LOGINوصل أسطول سيارات عائلة القمة إلى منتجع جبل النسر مع ساعات الصباح الأولى، حيث كانت أسقف الأكواخ الخشبية الفاخرة تتعانق مع الضباب الكثيف المنحدر من قمم الجبال. المكان ليس مجرد منتجع ترفيهي، بل هو ساحة استعراض غير رسمية لنفوذ العوائل الثرية، حيث تُبرم الصفقة الكبرى تحت ستار رحلات الصيد السنوية.
نزل مراد بك من سيارته الثقيلة، ينظر إلى المكان بنظرة مالك يتفقد ممتلكاته. إلى جانبه، كان زياد يقف ببدلة صيد إنجليزية كلاسيكية مصممة بعناية، يحمل بندقية ذات طراز نادر أُحضرت خصيصاً من لندن. التفت زياد نحو كارما التي نزلت ببطء متلفعة بمعطف صوفي داكن، وقال بصوت دافئ ناعم: "تذكرت أيام دراستنا في لندن يا كارما... عندما كنا نخرج للريف في عطلة نهاية الأسبوع. هذا الجو يشبه تماماً ريف ساري البريطاني." ابتسمت كارما ابتسامة قصيرة دون أن تتكلم، بينما كان سامر ينزل من السيارة المجاورة يحمل حقائب المعدات بنفسه. تقدم بخطوات واثقة، ووقف بجانب زوجته ليضع يده برفق خلف ظهرها، حركة حماية تلقائية أصبحت تظهر منه دون تكلف. نظر زياد إلى سامر، وابتسامة ساخرة تلوح على شفتيه: "سيد سامر... هل تمارس الصيد عادة؟ أم أنك تصطاد القوانين والأوراق فقط في مكتبك المكيّف؟" رد سامر بهدوء واثق دون أن ترف له عين: "الصيد الحقيقي يا سيد زياد لا يتطلب بواريد فاخرة، بل يتطلب صبراً ومعرفة دقيقة بالطريدة وبمن يتربص بها." شعر زياد بالرسالة الضمنية خلف كلمات سامر، لكنه اكتفى بضحكة خفيفة وأدار وجهه نحو مراد بك ليرتب خطوات الانطلاق. قبل بدء الجولة، انزوى سامر في ملحق تجهيز الأسلحة الفردية. كان يزن بندقية الصيد التقليدية في يده، ويختبر آلية الإطلاق ببراعة غير متوقعة. ينحدر سامر من قرية النخيل الريفية، حيث كان الصيد وركوب الخيل جزءاً من حياته اليومية قبل أن يرتدي بدلات المستشار القانوني في العاصمة. انقسَمَت المجموعات داخل الغابة الشاسعة التي تُحاط بأسوار سلكية عالية لمنع تسلل الحيوانات المفترسة من المحمية المجاورة. سارت كارما في الممر الخشبي برفقة سامر، بينما كان زياد ومراد بك يتقدمان المجموعة مع عدد من الحراس الشخصيين. كانت البرودة تقرص الوجنات، وكارما تمشي بخطوات موزونة، لكن سامر كان يلاحظ تباطؤ أنفاسها وشحوب وجهها التدريجي. انحنى نحوها وقال بهمس: "إذا كنتِ تشعرين بالتعب، يمكننا العودة إلى الكوخ الرئيسي فوراً." قالت كارما وهي ترفع رأسها بكبرياء: "أنا بخير... لن أسمح لوالدي أو لزياد بأن يروا أي ضعف فيّ اليوم." وفجأة، ابتعد زياد عن مراد بك، واقترب من كارما ليعرض عليها سلك طريق جانبي يطل على هضبة الغزلان. قال زياد بنبرة خفيضة: "كارما، هناك ممر قريب أعددته خصيصاً لالتقاط بعض الصور التذكارية، بعيداً عن ضجيج الحراس. تعالي معي لدقائق." ترددت كارما، لكنها نظرت إلى سامر الذي كان يعاين إحدى الأشجار المجاورة بتركيز شديد. لاحظ سامر شيئاً غريباً؛ الأسلاك الشائكة المحيطة بهذه المنطقة الجانبية كانت مقطوعة حديثاً بآلة حديدية، وعلامات الصدأ أُزيلت عمداً من القفل الرئيسي ليعطي انطباعاً بأن الباب انفتح تلقائياً. قبل أن تنطق كارما بكلمة، انطلقت صيحة حادة من أحد العمال المحيطين بالمنطقة الجبلية، تلاها صوت تكسُّر لأغصان الأشجار الثقيلة. في تلك اللحظة بالذات، عادت نوبة الطنين المزعجة إلى رأس كارما. غامت الرؤية في عينيها فجأة، وتشوشت الألوان أمامها ليتحول المشهد إلى ضباب أسود. وضعت يدها على جبهتها وترنحت خطواتها للخلف. ومن بين أحراش الغابة المظلمة، ظهر خنزير بري ضخم، يزن أكثر من مئتي كيلوغرام، ينطلق بسرعة جنونية ونظرات ثائرة نحو مكان وقوف كارما الفاقدة للرؤية والاتزان! صرخ زياد بذهول: "كارما! ابتعدي!" حاول زياد رفع بندقيته الفاخرة، لكن ارتباكه وذعره جعلا البندقية تتعثر في حزام معطفه. أما كارما، فكانت تقف في مكانها لا ترى الشبح الغاضب الذي يركض نحوها، ولا تسمع سوى الطنين القاتل في أذنيها. في جزء من الثانية، اندفع سامر بكل قوته، متجاوزاً زياد والحراس. رفَع بندقيته البسيطة إلى مستوى كتفه بثبات خيالي، وأخذ نفساً واحداً، وثبت سبابته على الزناد. توقفت أنفاس الجميع. انطلقت رصاصة واحدة ثقيلة شقت هدوء الجبل بدويٍّ حاد. سقط الوحش الكاسر على بعد خطوات قليلة جداً من قدمي كارما، يرتطم بالأرض ويثير ثلج الجبل والغبار. انقضى الخطر في لحظة، وساد صمت مرعب في المكان. ركض سامر نحو كارما، واحتضن كتفيها بحدة وهو يلهث، وعيناه تفحصان جسدها بهلع: "كارما! هل لمسكِ؟ هل أنتِ بخير؟!" عادت الرؤية تدريجياً إلى عيني كارما، لتجد نفسها بين ذراعي سامر المرتجفتين، وهو يمسك بالبندقية بيد ويدعم ظهرها باليد الأخرى. كانت ضربات قلبه السريعة تطرق صدرها، وحرارة خوفه الحقيقي تملأ المكان. وصل مراد بك والحراس وهم يصرخون بذهول من المشهد، بينما كان زياد يقف على بعد أمتار، يتصبب عرقاً بارداً وعيناه تتطلعان إلى سامر بذهول وحقد مكتوم. سحب سامر زوجته خلف ظهره ليكون درعاً لها، ثم سار بخطوات غاضبة نحو الباب السلكي المقطوع. جثا على ركبتيه، وفحص السلك المقطوع بعناية أمام أعين الجميع. رفع سامر رأسه، ونظر مباشرة في عيني زياد بنظرة مرعبة تفيض بالوعيد، وقال بصوت حاد كالصلب: "هذا السلك لم ينقطع بفعل الرياح... القفل تم قصه بقطاعة حديدية عمداً قبل ساعات قليلة لتمرير هذا الوحش نحو ممر كارما." اتسعت عينا كارما بذهول، والتفت الجميع نحو بعضهم البعض بالشكوك، بينما أُغلقت أحداث الشكوك القاتلة لتتجه نحو الضيف القادم من لندن!كانت خطوط المطر الغزير تضرب نوافذ السيارة المتسارعة على الطريق السريع المؤدي إلى العاصمة كسهام زجاجية متتابعة. في المقعد الخلفي، كان سامر يجلس بجمود تام، وعيناه الشاخصتان تعكسان أضواء الشوارع الخافتة والظلام المخيم على أفق المدينة. بين يديه الثقيلتين، كان يمسك بالحقيبة الجلدية السوداء التي تحتوي على كافة التوكيلات الاستثمارية القديمة، وسجلات العقود العقارية لمشروع القمة تاون، والوثائق الحصرية الموقعة من مراد بك قبل مرضه.كانت الساعة في معصمه تشير إلى مرور ثلاث ساعات ونصف على بدء جلسة العلاج الصدمي لكارما في مشفى زيورخ. كان جسده هنا في العاصمة، يتهيأ لخوض معركة قانونية ومالية حاسمة، لكن عقله وروحه كانا هناك... معلقين خلف جدار قاعة العلاج التجريبي، يراغبان يد كارما الباردة ونبضات قلبها المنهك تحت رحمة الأجهزة الدماغية المعقدة.اهتز الهاتف في جيبه، فرفعه فوراً ليجد صوت المحامي نبيل يأتيه من الطرف الآخر مشحوناً بنبرة استنفار حاد وسباق مع الزمن:"سامر! أين أصبحت؟ زياد يسيطر على القاعة الرئيسية بالطابق الخمسين بالكامل! لقد جلب معه كبار الدائنين وأقنعهم بأن المجموعة تتجه نحو الإفلاس الوشيك ب
بعد دقائق مرت كأنها دهور من التطهير العاطفي وإعادة بناء الثقة، استعادت كارما بعض أنفاسها المتقطعة، لكنها لم تبتعد عن حضن سامر؛ كانت تتمسك بمعطفه كأنه طوق النجاة الوحيد لها في هذا العالم الموحش. كانت نبرة صوتها حين تحدثت هذه المرة خالية من كل قسوة وكبرياء، مملوءة بخوف طفولي نقي وعجز إنساني صادق:"سامر... أنا خائفة جداً. أنا أفقد ذاكرتي تدريجياً. بالأمس في اجتماع مجلس الإدارة لم أتعرف على وجوه كبار المستثمرين الذين أتعامل معهم منذ سنوات، وسقط القلم من يدي لأن عقلي توقف عن استيعاب المكان. الطبيب يقول إن الورم يضغط على الشرايين الرئيسية في قاع الدماغ، وإن العلاج التجريبي هنا قد يثبت حجم الورم ويمنع نموه، ولكنه في نفس الوقت قد يسلبني ذكرياتي الأخيرة كلياً بسبب الصدمات الكهربائية... أنا خائفة من أن أصحو في يوم قريب فلا أتعرف عليك، ولا أتذكر حتى اسمي أو حبي لك."مسح سامر دموعها بإبهامه بحنان بالغ وهو ينظر في عمق عينيها بثبات قاطع لا يتزعزع:"إن نسيتِ اسمكِ، سأكون أنا صوتكِ الذي يذكركِ به كل صباح عند شروق الشمس. وإن نسيتِ وجهي، سأحبكِ من جديد كل يوم وأتودد إليكِ وكأننا نلتقي للمرة الأولى في ه
تردد صوت تحطم الكأس الزجاجي في أرجاء الشرفة العالية كصرخة مكتومة شقت سكون الجليد المخيم على بحيرة زيورخ. تناثرت الشظايا البلورية على الأرضية الخشبية المكسوة بطبقة رقيقة من الثلج، لكن كارما لم تتحرك من مكانها أنشاً واحداً. كانت يداها الشاحبتان متجمدتين في الهواء، وعيناها اللتان اتسعتا لفرط الصدمة ترتقبان ذلك الظل القابع تحت شجرة الصنوبر الكثيفة في الأسفل.كانت ندف الثلج المتساقطة تتراكم ببطء على كتفي المعطف الأسود الذي يرتديه ذلك الرجل، لكن ملامحه، ووقفته، والطريقة التي كان يرفض بها الانحناء أمام البرد القارس؛ كل شيء فيه كان يصرخ باسم واحد زلزل أركان روحها المنهكة: سامر.تراجعت كارما إلى الخلف بخطوات غير متزنة، وضغطت بيدها المرتجفتين على صدرها تحاول كبح ضربات قلبها المتسارعة التي هددت بالخروج من بين أضلعها. لم يكن هذا الدوار الذي يعصف بها في هذه اللحظة ناتجاً عن الورم المستقر في قاع دماغها، بل كان نوبة ذهول عارمة شلت تفكيرها كلياً. كيف وصل إلى هنا بهذه السرعة؟ كيف استطاع أن يخترق نظام السرية المحكم الذي فرضته على حركات سفرها؟ والأهم من ذلك كله... لماذا ينحني رجل بكبريائه وكرامته ليتتبع
هبطت الطائرة الخاصة في مطار زيورخ الدولي وسط أجواء سويسرية باردة، حيث كانت ندف الثلج الخفيفة تتساقط على مدارج المطار كغبار أبيض ناعم. خرجت كارما من صالة الكبار وهي تلف جسدها النحيل بمعطفها الأسود الثقيل، تحيط بها هالة من الصمت والجفاء الذي يعكس جليد المدينة.كان في استقبالها طبيب خاص وسائق ينتميان لمشفى ألكسندر المتخصص في جراحة الأعصاب التجريبية. صعدت كارما إلى السيارة السوداء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعيناها الشاخصتان تتطلعان عبر النافذة المظللة إلى جبال الألب المغطاة بالبيوض، بينما كان هاتفها الصغير ينبض بالرسائل الملغاة والمكالمات المتكررة من والدها مراد بك ومكتب الشركة الرئيسي.أغلقت كارما الهاتف كلياً ووضعته في قعر حقيبتها، ثم أخذت نفساً عميقاً متقطعاً وهي تمسح وجهها المجهد. كانت تعلم أن غيابها دون إذن مجلس الإدارة سيعطي فرصة ذهبية للمتربصين بها في العاصمة، لكنها لم تكن تملك خياراً آخر؛ فالطبيب أكد لها في رسالته الشديدة أن نوبات الفقدان المؤقت للذاكرة ستتكرر بشكل أسرع وأقسى إذا لم تبدأ بجلسات المحفزات الدماغية الصدمية فوراً.وصلت السيارة إلى مبنى المشفى الراقي التابع على حافة إحد
كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً حين خيم سكون مريب وثقيل على جناح كارما في الطابق الثاني من قصر آل القمة. لم يكن في الغرفة سوى ضوء خافت ينبعث من مصباح الطاولة الخشبي، يلقي بظلال ممتدة على الجدران المغطاة بالحرير الكحلي.فتحت كارما حقيبتها الجلدية الصغيرة على عجَل ، وكانت يداها المرتجفتان تصدران صوتاً خفيفاً وهي تضع فيها أظرف الملفات الطبية المشفرة، وتذكرة طيران خاصة برحلة شارتر حُجزت باسمها قبل ساعات قليلة، متجهة مباشرة إلى مطار زيورخ في سويسرا.وقفت كارما لثوانٍ أمام المرآة الكبيرة المذهبة في ركن الغرفة. كانت تفاصيل وجهها الشاحب تبدو جلية تحت الضوء الخافت؛ الشحوب يبتلع نضارة بشرتها، والظلال الداكنة تحت عينيها تتسع كخارطة وجع خفي لا يمكن طمسها بمساحيق التجميل بعد الآن. رفعت يدها لتلمس وجنتها المجهدة، وسقطت من عينها دمعة حارقة وفرت رغماً عن كبريائها المتصلب.تمتمت بنبرة خافتة تحنقت في حلقها:"سيكون كل شيء أسهل بدون وجودي... سيتفرغ والدي لإدارة الشركة بعيداً عن أزمتي، وسيعود سامر إلى حياته البسيطة في قرية النخيل دون أن ينحني تحت عبء زوجة تموت بالتقسيط كل يوم."أغلقت الحقيبة ببطء، وسحب
مرت الساعات الأولى من صباح اليوم التالي على قصر آل القمة ثقيلة كأنها دهور. لم تشرق الشمس بضوئها المعتاد، بل تلفحت بستائر من الضباب الرمادي الذي غشى جدران القصر الرخامية.في الطابق الثاني، كان سامر يقف أمام نافذة ممر جناحيهما الفاصل، يرتدي بدلته الرسمية الداكنة، وعيناه المحاطتان بسواد الإرهاق ترتقبان خروج كارما. لم ينم دقيقة واحدة؛ كانت كلماتها في الطابق الخمسين: الشفقة أشد ألماً من الخيانة تدور في رأسه كسكين تثرم روحه بلا رحمة.انفتح باب جناح كارما ببطء. خرجت ترتدي طقماً رسمياً باللون الكحلي الداكن، بشعر مشدود إلى الخلف وزينة خفيفة لم تفلح في إخفاء الشحوب المفاجئ الذي يعلو بشرتها.خطا سامر نحوها بلهفة مكتومة، وقال بصوت خفيض بحت فيه النبرة:"كارما... صباح الخير. دعيني أرافقك إلى الشركة اليوم، نحتاج إلى..."قطعت كلامه دون أن تنظر في عينيه، متجاوزة إياه ببرود قاتل أشد قسوة من أي صراخ.قالت وهي تواصل سيرها نحو الدرج الرئيسي:"سائقي الخاص بانتظاري في الأسفل. ومن اليوم يا سيد سامر، ملفاتي ومواعيدي الشخصية أصبحت تحت إشراف مكتبي الخاص فقط. لا داعي لتمثيل دور الزوج الحريص بعد الآن."وقف سامر و







