LOGINمرت الأسابيع متتالية على لقائهما الأول قرب بوابة الجامعة، وتحولت تلك المصادفة البسيطة تحت قطرات المطر المتساقطة إلى تفاصيل يومية دافئة لا يمكن لأي منهما الاستغناء عنها. لم تكن العلاقة بين كريم وليان تتطور بسرعة عابرة أو متسرعة، بل كانت تنمو بهدوء شديد يشبه انسياب المياه الدافئة بين الصخور، تزداد عمقاً وثباتاً مع كل لحظة يتقاسمانها معاً.
كان كريم ينظر إلى ساعته كل صباح بفارغ الصبر، يحسب الدقائق والساعات الباقية حتى تنتهي محاضرته الأولى، ليخرج مسرعاً باتجاه الساحة المفتوحة قرب مبنى الآداب. هناك، عند أحد المقاعد الخشبية المحاطة بأشجار ورد الجوري الأحمر، كانت ليان تجلس وفي يدها دفترها الصغير، تقرأ بتمعن وتبتسم بعفوية ما إن تلمح نظارته الطبية التي كانت تلمع تحت أشعة الشمس الدافئة، فيقفز قلبه فرحاً لمجرد رؤية تلك الابتسامة. وفي أحد أيام شهر تشرين الثاني الباردة، اتفقا على الخروج إلى الحديقة العامة القريبة من بحيرة المدينة، بعيداً قليلاً عن ضوضاء الجامعة وزحام الطلاب. كان الهواء ينقل رائحة الأوراق الجافة والمبتلة، وكريم يسير ببطء متعمداً أن يطيل طريق السير كي تبقى بجانبه لأطول وقت ممكن. وللمرة الأولى منذ أن عرفها، مد يده ببطء وثبات ليمسك بيد ليان الرقيقة. لم تسحب يدها، بل ضغطت على أصابعه بنعومة ودفء، ورفعت عينيها الواسعتين لتنظر إلى وجهه بابتسامة خجولة جعلت حمرة خفيفة تظهر على خديها الناعمين، لتعلن تلك اللمسة البسيطة عن بداية فصل جديد أكثر قرباً ورومانسية بينهما. انتقلا بخطوات هادئة ونظرات مليئة بالحنية حتى جلسا على مقعد خشبي يطل مباشرة على المياه الساكنة في البحيرة. وبدأت ليان تتحدث بعفوية ورقة عن طفولتها، وعن والدها الذي كان يعلمها حب الكتب والشغف بالقراءة، وعن حلمها البسيط في بناء بيت هادئ يملؤه الحب ولا يدخله الخوف أو التوتر. كان كريم يستمع إليها بإنصات شديد دون أن يقاطعها، وينظر إلى تفاصيل وجهها وهي تتحدث، فيشعر لأول مرة أن قلبه يهدأ تماماً من الأفكار السوداء والهموم التي كانت تطارده لسنوات طويلة. وعند نهاية حديثها، أخرج كريم من جيبه علبة صغيرة من حلوى الشوكولاتة المفضلة لديها، ووضعها في يدها بلطف. ضحكت ليان بصوت ناعم أذاب قلبه وقال: ـ كيف عرفت أنني أحب هذا النوع تحديداً؟ رد كريم وهو يضبط نظارته على عينيه بنبرة دافئة يملؤها الشوق والإعجاب: ـ ألاحظ كل التفاصيل التي تخصك يا ليان.. حتى طريقة ربطك لشعرك، وحركة يدك الرقيقة عندما تفكرين، وابتسامتك التي تغير شكل يومي بالكامل. مرت الأيام وانقضت أشهر الدراسة الأولى وهما لا يفترقان لحظة واحدة؛ يتقاسمان كل شيء بصباحاته ومساءاته. تنقلا معاً من المقهى الصغير القريب من الجامعة، إلى السير الهادئ في الشارع المبتل بعد المحاضرات المسائية تحت ضوء المصابيح دافئة اللون، مروراً بلحظات الدراسة المشتركة في المكتبة؛ حيث كانت تضع يدها الناعمة فوق يده لتهدئ من توتره وقلقه قبل الامتحانات، فيسري الأمان في جسده فوراً. بدأ الجميع في الكلية يلاحظون هذا التعلق الكبير والانسجام الواضح بينهما. كانت ليان تراه السند والشخص الذي يمنحها الأمان والراحة في هذه المدينة الغريبة، بينما كان كريم يرى فيها طوق النجاة الوحيد ونوره الخاص الذي يسحبه بعيداً عن القاع والمستنقع القديم الذي كان يغرق فيه مع طارق ورفاق الماضي. وفي إحدى الليالي الهادئة، وبينما كانا يقفان قرب محطة الحافلات في انتظار حافلتها العائدة للبيت، كان البرد خفيفاً والهدوء يلف المكان. نظرت ليان في عينيه العسليتين بنظرة مليئة بالحب، وقالت بصوت خفيض ملأه الصدق والحنان: ـ كريم.. أنا أثق بك أكثر من أي شخص آخر في هذا العالم، أعلم ما مرت عليك من أيام صعبة ومؤلمة، لكنني أرى فيك رقة وطيبة نادرة لا يراها أحد غيري، ولا يملكها أحد في الدنيا غيرك. كلماتها تلك لم تلمس سمعه فقط، بل زرعت في أعمق نقطة في صدره خفقة عميقة هزت كيانه، وجعلته يقسم في سره أن يحمي هذه الفتاة ويمسح أي حزن من عينيها، وأن يغير حياته بالكامل من أجلها لتظل هذه اللحظات الدافئة هي حاضره ومستقبله.بدأ صباح اليوم التالي بشكل طبيعي...خرج كريم من منزله في موعده المعتاد، واتجه إلى المدرسة دون أن يغير شيئاً من روتينه.لم يكن يعرف أن هناك سيارة متوقفة على بعد مسافة من منزله كانت تراقبه منذ لحظة خروجه.جلس أحد رجال حسام خلف المقود، بينما تابع الآخر تحركات كريم من بعيد.لم يكن المطلوب منهما الاقتراب... فقط أن يعرفا أين يذهب، ومن يقابل، ومتى يعود.وصل كريم إلى المدرسة؛ دخل المبنى، وتوجه إلى صفوفه كعادته، وتحدث مع بعض الطلاب، ثم أمضى ساعات الصباح في عمله دون أن يفعل شيئاً يثير الشك.ومن الخارج، بقي الرجلان يتابعانه.مرَّت الساعات، ثم خرج كريم في نهاية الدوام.تبعاه من مسافة مناسبة، لكنه لم يتجه إلى مكان غريب... عاد إلى منزله مباشرة.قال أحد الرجلين عبر الهاتف:ـ عاد إلى المنزل.جاءه صوت حسام:ـ استمروا.ـ لا يوجد شيء غير طبيعي حتى الآن.ـ لا تتوقعوا أن يظهر كل شيء في يوم واحد.انتهت المكالمة.وفي المساء، غادر كريم منزله مرة أخرى... هذه المرة اتجه إلى حانة رنا.لاحظ الرجلان ذلك، فتبادلا نظرة سريعة، ثم تحركا خلفه.دخل كريم الحانة، وكانت رنا خلف المنضدة... وما إن رأته حتى اقتربت منه وقالت
لم يكن حسام يبحث عن اسم جديد في الملفات... كان يبحث عن النمط.منذ فترة طويلة، ظلت كل قضيةٍ مغلقةً تحت عنوانٍ مختلفٍ، وكأن كل حادثةٍ حدثت وحدها... لكن بعد إعادة فتح ملف حريق المزرعة، وبعد ظهور الخاتم والرسالة الغامضة، بدأ يشعر أن هناك أجزاءً مفقودةً من قصةٍ أكبر.جلس أمام مكتبه، ووضع الملفات الأربعة أمامه: سلمى، مريم، نور ومي، ثم الملف القديم الخاص بليان وطارق.لم يبدأ بالأسماء، بل بدأ بالتفاصيل؛ راجع التواريخ، الأماكن، والأشخاص الذين ظهروا حول الضحايا قبل اختفائهم.ومع مرور الوقت، بدأ يلاحظ شيئاً غريباً... لم يكن هناك أي دليلٍ على وجود جهةٍ خارجيةٍ تتحرك بشكلٍ عشوائيٍ؛ لا رسائل مجهولة متكررة، لا طلبات، ولا نمط يدل على شخصٍ يختار ضحاياه من بعيدٍ.على العكس... كل من اختفى كان حوله شخصٌ يعرفه جيداً، شخصٌ يثق به، شخصٌ يستطيع الاقتراب منه دون أن يثير الشك.توقف حسام عند هذه النقطة، وكتب في دفتره:"ليس شخصاً يبحث عن ضحية عشوائية... بل شخصٌ يعرفهم مسبقاً"ظل ينظر إلى الجملة؛ كانت هذه المعلومة تغير طريقة التحقيق بالكامل، لأن السؤال لم يعد: من يستطيع الوصول إليهم؟، بل: من كان قريباً منهم بما
لم يخرج ملف حريق المزرعة من ذهن حسام منذ الليلة التي وصل فيها الخاتم.كان التقرير الرسمي واضحاً؛ ماس كهربائي تسبب في الحريق، ثم أُغلقت القضية... لكن الرسالة التي وصلته جعلته يشك في كل شيء.لذلك قرر إعادة فتح الملف بشكل سري، دون إبلاغ بقية المحققين.أخرج النسخة القديمة من الأرشيف، وبدأ يراجع تفاصيلها من جديد؛ كان التقرير مختصراً بشكل غريب، وبعض النقاط المهمة لم تكن موضحة كما ينبغي.بحث حسام عن اسم خبير الإطفاء الذي أعد التقرير، حتى تمكن من الوصول إليه... كان يدعى "إلياس فولت"جلس إلياس أمام حسام في مكان هادئ، وبدا عليه الهدوء أكثر من القلق.وضع حسام نسخة من التقرير أمامه وسأله:ـ أنت من كتب هذا التقرير؟نظر إلياس إلى الورقة وأومأ:ـ نعم.ـ وذكرت أن سبب الحريق ماس كهربائي.ـ نعم هذا ما تم اعتماده.توقف حسام قليلاً:ـ هل كنت متأكداً من ذلك؟تنهد إلياس:ـ عندما وصلت إلى المزرعة، كان الحريق قد دمر جزءاً كبيراً من المكان... لم تكن الأدلة كافية للجزم بكل التفاصيل.رفع حسام حاجبه:ـ ومع ذلك أُغلق الملف.أومأ إلياس ببطء:ـ نعم.ـ لماذا؟صمت الرجل لحظة، ثم قال:ـ لأنني تلقيت أوامر بإغلاق التقري
أشرقت شمس المدينة بعد أسابيع طويلة من الإشاعات، وعادت الحركة إلى الشوارع شيئاً فشيئاً.وفي المدرسة الثانوية، بدا كل شيء طبيعياً من جديد.دخل الأستاذ كريم إلى المبنى بخطوات ثابتة، مرتدياً مظهره المعتاد؛ ملابس أنيقة، ابتسامة هادئة، ونظرات توحي بالثقة والاتزان.كان من السهل على أي شخص أن يراه في تلك اللحظة ويظن أن كل شيء عاد إلى مكانه.لكن خلف ذلك الهدوء، كان كريم يشعر بشيء مختلف.كان يعتقد أن العاصفة مرت، وأن ما حدث خلال الأسابيع الماضية أصبح مجرد صفحة يمكن طيها.حتى رنا شريكته بدأت تستعيد هدوءها، وكأنهما نجحا أخيراً في إبعاد الشكوك عنهما.لم يعرف أيٌّ منهما أن الماضي، الذي ظنّا أنه دُفن إلى الأبد، بدأ يتحرك من جديد.وفي مكتب المباحث، كان المحقق حسام يعيش يوماً مختلفاً تماماً.جلس أمام مكتبه تحيط به الملفات القديمة والجديدة، يقلب الأوراق واحدة تلو الأخرىمحاولاً العثور على الخيط الذي ظل مفقوداً طوال الفترة الماضية.كانت قضية اختفاء الفتيات تشغل تفكيره باستمرار، وكلما ظن أنه اقترب من الحقيقة، ظهرت أمامه علامة جديدة تدفعه إلى الخلف.وبينما كان يراجع أحد الملفات، طرق الشرطي الباب ودخل، ثم و
مرّت أيام قليلة منذ بدأت منشورات مريم تنتشر في المدينة.ومع أن كثيرين صدّقوا ما كتبته، وبدأت الأنظار تتجه نحوها، إلا أن قضية قديمة بقيت حاضرة في أذهان الجميع.نور ومي.الاسمان اللذان لم يتوقف الناس عن الحديث عنهما.فتاتان اختفتا منذ وقت طويل، ولم يعرف أحد حتى الآن ما الذي حدث لهما.ومع كل قصة جديدة تظهر، كان السؤال نفسه يعود من جديد.أين ذهبت نور ومي؟وهل كان اختفاؤهما مجرد حادثة قديمة انتهت مع مرور الزمن؟أم أن وراءه شيئاً لم تكتشفه الشرطة بعد؟في مكتب التحقيق، كان حسام يجلس أمام مجموعة من الملفات القديمة.فتح أحدها.ثم آخر.حتى وصل إلى الملف الذي أصبح يعرف تفاصيله أكثر مما يتمنى.ملف نور ومي.ظل يحدق في الصور القديمة للحظات.ثم قال لنفسه:ـ لماذا أشعر أن هذه القضية لم تنتهِ بعد؟أغلق الملف، لكنه لم يضعه جانباً.على العكس، حمله معه وغادر المكتب.كان يريد أن يسمع المدينة بنفسه.ليس ما تقوله التقارير...بل ما يقوله الناس والشهود.بدأ حسام جولته في الأحياء القديمة.مرّ بالمحال الصغيرة، وجلس لبعض الوقت في أحد المقاهي، ثم انتقل إلى الشوارع التي كانت نور ومي تترددان عليها وتسكنان فيها قبل
عاد الهدوء إلى المدينة من جديد.وهذا الهدوء جعل كريم يتنفس للمرة الأولى منذ أيام.عادت الطالبات إلى المدرسة.تراجعت الأحاديث في الشوارع.وانشغلت الشرطة بالخيوط التي قادتها إليها القصة الجديدة.كان كل شيء يسير كما أراد.لكن كريم كان يعرف أن شيئاً واحداً لا يزال يقلقه... الماضي.في مساء ذلك اليوم، اجتمع مع رنا في شقتها.كانت الغرفة هادئة، لكن الصناديق المنتشرة على الأرض كسرت ذلك الهدوء.فتح كريم أحدها، فظهرت أمامه ملابس الفتيات المدرسية.تأملها للحظات، ثم أخرج هواتفهم القديمة من الصندوق.قالت رنا:ـ هل هذه كل الأشياء؟أجاب دون أن يرفع عينيه:ـ نعم معظمها.ـ وماذا ستفعل بها؟نظر إليها:ـ أتخلص منها.فهمت رنا ما يقصده.بدأت تجمع المتعلقات القديمة، بينما كان كريم يفتح صندوقاً تلو الآخر.ملابس... هواتف... أغراض شخصية صغيرة.أشياء تبدو عادية لأي شخص، لكنها بالنسبة إليهما كانت آثاراً لا يريدان بقاءها.قالت رنا:ـ يجب ألا يبقى شيء.ـ لن يبقى.وضعت بعض الأغراض جانباً، ثم بدأت بإتلاف ما يمكن إتلافه، بينما تولى كريم التخلص من بقية المتعلقات والملابس بإحراقها.لم يتحدثا كثيراً، كان كل واحد منهما ي







