارما إلى السيارة السوداء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعيناها الشاخصتان تتطلعان عبر النافذة المظللة إلى جبال الألب المغطاة بالبيوض، بينما كان هاتفها الصغير ينبض بالرسائل الملغاة والمكالمات المتكررة من والدها مراد بك ومكتب الشركة الرئيسي.أغلقت كارما الهاتف كلياً ووضعته في قعر حقيبتها، ثم أخذت نفساً عميقاً متقطعاً وهي تمسح وجهها المجهد. كانت تعلم أن غيابها دون إذن مجلس الإدارة سيعطي فرصة ذهبية للمتربصين بها في العاصمة، لكنها لم تكن تملك خياراً آخر؛ فالطبيب أكد لها في رسالته الشديدة أن نوبات الفقدان المؤقت للذاكرة ستتكرر بشكل أسرع وأقسى إذا لم تبدأ بجلسات المحفزات الدماغية الصدمية فوراً.وصلت السيارة إلى مبنى المشفى الراقي التابع على حافة إحد
كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً حين خيم سكون مريب وثقيل على جناح كارما في الطابق الثاني من قصر آل القمة. لم يكن في الغرفة سوى ضوء خافت ينبعث من مصباح الطاولة الخشبي، يلقي بظلال ممتدة على الجدران المغطاة بالحرير الكحلي.فتحت كارما حقيبتها الجلدية الصغيرة على عجَل ، وكانت يداها المرتجفتان تصدران صوتاً خفيفاً وهي تضع فيها أظرف الملفات الطبية المشفرة، وتذكرة طيران خاصة برحلة شارتر حُجزت باسمها قبل ساعات قليلة، متجهة مباشرة إلى مطار زيورخ في سويسرا.وقفت كارما لثوانٍ أمام المرآة الكبيرة المذهبة في ركن الغرفة. كانت تفاصيل وجهها الشاحب تبدو جلية تحت الضوء الخافت؛ الشحوب يبتلع نضارة بشرتها، والظلال الداكنة تحت عينيها تتسع كخارطة وجع خفي لا يمكن طمسها بمساحيق التجميل بعد الآن. رفعت يدها لتلمس وجنتها المجهدة، وسقطت من عينها دمعة حارقة وفرت رغماً عن كبريائها المتصلب.تمتمت بنبرة خافتة تحنقت في حلقها:"سيكون كل شيء أسهل بدون وجودي... سيتفرغ والدي لإدارة الشركة بعيداً عن أزمتي، وسيعود سامر إلى حياته البسيطة في قرية النخيل دون أن ينحني تحت عبء زوجة تموت بالتقسيط كل يوم."أغلقت الحقيبة ببطء، وسحب
مرت الساعات الأولى من صباح اليوم التالي على قصر آل القمة ثقيلة كأنها دهور. لم تشرق الشمس بضوئها المعتاد، بل تلفحت بستائر من الضباب الرمادي الذي غشى جدران القصر الرخامية.في الطابق الثاني، كان سامر يقف أمام نافذة ممر جناحيهما الفاصل، يرتدي بدلته الرسمية الداكنة، وعيناه المحاطتان بسواد الإرهاق ترتقبان خروج كارما. لم ينم دقيقة واحدة؛ كانت كلماتها في الطابق الخمسين: الشفقة أشد ألماً من الخيانة تدور في رأسه كسكين تثرم روحه بلا رحمة.انفتح باب جناح كارما ببطء. خرجت ترتدي طقماً رسمياً باللون الكحلي الداكن، بشعر مشدود إلى الخلف وزينة خفيفة لم تفلح في إخفاء الشحوب المفاجئ الذي يعلو بشرتها.خطا سامر نحوها بلهفة مكتومة، وقال بصوت خفيض بحت فيه النبرة:"كارما... صباح الخير. دعيني أرافقك إلى الشركة اليوم، نحتاج إلى..."قطعت كلامه دون أن تنظر في عينيه، متجاوزة إياه ببرود قاتل أشد قسوة من أي صراخ.قالت وهي تواصل سيرها نحو الدرج الرئيسي:"سائقي الخاص بانتظاري في الأسفل. ومن اليوم يا سيد سامر، ملفاتي ومواعيدي الشخصية أصبحت تحت إشراف مكتبي الخاص فقط. لا داعي لتمثيل دور الزوج الحريص بعد الآن."وقف سامر و







