Home / الرومانسية / زواج لإنقاذ العائلة / الفصل السادس: توقيع العقد

Share

الفصل السادس: توقيع العقد

Author: Hani
last update publish date: 2026-09-21 00:09:11

اجتمعت العائلتان بعد أسبوعين في قاعة مغلقة بأحد فنادق المدينة، حول طاولة مستطيلة تتقابل عليها عشرون كرسيًّا. كان سعود المطيري في صدرها، رجلًا في الستين طويل القامة بلحية رمادية مشذّبة، ينظر إلى الأوراق كما ينظر إلى ولد مشاغب. حين دخلت ياسمين نهض وصافحها بكلتا يديه. كانت القاعة باردة أكثر مما ينبغي، ورائحة القهوة فيها تذكّرها بقاعة أبيها.

«ابنتي ياسمين. حضورك اليوم شجاعة أقدّرها. أعدك أننا لن نعاملك كغريبة.»

لم تُحسن الجواب. قالت: «أشكرك يا عمّ.» وكانت المرة الأولى التي تناديه بها هكذا، فشعرت أن الكلمة خرجت من فمها قبل أن تأذن لها.

جلست إلى جوار الأستاذ منصور، وأمامها في الطرف الآخر ابن سعود، سلطان، بجانب محاميه. ولاحظت شابًّا يجلس في آخر الطاولة يتابعها بعينين ضيقتين، ولم يصفّق حين صفّق الجميع لكلمة الترحيب. همست إلى منصور: «من هذا؟» فأجاب: «بندر، ابن أخي سعود. يعمل في المجموعة منذ سبع سنوات، ويبدو غير راضٍ عن شيء.»

بدأ محامي المطيري يقرأ البنود بصوت رتيب: استثمار ضخم لسداد الديون، استقلال إدارة ياسمين لقسمها، حصة المطيري الأكبر، وعقد الزواج في الصفحة الأخيرة. وحين بلغ بند حظر التسريح لخمس سنوات رفع بندر يده.

«معذرة يا عمّي، هذا البند يقيّد الشركة خمس سنوات بموظفين لا نعرف كفاءتهم. أليس هذا تفريطًا؟»

«اسأل الآنسة ياسمين عن كفاءتهم»، قال سعود ببرود.

«أنا أسأل عن مصلحتنا نحن!»

رفعت ياسمين رأسها وقالت بهدوء متعمّد: «الموظفون الذين تسمّيهم مجهولين هم من صنعوا الاسم الذي جئتم لتشتروه. هذا البند لن يُحذف.»

مال سلطان إلى الأمام. «بندر، ما تعترض عليه نوقش قبل أسبوعين وأُقرّ. إن كانت لديك ملاحظة جديدة فقدّمها مكتوبة. الآن نكمل.» لم يرفع صوته، لكن بندر تراجع في مقعده كمن صُفع، وشدّ فكّه حتى برز عرق في صدغه.

قبل أن تصل الصفحة الأخيرة، أعلن محامي المطيري أن الزفاف يجب أن يتم خلال ثلاثين يومًا ليسري الاستثمار. اعترضت ياسمين: «ثلاثون يومًا؟ أبي لم يمضِ على وفاته شهران.» قال سعود بنبرة لينة لكنها حازمة: «الأسواق لا تنتظر الحداد يا ابنتي. البنك سيبدأ التنفيذ بعد أسبوعين، وأموالنا لن تدخل قبل أن تكتمل الوثائق.» نظرت إلى سلطان تبحث عن سند فلم تجد سوى صمته. قالت أخيرًا: «ستة أسابيع، وبلا حفل صاخب.» تبادل الأب وابنه نظرة، ثم أومأ سعود: «ستة أسابيع.»

ثم وصلت الأوراق إلى ياسمين. وتصلّبت كتفاها حين لمحت التوقيعات المصطفّة أمامها كأنها صفّ محاكمة. وقّعت بعد الجميع، وكانت يدها ثابتة ورأسها يدور. حين رفعت القلم التقت عيناها بعيني سلطان، ولم تقرأ فيهما ما توقعت من رجل ربح صفقة. كان ينظر إليها بجدّية غريبة، كأنه يعلم أنه أخذ منها شيئًا ولا يدري كيف يعوّضها. وضعت القلم بجانب الورقة بحذر شديد كي لا يلاحظ أحد ارتجاف أصابعها.

بعد انتهاء الاجتماع اقتربت منها شابة أنيقة بابتسامة عريضة. «أنا نورة، أخت سلطان. أردت أن أرحّب بك قبل أن يخنقك الرجال بالأوراق.»

ضحكت ياسمين ضحكة خرجت منها فجأة، أول ضحكة منذ أسابيع. «كنت أخشى أن تستقبلني عائلتكم بالسكاكين.»

«السكاكين للأعداء فقط، وأنتِ من العائلة الآن.» ثم خفضت صوتها: «أخي يبدو كالحجر، لكنه يُصلح ساعات جدّي القديمة في الليل حين يظن أن أحدًا لا يراه. اصبري عليه قليلًا.»

وقبل أن تغادر القاعة أدركها سلطان وناولها نسخة من العقد. «هذه نسختك. لم أضف حرفًا واحدًا لما اتفقنا عليه.»

«لم أتوقع أن تفي بوعدك بهذه السرعة.»

«لا أعد بما لا أنفذه.» ثم أضاف بصوت منخفض: «وبخصوص بندر: لا تستخفّي به لأنه يبدو تافهًا. هو يعمل بجد حين يريد شيئًا.»

«وماذا يريد؟»

«لم أعرف بعد.»

وفي الممر المؤدي إلى المصعد اعترض طريقها ظلّ طويل. كان بندر يسند كتفه إلى الجدار ويدير قلمه بين أصابعه.

«مبروك يا آنسة ياسمين. صفقة رائعة: خسرتِ شركة ودخلتِ عائلة.»

«لم أخسر شيئًا. وأنت تعطّلني عن موعدي.»

«لا أعطّلك، أنصحك.» اقترب خطوة وخفض صوته: «قبل أن تتعوّدي على هذا القصر، اعلمي أن المقاعد في هذه العائلة لا تُمنح بالتوقيع. سلطان يحب الأرقام، وأنتِ مجرد رقم جيد الآن. غدًا ربما تصبحين رقمًا مزعجًا.»

لم تتراجع. نظرت إلى القلم بين أصابعه ثم إلى عينيه. «هل تهددني، أم تعرّف بنفسك؟»

«أنا أحب أن يعرف الناس أين يقفون.»

«جيد. أنا أعرف أين أقف.» ومرّت بجانبه، وأحسّت بنظرته تلاحق ظهرها حتى دخلت المصعد.

في السيارة سألها الأستاذ منصور: «هل أنتِ بخير؟»

«أشعر أنني بعتُ نفسي بثمن جيد.» ثم ضغطت على جبينها بأصابعها. «بندر لم يكن يعترض على البند يا منصور. كان يختبر أين يتوقف سلطان. ثم تعمّد أن يُشعرني بأنه يعرف ما لا أعرف.»

«سأفتح ملفه غدًا. وسأبدأ بمن كان قريبًا منه من موظفينا.»

«ابدأ بمن كان يطبع الأوراق أيضًا.» ونظرت من النافذة إلى الشارع الذي يمرّ بمحاذاة مصنعها الأول، ورأت الأضواء تنطفئ فيه واحدًا بعد آخر مع انتهاء وردية النهار. أدركت أن المعركة الأولى انتهت، وأن التي تليها تبدأ في اللحظة التي تنام فيها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الخامس عشر: انفجار الفضيحة

    في صباح الاثنين استيقظت ياسمين على رنين هاتفها للمرة الخامسة قبل السابعة: منصور، مديرة العلاقات العامة، وأرقام لا تعرفها. فتحت أول رسالة وجدت فيها رابطًا وعنوانًا بخط أسود عريض: «أسرار خفية وراء زواج الحمود والمطيري: هل أخفت الوريثة الأزمة عن مجلسها؟»قرأت المقال واقفة في منتصف الغرفة. اتهامات ملفقة: أنها عرفت بالأزمة قبل موت أبيها بستة أشهر، ووقّعت تحويلين ماليين فاشلين، وأن الزواج صفقة انتهازية استغلت فيها موت أبيها. وتحت الفقرة الثالثة جدول صغير فيه رقم بخط عريض: أربعمئة وثلاثة وسبعون مليونًا.توقفت أصابعها على الشاشة. هذا الرقم كتبته بيدها في ملف واحد، ليراه رائد وحده. لم يوجد في أي مكان آخر في العالم. ارتجفت يدها، لا خوفًا هذه المرة. كان غضبًا بارد الأطراف، تشعر به كمن وجد الخيط الأول في عقدة طويلة. أمسكت هاتفها وضغطت رقم منصور.«رأيتَ المقال؟»«أقرؤه للمرة الثالثة. هذه اتهامات يمكن أن تُسقط أي شركة.»«انظر إلى الجدول الثالث. الرقم الذي ورد فيه هو الرقم الذي وضعناه لرائد وحده. المقال بُني على وثائق مرّت عبر رائد.»صمت منصور لحظة. «تأكدي قبل أن تتحركي. وأخبري سلطان قبل أن يصله من

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الرابع عشر: بداية المؤامرة

    لم يرَ بندر في هذا الزواج شيئًا يستحق الاحتفال، بل مقعدًا يُسحب من تحت قدميه. سبع سنوات قضاها في المجموعة يُقنع نفسه بأن دوره قادم، وحين أُعلن أن الحمود ستدخل تحت مظلة سلطان، أدرك أنه لن يصعد أبدًا ما دام ابن عمه هو الوريث الوحيد الذي يراه عمّه، وأن ياسمين ستجلس على المقعد الذي حلم به.صباح الاثنين دخل مكتب عمه يحمل طلب ترقية مكتوبًا بعناية: مدير عام للتوسع الإقليمي. قرأ سعود الورقة كاملة، ثم وضعها جانبًا. «مشروعك جيد يا بندر، لكنني أجّلته إلى ما بعد الاندماج.»«سيصير هذا المنصب لسلطان أو لزوجته، أليس كذلك؟»«المنصب للأجدر. وما زلتَ تحتاج أن تتعلم كيف تكسب ثقة من حولك.»«وأنا ابن أخيك، أيها العم. سبع سنوات لا أطلب شيئًا إلا حقي.»«الحق لا يُطالَب به بهذه النبرة.» قالها سعود بلا غضب، وعاد إلى أوراقه. «يمكنك الانصراف.»مشى بندر في الممر بخطى متوترة. أمام مكتب سلطان رأى الباب مفتوحًا وياسمين تضحك بصوت خافت على شيء يقوله ابن عمه، وسلطان يمسح جبينه بظهر يده وهو يبتسم. توقف عند العتبة ولم ينتبه إليه أحد منهما. كان قد حسم أمره: سيبحث عن من يحوّل الشك إلى عنوان.في مساء الأربعاء ارتدى معطفًا

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الثالث عشر: لحظات إنسانية

    مرّت ثلاثة أسابيع ولم يظهر الرقم المغلوط في أي مكان. بدأت ياسمين تظن أنها بالغت في الشك برائد، وأن الظرف الذي رأته لم يكن سوى سلفة راتب. وبمرور الأيام تغيّر شيء في البيت أيضًا: صار العشاء المشترك موعدًا لا يفوّته أحد منهما، وأصبح سلطان يترك هاتفه في جيبه وهو يجلس إلى المائدة.ذات مساء حكى لها عن أول اجتماع له مع مستثمرين يابانيين. كان في الثالثة والعشرين، وأراد أن يُظهر احترامه فحفظ التحية بلغتهم، لكنه نطق اسم رئيس الوفد بطريقة تعني «الحذاء». انحنى الرجل ببطء، وانحنى بعده أعضاء الوفد الستة، وسلطان يتعرق ولا يفهم لماذا يتبادلون النظرات. ضحكت ياسمين حتى سالت دموعها ووضعت الملعقة من يدها. «وبعد ذلك؟»«وقّعوا العقد. قالوا إن رجلًا يجازف بإهانتهم ليُكرمهم يستحق الثقة.»لاحظت وهي تمسح عينيها أنه ينظر إليها ولا يضحك، ينظر فقط كأنه يحفظ الصوت. قالت وهي تتصنع الجدية: «ماذا؟» فقال: «لا شيء. ضحكتك تشبه صوت شيء ينكسر بلطف.» ثم انتبه لما قاله فأخذ كوب الماء وشربه كله.في الأحد التالي وجدها في الحديقة الخلفية جالسة على العشب، وأمامها حامل خشبي صغير وعلبة ألوان مائية جافة. كانت تحاول رسم الغروب فوق

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الثاني عشر: ظلال الماضي

    كان غداء الجمعة في بيت سعود المطيري تقليدًا لا يُلغى. جلست ياسمين إلى يمين نورة، وبندر في آخر المائدة يقطّع اللحم بصمت، ودار الحديث حول أسعار الحديد وأسهم الشحن، حتى وضعت ياسمين شوكتها وسألت فجأة: «عمّي سعود، لماذا اختلف جدّانا؟»توقفت الملاعق. رفعت نورة عينيها إلى أخيها، وتنحنح بندر، وتجمّد وجه سعود كأن أحدًا سكب عليه ماءً باردًا.«قصة قديمة، يا ابنتي.» أخذ منديله ومسح فمه ببطء. «انتهت مع أصحابها، ولا فائدة من إحيائها.»«لكنني نشأتُ على أنكم اعتديتم علينا. وأريد أن أعرف إن كان هذا صحيحًا.»«ياسمين…» همس سلطان.نهض سعود. «سأترك لكم الحلوى.» وخرج من الغرفة، وبقيت الكراسي تصرّ خلفه. أما بندر فابتسم ابتسامة رفيعة وهمس في أذن جاره: «الأميرة تحفر في قبور لا تخصّها.»في السيارة، في طريق العودة، قال سلطان بصوت متعب: «كان عليك أن تنتظري.»«وكم تنتظر؟ أربعين عامًا كما انتظرتم؟» ثم خفضت صوتها. «أنا لا أريد أن أُحرجه. أريد أن أفهم لماذا يصمت الجميع في هذه العائلة بمجرد ذكر اسمنا.»تنهد. «أنا نفسي لا أعرف كل التفاصيل. كل ما سمعته أن جدّينا كانا شريكين في مشروع كبير، واختلفا على توزيع الأرباح، فاف

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل الحادي عشر: بداية الاندماج

    مع بداية الشهر الثاني من الزواج صدر أول قرار مشترك: توحيد الأنظمة المالية للشركتين في ثلاثة أشهر. استدعى سلطان ياسمين إلى مكتبه صباح الأحد وقال دون مقدمات: «أريدك عضوًا في لجنة القرار. لا ممثلةً عن الحمود فقط، بل شريكةً في كل شيء.»وكانت قد اعتادت صمت المكتب الجديد، فبدت الدعوة كأنها اختبار. توقعت أن يهمّشها. كانت قد سمعت عن شركاء ابتلعوا شركاء بعد التوقيع بأسبوع، فشدّت ظهرها وسألت: «لماذا؟ أنت تملك الأغلبية ولا تحتاج رأيي.»«لأنني أحتاج ما لا تحتويه أرقامي: من يعمل عندكم فعلًا، ومن يكذب في التقارير، ومن يستحق الثقة. أنتِ تعرفين ذلك. أنا لا.» رفع كتفيه. «تجاهل هذه الخبرة سيكون غباءً مكلفًا.»لم تُخفِ دهشتها. «ظننتُ أنك ستأخذ منّي كل شيء بعد أن أنقذتَني.»«لم أنقذك. اشتريتُ حصة في شركة جيدة. والأصل ما زال بين يديك.»في الاجتماع الأول حضر بندر متأخرًا خمس دقائق، وجلس قبالتها وابتسم ابتسامة لا تدلّ على شيء. قدّمت ياسمين خطتها لإعادة هيكلة التسويق: دمج إدارتين متشابهتين، تقليل الإنفاق الإعلاني بمقدار الخُمس، وتحويله إلى حملات مباشرة مع العملاء الكبار. كانت الأرقام مرصوصة على الشاشة، مبنية

  • زواج لإنقاذ العائلة   الفصل العاشر: أول اختبار

    في الأسبوع الثاني من الزواج، اتصل بها مدير المشتريات في المصنع الثاني الساعة الرابعة عصرًا بصوت مذعور: «آنسة ياسمين، شركة النور للمواد الخام ألغت العقد. قالوا إن التوريد يتوقف من صباح الغد.»وكان سلطان قد ذكّرها صباحًا بعشاء الثامنة مع شركاء المجموعة، فقالت بلا انتباه: «سأكون هناك.»«هذا مستحيل. العقد ساري ثلاث سنوات!»«قالوا إنهم وجدوا في بنوده ثغرة، وإن محاميهم…» انقطع صوته. «قالوا إن أحدًا نبّههم إليها.»نهضت ياسمين وسحبت حقيبتها. الخطوط الثلاثة في المصنع تعتمد على هذا المورد، وإن توقفت فسيتوقف ألف ومئتا عامل خلال أربعة أيام.قضت المساء كله في المصنع. اتصلت بستة موردين بديلين، فاعتذر أربعة وطلب اثنان دفعًا مقدمًا بضعف السعر. وفي الحادية عشرة ليلًا وقفت أمام مدير شركة النور نفسه في مكتبه المضاء، وقالت بلا مقدمات: «من نبّهكم إلى الثغرة؟»حكّ الرجل ذقنه. «لا أستطيع أن أفصح.»«اسمع، نحن نوقّع منذ خمسة عشر عامًا. إن كنتَ ستنقض العقد فأخبرني على الأقل من يقف خلفك.»تنهد. «كان صوتًا يعرف تفاصيل الاتفاق الجديد مع المطيري. عرض علينا ضعف سعرنا إن انتقلنا إلى مورد جديد يُقدَّم لنا.»وصلت إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status