LOGINبقيت لارا تحدق في الرسالة الأخيرة على شاشة الهاتف الصغير، بينما كانت كلماتها تضغط على أكثر نقطة لم تعد قادرة على تجاهلها؛ فالشخص المجهول لم يعد يكتفي بإرسال صور من الماضي أو التلاعب بأسرار والدها، بل أصبح يملك المفتاح المعدني الذي احتفظ به داميان، ويعرف أن القطعة المكملة له كانت مخفية داخل عقد والدتها، والأخطر من ذلك أنه يعرف شيئًا عن السنوات التي تلت موت أبيها، وهي السنوات نفسها التي تجنبت إيلينا الحديث عنها قبل دقائق.
مد داميان يده وأخذ الهاتف قبل أن تلمسه لارا، ثم تفحصه سريعًا وقال: «لن تذهبي إلى أي مكان وحدك.» رفعت عينيها إليه، ولم تجد في وجهه الغضب الذي اعتادت رؤيته عندما يفقد السيطرة على موقف ما، بل برودة أكثر خطورة، فقالت: «وأنت تعتقد أنني سأجلس هنا بعدما أخبرني أن لديه جوابًا عن أمي؟» «أعتقد أنه يعرف بالضبط أي جواب سيجعلك تفعلين ما يريده.» اقتربت إيلينا منهما، لكن لارا التفتت إليها فورًا وقالت: «إذن وفري عليّ الذهاب إليه وأخبريني أنتِ، ماذا حدث لأمي بعد تلك الليلة؟» توقفت إيلينا، ونظرت إلى فيكتور قبل أن تعيد عينيها إلى لارا، ثم قالت بصوت أثقل من السابق: «بعد موت أبيك اختفت أمك لأسابيع، ولم يعرف مكانها إلا عدد قليل جدًا من الأشخاص، وكنت واحدة منهم.» «أين كانت؟» «في منزل خارج المدينة كنت أملكه باسم مختلف، وكانت خائفة من العودة إليك لأن الذين بحثوا عن المستندات كانوا يراقبون كل شخص قريب من عائلتك، وكانت مقتنعة أن ظهورها بجانبك سيقودهم إليك.» شعرت لارا بألم حاد وهي تتخيل أمها حية في ذلك الوقت، قريبة منها بما يكفي للعودة، لكنها مجبرة على الاختباء، ثم سألت: «وبعد الأسابيع؟» تغير وجه إيلينا. «اختفت من المنزل.» «كيف؟» «خرجت قبل الفجر ولم تعد، وتركت لي رسالة واحدة تطلب مني ألا أبحث عنها وألا أخبر أحدًا أنها كانت حية بعد الحادث.» حدقت بها لارا طويلًا. «وأنتِ نفذتِ طلبها خمسة عشر عامًا؟» «بحثت عنها رغم طلبها، لكنني لم أجدها.» «هل وجدتِ جثتها؟» هزت إيلينا رأسها. توقف كل شيء داخل لارا عند تلك الإجابة، ثم خرج سؤالها بصوت خافت: «إذن أنتِ لا تعرفين إن كانت ماتت.» «لا.» كانت كلمة واحدة، لكنها أعادت فتح باب ظنت لارا أنه أُغلق منذ سنوات، إلا أن داميان قطع الصمت عندما وضع الهاتف فوق المكتب وقال: «وهذا بالضبط ما يستخدمه الشخص الذي يرسل الرسائل الآن؛ هو يعرف أنك لا تملكين نهاية لقصة أمك، ولذلك يريدك أن تتبعيه.» وقبل أن تجيبه، أضاء الهاتف الصغير من جديد. وصل موقع هذه المرة. مكان يبعد أقل من ساعة عن القصر، ومعه رسالة قصيرة: «منتصف الليل. لارا وحدها. أحضري القطعة التي كانت داخل العقد، وخذي المفتاح والحقيقة.» قال داميان فورًا: «لن يحصل عليها.» رفعت لارا القطعة الصغيرة التي أعادها إليها بعد فحصها. «وإذا كانت هذه فرصتي الوحيدة لمعرفة ما حدث لأمي؟» اقترب منها حتى أصبح صوته منخفضًا لا يسمعه سواها تقريبًا. «الرجل الذي هاجم بيتي، واخترق نظامي، ووضع شخصًا داخله وسرق المفتاح من مكتبي لا يعرض عليك صفقة، هو يستدرجك.» «وأنا أعرف ذلك.» تغيرت نظرته. أكملت: «لكن معرفتي بأنه فخ لا تعني أن نهرب منه، بل تعني أن ندخل ونحن مستعدين.» لم يتوقع جوابها، وظهر ذلك للحظة في عينيه، قبل أن يقول: «قلت وحدك.» «هو قال وحدي، مو معناها لازم أكون وحدي فعلًا.» للمرة الأولى منذ بداية الليلة ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه داميان، لكنها لم تحمل أي مرح. «بدأتِ تتعلمين بسرعة.» قبل منتصف الليل بقليل، توقفت سيارة لارا أمام مستودع قديم في منطقة صناعية مهجورة، ولم يكن معها داخل السيارة أحد، تمامًا كما طُلب منها، إلا أنها كانت تعرف أن داميان ورجاله منتشرون بعيدًا عن المكان، وأن جهازًا صغيرًا أخفاه في ملابسها ينقل إليه صوتها وموقعها. وقبل نزولها أمسك داميان بيدها من السيارة الأخرى التي توقفت للحظات بجانبها بعيدًا عن المستودع، وقال: «إذا شعرتِ أن شيئًا تغير عن الخطة، تخرجين فورًا.» نظرت إلى يده الممسكة بها ثم إلى وجهه. «أنت خائف عليّ.» لم ينكر هذه المرة. «نعم.» كانت الإجابة أقصر من أن تكون اعترافًا، لكنها أصابتها بقوة أكبر من كلمات كثيرة قالها منذ زواجهما، فحررت يدها ببطء وقالت: «إذن تأكد أنني أخرج من هناك.» دخلت المستودع وحدها. كان المكان شبه مظلم، وفي منتصفه طاولة معدنية وُضع فوقها المفتاح القديم. تقدمت نحوه بحذر. «أنا هنا.» جاءها صوت من مكبر مخفي: «ضعي القطعة على الطاولة.» أخرجتها لارا، لكنها لم تضعها. «أمي أولًا.» ساد الصمت، ثم اشتعلت شاشة صغيرة في الطرف الآخر من المستودع. ظهر تسجيل قديم مهتز. امرأة تدخل غرفة ضيقة، تلتفت للحظة نحو الكاميرا، ثم تختفي خلف باب. شهقت لارا. رغم رداءة الصورة، عرفت الوجه. والدتها. ظهر تاريخ أسفل التسجيل. تاريخ يعود إلى ثلاثة أشهر بعد موت والدها. تراجعت لارا خطوة، وقد اختفى كل شيء من حولها للحظة. أمها كانت حية بعد اختفائها من منزل إيلينا. قال الصوت: «الآن القطعة.» لكن لارا لم تتحرك. وفجأة انطفأت الشاشة، وتبعها صوت ارتطام قوي خلفها. التفتت. أُغلق باب المستودع. وفي سماعة الاتصال المخفية وصلها صوت داميان متقطعًا: «لارا… اخرجي الآن، هناك شيء غلط—» انقطع الاتصال. ثم أضاءت المصابيح واحدًا بعد الآخر. لم يكن المستودع فارغًا كما اعتقدت. كان رجل يقف في نهاية المكان، ووجهه مخفي في الظلام، لكنه لم ينظر إلى القطعة الموجودة في يدها. كان ينظر إليها. قال بهدوء: «احتفظي بها. لم أحضرك من أجل المفتاح.» تراجعت لارا ببطء. «إذن لماذا أنا هنا؟» خرج الرجل خطوة إلى الضوء، لكنه توقف قبل أن تظهر ملامحه كاملة، ثم وضع أمامها صورة حديثة، وليست صورة عمرها خمسة عشر عامًا. نظرت لارا إليها. وتجمد جسدها. كانت الصورة لامرأة تدخل سيارة في مكان لم تعرفه، لكن الوجه كان واضحًا بما يكفي ليجعل أصابعها ترتجف. رفع الرجل عينيه إليها وقال: «لأن أمك لم تمت يا لارا.» ثم دفع الصورة نحوها أكثر. «وأنا أعرف أين هي الآن.»بقيت لارا تحدق في الرسالة الأخيرة على شاشة الهاتف الصغير، بينما كانت كلماتها تضغط على أكثر نقطة لم تعد قادرة على تجاهلها؛ فالشخص المجهول لم يعد يكتفي بإرسال صور من الماضي أو التلاعب بأسرار والدها، بل أصبح يملك المفتاح المعدني الذي احتفظ به داميان، ويعرف أن القطعة المكملة له كانت مخفية داخل عقد والدتها، والأخطر من ذلك أنه يعرف شيئًا عن السنوات التي تلت موت أبيها، وهي السنوات نفسها التي تجنبت إيلينا الحديث عنها قبل دقائق.مد داميان يده وأخذ الهاتف قبل أن تلمسه لارا، ثم تفحصه سريعًا وقال: «لن تذهبي إلى أي مكان وحدك.»رفعت عينيها إليه، ولم تجد في وجهه الغضب الذي اعتادت رؤيته عندما يفقد السيطرة على موقف ما، بل برودة أكثر خطورة، فقالت: «وأنت تعتقد أنني سأجلس هنا بعدما أخبرني أن لديه جوابًا عن أمي؟»«أعتقد أنه يعرف بالضبط أي جواب سيجعلك تفعلين ما يريده.»اقتربت إيلينا منهما، لكن لارا التفتت إليها فورًا وقالت: «إذن وفري عليّ الذهاب إليه وأخبريني أنتِ، ماذا حدث لأمي بعد تلك الليلة؟»توقفت إيلينا، ونظرت إلى فيكتور قبل أن تعيد عينيها إلى لارا، ثم قالت بصوت أثقل من السابق: «بعد موت أبيك اختفت أمك
لم يحتج داميان إلى أكثر من ثانية حتى يتحرك، فما إن ظهرت إيلينا على شاشة المراقبة واقفة عند أحد مخارج القصر رغم أمر الإغلاق حتى مد يده إلى جهاز الاتصال وأصدر أمرًا حاسمًا بعدم السماح لها بالمغادرة، ثم اتجه نحو الباب المعدني، إلا أن لارا لحقت به قبل أن يفتحه وقالت إن بقاءها داخل الغرفة لم يعد خيارًا، خصوصًا بعدما عرفت أن عمته كانت تعرف والدتها، وأنها قد تكون الشخص الوحيد القادر على تفسير سبب خوفها عندما رأت العقد ذي الحجر الأسود حول عنقها ليلة الزواج.نظر داميان إليها للحظة وكأنه يفكر في الاعتراض، لكنه أدرك أن إبعادها الآن سيعيدهما إلى المواجهة نفسها التي انتهيا منها قبل دقائق، فاكتفى بقوله: «ستبقين بجانبي مهما حدث»، ولم تجادله لارا، ليس لأنها أصبحت مستعدة لتنفيذ أوامره، بل لأنها أرادت الوصول إلى إيلينا قبل أن تختفي ومعها جزء آخر من الحقيقة.خرج الثلاثة من الغرفة المحصنة، وكان فيكتور يسير خلفهما تحت مراقبة اثنين من رجال الأمن، بينما امتلأت ممرات القصر بالحراس، وعندما وصلوا إلى المدخل الجانبي وجدوا إيلينا واقفة أمام الباب المغلق وحقيبتها في يدها، وفي مواجهتها رجلان يمنعانها من المغادرة.
بقيت كلمات الرجل المسن معلقة خلف الباب المعدني كأنها أوقفت كل شيء داخل الغرفة، فلم تعد لارا تسمع أصوات أجهزة الاتصال ولا حركة الحراس التي تظهر على الشاشات، وكل ما بقي في رأسها هو اعترافه بأنه الرجل الثالث الموجود في الصورة، ذلك الوجه الذي تعمد شخص ما إخفاءه، والرجل الذي كان مع والدها ووالد داميان في الليلة التي سبقت الموت الذي عاشت خمسة عشر عامًا وهي تظنه مجرد حادث.التفتت إلى داميان، فوجدته يحدق في شاشة الكاميرا بملامح متصلبة، ثم قال للرجل عبر جهاز الاتصال: «ابتعد عن الباب وارفع يديك حيث أستطيع رؤيتهما»، فنفذ الرجل الأمر دون اعتراض، وبعد لحظات فتح داميان الباب بحذر وأدخله قبل أن يعيد إغلاقه، بينما بقيت لارا في مكانها تراقب وجهه محاولة أن تتذكر إن كانت قد رأته منذ دخولها القصر، إلا أنها لم تستطع.كان الرجل في أواخر الستينات، ويداه ترتجفان قليلًا رغم محاولته إخفاء ذلك، وعندما وقعت عيناه على لارا تغيرت ملامحه بصورة أربكتها، ثم قال بصوت خافت: «تشبهين أمك أكثر مما توقعت.»توقفت أنفاسها للحظة، فقد كانت تنتظر أن يتحدث عن والدها، لا عن أمها، فتقدمت نحوه وسألته مباشرة: «كنت تعرف أمي أيضًا؟»ن
لم تكن إجابته بحاجة إلى تفسير إضافي حتى تدرك أن حياتها، منذ اللحظة التي دخل فيها هذا الرجل إليها، كانت تسير فوق حقيقة أخفاها عنها عمدًا، فقد بقيت واقفة أمام الممر السري وهي تنظر إليه كأنها تراه للمرة الأولى، بينما كانت أصوات الحركة المضطربة في أرجاء القصر تصل إليهما مكتومة خلف الجدران، والهاتف في يدها ما يزال يحمل الصورة التي التقطها شخص مجهول لهما قبل لحظات قليلة، إلا أن كل ذلك لم يعد أكثر ما يخيفها، لأن الجملة التي اعترف بها للتو كانت أقسى من صوت الهجوم نفسه؛ لقد كان يعرف أن هناك شيئًا غير طبيعي يتعلق بموت والدها قبل أن يقرر الزواج منها، ومع ذلك اقترب منها ورتب لقاءهما وتركها تدخل زواجًا لم تكن تعرف أن جذوره تمتد إلى ماضٍ دفنته عائلتها منذ سنوات.حاول أن يمد يده نحوها عندما لمح التغير الذي طرأ على وجهها، لكنها ابتعدت عنه وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا رغم الفوضى التي كانت تعصف داخلها: «إذا طلبت مني الآن أن أثق بك وأدخل هذا الممر من دون أن تعطيني جوابًا واحدًا حقيقيًا، فأنا لن أفعل، لأنني منذ دخلت هذا البيت وأنا أسمع منك أن الوقت غير مناسب، وأن معرفتي بالحقيقة ستعرضني للخطر، لكنني
لم تعرف كم مضى من الوقت وهي واقفة أمامه والملف الأسود بين يديها، تحدق مرة في صورتها القديمة ومرة في التاريخ المكتوب أعلى الصفحة، ثم تعود بعينيها إلى الرجل الذي أصبح زوجها قبل ساعات قليلة فقط، فقد كانت تحاول أن تجد تفسيرًا واحدًا يجعل ما اكتشفته طبيعيًا، لكن كل الاحتمالات التي مرت في ذهنها كانت تقودها إلى الحقيقة نفسها؛ لقاؤهما لم يكن مصادفة كما اعتقدت، ووجوده في حياتها لم يبدأ يوم رأته للمرة الأولى، بل بدأ قبل ذلك بأشهر طويلة، عندما كانت هي تعيش حياتها بصورة طبيعية بينما كان رجل لا تعرف عنه شيئًا يجمع معلوماتها ويحتفظ بصورتها داخل ملف يحمل توقيعه.رفعت الملف أمامه، وبالرغم من محاولتها السيطرة على صوتها، خرج سؤالها ممتزجًا بالغضب والصدمة.«أنت قلت إنك تعرفني من قبل أن ألتقي بك، لكنني أريد جوابًا واضحًا هذه المرة؛ منذ متى بالضبط وأنت تعرف بوجودي؟»لم يحاول الإنكار، ولم يقترب منها أيضًا، وكأنه أدرك أخيرًا أن أي حركة يقوم بها الآن قد تزيد خوفها بدل أن تطمئنها، فاكتفى بالنظر إلى الملف قبل أن يقول بهدوء:«منذ أكثر من ستة أشهر، لكن معرفتي بك في البداية لم تكن كما تتصورين.»ضحكت بمرارة وهي ته
لم تستطع أن تحدد اللحظة التي تحول فيها الزواج الذي وافقت عليه بكامل إرادتها إلى شيء يشبه الصفقة التي لا تعرف شروطها كاملة، فكل ما حدث منذ أن وضعت توقيعها على الأوراق كان أسرع من قدرتها على التفكير، وحتى الرجل الذي أصبح زوجها رسميًا لم يمنحها فرصة كافية لتفهمه، كان حاضرًا أمامها بجسده وصوته الهادئ ونظرته التي لا تسمح لأحد بمعرفة ما يدور خلفها، لكنه في الوقت نفسه بدا بعيدًا بطريقة جعلتها تشعر أنها تزوجت رجلًا تعرف اسمه فقط، بينما بقية حياته تقف خلف أبواب مغلقة لا تملك مفاتيحها.جلست في المقعد الخلفي للسيارة وهي تنظر من النافذة، تراقب أضواء المدينة وهي تنسحب خلفها واحدة تلو الأخرى، بينما جلس زوجها إلى جانبها منشغلًا بهاتفه منذ أن تحركت السيارة، ولم يكن صمته عاديًا؛ كان صمت رجل اعتاد أن ينتظر الآخرون كلمته، لا أن يطالبوه بتفسير.حاولت تجاهل الأمر لدقائق، لكنها في النهاية التفتت إليه.«إلى أين نحن ذاهبان؟»رفع عينيه عن الهاتف ببطء، وكأن السؤال لم يفاجئه.«إلى المنزل.»كادت تضحك من شدة برودة الإجابة.«أعرف أننا لن نقضي ليلة زواجنا داخل السيارة، أنا أسألك أين منزلك.»أغلق الهاتف ووضعه جانبًا







