Home / الرومانسية / زواج ثلاث أشهر فقط / الفصل العاشر: تذكرة إلى الغياب

Share

الفصل العاشر: تذكرة إلى الغياب

last update publish date: 2026-10-17 01:34:51

كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً حين خيم سكون مريب وثقيل على جناح كارما في الطابق الثاني من قصر آل القمة. لم يكن في الغرفة سوى ضوء خافت ينبعث من مصباح الطاولة الخشبي، يلقي بظلال ممتدة على الجدران المغطاة بالحرير الكحلي.

فتحت كارما حقيبتها الجلدية الصغيرة على عجَل ، وكانت يداها المرتجفتان تصدران صوتاً خفيفاً وهي تضع فيها أظرف الملفات الطبية المشفرة، وتذكرة طيران خاصة برحلة شارتر حُجزت باسمها قبل ساعات قليلة، متجهة مباشرة إلى مطار زيورخ في سويسرا.

وقفت كارما لثوانٍ أمام المرآة الكبيرة المذهبة في ركن الغرفة. كانت تفاصيل وجهها الشاحب تبدو جلية تحت الضوء الخافت؛ الشحوب يبتلع نضارة بشرتها، والظلال الداكنة تحت عينيها تتسع كخارطة وجع خفي لا يمكن طمسها بمساحيق التجميل بعد الآن. رفعت يدها لتلمس وجنتها المجهدة، وسقطت من عينها دمعة حارقة وفرت رغماً عن كبريائها المتصلب.

تمتمت بنبرة خافتة تحنقت في حلقها:

"سيكون كل شيء أسهل بدون وجودي... سيتفرغ والدي لإدارة الشركة بعيداً عن أزمتي، وسيعود سامر إلى حياته البسيطة في قرية النخيل دون أن ينحني تحت عبء زوجة تموت بالتقسيط كل يوم."

أغلقت الحقيبة ببطء، وسحبت هاتفها لتتأكد من إتمام الترتيبات السرية مع سائقها الخاص والمشرف الطبي في سويسرا، مُشددة في الرسالة على عدم إبلاغ أي فرد من عائلتها أو قسم الشؤون القانونية بالقصر بجهة سفرها أو تفاصيل رحلتها.

في الجناح المقابل على بعد خطوات في الممر الفاصل، لم يكن سامر قد ذاق طعم النوم. كان يجلس خلف مكتبه الخشبي الداكن، وأوراق القضايا العقارية مبعثرة أمامه دون أن ينظر في حرف واحد منها. كانت فتاوى القانون ونصوص العقود تبدو بلا قيمة أمام الصورة التي لم تفارق ذهنه منذ الظهيرة: صورة كارما وهي تتهاوى بين يديه في شرفة الشركة، ونظرة الوداع الغريبة الممتلئة بالانكسار والغموض التي ألقتها عليه قبل أن تدير ظهرها وتغادر.

كان حسه الاستثنائي يخبره بأن هناك خطراً محدقاً وشيكاً، وأن برود كارما المفاجئ لم يكن مجرد تنكر عاطفي بسبب مسودة الطلاق، بل كان ستاراً تخفي خلفه قراراً خطيراً.

وفجأة... اقتطع صمت الليل صوت خطوات خفيفة جداً، تكاد لا تُسمع، تسير في الممر الخارجي باتجاه السلم الخلفي المخصص للخدم والمخرج الفرعي للقصر.

وقف سامر مسرعاً، وارتدى معطفه الداكن وهو يفتح باب جناحه ببطء حرصاً على ألا يصدر أي صوت. استرق النظر عبر الممر الفسيح، فرأى القامة النحيلة لكارما وهي تهبط درجات السلم بخطوات متكتمة وسريعة، ترتدي معطفاً أسود طويلاً وتجر خلفها حقيبة سفر صغيرة.

انتاب سامر شعور عارم بالهلع؛ انطلق خلفها بخطوات حذرة، لكن فور وصوله إلى البوابة الخلفية للقصر، كانت كارما قد أغلقت باب السيارة السوداء المظللة التي كانت بانتظارها عند عتبة الفناء، لتنطلق بها السيارة بسرعة جنونية في عتمة الطريق السريع المؤدي إلى المطار.

لم يضيع سامر ثانية واحدة؛ اندفع بخطوات متسارعة نحو غرفة المتابعة الأمنية والإدارية في الطابق السفلي للقصر. استخدم صلاحياته الاستثنائية بصفته كبير المستشارين القانونيين للعائلة، وفتح النظام الإلكتروني الخاص بتتبع التصاريح وحركات الطيران الخاصة بآل القمة.

وهناك... جمدت الدماء في عروقه وتوقف نبضه لفرط الصدمة.

ظهر على شاشة الحساب المالي والإداري تصريح طيران خاص صادر قبل ساعتين فقط باسم كارما مراد القمة، متجهاً مباشرة إلى زيورخ في سويسرا، ومرفقاً بملف طبي محظور رمزي مرمز بشرط الخصوصية المطلقة.

ضرب سامر قبضة يده على الطاولة الخشبية بقوة اهتزت لها شاشات العرض، وهو يصيح بصوت تحنقت فيه اللوعة والعجز:

"زيورخ... سويسرا! رحلت وحدها في منتصف الليل لتواجه ذلك الظلام دون أن تخبر أحداً!"

وفي تلك الأثناء، وفي مقر مجموعة القمة الاستثمارية بالطابق الخمسين، كان زياد يقف في مكتب كارما المغلق، يتصفح جدول مواعيدها الملغاة ابتسامة انتصار خبيثة تزين وجهه. كان قد تلقى إشعاراً سرياً من جاسوسه المأجور داخل القصر يؤكد خروج كارما المفاجئ بحقائب السفر.

ابتسم زياد وهو يفرك يديه ببطء، وقال لمساعده القائم بجانبه:

"لقد سقطت الثمرة النضجة في أيدينا أسرع مما توقعنا... استدعِ أعضاء مجلس الإدارة لانعقاد طارئ صباح الغد بحجة غياب رئيسة التنفيذ، وسنبدأ بنقل صلاحيات إدارة الأسهم لصالح شركتنا الاستثمارية فوراً."

لكن زياد لم يكن يعلم أن سامر كان يجهز رداً قاطعاً في الضفة الأخرى.

انطلق سامر إلى جناحه، جمع وثائقه الرسمية وجواز سفره في حقيبة ظهر صغيرة، وحجز على أول رحلة تجارية متجهة إلى سويسرا. كان يعلم تمام العلم أن لحاقه بها وتدخله في قرارها يمثل مخاطرة كبيرة بمهنته وبوجوده في القصر، خاصة بعد تحذيراتها القاطعة له بعدم التدخل في حياتها الشخصية، لكن حبه الصادق وخوفه الدفين على حياتها كانا أكبر بكثير من كبرياء القانون والوثائق.

وقف سامر عند بوابة مطار العاصمة، ينظر إلى لوحة المغادرة المضيئة وسط زحام المسافرين، وأقسم في سرّه وهو يخطو نحو بوابة التفتيش:

"لن أترككِ تواجهين هذا الظلام وحدكِ يا كارما... حتى لو جئتُ كظلكِ الذي تحاولين الهرب منه!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زواج ثلاث أشهر فقط    الفصل الرابع عشر: معركة الطابق الخمسين

    كانت خطوط المطر الغزير تضرب نوافذ السيارة المتسارعة على الطريق السريع المؤدي إلى العاصمة كسهام زجاجية متتابعة. في المقعد الخلفي، كان سامر يجلس بجمود تام، وعيناه الشاخصتان تعكسان أضواء الشوارع الخافتة والظلام المخيم على أفق المدينة. بين يديه الثقيلتين، كان يمسك بالحقيبة الجلدية السوداء التي تحتوي على كافة التوكيلات الاستثمارية القديمة، وسجلات العقود العقارية لمشروع القمة تاون، والوثائق الحصرية الموقعة من مراد بك قبل مرضه.كانت الساعة في معصمه تشير إلى مرور ثلاث ساعات ونصف على بدء جلسة العلاج الصدمي لكارما في مشفى زيورخ. كان جسده هنا في العاصمة، يتهيأ لخوض معركة قانونية ومالية حاسمة، لكن عقله وروحه كانا هناك... معلقين خلف جدار قاعة العلاج التجريبي، يراغبان يد كارما الباردة ونبضات قلبها المنهك تحت رحمة الأجهزة الدماغية المعقدة.اهتز الهاتف في جيبه، فرفعه فوراً ليجد صوت المحامي نبيل يأتيه من الطرف الآخر مشحوناً بنبرة استنفار حاد وسباق مع الزمن:"سامر! أين أصبحت؟ زياد يسيطر على القاعة الرئيسية بالطابق الخمسين بالكامل! لقد جلب معه كبار الدائنين وأقنعهم بأن المجموعة تتجه نحو الإفلاس الوشيك ب

  • زواج ثلاث أشهر فقط    الفصل الثالث عشر: صدمة الذاكرة ومؤامرة العاصمة

    بعد دقائق مرت كأنها دهور من التطهير العاطفي وإعادة بناء الثقة، استعادت كارما بعض أنفاسها المتقطعة، لكنها لم تبتعد عن حضن سامر؛ كانت تتمسك بمعطفه كأنه طوق النجاة الوحيد لها في هذا العالم الموحش. كانت نبرة صوتها حين تحدثت هذه المرة خالية من كل قسوة وكبرياء، مملوءة بخوف طفولي نقي وعجز إنساني صادق:"سامر... أنا خائفة جداً. أنا أفقد ذاكرتي تدريجياً. بالأمس في اجتماع مجلس الإدارة لم أتعرف على وجوه كبار المستثمرين الذين أتعامل معهم منذ سنوات، وسقط القلم من يدي لأن عقلي توقف عن استيعاب المكان. الطبيب يقول إن الورم يضغط على الشرايين الرئيسية في قاع الدماغ، وإن العلاج التجريبي هنا قد يثبت حجم الورم ويمنع نموه، ولكنه في نفس الوقت قد يسلبني ذكرياتي الأخيرة كلياً بسبب الصدمات الكهربائية... أنا خائفة من أن أصحو في يوم قريب فلا أتعرف عليك، ولا أتذكر حتى اسمي أو حبي لك."مسح سامر دموعها بإبهامه بحنان بالغ وهو ينظر في عمق عينيها بثبات قاطع لا يتزعزع:"إن نسيتِ اسمكِ، سأكون أنا صوتكِ الذي يذكركِ به كل صباح عند شروق الشمس. وإن نسيتِ وجهي، سأحبكِ من جديد كل يوم وأتودد إليكِ وكأننا نلتقي للمرة الأولى في ه

  • زواج ثلاث أشهر فقط    الفصل الثاني عشر: انكسار الزجاج بين ثلوج زيورخ

    تردد صوت تحطم الكأس الزجاجي في أرجاء الشرفة العالية كصرخة مكتومة شقت سكون الجليد المخيم على بحيرة زيورخ. تناثرت الشظايا البلورية على الأرضية الخشبية المكسوة بطبقة رقيقة من الثلج، لكن كارما لم تتحرك من مكانها أنشاً واحداً. كانت يداها الشاحبتان متجمدتين في الهواء، وعيناها اللتان اتسعتا لفرط الصدمة ترتقبان ذلك الظل القابع تحت شجرة الصنوبر الكثيفة في الأسفل.كانت ندف الثلج المتساقطة تتراكم ببطء على كتفي المعطف الأسود الذي يرتديه ذلك الرجل، لكن ملامحه، ووقفته، والطريقة التي كان يرفض بها الانحناء أمام البرد القارس؛ كل شيء فيه كان يصرخ باسم واحد زلزل أركان روحها المنهكة: سامر.تراجعت كارما إلى الخلف بخطوات غير متزنة، وضغطت بيدها المرتجفتين على صدرها تحاول كبح ضربات قلبها المتسارعة التي هددت بالخروج من بين أضلعها. لم يكن هذا الدوار الذي يعصف بها في هذه اللحظة ناتجاً عن الورم المستقر في قاع دماغها، بل كان نوبة ذهول عارمة شلت تفكيرها كلياً. كيف وصل إلى هنا بهذه السرعة؟ كيف استطاع أن يخترق نظام السرية المحكم الذي فرضته على حركات سفرها؟ والأهم من ذلك كله... لماذا ينحني رجل بكبريائه وكرامته ليتتبع

  • زواج ثلاث أشهر فقط    الفصل الحادي عشر: ظلال فوق ثلوج زيورخ

    هبطت الطائرة الخاصة في مطار زيورخ الدولي وسط أجواء سويسرية باردة، حيث كانت ندف الثلج الخفيفة تتساقط على مدارج المطار كغبار أبيض ناعم. خرجت كارما من صالة الكبار وهي تلف جسدها النحيل بمعطفها الأسود الثقيل، تحيط بها هالة من الصمت والجفاء الذي يعكس جليد المدينة.كان في استقبالها طبيب خاص وسائق ينتميان لمشفى ألكسندر المتخصص في جراحة الأعصاب التجريبية. صعدت كارما إلى السيارة السوداء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعيناها الشاخصتان تتطلعان عبر النافذة المظللة إلى جبال الألب المغطاة بالبيوض، بينما كان هاتفها الصغير ينبض بالرسائل الملغاة والمكالمات المتكررة من والدها مراد بك ومكتب الشركة الرئيسي.أغلقت كارما الهاتف كلياً ووضعته في قعر حقيبتها، ثم أخذت نفساً عميقاً متقطعاً وهي تمسح وجهها المجهد. كانت تعلم أن غيابها دون إذن مجلس الإدارة سيعطي فرصة ذهبية للمتربصين بها في العاصمة، لكنها لم تكن تملك خياراً آخر؛ فالطبيب أكد لها في رسالته الشديدة أن نوبات الفقدان المؤقت للذاكرة ستتكرر بشكل أسرع وأقسى إذا لم تبدأ بجلسات المحفزات الدماغية الصدمية فوراً.وصلت السيارة إلى مبنى المشفى الراقي التابع على حافة إحد

  • زواج ثلاث أشهر فقط    الفصل العاشر: تذكرة إلى الغياب

    كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً حين خيم سكون مريب وثقيل على جناح كارما في الطابق الثاني من قصر آل القمة. لم يكن في الغرفة سوى ضوء خافت ينبعث من مصباح الطاولة الخشبي، يلقي بظلال ممتدة على الجدران المغطاة بالحرير الكحلي.فتحت كارما حقيبتها الجلدية الصغيرة على عجَل ، وكانت يداها المرتجفتان تصدران صوتاً خفيفاً وهي تضع فيها أظرف الملفات الطبية المشفرة، وتذكرة طيران خاصة برحلة شارتر حُجزت باسمها قبل ساعات قليلة، متجهة مباشرة إلى مطار زيورخ في سويسرا.وقفت كارما لثوانٍ أمام المرآة الكبيرة المذهبة في ركن الغرفة. كانت تفاصيل وجهها الشاحب تبدو جلية تحت الضوء الخافت؛ الشحوب يبتلع نضارة بشرتها، والظلال الداكنة تحت عينيها تتسع كخارطة وجع خفي لا يمكن طمسها بمساحيق التجميل بعد الآن. رفعت يدها لتلمس وجنتها المجهدة، وسقطت من عينها دمعة حارقة وفرت رغماً عن كبريائها المتصلب.تمتمت بنبرة خافتة تحنقت في حلقها:"سيكون كل شيء أسهل بدون وجودي... سيتفرغ والدي لإدارة الشركة بعيداً عن أزمتي، وسيعود سامر إلى حياته البسيطة في قرية النخيل دون أن ينحني تحت عبء زوجة تموت بالتقسيط كل يوم."أغلقت الحقيبة ببطء، وسحب

  • زواج ثلاث أشهر فقط    الفصل التاسع: جدار الجليد والأثر الغائب

    مرت الساعات الأولى من صباح اليوم التالي على قصر آل القمة ثقيلة كأنها دهور. لم تشرق الشمس بضوئها المعتاد، بل تلفحت بستائر من الضباب الرمادي الذي غشى جدران القصر الرخامية.في الطابق الثاني، كان سامر يقف أمام نافذة ممر جناحيهما الفاصل، يرتدي بدلته الرسمية الداكنة، وعيناه المحاطتان بسواد الإرهاق ترتقبان خروج كارما. لم ينم دقيقة واحدة؛ كانت كلماتها في الطابق الخمسين: الشفقة أشد ألماً من الخيانة تدور في رأسه كسكين تثرم روحه بلا رحمة.انفتح باب جناح كارما ببطء. خرجت ترتدي طقماً رسمياً باللون الكحلي الداكن، بشعر مشدود إلى الخلف وزينة خفيفة لم تفلح في إخفاء الشحوب المفاجئ الذي يعلو بشرتها.خطا سامر نحوها بلهفة مكتومة، وقال بصوت خفيض بحت فيه النبرة:"كارما... صباح الخير. دعيني أرافقك إلى الشركة اليوم، نحتاج إلى..."قطعت كلامه دون أن تنظر في عينيه، متجاوزة إياه ببرود قاتل أشد قسوة من أي صراخ.قالت وهي تواصل سيرها نحو الدرج الرئيسي:"سائقي الخاص بانتظاري في الأسفل. ومن اليوم يا سيد سامر، ملفاتي ومواعيدي الشخصية أصبحت تحت إشراف مكتبي الخاص فقط. لا داعي لتمثيل دور الزوج الحريص بعد الآن."وقف سامر و

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status