LOGINلم تكن إجابته بحاجة إلى تفسير إضافي حتى تدرك أن حياتها، منذ اللحظة التي دخل فيها هذا الرجل إليها، كانت تسير فوق حقيقة أخفاها عنها عمدًا، فقد بقيت واقفة أمام الممر السري وهي تنظر إليه كأنها تراه للمرة الأولى، بينما كانت أصوات الحركة المضطربة في أرجاء القصر تصل إليهما مكتومة خلف الجدران، والهاتف في يدها ما يزال يحمل الصورة التي التقطها شخص مجهول لهما قبل لحظات قليلة، إلا أن كل ذلك لم يعد أكثر ما يخيفها، لأن الجملة التي اعترف بها للتو كانت أقسى من صوت الهجوم نفسه؛ لقد كان يعرف أن هناك شيئًا غير طبيعي يتعلق بموت والدها قبل أن يقرر الزواج منها، ومع ذلك اقترب منها ورتب لقاءهما وتركها تدخل زواجًا لم تكن تعرف أن جذوره تمتد إلى ماضٍ دفنته عائلتها منذ سنوات.
حاول أن يمد يده نحوها عندما لمح التغير الذي طرأ على وجهها، لكنها ابتعدت عنه وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا رغم الفوضى التي كانت تعصف داخلها: «إذا طلبت مني الآن أن أثق بك وأدخل هذا الممر من دون أن تعطيني جوابًا واحدًا حقيقيًا، فأنا لن أفعل، لأنني منذ دخلت هذا البيت وأنا أسمع منك أن الوقت غير مناسب، وأن معرفتي بالحقيقة ستعرضني للخطر، لكنني الآن داخل بيت يتعرض للهجوم، وشخص مجهول يصورنا من الداخل ويرسل إليّ رسائل عن أبي، لذلك لا يوجد خطر أكبر من أن أبقى جاهلة بما يحدث حولي.» نظر إلى الهاتف في يدها ثم إلى الباب المغلق، وكان واضحًا أنه ممزق بين رغبته في إخراجها من المكان بسرعة وبين إدراكه أن إجبارها هذه المرة لن يجعلها أكثر أمانًا، بل سيجعلها تقاومه في أسوأ وقت ممكن، ولهذا اقترب منها ببطء وقال: «سأخبرك بما أعرفه، لكن ليس ونحن واقفان أمام باب يمكن أن يكون خلفه شخص ساعد المهاجمين على الدخول، فإذا كنتِ تريدين الحقيقة فتعالي معي الآن، وعندما نصل إلى المكان الآمن لن أطلب منك الانتظار مرة أخرى.» لم تعرف إن كانت تستطيع تصديقه، لكنها عرفت أنها لا تستطيع البقاء في المكتب بعد أن اكتشفت أن الصورة التي وصلتها التُقطت من مكان قريب، ولذلك دخلت الممر قبله وهي تتمسك بهاتفها، بينما أغلق هو الباب المخفي خلفهما وتقدم إلى جانبها، وكان الممر ضيقًا يمتد تحت إضاءة خافتة حتى انتهى بسلم يقود إلى طابق سفلي لم تره عند دخولها القصر، وهناك فتح بابًا معدنيًا باستخدام بصمته لتظهر أمامها غرفة محصنة تحتوي على شاشات مراقبة وأجهزة اتصال وخزانة ملفات وطاولة طويلة، وعندما دخلت ورأت القصر كاملًا موزعًا أمامها على الشاشات أدركت أن الرجل الذي تزوجته لم يكن فقط ثريًا كما بدأت تشك، بل كان يعيش منذ وقت طويل وكأنه يتوقع اليوم الذي سيحاول فيه أحد الوصول إليه. أغلق الباب ثم اتجه إلى إحدى الشاشات، وكانت تسجيلات الكاميرات تظهر رجال الحراسة وهم يتحركون في الخارج، إلا أن إحدى الكاميرات القريبة من البوابة توقفت عن العمل قبل دقائق من بداية الهجوم، فنظر إليها للحظات قبل أن يتصل بأحد رجاله ويطلب منه إغلاق جميع المخارج ومنع أي شخص من مغادرة المكان حتى يعرفوا من عطّل الكاميرا وفتح البوابة، وعندما أنهى المكالمة وجدها لا تزال واقفة خلفه تنتظر الشيء الوحيد الذي وعدها به، فلم تحاول حتى سؤاله عما يجري في الخارج، بل قالت مباشرة: «أبي.» أغمض عينيه للحظة قصيرة، ثم سحب كرسيًا لها، لكنها لم تجلس، فتركه وعاد إلى الطاولة قبل أن يقول: «والدك ووالدي عملا معًا قبل سنوات طويلة، ولم تكن العلاقة بينهما مجرد صداقة كما قد توحي الصورة التي رأيتها، فقد كانا شريكين في مجموعة استثمارية صغيرة بدأت بأعمال قانونية ومحدودة، ثم توسعت بسرعة ودخل إليها أشخاص أصحاب نفوذ وأموال، ومع الوقت اكتشف والدك أن بعض الصفقات التي تمر من خلال المجموعة لا تشبه ما وافق عليه في البداية، ولهذا أراد الانسحاب وكشف ما كان يحدث.» كانت تستمع إليه وهي تشعر أن كل جملة تنتزع جزءًا من الصورة التي احتفظت بها عن أبيها، لكنها لم تقاطعه حتى قال إن والدها حاول الانسحاب، عندها سألته: «وأبوك؟ هل حاول يمنعه؟» لم يهرب من عينيها هذه المرة، وقال إن والده كان يعرف بوجود تجاوزات داخل المجموعة لكنه لم يكن الشخص الوحيد الذي يملك القرار، وإن الخلاف الحقيقي بدأ عندما اختفت مستندات كان والدها قد جمعها لإثبات ما اكتشفه، ثم بعد أيام قليلة مات والدها في الحادث الذي قيل للعائلة إنه مجرد حادث طريق، لكن توقيت موته واختفاء المستندات جعلا الشك في رواية الحادث أمرًا لا يمكن تجاهله. شعرت بأن صدرها يضيق، فقد تذكرت تلك الليلة رغم مرور السنوات، وتذكرت كيف قيل لها إن كل شيء انتهى بسرعة وإن التحقيق لم يجد ما يستحق الاستمرار، لكنها كانت صغيرة بما يكفي لتقبل ما يقوله الكبار، أما الآن فقد أصبح أمامها رجل يخبرها أن موت أبيها جاء بعد أيام من محاولته كشف شيء خطير، ولذلك سألته والسؤال يكاد يعلق في حلقها: «هل أبوك قتله؟» كان يستطيع أن يمنحها جوابًا يريده قلبها أو جوابًا يزيد خوفها، لكنه لم يفعل أيًا منهما، بل قال بوضوح: «لا أملك دليلًا أن أبي قتله، ولهذا لن أكذب عليك وأقول نعم، ولن أحاول حماية اسم أبي وأقول لك إنه بريء، الشيء الذي أعرفه أن والدي كان آخر شخص من المجموعة قابل أباك في الليلة السابقة لموته، وأنه أخفى عن التحقيق تفاصيل ذلك اللقاء، وهذا وحده كان كافيًا حتى أقضي سنوات أحاول معرفة ماذا حدث بينهما.» كانت هذه أول إجابة تشعر أنها كاملة بقدر ما تسمح به المعلومات الموجودة فعلًا، ولذلك جلست أخيرًا، لا لأنها هدأت، بل لأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حمل ثقل ما تسمعه، ثم نظرت إليه وقالت: «وهنا دخلت أنا في الموضوع، أليس كذلك؟ وجدت ابنة الرجل الذي كان أبوك يخفي أسرارًا عن موته، فبدأت تراقبها.» هز رأسه ببطء، وأخبرها أن اسمها ظهر قبل أكثر من ستة أشهر عندما عادت حركة قديمة داخل إحدى الشركات المرتبطة بالمجموعة، وأن شخصًا حاول الوصول إلى معلومات تخص عائلة والدها، فطلب أن يعرف لماذا عاد اسم العائلة إلى الظهور بعد كل تلك السنوات، ومن هناك وصل إليها، لكنه أكد أن مراقبتها في البداية لم تكن لأنها هدف له وإنما لأنه أراد التأكد من أنها ليست هي الشخص الذي يحاول الوصول إلى المستندات المفقودة. نظرت إليه غير مصدقة وقالت: «كنت تظن أنني أخفي شيئًا؟» أجابها بأنه لم يكن يعرف ماذا يظن، لكنه اكتشف بسرعة أنها لم تكن تعرف شيئًا عن الماضي، وعندها كان المفترض أن يبتعد ويكتفي بوضع حراسة غير ظاهرة حولها إلى أن يعرف من يبحث عنها، إلا أن الأمور لم تبق مهنية كما خطط لها، ومع مرور الوقت تحول اهتمامه بمعرفة من يراقبها إلى اهتمام بها هي، وهو الشيء الوحيد الذي لم يكن جزءًا من أي خطة. تعلقت عيناها به رغم محاولتها ألا تفعل، فقد كانت الجملة أقرب إلى اعتراف مما سمعته منه منذ الزواج، لكنها رفضت أن تسمح لها بأن تمحو الأسئلة الأهم، فسألته: «ولقاؤنا الأول؟ هل رتبته؟» تردد للحظة ثم قال: «نعم، رتبت وجودي في المكان الذي كنت أعرف أنك ستكونين فيه، لكنني لم أرتب ما حدث بعد ذلك، ولم أخطط أن أصل إلى مرحلة أطلب منك فيها الزواج.» ضحكت بمرارة، إلا أن صوتها لم يحمل الغضب نفسه هذه المرة بقدر ما حمل خيبة عميقة، وقالت إن هذا يعني أن بداية معرفتهما كانت كذبة حتى لو حاول تسمية ما جاء بعدها بالحقيقة، فاقترب منها لكنه توقف على مسافة ولم يحاول لمسها، ثم أخبرها بأنه يعرف أنها لن تصدقه الآن إذا قال إن الزواج لم يعد متعلقًا بوالدها، ولذلك لن يطلب منها التصديق، بل سيترك ما سيحدث بعد هذه الليلة يثبت لها إن كانت مجرد جزء من بحثه أم أصبحت شيئًا آخر في حياته. كان يمكن للكلمات أن تأخذ الحديث إلى مكان أكثر قربًا بينهما، لكن صوتًا صدر من إحدى الشاشات قطع اللحظة، فاستدار بسرعة ورأى تسجيلًا أعاده أحد رجال الحراسة من الكاميرا الداخلية، وظهر فيه شخص يرتدي ملابس العاملين في القصر وهو يدخل غرفة المراقبة قبل الهجوم بدقائق ثم يخرج منها، إلا أن وجهه كان بعيدًا عن الكاميرا، فطلب زوجها تكبير الصورة، وعندما أصبحت أوضح ظهر شيء صغير في يد الرجل قبل أن يختفي في الممر. كان مفتاحًا إلكترونيًا. نظر إلى زوجها وقالت: «يعني فعلًا واحد من داخل البيت ساعدهم.» أجابها أن الأمر أسوأ من ذلك، لأن الوصول إلى غرفة المراقبة يحتاج إلى تصريح لا يملكه جميع العاملين، وهذا يعني أن الخائن إما شخص موثوق أو شخص حصل على صلاحيات من أحد المقربين جدًا منه، ثم طلب منها أن تبقى داخل الغرفة حتى ينتهي التفتيش، لكنها رفضت هذه المرة بطريقة مختلفة، فلم تصرخ ولم تتحده لمجرد التحدي، بل أخبرته أنها لن تعود إلى دور المرأة التي تنتظر الآخرين حتى يقرروا مقدار الحقيقة الذي يسمحون لها بمعرفته. وقبل أن يرد، اهتز هاتفها مرة أخرى. الرقم المجهول. وصلت رسالة واحدة فقط: «بدأ يخبرك نصف الحقيقة، أليس كذلك؟ اسأليه عن المفتاح الذي كان داخل صندوق أبيك.» رفعت عينيها إليه فورًا. كان المفتاح المعدني القديم ما يزال في الصندوق الموجود داخل مكتبه في الأعلى. لاحظ تغير وجهها وسألها عما وصلها، فناولته الهاتف دون تردد هذه المرة، وعندما قرأ الرسالة تغيرت ملامحه، إلا أنه لم يحاول إخفاء الأمر عنها، بل قال إن المفتاح كان مع الصورة عندما وصلت إليه متعلقات قديمة مرتبطة بالقضية، وإنه حاول معرفة ما يفتحه ولم ينجح. قالت: «إذن الشخص الذي يرسل الرسائل يعرف عنه أكثر منك.» لم تعجبه الحقيقة، لكنه لم ينكرها. وفي اللحظة نفسها جاء اتصال من أحد رجال الحراسة، فأجاب ووضع الهاتف على مكبر الصوت، وجاءه صوت الرجل يخبره بأن الوضع عند البوابة أصبح تحت السيطرة وأن المهاجمين انسحبوا عندما فشلوا في الوصول إلى الجناح الداخلي، لكنهم اكتشفوا شيئًا أهم أثناء تفتيش غرفة المراقبة؛ الرجل الذي ظهر في التسجيل ليس مسجلًا ضمن الموظفين أصلًا، ومع ذلك دخل القصر قبل ثلاثة أيام بهوية موظف جديد تحمل موافقة إلكترونية صادرة من مكتب الإدارة الخاص. تغير وجه زوجها. «من وافق عليها؟» ساد صمت قصير في الطرف الآخر قبل أن يجيب الرجل: «التصريح خرج من حساب مدير مكتبك الشخصي.» انقبض فكه، ثم أنهى المكالمة وأخبرها أن عليها البقاء في الغرفة حتى يعود، لكنها نهضت وأمسكت ذراعه قبل أن يتحرك، وقالت إن الشخص الذي دخل القصر يعرف عن أبيها وعن المفتاح وعن مكان وجودهما، وإذا كان قادرًا على إصدار تصريح من مكتب رجل قريب منه فإن المشكلة لم تعد مجرد مهاجم مجهول، بل شخص يعرف حياته من الداخل. نظر إلى يدها فوق ذراعه ثم إلى وجهها، وكان يمكنها أن تسحبها، لكنها لم تفعل هذه المرة، فقال بهدوء إن هذا هو السبب نفسه الذي يجعله يريدها خلف ذلك الباب، فردت عليه بأن حمايتها لا تعني إخفاءها في غرفة كلما اقترب الخطر، خصوصًا بعدما اتضح أن الخطر يعرف عنها أكثر مما تعرف هي عن نفسها. وقبل أن يكمل أي منهما، ظهر تنبيه جديد على الشاشة الرئيسية. ملف إلكتروني وصل إلى النظام الداخلي للقصر. لم يكن مرسلًا إلى هاتفها هذه المرة. كان مرسلًا إليه هو. فتح الملف بحذر، فظهرت صورة قديمة أخرى لوالديهما، لكنها لم تكن الصورة الموجودة في الصندوق، بل صورة التقطت في ليلة مختلفة، وكان والدها واقفًا أمام سيارة بينما يقف والد زوجها على مسافة منه، وبينهما رجل ثالث تم إخفاء وجهه بعلامة سوداء. وتحت الصورة كُتبت جملة واحدة: «كنت تبحث عن الشخص الذي كان معهما ليلة الحادث… وهو الآن داخل بيتك.» توقفت أنفاسها وهي تعيد قراءة الجملة، بينما بقي زوجها ساكنًا أمام الشاشة لثوانٍ، ثم مد يده إلى جهاز الاتصال وأصدر أمرًا واضحًا بإغلاق القصر بالكامل ومنع أي شخص، مهما كانت صفته، من المغادرة. نظرت إليه وهي تدرك أن الشخص الذي يملك جوابًا محتملًا عن موت أبيها قد يكون خلف أحد أبواب المكان نفسه، ثم قالت بصوت خافت إن عليها أن تعرف من يكون الرجل الثالث، لكنه التفت إليها وأخبرها أن الأمر لم يعد متعلقًا بمعرفة اسمه فقط، لأن من أرسل الصورة استطاع اختراق نظام القصر بعد أن استطاع شخص آخر الدخول إليه، وهذا يعني أن هناك من يدفعهما عمدًا إلى البحث في الماضي في هذه الليلة تحديدًا. ثم صدر طرق سريع على الباب المعدني. تبادلا النظرات. لم يكن من المفترض أن يعرف أحد مكان الغرفة سوى عدد محدود جدًا من الأشخاص. وضع إصبعه أمام شفتيه طالبًا منها الصمت، ثم اقترب من الشاشة الصغيرة المرتبطة بالكاميرا الخارجية، وما إن ظهرت الصورة حتى تغير وجهه. كان رجل مسن يقف وحده خلف الباب، وملامحه شاحبة كأنه ركض حتى وصل إليهما، وعندما فُتح الاتصال قال بصوت متوتر: «سيدي، أعرف أن الوقت سيئ، لكن إذا كانت زوجتك معك في الداخل، فيجب أن تسمع ما سأقوله أيضًا، لأنني سكت سنوات طويلة بما يكفي.» اقتربت هي من الشاشة دون أن تشعر. سأله زوجها: «عن ماذا تتحدث؟» رفع الرجل المسن رأسه نحو الكاميرا، ثم قال: «عن والدها… وعن الليلة التي مات فيها.» تجمدت في مكانها. أما زوجها، فلم يفتح الباب مباشرة، بل سأله سؤالًا واحدًا: «كيف تعرف ما حدث تلك الليلة؟» جاءت إجابة الرجل من خلف الباب، ثقيلة بما يكفي لتقلب كل ما عرفاه حتى الآن: «لأنني كنت الرجل الثالث الموجود في الصورة.»بقيت لارا تحدق في الرسالة الأخيرة على شاشة الهاتف الصغير، بينما كانت كلماتها تضغط على أكثر نقطة لم تعد قادرة على تجاهلها؛ فالشخص المجهول لم يعد يكتفي بإرسال صور من الماضي أو التلاعب بأسرار والدها، بل أصبح يملك المفتاح المعدني الذي احتفظ به داميان، ويعرف أن القطعة المكملة له كانت مخفية داخل عقد والدتها، والأخطر من ذلك أنه يعرف شيئًا عن السنوات التي تلت موت أبيها، وهي السنوات نفسها التي تجنبت إيلينا الحديث عنها قبل دقائق.مد داميان يده وأخذ الهاتف قبل أن تلمسه لارا، ثم تفحصه سريعًا وقال: «لن تذهبي إلى أي مكان وحدك.»رفعت عينيها إليه، ولم تجد في وجهه الغضب الذي اعتادت رؤيته عندما يفقد السيطرة على موقف ما، بل برودة أكثر خطورة، فقالت: «وأنت تعتقد أنني سأجلس هنا بعدما أخبرني أن لديه جوابًا عن أمي؟»«أعتقد أنه يعرف بالضبط أي جواب سيجعلك تفعلين ما يريده.»اقتربت إيلينا منهما، لكن لارا التفتت إليها فورًا وقالت: «إذن وفري عليّ الذهاب إليه وأخبريني أنتِ، ماذا حدث لأمي بعد تلك الليلة؟»توقفت إيلينا، ونظرت إلى فيكتور قبل أن تعيد عينيها إلى لارا، ثم قالت بصوت أثقل من السابق: «بعد موت أبيك اختفت أمك
لم يحتج داميان إلى أكثر من ثانية حتى يتحرك، فما إن ظهرت إيلينا على شاشة المراقبة واقفة عند أحد مخارج القصر رغم أمر الإغلاق حتى مد يده إلى جهاز الاتصال وأصدر أمرًا حاسمًا بعدم السماح لها بالمغادرة، ثم اتجه نحو الباب المعدني، إلا أن لارا لحقت به قبل أن يفتحه وقالت إن بقاءها داخل الغرفة لم يعد خيارًا، خصوصًا بعدما عرفت أن عمته كانت تعرف والدتها، وأنها قد تكون الشخص الوحيد القادر على تفسير سبب خوفها عندما رأت العقد ذي الحجر الأسود حول عنقها ليلة الزواج.نظر داميان إليها للحظة وكأنه يفكر في الاعتراض، لكنه أدرك أن إبعادها الآن سيعيدهما إلى المواجهة نفسها التي انتهيا منها قبل دقائق، فاكتفى بقوله: «ستبقين بجانبي مهما حدث»، ولم تجادله لارا، ليس لأنها أصبحت مستعدة لتنفيذ أوامره، بل لأنها أرادت الوصول إلى إيلينا قبل أن تختفي ومعها جزء آخر من الحقيقة.خرج الثلاثة من الغرفة المحصنة، وكان فيكتور يسير خلفهما تحت مراقبة اثنين من رجال الأمن، بينما امتلأت ممرات القصر بالحراس، وعندما وصلوا إلى المدخل الجانبي وجدوا إيلينا واقفة أمام الباب المغلق وحقيبتها في يدها، وفي مواجهتها رجلان يمنعانها من المغادرة.
بقيت كلمات الرجل المسن معلقة خلف الباب المعدني كأنها أوقفت كل شيء داخل الغرفة، فلم تعد لارا تسمع أصوات أجهزة الاتصال ولا حركة الحراس التي تظهر على الشاشات، وكل ما بقي في رأسها هو اعترافه بأنه الرجل الثالث الموجود في الصورة، ذلك الوجه الذي تعمد شخص ما إخفاءه، والرجل الذي كان مع والدها ووالد داميان في الليلة التي سبقت الموت الذي عاشت خمسة عشر عامًا وهي تظنه مجرد حادث.التفتت إلى داميان، فوجدته يحدق في شاشة الكاميرا بملامح متصلبة، ثم قال للرجل عبر جهاز الاتصال: «ابتعد عن الباب وارفع يديك حيث أستطيع رؤيتهما»، فنفذ الرجل الأمر دون اعتراض، وبعد لحظات فتح داميان الباب بحذر وأدخله قبل أن يعيد إغلاقه، بينما بقيت لارا في مكانها تراقب وجهه محاولة أن تتذكر إن كانت قد رأته منذ دخولها القصر، إلا أنها لم تستطع.كان الرجل في أواخر الستينات، ويداه ترتجفان قليلًا رغم محاولته إخفاء ذلك، وعندما وقعت عيناه على لارا تغيرت ملامحه بصورة أربكتها، ثم قال بصوت خافت: «تشبهين أمك أكثر مما توقعت.»توقفت أنفاسها للحظة، فقد كانت تنتظر أن يتحدث عن والدها، لا عن أمها، فتقدمت نحوه وسألته مباشرة: «كنت تعرف أمي أيضًا؟»ن
لم تكن إجابته بحاجة إلى تفسير إضافي حتى تدرك أن حياتها، منذ اللحظة التي دخل فيها هذا الرجل إليها، كانت تسير فوق حقيقة أخفاها عنها عمدًا، فقد بقيت واقفة أمام الممر السري وهي تنظر إليه كأنها تراه للمرة الأولى، بينما كانت أصوات الحركة المضطربة في أرجاء القصر تصل إليهما مكتومة خلف الجدران، والهاتف في يدها ما يزال يحمل الصورة التي التقطها شخص مجهول لهما قبل لحظات قليلة، إلا أن كل ذلك لم يعد أكثر ما يخيفها، لأن الجملة التي اعترف بها للتو كانت أقسى من صوت الهجوم نفسه؛ لقد كان يعرف أن هناك شيئًا غير طبيعي يتعلق بموت والدها قبل أن يقرر الزواج منها، ومع ذلك اقترب منها ورتب لقاءهما وتركها تدخل زواجًا لم تكن تعرف أن جذوره تمتد إلى ماضٍ دفنته عائلتها منذ سنوات.حاول أن يمد يده نحوها عندما لمح التغير الذي طرأ على وجهها، لكنها ابتعدت عنه وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا رغم الفوضى التي كانت تعصف داخلها: «إذا طلبت مني الآن أن أثق بك وأدخل هذا الممر من دون أن تعطيني جوابًا واحدًا حقيقيًا، فأنا لن أفعل، لأنني منذ دخلت هذا البيت وأنا أسمع منك أن الوقت غير مناسب، وأن معرفتي بالحقيقة ستعرضني للخطر، لكنني
لم تعرف كم مضى من الوقت وهي واقفة أمامه والملف الأسود بين يديها، تحدق مرة في صورتها القديمة ومرة في التاريخ المكتوب أعلى الصفحة، ثم تعود بعينيها إلى الرجل الذي أصبح زوجها قبل ساعات قليلة فقط، فقد كانت تحاول أن تجد تفسيرًا واحدًا يجعل ما اكتشفته طبيعيًا، لكن كل الاحتمالات التي مرت في ذهنها كانت تقودها إلى الحقيقة نفسها؛ لقاؤهما لم يكن مصادفة كما اعتقدت، ووجوده في حياتها لم يبدأ يوم رأته للمرة الأولى، بل بدأ قبل ذلك بأشهر طويلة، عندما كانت هي تعيش حياتها بصورة طبيعية بينما كان رجل لا تعرف عنه شيئًا يجمع معلوماتها ويحتفظ بصورتها داخل ملف يحمل توقيعه.رفعت الملف أمامه، وبالرغم من محاولتها السيطرة على صوتها، خرج سؤالها ممتزجًا بالغضب والصدمة.«أنت قلت إنك تعرفني من قبل أن ألتقي بك، لكنني أريد جوابًا واضحًا هذه المرة؛ منذ متى بالضبط وأنت تعرف بوجودي؟»لم يحاول الإنكار، ولم يقترب منها أيضًا، وكأنه أدرك أخيرًا أن أي حركة يقوم بها الآن قد تزيد خوفها بدل أن تطمئنها، فاكتفى بالنظر إلى الملف قبل أن يقول بهدوء:«منذ أكثر من ستة أشهر، لكن معرفتي بك في البداية لم تكن كما تتصورين.»ضحكت بمرارة وهي ته
لم تستطع أن تحدد اللحظة التي تحول فيها الزواج الذي وافقت عليه بكامل إرادتها إلى شيء يشبه الصفقة التي لا تعرف شروطها كاملة، فكل ما حدث منذ أن وضعت توقيعها على الأوراق كان أسرع من قدرتها على التفكير، وحتى الرجل الذي أصبح زوجها رسميًا لم يمنحها فرصة كافية لتفهمه، كان حاضرًا أمامها بجسده وصوته الهادئ ونظرته التي لا تسمح لأحد بمعرفة ما يدور خلفها، لكنه في الوقت نفسه بدا بعيدًا بطريقة جعلتها تشعر أنها تزوجت رجلًا تعرف اسمه فقط، بينما بقية حياته تقف خلف أبواب مغلقة لا تملك مفاتيحها.جلست في المقعد الخلفي للسيارة وهي تنظر من النافذة، تراقب أضواء المدينة وهي تنسحب خلفها واحدة تلو الأخرى، بينما جلس زوجها إلى جانبها منشغلًا بهاتفه منذ أن تحركت السيارة، ولم يكن صمته عاديًا؛ كان صمت رجل اعتاد أن ينتظر الآخرون كلمته، لا أن يطالبوه بتفسير.حاولت تجاهل الأمر لدقائق، لكنها في النهاية التفتت إليه.«إلى أين نحن ذاهبان؟»رفع عينيه عن الهاتف ببطء، وكأن السؤال لم يفاجئه.«إلى المنزل.»كادت تضحك من شدة برودة الإجابة.«أعرف أننا لن نقضي ليلة زواجنا داخل السيارة، أنا أسألك أين منزلك.»أغلق الهاتف ووضعه جانبًا







