LOGINتلبدت سماء منتجع جبل النسر بسحب ركامية داكنة، وسرعان ما انهمر المطر بغزارة ليغسل آثار الدماء المتبقية على الثلج. في الصالون الرئيسي للكوخ الخشبي الكبير، خيم صمت ثقيل يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
كان مراد بك يقف أمام المدفأة الحجرية المشتعلة، يمسك بكأس شاي دافئ، وعيناه النافذتان تتنقلان بين الحاضرين. على الأريكة الجلدية، كانت كارما تجلس متلفعة ببطانية صوفية، وإلى جانبها ينكب طبيب العائلة الخاص على فحص نبضها وضغط دمها بعد الهلع الذي مرت به. قدم سامر من الممر الخارجي بعد أن غسل يديه من أثر البارود. كان يبدو هادئاً، لكن ملامح وجهه تحمل حزماً غير معهود. وقف بالقرب من الشرفة، يراقب زياد الذي كان يجلس على كرسي منفرد، يحاول رسم ملامح الأسف والصدمة على وجهه الوسيم. قال مراد بك بصوت صارم هز جدران الكوخ: "كيف يصل خنزير بري إلى المنطقة الخاصة بنا؟ أين كان حراس المنتجع؟ وأين إدارة الصيانة؟" تقدم رئيس حراس المنتجع بخطوات مرتجفة، ورأسه منحني للأسفل: "سيدي مراد بك... الأسلاك الشائكة في الممر الجانبي تم قصها بآلة حديدية حديثة. القطع نظيف ومقصود، ويبدو أن الشخص الذي فعله كان يعرف تماماً جدول تنقل الست كارما في هذا الممر." ارتفع حاجبا مراد بك بغضب، والتفت فجأة نحو زياد وقال: "سيد زياد... أنت من اقترح على كارما الذهاب إلى ذلك الممر الجانبي لالتقاط الصور. كيف عرفت بشأن ذلك الطريق؟" ساد التوتر في القاعة، وتوجهت الأبصار كلها نحو زياد. استجمع زياد ثباته بسرعة، ورفع يديه بمظهر بريء، ثم قال بنبرة هادئة ومقنعة: "مراد بك... أنا حجزت هذا المنتجع بالكامل لإسعادكم، وقبل وصولكم طلبت من إدارة المنتجع الخريطة السياحية للمكان، وكان الممر المذكور مدوناً فيها كأفضل إطلالة للجبل. هل تعتقد حقاً أنني قد أعرّض حياة كارما للخطر؟ كارما صديقة عمري منذ أيام دراستنا في لندن، وحياتها تهمني أكثر من أي صفقة تجارية." تدخلت كارما بصوت خافت لكنه مسموع للجميع: "أبي... زياد ليس له علاقة بالمرور، هو لم يكن يعلم أن السلك مقطوع." نظر سامر إلى كارما، ثم أدار عينيه نحو زياد. كان يعلم تماماً أن زياد أذكى من أن يترك أثراً مباشراً خلفه، لكن التوقيت والظروف كانتا تشيران إلى أن هناك يداً خفية تتحرك في الكواليس لإرباك العائلة ولعب دور المنقذ. خطا سامر خطوة إلى الأمام، وسلط نظراته الثاقبة على زياد وقال: "ربما لم تقطع السلك بيدك يا سيد زياد... لكن المؤكد أن هناك من استغل وجودنا هنا لتدبير حادث يبدو قضاءً وقصراً. وبصفتي المستشار القانوني لمجموعة القمة، فتحتُ تحقيقاً رسمياً مع شرطة المنطقة وسحبتُ تسجيلات كاميرات المراقبة المحيطة بالسياج قبل أن يتم مسحها." لمعت عين زياد بشرارة غضب خاطفة لم يلاحظها أحد سوى سامر، ثم ابتسم ابتسامة باهتة وقال: "هذا تصرف حكيم منك يا سيد سامر... يبدو أنك لست بارعاً في القوانين فقط، بل في إطلاق النار والتحقيق أيضاً. أحييك على شجاعتك في إنقاذ كارما اليوم." رد سامر ببرود صلب: "حماية زوجتي هي واجبي الأول والأخير، ولا أحتاج ثناءً عليها من أحد." في منتصف الليل، بعد أن هدأت العاصفة وعاد الجميع إلى غرفهم، كانت كارما تستلقي على السرير في الغرفة المخصصة لهما بالمنتجع. كانت أضواء الخشب الخافتة تنعكس على ملامحها المجهدة. دخل سامر الغرفة وهو يحمل كوباً من الأعشاب الدافئة. اقترب من السرير، ووضعه على الطاولة المجاورة، ثم جلس على حافة السرير ببطء. نظرت إليه كارما لبرهة، ثم قالت بصوت يحمل دفئاً نادراً: "سامر... لم تسألني حتى الآن عن سبب إغمائي في الحفل، ولا عن سبب تجمدي في مكاني عندما هجم الخنزير اليوم." نظر سامر في عينيها بحنان مكتوم، وأمسك بيدها الباردة بين كفيه وقال: "لأنني لا أريد الضغط عليكِ. عندما تكونين جاهزة للحديث، سأكون هنا لأسمعكِ." اضطربت أنفاس كارما، وشعرت بغصة تكتم أنفاسها. كانت تريد أن تصرخ وتخبره بالحقيقة القاسية: "أنا أموت يا سامر... لدي ورم في دماغي ولم يبقَ لي سوى أعياد قليلة في هذه الحياة." لكنها خافت أن تنهار صورتها القوية أمامه، فاكتفت بالضغط على يده بقوة وقالت: "شكراً لأنك كنت هناك... لو لم تكن موجوداً اليوم لكانت نهايتي." انحنى سامر وقبّل جبينها برفق، قُبلة دافئة أذابت جبال الجليد التي تراكمت بينهما طوال سنوات زواجهما الجاف. قال بهمس قرب أذنها: "لن تكون هناك نهاية وأنا بجانبكِ... استريحي الآن." وفي تلك اللحظة بالذات، بينما كانت كارما تغمض عينيها بأمان بين ذراعي سامر، كان زياد يقف في شرفة كوخه المجاور تحت المطر، يمسك بهاتفه المحمول ويتحدث مع شخص غامض عبر الخدمة المشفرة. قال زياد بصوت خفيض ملؤه الغل والتحريض: "خطتك الفاشلة في المنتجع جعلت هذا المستشار البائس يبدو كبطل في نظرها... تسريع الخطوة التالية فوراً. أريد وثائق التحويل المالي الجاهزة، وحان الوقت لنكشف لكارما أسرار زوجها المصون ووثيقة الطلاق التي يخفيها في مكتبه!" أغلق زياد الهاتف ورمق كوخ سامر وكارما بنظرة مظلمة، معلناً بداية مرحلة جديدة من الحرب المكشوفة في العاصمة!كانت خطوط المطر الغزير تضرب نوافذ السيارة المتسارعة على الطريق السريع المؤدي إلى العاصمة كسهام زجاجية متتابعة. في المقعد الخلفي، كان سامر يجلس بجمود تام، وعيناه الشاخصتان تعكسان أضواء الشوارع الخافتة والظلام المخيم على أفق المدينة. بين يديه الثقيلتين، كان يمسك بالحقيبة الجلدية السوداء التي تحتوي على كافة التوكيلات الاستثمارية القديمة، وسجلات العقود العقارية لمشروع القمة تاون، والوثائق الحصرية الموقعة من مراد بك قبل مرضه.كانت الساعة في معصمه تشير إلى مرور ثلاث ساعات ونصف على بدء جلسة العلاج الصدمي لكارما في مشفى زيورخ. كان جسده هنا في العاصمة، يتهيأ لخوض معركة قانونية ومالية حاسمة، لكن عقله وروحه كانا هناك... معلقين خلف جدار قاعة العلاج التجريبي، يراغبان يد كارما الباردة ونبضات قلبها المنهك تحت رحمة الأجهزة الدماغية المعقدة.اهتز الهاتف في جيبه، فرفعه فوراً ليجد صوت المحامي نبيل يأتيه من الطرف الآخر مشحوناً بنبرة استنفار حاد وسباق مع الزمن:"سامر! أين أصبحت؟ زياد يسيطر على القاعة الرئيسية بالطابق الخمسين بالكامل! لقد جلب معه كبار الدائنين وأقنعهم بأن المجموعة تتجه نحو الإفلاس الوشيك ب
بعد دقائق مرت كأنها دهور من التطهير العاطفي وإعادة بناء الثقة، استعادت كارما بعض أنفاسها المتقطعة، لكنها لم تبتعد عن حضن سامر؛ كانت تتمسك بمعطفه كأنه طوق النجاة الوحيد لها في هذا العالم الموحش. كانت نبرة صوتها حين تحدثت هذه المرة خالية من كل قسوة وكبرياء، مملوءة بخوف طفولي نقي وعجز إنساني صادق:"سامر... أنا خائفة جداً. أنا أفقد ذاكرتي تدريجياً. بالأمس في اجتماع مجلس الإدارة لم أتعرف على وجوه كبار المستثمرين الذين أتعامل معهم منذ سنوات، وسقط القلم من يدي لأن عقلي توقف عن استيعاب المكان. الطبيب يقول إن الورم يضغط على الشرايين الرئيسية في قاع الدماغ، وإن العلاج التجريبي هنا قد يثبت حجم الورم ويمنع نموه، ولكنه في نفس الوقت قد يسلبني ذكرياتي الأخيرة كلياً بسبب الصدمات الكهربائية... أنا خائفة من أن أصحو في يوم قريب فلا أتعرف عليك، ولا أتذكر حتى اسمي أو حبي لك."مسح سامر دموعها بإبهامه بحنان بالغ وهو ينظر في عمق عينيها بثبات قاطع لا يتزعزع:"إن نسيتِ اسمكِ، سأكون أنا صوتكِ الذي يذكركِ به كل صباح عند شروق الشمس. وإن نسيتِ وجهي، سأحبكِ من جديد كل يوم وأتودد إليكِ وكأننا نلتقي للمرة الأولى في ه
تردد صوت تحطم الكأس الزجاجي في أرجاء الشرفة العالية كصرخة مكتومة شقت سكون الجليد المخيم على بحيرة زيورخ. تناثرت الشظايا البلورية على الأرضية الخشبية المكسوة بطبقة رقيقة من الثلج، لكن كارما لم تتحرك من مكانها أنشاً واحداً. كانت يداها الشاحبتان متجمدتين في الهواء، وعيناها اللتان اتسعتا لفرط الصدمة ترتقبان ذلك الظل القابع تحت شجرة الصنوبر الكثيفة في الأسفل.كانت ندف الثلج المتساقطة تتراكم ببطء على كتفي المعطف الأسود الذي يرتديه ذلك الرجل، لكن ملامحه، ووقفته، والطريقة التي كان يرفض بها الانحناء أمام البرد القارس؛ كل شيء فيه كان يصرخ باسم واحد زلزل أركان روحها المنهكة: سامر.تراجعت كارما إلى الخلف بخطوات غير متزنة، وضغطت بيدها المرتجفتين على صدرها تحاول كبح ضربات قلبها المتسارعة التي هددت بالخروج من بين أضلعها. لم يكن هذا الدوار الذي يعصف بها في هذه اللحظة ناتجاً عن الورم المستقر في قاع دماغها، بل كان نوبة ذهول عارمة شلت تفكيرها كلياً. كيف وصل إلى هنا بهذه السرعة؟ كيف استطاع أن يخترق نظام السرية المحكم الذي فرضته على حركات سفرها؟ والأهم من ذلك كله... لماذا ينحني رجل بكبريائه وكرامته ليتتبع
هبطت الطائرة الخاصة في مطار زيورخ الدولي وسط أجواء سويسرية باردة، حيث كانت ندف الثلج الخفيفة تتساقط على مدارج المطار كغبار أبيض ناعم. خرجت كارما من صالة الكبار وهي تلف جسدها النحيل بمعطفها الأسود الثقيل، تحيط بها هالة من الصمت والجفاء الذي يعكس جليد المدينة.كان في استقبالها طبيب خاص وسائق ينتميان لمشفى ألكسندر المتخصص في جراحة الأعصاب التجريبية. صعدت كارما إلى السيارة السوداء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعيناها الشاخصتان تتطلعان عبر النافذة المظللة إلى جبال الألب المغطاة بالبيوض، بينما كان هاتفها الصغير ينبض بالرسائل الملغاة والمكالمات المتكررة من والدها مراد بك ومكتب الشركة الرئيسي.أغلقت كارما الهاتف كلياً ووضعته في قعر حقيبتها، ثم أخذت نفساً عميقاً متقطعاً وهي تمسح وجهها المجهد. كانت تعلم أن غيابها دون إذن مجلس الإدارة سيعطي فرصة ذهبية للمتربصين بها في العاصمة، لكنها لم تكن تملك خياراً آخر؛ فالطبيب أكد لها في رسالته الشديدة أن نوبات الفقدان المؤقت للذاكرة ستتكرر بشكل أسرع وأقسى إذا لم تبدأ بجلسات المحفزات الدماغية الصدمية فوراً.وصلت السيارة إلى مبنى المشفى الراقي التابع على حافة إحد
كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً حين خيم سكون مريب وثقيل على جناح كارما في الطابق الثاني من قصر آل القمة. لم يكن في الغرفة سوى ضوء خافت ينبعث من مصباح الطاولة الخشبي، يلقي بظلال ممتدة على الجدران المغطاة بالحرير الكحلي.فتحت كارما حقيبتها الجلدية الصغيرة على عجَل ، وكانت يداها المرتجفتان تصدران صوتاً خفيفاً وهي تضع فيها أظرف الملفات الطبية المشفرة، وتذكرة طيران خاصة برحلة شارتر حُجزت باسمها قبل ساعات قليلة، متجهة مباشرة إلى مطار زيورخ في سويسرا.وقفت كارما لثوانٍ أمام المرآة الكبيرة المذهبة في ركن الغرفة. كانت تفاصيل وجهها الشاحب تبدو جلية تحت الضوء الخافت؛ الشحوب يبتلع نضارة بشرتها، والظلال الداكنة تحت عينيها تتسع كخارطة وجع خفي لا يمكن طمسها بمساحيق التجميل بعد الآن. رفعت يدها لتلمس وجنتها المجهدة، وسقطت من عينها دمعة حارقة وفرت رغماً عن كبريائها المتصلب.تمتمت بنبرة خافتة تحنقت في حلقها:"سيكون كل شيء أسهل بدون وجودي... سيتفرغ والدي لإدارة الشركة بعيداً عن أزمتي، وسيعود سامر إلى حياته البسيطة في قرية النخيل دون أن ينحني تحت عبء زوجة تموت بالتقسيط كل يوم."أغلقت الحقيبة ببطء، وسحب
مرت الساعات الأولى من صباح اليوم التالي على قصر آل القمة ثقيلة كأنها دهور. لم تشرق الشمس بضوئها المعتاد، بل تلفحت بستائر من الضباب الرمادي الذي غشى جدران القصر الرخامية.في الطابق الثاني، كان سامر يقف أمام نافذة ممر جناحيهما الفاصل، يرتدي بدلته الرسمية الداكنة، وعيناه المحاطتان بسواد الإرهاق ترتقبان خروج كارما. لم ينم دقيقة واحدة؛ كانت كلماتها في الطابق الخمسين: الشفقة أشد ألماً من الخيانة تدور في رأسه كسكين تثرم روحه بلا رحمة.انفتح باب جناح كارما ببطء. خرجت ترتدي طقماً رسمياً باللون الكحلي الداكن، بشعر مشدود إلى الخلف وزينة خفيفة لم تفلح في إخفاء الشحوب المفاجئ الذي يعلو بشرتها.خطا سامر نحوها بلهفة مكتومة، وقال بصوت خفيض بحت فيه النبرة:"كارما... صباح الخير. دعيني أرافقك إلى الشركة اليوم، نحتاج إلى..."قطعت كلامه دون أن تنظر في عينيه، متجاوزة إياه ببرود قاتل أشد قسوة من أي صراخ.قالت وهي تواصل سيرها نحو الدرج الرئيسي:"سائقي الخاص بانتظاري في الأسفل. ومن اليوم يا سيد سامر، ملفاتي ومواعيدي الشخصية أصبحت تحت إشراف مكتبي الخاص فقط. لا داعي لتمثيل دور الزوج الحريص بعد الآن."وقف سامر و







