LOGINبدأ سامر ينفذ خطته بذكاء شديد، محولاً يوميات القصر المظلم إلى مسرحية من الاهتمام الفائق. في كل صباح، كان يسبق كارما إلى السيارة، يفتح لها الباب بنفسه، ويحرص على مراجعة جدول مواعيدها لتقليل ساعات إرهاقها. بالنسبة لعائلة القمة، كان هذا التغير مفاجئاً ومثيراً للشكوك، لكن بالنسبة لكارما، كان شريطاً متواصلاً من الحيرة.
في ظهر أحد الأيام، دخل سامر إلى مكتب كارما في البرج الرئيسي لمجموعة القمة، يحمل في يده علبة مخملية سوداء. كانت كارما تغوص بين أوراق التقرير المالي للربع الأخير، وعيناها تشعان بالصرامة المعتادة. رفعت رأسها وقالت ببرود: "ما هذا يا سامر؟ هل لدينا مناسبة أجهلها؟" فتح العلبة ليظهر حذاء رياضي مريح وفاخر مصمم خصيصاً للمشي الطويل. وضع العلبة عند قدميها وقال بنبرة هادئة: "أعلم أنكِ تصرين على ارتداء الكعب العالي في كل اجتماعاتكِ، لكن الأطباء شددوا على ضرورة تقليل الضغط على دورتكِ الدموية. أريدكِ أن ترتدي هذا الحذاء عند تنقلكِ بين أقسام المول." نظرت كارما إلى الحذاء، ثم إلى وجهه. لم يكن في عينيه زيف ظاهر، بل نظرة اهتمام عميقة جعلتها تصمت للحظات. قالت وهي تحاول الحفاظ على جمودها: "أنا مديرة القمة، والناس تنتظر مني صورة من الكمال، لا أن أتجول بحذاء رياضي." انحنى سامر ببطء، وجثا على ركبة واحدة أمام كرسيها، متجاهلاً كبرياءه المعهود، وسحب حذاءها الرسمي ليلبسها الحذاء المريح بنفسه. قال وهو يربط أربطته بمهارة: "صحتكِ أهم من انطباعات الآخرين. اعتبري هذا أمراً من مستشاركِ القانوني والزوجي." تسارعت نبضات قلب كارما بشكل لم تتوقعه، وشعرت بحرارة تتسلل إلى وجنتيها. سحبت قدمها ببطء، وقالت وهي تتفادى النظر في عينيه: "سأفكر في الأمر." لكن خلف هذا الاهتمام الظاهري، كان سامر يعود كل ليلة إلى تقويمه الخفي في الهاتف، يمارس عداداً تنازلياً دقيقاً: بقي ثمانية وثمانون يوماً. كان يقنع نفسه بأن كل خطوة حنونة يقدمها إنما هي استثمار في خروجه الآمن من هذه العائلة دون أزمات. في مساء اليوم التالي، أُقيم حفل استثماري ضخم في الفندق الملكي التابع للمجموعة، بحضور كبار رجال الأعمال والدبلوماسيين. كان الهدف من الحفل إطلاق مشروع عقاري جديد يتطلب شراكة مع صندوق استثماري عالمي. تقاطر الضيوف، وكانت كارما تقف بجانب سامر ببدلتها الأنيقة، تبدو كملكة غير متوجة. لكن أجواء الحفل تغيرت فجأة عندما أعلن المذيع الداخلي عن وصول ضيف الشرف، المستثمر الدولي الشهير زياد. دخل زياد القاعة بخطوات واثقة، يرتدي بدلة فاخرة، والابتسامة لا تفارق وجهه الوسيم. عبق الهيبة يحيطه، والمصورون يلتقطون له الصور من كل جانب. التفتت كارما نحو الباب، ولأول مرة منذ فترة طويلة، اتسعت عيناها بذهول ملحوظ. قالت بهمس لم يسمعه سوى سامر: "زياد؟ متى عاد من لندن؟" لاحظ سامر التغير الفوري في ملامح زوجته. قبل أن يستفسر، تقدم زياد بخطوات سريعة ونشطة نحو كارما، متجاهلاً الرسميات والبروتوكولات، ومد يديه ليعانقها بصرامة الأصدقاء القدامى. قال زياد بصوت دافئ يطفح بالألفة: "كارما! لم تتغيري إطلاقاً... ما زلتِ المذهلة الساحرة التي عرفتها في سنوات الدراسة بالخارج." ابتسمت كارما ابتسامة حقيقية ونادرة، ابتسامة لم يرَ سامر مثلها منذ سنوات طويلة. قالت كارما: "زياد... لم أكن أعلم أنك المستثمر الرئيسي في الصفقة الجديدة." رد زياد وهو ينظر في عينيها باهتمام بالغ: "لم أكن لأفكر في وضع دولار واحد في هذا المشروع لولا معرفتي أنكِ من تديرين المجموعة." في هذه اللحظة، شعر سامر بغصة غريبة تسري في صدره. كانت شرارة من الغيرة المفاجئة التي لم يحسب لها حساباً. تنحنح سامر بصلابة، وخطا خطوة إلى الأمام ليدخل في دائرة الضوء. التفت زياد نحو سامر، ودرس ملامحه بنظرة استعلاء خاطفة، ثم قال: "وأنت حتماً المستشار سامر... زوج كارما، أليس كذلك؟ سمعتُ عنك الكثير." مد سامر يده بثبات، وضغط على يد زياد بقوة متزنة: "أهلاً بك يا سيد زياد في بلدك. ويسرني أن أؤكد لك أن أموال صندوقك الاستثماري ستكون في أمان كامل تحت إشرافي القانوني." ابتسم زياد ابتسامة ساخرة وقال: "جميل جداً... فالمال والأعمال يحتاجان دائماً لرجل قانون حذر." استمر الحفل، لكن التوتر بين الرجلين كان يزداد اشتعالاً. كان زياد يدور حول كارما كالظل، يتبادل معها الذكريات القديمة، بينما كان سامر يراقب الوضع عن بعد، مشتتاً بين رغبته في الخروج من هذه الحياة وبين شعوره بالإهانة من تقرب هذا الغريب من زوجته. وفجأة، بينما كانت كارما تتحدث مع زياد بالقرب من الشرفة الزجاجية، توقفت كلماتها في منتصف الجملة. شعرت بطنين حاد يثقب أذنيها، وانضغاط مرعب في رأسها. بدأت الأضواء المتلألئة في القاعة تتلاشى تدريجياً، ليعوضها سواد كثيف يبتلع الرؤية. ترنحت جدران القاعة في عينيها، وأفلتت كأس الماء من يدها ليرتطم بالأرض ويتناثر زجاجه. قال زياد بذعر وهو يمد يده ليمسك بها: "كارما! ما بكِ؟ هل أنتِ بخير؟" لكن كارما لم تكن تسمعه. كانت تقف في منتصف الضجيج، فاقدة للإبصار والاتزان بالكامل، والظلام يلتف حولها كالكفن، بينما بدأ جسمها يميل نحو السقوط على الأرض وسط صدمة الجميع!كانت خطوط المطر الغزير تضرب نوافذ السيارة المتسارعة على الطريق السريع المؤدي إلى العاصمة كسهام زجاجية متتابعة. في المقعد الخلفي، كان سامر يجلس بجمود تام، وعيناه الشاخصتان تعكسان أضواء الشوارع الخافتة والظلام المخيم على أفق المدينة. بين يديه الثقيلتين، كان يمسك بالحقيبة الجلدية السوداء التي تحتوي على كافة التوكيلات الاستثمارية القديمة، وسجلات العقود العقارية لمشروع القمة تاون، والوثائق الحصرية الموقعة من مراد بك قبل مرضه.كانت الساعة في معصمه تشير إلى مرور ثلاث ساعات ونصف على بدء جلسة العلاج الصدمي لكارما في مشفى زيورخ. كان جسده هنا في العاصمة، يتهيأ لخوض معركة قانونية ومالية حاسمة، لكن عقله وروحه كانا هناك... معلقين خلف جدار قاعة العلاج التجريبي، يراغبان يد كارما الباردة ونبضات قلبها المنهك تحت رحمة الأجهزة الدماغية المعقدة.اهتز الهاتف في جيبه، فرفعه فوراً ليجد صوت المحامي نبيل يأتيه من الطرف الآخر مشحوناً بنبرة استنفار حاد وسباق مع الزمن:"سامر! أين أصبحت؟ زياد يسيطر على القاعة الرئيسية بالطابق الخمسين بالكامل! لقد جلب معه كبار الدائنين وأقنعهم بأن المجموعة تتجه نحو الإفلاس الوشيك ب
بعد دقائق مرت كأنها دهور من التطهير العاطفي وإعادة بناء الثقة، استعادت كارما بعض أنفاسها المتقطعة، لكنها لم تبتعد عن حضن سامر؛ كانت تتمسك بمعطفه كأنه طوق النجاة الوحيد لها في هذا العالم الموحش. كانت نبرة صوتها حين تحدثت هذه المرة خالية من كل قسوة وكبرياء، مملوءة بخوف طفولي نقي وعجز إنساني صادق:"سامر... أنا خائفة جداً. أنا أفقد ذاكرتي تدريجياً. بالأمس في اجتماع مجلس الإدارة لم أتعرف على وجوه كبار المستثمرين الذين أتعامل معهم منذ سنوات، وسقط القلم من يدي لأن عقلي توقف عن استيعاب المكان. الطبيب يقول إن الورم يضغط على الشرايين الرئيسية في قاع الدماغ، وإن العلاج التجريبي هنا قد يثبت حجم الورم ويمنع نموه، ولكنه في نفس الوقت قد يسلبني ذكرياتي الأخيرة كلياً بسبب الصدمات الكهربائية... أنا خائفة من أن أصحو في يوم قريب فلا أتعرف عليك، ولا أتذكر حتى اسمي أو حبي لك."مسح سامر دموعها بإبهامه بحنان بالغ وهو ينظر في عمق عينيها بثبات قاطع لا يتزعزع:"إن نسيتِ اسمكِ، سأكون أنا صوتكِ الذي يذكركِ به كل صباح عند شروق الشمس. وإن نسيتِ وجهي، سأحبكِ من جديد كل يوم وأتودد إليكِ وكأننا نلتقي للمرة الأولى في ه
تردد صوت تحطم الكأس الزجاجي في أرجاء الشرفة العالية كصرخة مكتومة شقت سكون الجليد المخيم على بحيرة زيورخ. تناثرت الشظايا البلورية على الأرضية الخشبية المكسوة بطبقة رقيقة من الثلج، لكن كارما لم تتحرك من مكانها أنشاً واحداً. كانت يداها الشاحبتان متجمدتين في الهواء، وعيناها اللتان اتسعتا لفرط الصدمة ترتقبان ذلك الظل القابع تحت شجرة الصنوبر الكثيفة في الأسفل.كانت ندف الثلج المتساقطة تتراكم ببطء على كتفي المعطف الأسود الذي يرتديه ذلك الرجل، لكن ملامحه، ووقفته، والطريقة التي كان يرفض بها الانحناء أمام البرد القارس؛ كل شيء فيه كان يصرخ باسم واحد زلزل أركان روحها المنهكة: سامر.تراجعت كارما إلى الخلف بخطوات غير متزنة، وضغطت بيدها المرتجفتين على صدرها تحاول كبح ضربات قلبها المتسارعة التي هددت بالخروج من بين أضلعها. لم يكن هذا الدوار الذي يعصف بها في هذه اللحظة ناتجاً عن الورم المستقر في قاع دماغها، بل كان نوبة ذهول عارمة شلت تفكيرها كلياً. كيف وصل إلى هنا بهذه السرعة؟ كيف استطاع أن يخترق نظام السرية المحكم الذي فرضته على حركات سفرها؟ والأهم من ذلك كله... لماذا ينحني رجل بكبريائه وكرامته ليتتبع
هبطت الطائرة الخاصة في مطار زيورخ الدولي وسط أجواء سويسرية باردة، حيث كانت ندف الثلج الخفيفة تتساقط على مدارج المطار كغبار أبيض ناعم. خرجت كارما من صالة الكبار وهي تلف جسدها النحيل بمعطفها الأسود الثقيل، تحيط بها هالة من الصمت والجفاء الذي يعكس جليد المدينة.كان في استقبالها طبيب خاص وسائق ينتميان لمشفى ألكسندر المتخصص في جراحة الأعصاب التجريبية. صعدت كارما إلى السيارة السوداء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعيناها الشاخصتان تتطلعان عبر النافذة المظللة إلى جبال الألب المغطاة بالبيوض، بينما كان هاتفها الصغير ينبض بالرسائل الملغاة والمكالمات المتكررة من والدها مراد بك ومكتب الشركة الرئيسي.أغلقت كارما الهاتف كلياً ووضعته في قعر حقيبتها، ثم أخذت نفساً عميقاً متقطعاً وهي تمسح وجهها المجهد. كانت تعلم أن غيابها دون إذن مجلس الإدارة سيعطي فرصة ذهبية للمتربصين بها في العاصمة، لكنها لم تكن تملك خياراً آخر؛ فالطبيب أكد لها في رسالته الشديدة أن نوبات الفقدان المؤقت للذاكرة ستتكرر بشكل أسرع وأقسى إذا لم تبدأ بجلسات المحفزات الدماغية الصدمية فوراً.وصلت السيارة إلى مبنى المشفى الراقي التابع على حافة إحد
كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً حين خيم سكون مريب وثقيل على جناح كارما في الطابق الثاني من قصر آل القمة. لم يكن في الغرفة سوى ضوء خافت ينبعث من مصباح الطاولة الخشبي، يلقي بظلال ممتدة على الجدران المغطاة بالحرير الكحلي.فتحت كارما حقيبتها الجلدية الصغيرة على عجَل ، وكانت يداها المرتجفتان تصدران صوتاً خفيفاً وهي تضع فيها أظرف الملفات الطبية المشفرة، وتذكرة طيران خاصة برحلة شارتر حُجزت باسمها قبل ساعات قليلة، متجهة مباشرة إلى مطار زيورخ في سويسرا.وقفت كارما لثوانٍ أمام المرآة الكبيرة المذهبة في ركن الغرفة. كانت تفاصيل وجهها الشاحب تبدو جلية تحت الضوء الخافت؛ الشحوب يبتلع نضارة بشرتها، والظلال الداكنة تحت عينيها تتسع كخارطة وجع خفي لا يمكن طمسها بمساحيق التجميل بعد الآن. رفعت يدها لتلمس وجنتها المجهدة، وسقطت من عينها دمعة حارقة وفرت رغماً عن كبريائها المتصلب.تمتمت بنبرة خافتة تحنقت في حلقها:"سيكون كل شيء أسهل بدون وجودي... سيتفرغ والدي لإدارة الشركة بعيداً عن أزمتي، وسيعود سامر إلى حياته البسيطة في قرية النخيل دون أن ينحني تحت عبء زوجة تموت بالتقسيط كل يوم."أغلقت الحقيبة ببطء، وسحب
مرت الساعات الأولى من صباح اليوم التالي على قصر آل القمة ثقيلة كأنها دهور. لم تشرق الشمس بضوئها المعتاد، بل تلفحت بستائر من الضباب الرمادي الذي غشى جدران القصر الرخامية.في الطابق الثاني، كان سامر يقف أمام نافذة ممر جناحيهما الفاصل، يرتدي بدلته الرسمية الداكنة، وعيناه المحاطتان بسواد الإرهاق ترتقبان خروج كارما. لم ينم دقيقة واحدة؛ كانت كلماتها في الطابق الخمسين: الشفقة أشد ألماً من الخيانة تدور في رأسه كسكين تثرم روحه بلا رحمة.انفتح باب جناح كارما ببطء. خرجت ترتدي طقماً رسمياً باللون الكحلي الداكن، بشعر مشدود إلى الخلف وزينة خفيفة لم تفلح في إخفاء الشحوب المفاجئ الذي يعلو بشرتها.خطا سامر نحوها بلهفة مكتومة، وقال بصوت خفيض بحت فيه النبرة:"كارما... صباح الخير. دعيني أرافقك إلى الشركة اليوم، نحتاج إلى..."قطعت كلامه دون أن تنظر في عينيه، متجاوزة إياه ببرود قاتل أشد قسوة من أي صراخ.قالت وهي تواصل سيرها نحو الدرج الرئيسي:"سائقي الخاص بانتظاري في الأسفل. ومن اليوم يا سيد سامر، ملفاتي ومواعيدي الشخصية أصبحت تحت إشراف مكتبي الخاص فقط. لا داعي لتمثيل دور الزوج الحريص بعد الآن."وقف سامر و







