Home / الرومانسية / زواج لإنقاذ العائلة / الفصل الخامس: القرار

Share

الفصل الخامس: القرار

Author: Hani
last update publish date: 2026-09-21 00:08:38

جلست ياسمين مع أمها في غرفة المعيشة الدافئة التي عرفت فيها أمسيات كثيرة من ضحك أبيها، وحكت لها كل شيء بلا تجميل: الأرقام، والشروط، واسم الرجل. كانت سعاد تُصغي ويدها ترتجف على غطاء الأريكة، ثم قالت بصوت واهن: «لا أريدك أن تدفعي ثمن ما بناه أبوك.»

«الثمن دُفع يا أمي. أنا فقط أختار العملة.» حاولت أن تبتسم فلم تفلح. «لو أفلست الشركة سنبيع البيت، وأنتِ تحتاجين إلى علاجك كل شهر.»

أغلقت سعاد عينيها. حين فتحتهما كانت الدموع قد سالت بلا صوت. «كان أبوك سيقول لك: لا.»

«كان سيصرخ حتى يوقظ الجيران، ثم يجلس ويبحث عن حل. وأنا لا أجد حلًّا آخر.»

في المساء صعدت إلى غرفة فهد فوجدته يطوي ملابسه في حقيبة سفر. سألته: «إلى أين؟»

«أترك الجامعة.» لم ينظر إليها. «سأعمل في المصنع. الأخبار تقول إننا نغرق، وأنا هنا أضيّع وقتي على كتب لا تنفع أحدًا.»

انتزعت الحقيبة من يده وقلبتها على السرير. «أبي حلم أن تتخرج. ستعود إلى قاعتك غدًا في الثامنة.»

«لا تعامليني كطفل يا ياسمين!»

«أنت في العشرين وتحاول الهرب من الحزن بالعمل. أنا أعرف هذه الحيلة، فأنا أستخدمها منذ عشرة أيام.»

تجمّد فهد ثم جلس على حافة السرير، وقال بصوت مبحوح: «أنا آسف لأنك تفعلين هذا وحدك.»

«لستُ وحدي. نصيبك من الحرب أن تكمل دراستك وتعود إلى الشركة جاهزًا. هذا كل ما أطلبه.»

أومأ ببطء، ثم فعل شيئًا لم يفعله منذ الجنازة: مدّ ذراعيه وأخفى وجهه في كتفها.

في صباح اليوم التالي دخل خالد الفهيد مكتبها دون موعد، وجلس قبل أن يُدعى. «سمعتُ أنك تتجهين إلى عرض المطيري.»

«أخبارك أسرع من سكرتيرتي.»

«لديّ عرض أفضل: أشتري حصتك وحصة أخيك بسعر معقول، وتحتفظين بمنصب شرفي. لن تتزوجي رجلًا لا تعرفينه، ولن تفقدي الاسم.» ابتسم ابتسامة رجل يظن أن الباب مفتوح. «سبعة وثلاثون بالمئة من القيمة الدفترية.»

ضحكت ياسمين ضحكة قصيرة بلا حياة. «تعرض شراء إرث أبي بثمن ثلاثة مصانع مفلسة وتسمّيه إنقاذًا؟ ثم من أين عرفتَ أنني ألتقي المطيري؟ الموعد لم يعلمه سوى ستة أشخاص.»

تلعثم لحظة واحدة، وكانت كافية. ثم استعاد ابتسامته: «الأسواق تتكلم يا ابنتي.»

«اخرج يا أستاذ خالد.»

نهض ببطء وقال عند الباب: «ستندمين حين يبتلعك المطيري ولا يبقى لك حتى الاسم.»

«لن يبتلعني أحد. ولن أنسى أنك عرفتَ ما لم يكن ينبغي أن تعرفه.»

بعد ساعة اتصلت بسلطان. أجاب بنفسه، فقالت دون تحية: «أوافق، بشرط أن تُدرج شروطي كلها في العقد نصًّا، بلا كلمة واحدة تُعدَّل.»

«وصلتني الأوراق. ستكون كما كتبتِها.» ساد صمت قصير ثم أضاف: «وأرجو أن تخبريني من علم بموعدنا. سأتحقق من جهتي أيضًا.»

«وجدتُ مصدرًا محتملًا. سأخبرك حين أتأكد.»

«شكرًا لثقتك.»

«ليست ثقة. إنها حسابات.»

عُقد اجتماع المجلس في الظهيرة، وأعلنت ياسمين قرارها واقفة. ارتفعت الأصوات فورًا. قال أحدهم إنها تبيع اسم الحمود لأعدائه، وقال آخر إنها تنقذ ما لا يُنقَذ، وضرب الفهيد الطاولة بكفه: «هذا انتحار عائلي!» وقفت ياسمين ساكنة حتى هدأ الجميع، ثم قالت: «من يملك حلًّا أفضل فليضعه أمامي الليلة. من لا يملك فليصوّت.» لم يرفع أحد يده. أما عبد الرحمن، الذي ظلّ صامتًا طوال النقاش، فنهض وقال بصوت مهزوز: «أنا أصوّت مع ابنة طارق. لقد رأيتُها تعمل ثماني عشرة ساعة لأسبوعين متتاليين، ولم أرَ أحدًا منكم يعمل ساعة.» أُقرّ القرار بأغلبية ضئيلة.

قبل أن تنام، اقتحم فهد غرفتها وفي يده هاتفه. «هذه كلمات الصحيفة: زواج مقابل التمويل! الناس يقرؤون أن أختي صارت ضمانة!» كانت الجريدة قد نشرت الخبر فعلًا، بتفاصيل لا يعرفها إلا من حضر الاجتماعات. «ولماذا لم تخبريني أنتِ؟ لماذا أعرف من الصحافة كأنني غريب في هذا البيت؟»

«لأنني كنت أحاول ألّا أُحمّلك ما لا تطيق.»

«بل لأنكِ لا تثقين بي!» لوّح بالهاتف في وجهها ثم استدار وخرج. سمعته يغلق باب غرفته بقوة اهتزّ لها الممر. جلست ياسمين على طرف الفراش، وأدركت أن السر الذي حاولت حمايته عن أخيها قد سبقها إليه غريب.

ليلًا وقفت على شرفتها والمدينة تتلألأ تحتها. أخرجت بطاقة أبيها من جيبها وضغطتها بين أصابعها حتى انحنت. «سأنقذ كل ما بنيته يا أبي»، قالت للفراغ. «حتى لو اضطررتُ إلى أن أعيش مع رجل يظن أن الحب ضعف.» ثم فتحت هاتفها وكتبت رسالة قصيرة إلى الأستاذ منصور: «أريد قائمة بكل من اطّلع على ملفات الاتفاق. كل اسم، حتى السكرتيرات.»

ردّ منصور بعد دقيقة واحدة: «عندي القائمة بالفعل. وهناك سابع لا تعرفينه: مساعد المحامي الذي طبع الأوراق.» قرأت الرسالة مرتين ثم كتبت: «غدًا نبدأ منه.»

وقبل أن تطفئ النور نظرت إلى ورقتها القديمة على الطاولة: «١- الموظفون. ٢- إدارتي. ٣- كرامتي. ٤- ...» وكتبت بجانب الرقم الرابع أخيرًا: «لا أحد يعرف ما أفكر فيه قبل أن أقوله.»

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الخامس عشر: انفجار الفضيحة

    في صباح الاثنين استيقظت ياسمين على رنين هاتفها للمرة الخامسة قبل السابعة: منصور، مديرة العلاقات العامة، وأرقام لا تعرفها. فتحت أول رسالة وجدت فيها رابطًا وعنوانًا بخط أسود عريض: «أسرار خفية وراء زواج الحمود والمطيري: هل أخفت الوريثة الأزمة عن مجلسها؟»قرأت المقال واقفة في منتصف الغرفة. اتهامات ملفقة: أنها عرفت بالأزمة قبل موت أبيها بستة أشهر، ووقّعت تحويلين ماليين فاشلين، وأن الزواج صفقة انتهازية استغلت فيها موت أبيها. وتحت الفقرة الثالثة جدول صغير فيه رقم بخط عريض: أربعمئة وثلاثة وسبعون مليونًا.توقفت أصابعها على الشاشة. هذا الرقم كتبته بيدها في ملف واحد، ليراه رائد وحده. لم يوجد في أي مكان آخر في العالم. ارتجفت يدها، لا خوفًا هذه المرة. كان غضبًا بارد الأطراف، تشعر به كمن وجد الخيط الأول في عقدة طويلة. أمسكت هاتفها وضغطت رقم منصور.«رأيتَ المقال؟»«أقرؤه للمرة الثالثة. هذه اتهامات يمكن أن تُسقط أي شركة.»«انظر إلى الجدول الثالث. الرقم الذي ورد فيه هو الرقم الذي وضعناه لرائد وحده. المقال بُني على وثائق مرّت عبر رائد.»صمت منصور لحظة. «تأكدي قبل أن تتحركي. وأخبري سلطان قبل أن يصله من

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الرابع عشر: بداية المؤامرة

    لم يرَ بندر في هذا الزواج شيئًا يستحق الاحتفال، بل مقعدًا يُسحب من تحت قدميه. سبع سنوات قضاها في المجموعة يُقنع نفسه بأن دوره قادم، وحين أُعلن أن الحمود ستدخل تحت مظلة سلطان، أدرك أنه لن يصعد أبدًا ما دام ابن عمه هو الوريث الوحيد الذي يراه عمّه، وأن ياسمين ستجلس على المقعد الذي حلم به.صباح الاثنين دخل مكتب عمه يحمل طلب ترقية مكتوبًا بعناية: مدير عام للتوسع الإقليمي. قرأ سعود الورقة كاملة، ثم وضعها جانبًا. «مشروعك جيد يا بندر، لكنني أجّلته إلى ما بعد الاندماج.»«سيصير هذا المنصب لسلطان أو لزوجته، أليس كذلك؟»«المنصب للأجدر. وما زلتَ تحتاج أن تتعلم كيف تكسب ثقة من حولك.»«وأنا ابن أخيك، أيها العم. سبع سنوات لا أطلب شيئًا إلا حقي.»«الحق لا يُطالَب به بهذه النبرة.» قالها سعود بلا غضب، وعاد إلى أوراقه. «يمكنك الانصراف.»مشى بندر في الممر بخطى متوترة. أمام مكتب سلطان رأى الباب مفتوحًا وياسمين تضحك بصوت خافت على شيء يقوله ابن عمه، وسلطان يمسح جبينه بظهر يده وهو يبتسم. توقف عند العتبة ولم ينتبه إليه أحد منهما. كان قد حسم أمره: سيبحث عن من يحوّل الشك إلى عنوان.في مساء الأربعاء ارتدى معطفًا

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الثالث عشر: لحظات إنسانية

    مرّت ثلاثة أسابيع ولم يظهر الرقم المغلوط في أي مكان. بدأت ياسمين تظن أنها بالغت في الشك برائد، وأن الظرف الذي رأته لم يكن سوى سلفة راتب. وبمرور الأيام تغيّر شيء في البيت أيضًا: صار العشاء المشترك موعدًا لا يفوّته أحد منهما، وأصبح سلطان يترك هاتفه في جيبه وهو يجلس إلى المائدة.ذات مساء حكى لها عن أول اجتماع له مع مستثمرين يابانيين. كان في الثالثة والعشرين، وأراد أن يُظهر احترامه فحفظ التحية بلغتهم، لكنه نطق اسم رئيس الوفد بطريقة تعني «الحذاء». انحنى الرجل ببطء، وانحنى بعده أعضاء الوفد الستة، وسلطان يتعرق ولا يفهم لماذا يتبادلون النظرات. ضحكت ياسمين حتى سالت دموعها ووضعت الملعقة من يدها. «وبعد ذلك؟»«وقّعوا العقد. قالوا إن رجلًا يجازف بإهانتهم ليُكرمهم يستحق الثقة.»لاحظت وهي تمسح عينيها أنه ينظر إليها ولا يضحك، ينظر فقط كأنه يحفظ الصوت. قالت وهي تتصنع الجدية: «ماذا؟» فقال: «لا شيء. ضحكتك تشبه صوت شيء ينكسر بلطف.» ثم انتبه لما قاله فأخذ كوب الماء وشربه كله.في الأحد التالي وجدها في الحديقة الخلفية جالسة على العشب، وأمامها حامل خشبي صغير وعلبة ألوان مائية جافة. كانت تحاول رسم الغروب فوق

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الثاني عشر: ظلال الماضي

    كان غداء الجمعة في بيت سعود المطيري تقليدًا لا يُلغى. جلست ياسمين إلى يمين نورة، وبندر في آخر المائدة يقطّع اللحم بصمت، ودار الحديث حول أسعار الحديد وأسهم الشحن، حتى وضعت ياسمين شوكتها وسألت فجأة: «عمّي سعود، لماذا اختلف جدّانا؟»توقفت الملاعق. رفعت نورة عينيها إلى أخيها، وتنحنح بندر، وتجمّد وجه سعود كأن أحدًا سكب عليه ماءً باردًا.«قصة قديمة، يا ابنتي.» أخذ منديله ومسح فمه ببطء. «انتهت مع أصحابها، ولا فائدة من إحيائها.»«لكنني نشأتُ على أنكم اعتديتم علينا. وأريد أن أعرف إن كان هذا صحيحًا.»«ياسمين…» همس سلطان.نهض سعود. «سأترك لكم الحلوى.» وخرج من الغرفة، وبقيت الكراسي تصرّ خلفه. أما بندر فابتسم ابتسامة رفيعة وهمس في أذن جاره: «الأميرة تحفر في قبور لا تخصّها.»في السيارة، في طريق العودة، قال سلطان بصوت متعب: «كان عليك أن تنتظري.»«وكم تنتظر؟ أربعين عامًا كما انتظرتم؟» ثم خفضت صوتها. «أنا لا أريد أن أُحرجه. أريد أن أفهم لماذا يصمت الجميع في هذه العائلة بمجرد ذكر اسمنا.»تنهد. «أنا نفسي لا أعرف كل التفاصيل. كل ما سمعته أن جدّينا كانا شريكين في مشروع كبير، واختلفا على توزيع الأرباح، فاف

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الحادي عشر: بداية الاندماج

    مع بداية الشهر الثاني من الزواج صدر أول قرار مشترك: توحيد الأنظمة المالية للشركتين في ثلاثة أشهر. استدعى سلطان ياسمين إلى مكتبه صباح الأحد وقال دون مقدمات: «أريدك عضوًا في لجنة القرار. لا ممثلةً عن الحمود فقط، بل شريكةً في كل شيء.»وكانت قد اعتادت صمت المكتب الجديد، فبدت الدعوة كأنها اختبار. توقعت أن يهمّشها. كانت قد سمعت عن شركاء ابتلعوا شركاء بعد التوقيع بأسبوع، فشدّت ظهرها وسألت: «لماذا؟ أنت تملك الأغلبية ولا تحتاج رأيي.»«لأنني أحتاج ما لا تحتويه أرقامي: من يعمل عندكم فعلًا، ومن يكذب في التقارير، ومن يستحق الثقة. أنتِ تعرفين ذلك. أنا لا.» رفع كتفيه. «تجاهل هذه الخبرة سيكون غباءً مكلفًا.»لم تُخفِ دهشتها. «ظننتُ أنك ستأخذ منّي كل شيء بعد أن أنقذتَني.»«لم أنقذك. اشتريتُ حصة في شركة جيدة. والأصل ما زال بين يديك.»في الاجتماع الأول حضر بندر متأخرًا خمس دقائق، وجلس قبالتها وابتسم ابتسامة لا تدلّ على شيء. قدّمت ياسمين خطتها لإعادة هيكلة التسويق: دمج إدارتين متشابهتين، تقليل الإنفاق الإعلاني بمقدار الخُمس، وتحويله إلى حملات مباشرة مع العملاء الكبار. كانت الأرقام مرصوصة على الشاشة، مبنية

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل العاشر: أول اختبار

    في الأسبوع الثاني من الزواج، اتصل بها مدير المشتريات في المصنع الثاني الساعة الرابعة عصرًا بصوت مذعور: «آنسة ياسمين، شركة النور للمواد الخام ألغت العقد. قالوا إن التوريد يتوقف من صباح الغد.»وكان سلطان قد ذكّرها صباحًا بعشاء الثامنة مع شركاء المجموعة، فقالت بلا انتباه: «سأكون هناك.»«هذا مستحيل. العقد ساري ثلاث سنوات!»«قالوا إنهم وجدوا في بنوده ثغرة، وإن محاميهم…» انقطع صوته. «قالوا إن أحدًا نبّههم إليها.»نهضت ياسمين وسحبت حقيبتها. الخطوط الثلاثة في المصنع تعتمد على هذا المورد، وإن توقفت فسيتوقف ألف ومئتا عامل خلال أربعة أيام.قضت المساء كله في المصنع. اتصلت بستة موردين بديلين، فاعتذر أربعة وطلب اثنان دفعًا مقدمًا بضعف السعر. وفي الحادية عشرة ليلًا وقفت أمام مدير شركة النور نفسه في مكتبه المضاء، وقالت بلا مقدمات: «من نبّهكم إلى الثغرة؟»حكّ الرجل ذقنه. «لا أستطيع أن أفصح.»«اسمع، نحن نوقّع منذ خمسة عشر عامًا. إن كنتَ ستنقض العقد فأخبرني على الأقل من يقف خلفك.»تنهد. «كان صوتًا يعرف تفاصيل الاتفاق الجديد مع المطيري. عرض علينا ضعف سعرنا إن انتقلنا إلى مورد جديد يُقدَّم لنا.»وصلت إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status